← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

عبد الله بن رواحة (١)، وقفوا في مقابلة مائتي ألف من المشركين، مائة من الروم، ومائة ألف من المستعربة وهم لخم وجذام (٢) (٣). وقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فيه بيان أنه لا تقع الغلبة إلا أن يريد الله ذلك (٤)؛ لأن معنى الإذن: الإطلاق في الفعل، فما لم يطلق الله لهم الغلبة لم يغلبوا. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، قال ابن عباس: يريد الذين صبروا على دينهم وعلى طاعة الله (٥). والمعنى: ومعونته مع الصابرين، ولكن فخّم بذكر الله تشريفًا له. ٦٧ - قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ الآية، قال عكرمة (٦)، عن ابن عباس: لما أسروا الأسارى يوم بدر قال رسول الله ﷺ

стр. 5637

"ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ "، فقال أبو بكر: هم بنو العم والعشيرة، أرى أن نأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ "ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قال: لا والله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكننا منهم فتمكن عليًا من عقيل (١) حتى يضرب عنقه، وتمكن حمزة (٢) من أخيه العباس حتى يضرب عنقه، وتمكنّي من فلان -نسيب لعمر- فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر حتى يعلم ربنا أنه ليس في قلوبنا للكفار هوادة، قال عمر: فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر (٣).

стр. 5638

قال ابن مسعود: ثم قال رسول الله ﷺ : "أنتم (١) اليوم عالة فلا ينفلتن (٢) أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق" (٣)، وعن عبيدة السلماني (٤) قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه في أسارى بدر: "إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم"، وكانت الأسارى سبعين، فقالوا: بل نأخذ الفداء نستمتع به، ونتقوى به على عدونا، ويستشهد منا بعدتهم (٥).

стр. 5639

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5640

قال عبيدة: طلبوا الخيرتين (١) كلتيهما فقتل منهم يوم أحد (٢)، فعند ابن عباس وجميع المفسرين: نزلت الآية في فداء أسارى بدر، فادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف، فأنزل الله هذه الآية ينكر على نبيه ذلك، يقول: ما كان لنبي أن يحبس كافرًا قدر عليه من عبدة الأوثان للفداء أو للمنّ قبل الإثخان في الأرض، قال قتادة: كان هذا يوم بدر فاداهم رسول الله ﷺ بأربعة آلاف أربعة آلاف، ولعمري ما كان أثخن رسول الله ﷺ يومئذٍ، وكان أول قتال قاتل المشركين (٣). قال صاحب النظم: (كان) يقع في الكلام في أحوال مختلفة: منها أن يكون دلالة على المضي كقولك: كان زيد قائمًا، فمعناه كان فيما مضى. ومنها أن يكون بمعنى وقع وحدث كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].

стр. 5641

وقد يكون ماضيًا وراهنا، مثل قوله في مواضع: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) أي: كان وهو كذلك، ومنه قول الشاعر: له في الذاهبين أروم صدق ... وكان لكل ذي حسب أروم (٢) أي: ولكل ذي (٣) حسب أروم في كل وقت وزمان. ويكون بمعنى الاستقبال كقول عدي (٤): واستيجاب ما كان في غد معناه: ما يكون في غد، وقد يكون زيادة كقوله (٥): وجيران لنا كانوا كرامِ

стр. 5642

ويكون بمعنى صار، كقوله: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] معناه: فصارت، وإذا كان بمعنى صار حسن دخول (كان) عليه، مثل قولك: كان زيد كان مريضا، بمعنى كان صار مريضًا، فالأول للمضي (١)، أي: كان ذلك فيما مضى، والثاني للمصير إليه، فقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ﴾ مثل هذا المعنى، أي: ما كان لنبي أن يصير له أسرى، على النفي والتنزيه، أي ما يجب وما ينبغي أن يستأسر أحدًا، ولكن يقتلهم حتى يثخن في الأرض. قال: وقد قيل: إن معنى (كان) وجب وانبغى، على تأويل: ما انبغى لنبي وما وجب له أن يكون له أسرى. قال أبو عبيد: يقول: لم يكن لنبي ذلك فلا يكن لكم (٢). وقرأ أبو عمرو (٣): (أن تكون) بالتاء (٤)، على لفظ الأسرى؛ لأن الأسرى وإن كان المراد به التذكير والرجال فهو مؤنث اللفظ، ومن قرأ بالياء فلأن الفعل متقدم، والأسرى مذكّرون في المعنى، وقد وقع الفصل بين الفعل والفاعل، وكل واحد من ذلك إذا انفرد يذكر (٥) الفعل معه، مثل:

стр. 5643

جاء الرجال، وحضر قبيلتك، وحضر القاضي امرأةٌ (١)، فإذا اجتمعت هذه الأشياء كان التذكير أولى، والكلام في الأسرى والأسارى قد مضى في سورة البقرة (٢). قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾، قال الفراء: حتى يغلب على كثير من الأرض (٣)، وقال الزجاج: معناه: حتى يبالغ في قتل أعدائه، قال: ويجوز أن يكون: حتى يتمكن في الأرض، والإثخان في كل شيء: قوة الشيء (٤) وشدته، يقال: قد أثخنه (٥) المرض: إذا اشتدت قوقه عليه، وكذلك: أثخنه الجراح، قال أبو عبيدة: حتى يغلب ويبالغ (٦). وروى ثعلب (٧)، عن ابن الأعرابي: أثخن: إذا غلب وقهر (٨).

стр. 5644

قال ابن عباس: حتى يثخن فيهم القتل (١)، وقال مجاهد: الإثخان: القتل (٢)، وقال الكلبي: حتى يغلب في الأرض (٣). وقال أهل المعاني: الإثخان ههنا معناه: تغليظ الحال بكثرة القتل، والثخانة: الغلظ، وكل شيء غليظ فهو ثخين (٤). وقوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ مضى الكلام في العرض عند قوله: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ [الأعراف: ١٦٩]، قال ابن عباس: تريدون الفداء (٥)، ونحو ذلك قال المفسرون (٦)، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾، قال ابن عباس: يريد لكم الجنة (٧)، قال محمد بن إسحاق: أي بقتلهم، لظهور الدين الذي يريد إظهاره، الذي تدرك به الآخرة (٨). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، قال ابن عباس: يريد منيع (٩) قوي حكيم في خلقه (١٠).

стр. 5645

قال أهل التفسير (١): يقول: إن أنتم طلبتم الآخرة لم يغلبكم عدوكم؛ لأن الله ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يقهر ولا يغلب، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبير أمور خلقه. والآية بيان عما يجب أن يجتنب من اتخاذ الأسرى للمن والفداء قبل الإثخان في الأرض بالقتل الذي يدعو إلى الحق، ويصد عن الشرك، مع الإعراض عن العمل للدنيا إلى العمل للآخرة بالباقية، قال الوالبي، عن ابن عباس في هذه الآية قال: ذلك يوم بدر، والمسلمون قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله بعد هذا في الأسارى ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، فجعل الله النبي والمؤمنين بالخيار، إن شاءوا [قتلوهم وإن شاءوا] (٢) استبعدوهم، وإن شاءوا فادوهم (٣). ٦٨ - قوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية، قال عطاء عن ابن عباس: لولا كتاب من الله سبق يا محمد أن الغنائم لك ولأمتك حلال ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٤)، ونحو هذا قال سعيد ابن جبير (٥).

стр. 5646

وقال قتادة: سبق لهم الخير، وأنه سيحل لهم الغنائم (١)، وهذا قول عطية (٢)، والأعمش (٣). ورواية الوالبي وابن (٤) الجوزاء، عن ابن عباس: أن الكتاب الذي سبق هو أن الله كتب أنه يحل الغنيمة وفداء الأسارى لمحمد ولأمته (٥). وقال الحسن: إنهم أخذوا الفداء قبل أن يؤمروا به فعاب الله ذلك عليهم وقال: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ في أنه أطعم هذه الأمة الغنيمة (٦). وقال محمد بن إسحاق: لولا كتاب من الله سبق أني لا أعذب إلا بعد النهي -ولم يكن نهاهم- لعذبتكم فيما صنعتم (٧)، وهو قول ابن مسعود (٨). ونحو هذا قال مجاهد فقال: لولا كتاب من الله سبق، لقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] سبق أن لا يؤاخذ قومًا فعلوا شيئًا بجهالة (٩).

стр. 5647

وقال ابن زيد: سبق من الله العفو عنهم والرحمة لهم (١)، وقال جماعة من المفسرين: سبق أنه لا يعذب أحدًا ممن شهد بدرًا مع النبي ﷺ (٢). وقال أبو علي الفارسي: المراد بقوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ﴾ ما في الآية الأخرى من قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الأنعام: ٥٤] الآية (٣). وقال ابن زيد: لم يكن أحد من المسلمين ممن حضر إلا أحب الغنائم غير عمر جعل لا يلقى أسيرًا إلا ضرب عنقه، وقال: يا رسول الله: مالنا والغنائم، نحن قوم نجاهد في دين الله حتى يعبد الله، فقال رسول الله ﷺ : "لو عذبنا في هذا الأمر ما نجا غيرك" (٤). وقال ابن إسحاق: قال رسول الله ﷺ : "لو نزل عذاب من السماء لم ينج إلا سعد بن معاذ لقوله: يا رسول الله: كان الإثخان في القتل أحب إليّ من استبقاء الرجال" (٥).

стр. 5648

وروى عطاء، عن ابن عباس [و] (١) قال (٢): قال رسول الله ﷺ : "لو نزل عذاب ما سلم منه إلا عمر، ولو بعث بعدي نبي لبعث عمر" (٣)؛ لأنه أشار على النبي ﷺ أن يقتل الأسارى (٤). ٦٩ - قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، قال المفسرون: لما نزل قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية، أمسكوا عن مد أيديهم إلى شيء من الغنائم فنزل: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ (٥)، قال الزجاج: ودخلت الفاء على تقدير: قد أحللت لكم الغنائم فكلوا، قال: و ﴿حَلَالًا﴾ منصوب على الحال (٦). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، قال ابن عباس: يريد: غفر لكم ما أخذتم من الفداء ورحمكم لأنكم أولياؤه (٧).

стр. 5649

وقال رسول الله ﷺ : "لم تحل الغنائم لمن كان قبلنا ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا" (١). ٧٠ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾، قال المفسرون يعني أسرى المشركين الذين أخذ منهم الفداء ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾: إسلامًا (٢). قال الزجاج: إرادة للإيمان (٣)، قال أهل المعاني: معنى الخير ههنا: البصيرة في فى دين الله، وحسن النية في أمر الله (٤)، ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ من الفدية. قال أبو إسحاق: فجائز أن يكون: يجازيكم في الآخرة، وجائز أن يكون: يخلف عليكم في الدنيا (٥)، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي: ما كان من كفركم به، وقتالكم رسوله. قال ابن عباس وغيره: نزلت هذه الآية في العباس، كان أحد العشرة (٦) الذين ضمنوا طعام أهل بدر، وكان خرج بعشرين

стр. 5650

أوقية (١) من ذهب ليطعم به الناس، فأخذت منه في العرب، ولم تحسب من فدائه، وكلف فداء بني أخيه عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، فقال العباس: يا محمد تركتني أتكفف قريشًا ما بقيت؛ فأنزل الله هذه الآية، فقال العباس -بعدما أسلم-: فأبدلني الله عشرين عبدًا أدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان العشرين أوقية، وأعطاني زمزم، ومما أحب أن لي بها جميع أموال أهل (٢) مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي (٣). ٧١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾، قال المفسرون: نزلت في العباس وأصحابه من الأسارى (٤).

стр. 5651

قال ابن عباس: إنهم قالوا للنبي ﷺ آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله لننصحن لك على قومنا (١)، يقول الله تعالى: إن خانوك في هذا وكان قولهم خيانة. وقال ابن جريج: أراد بالخيانة هاهنا: الخيانة في الدين وهو الكفر (٢)، يعني إن كفروا بك فقد خانوا الله من قبل أن كفروا بالله: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ ببدر، وهذا تهديد لهم إن عادوا إلى القتال، وأرادوا الخيانة لرسول الله ﷺ وقال الحسن: وإن يريدوا خيانتك مرة أخرى فيرجعوا إلى الكفر بعد ما مننت عليهم، ويخونوك بالقتال معك (٣)، والعون عليك: ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ وقاتلوك ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ فإن رجعوا مرة أخرى أمكنك المرة الأولى (٤). وقال ابن كيسان: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ يعني: نكث ما أعطوا من أنفسهم لئلا يقاتلوك ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ فأعطوا العهود فيما كان ينزل بهم من البلاء، ويسألونه الرزق، ويقولون: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾ [يونس: ٢٢] و ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٨٩] فامكن منهم (٥)، وهذا القول يدل على أن أولئك الأسارى عاهدوا أن لا يقاتلوه.

стр. 5652

وقال تعالى: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ قال الأزهري: يقال: أمكنني الأمر يمكنني (١) فهو ممكن، ولا يقال: أنا أُمكنه، بمعنى أستطيعه، يقال: لا يمكنك الصعود إلى الجبل، ولا يقال: أنت تمكن الصعود إلى الجبل (٢). ومفعول الإمكان محذوف على معنى: فأمكن المؤمنين منهم، أو فأمكنك منهم. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بخيانةٍ إن خانوها، حكيم في تدبيره عليهم، ومجازاته إياهم، قاله أبو إسحاق (٣). ٧٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني المهاجرين الذين هجروا قومهم وديارهم إلى المدينة في نصرة الدين، ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ يعني الأنصار أسكنوا المهاجرين (٤) ديارهم ونصروهم على أعدائهم ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، قال ابن عباس والمفسرون كلهم: يعني في الميراث، جعل الله تعالى الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام (٥)، وكانوا يتوارثون في الهجرة والنصرة، وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر، ولم ينصر، وهو

стр. 5653

قوله (١): ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾، وقال قتادة: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة والإسلام (٢)، وكان الرجل يسلم ولا يهاجر فلا يرث أخاه (٣)، وهذا قول مجاهد (٤)، والحسن (٥)، والكلبي (٦)، والسدي (٧). وقرئ قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ﴾ بكسر الواو وفتحه (٨)، قال الزجاج: من فتح (٩) جعلها من النصرة والنسب، قال: والولاية التي بمنزلة الإمارة مكسورة؛ ليفصل بين المعنيين، وقد يجوز كسر (الولاية)؛ لأن في تولي بعض القوم بعضًا جنسًا من الصناعة نحو: القِصارة (١٠)، والخياطة،

стр. 5654

فهي مكسورة، قال: والولاية على الإيمان واجب (١)، والمؤمنون بعضهم أولياء بعض، ويقال: وليٌّ بين الولاية، ووال بين الولاية (٢). قال الفراء: وقد سمعنا الفتح في المعنيين جميعًا (٣)، قال أبو علي: الفتح أجود هاهنا؛ لأن الولاية هاهنا من الدين (٤)، والكسر في السلطان، قال أبو الحسن: وكسر الواو لغة في الأخرى (٥). قال ابن عباس والمفسرون: ثم نسخ هذا الحكم بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (٦). قال أبو بكر بن الأنباري: كان الله تعالى تعبدهم في أول الهجرة بأن لا يرث المسلمين (٧) المهاجرين إخوانُهم الذين لم يهاجروا، ولا يرثون هم إخوانهم، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ فصار الثاني هو المعمول به، ورفض الأول.

стр. 5655

وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: إن (١) استنصركم المؤمنون الذين لم يهاجروا فلا تخذلوهم وانصروهم، إلا إن استنصروكم على قوم بينكم وبينهم عهد فلا تغدروا، ولا تنقضوا العهد، وهذا يدل على أن ولاية الإيمان واجبة. وقال بعض المفسرين: لما نزل قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ قام الزبير فقال: هل نعينهم على أمر إن استعانوا بنا؟ فنزل: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ﴾ (٢). قال قتادة: في هذه الآية نُهي المسلمون عن النصر على قوم بينهم ميثاق، فوالله لأخوك المسلم أعظم عليك حرمة (٣) وحقًا (٤). ٧٣ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، قال السدي: قال رجل: نورث ذوي أرحامنا من المشركين، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية (٥)، وقال محمد بن إسحاق: حض الله المؤمنين على التواصل؛ فجعل المهاجرين والأنصار أهل ولايته في الدين دون من سواهم، وجعل الكفار بعضهم أولياء بعض (٦).

стр. 5656

ثم قال: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾، وهو أن يتولى المؤمن الكافر (١) دون المؤمنين، وقال ابن جرير: يقول: إلا تعاونوا وتناصروا في الدين تكن فتنة (٢). فحصل في الكناية في قوله: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ قولان: أحدهما: أن الكناية تعود إلى الموالاة، وذلك أن قوله: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ معناه: بعضهم (٣) يوالي بعضًا، وهذا يدل على المصدر، فكني عنه، كقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] أي: مجيء النذير، وقد مرّ مثل ذلك كثيرًا (٤)، وهذا على قول ابن إسحاق (٥)، ومعنى قول ابن عباس؛ لأنه قال في قوله: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾: إلا تأخذوا في الميراث بما أمرتكم به (٦). قال ابن الأنباري (٧): فتكون الهاء عائدة على التوارث، أي: إن لا تفعلوا التوارث على ما حد الله لكم تكن فتنة في الأرض، وهذا القول كالأول؛ لأن الوراثة كانت بالولاية، فسواء عادت الكناية إلى التوارث، أو إلى الموالاة فالمعنى واحد. وعلى معنى قول ابن جرير تكون الكناية راجعة على التناصر، قال أبو بكر: معناه: إن لا تناصروا ويعن بعضكم بعضًا على أعدائكم يكن ترككم ذلك فتنة وفسادًا، فكنى عنهما لتقدم ما يدل عليهما.

стр. 5657

والقولان في رجوع الكناية ذكرهما الفراء (١)، والزجاج (٢)، ولابد من تقدير تقديم وتأخير في الكلام؛ لأنا إن قلنا: تعود إلى الموالاة فكأن قيل (٣): أولئك بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة، [وإن قلنا] (٤): تعود على (٥) التناصر فكأنه قيل: فعليكم النصر إلا تفعلوه تكن فتنة. ومعنى الفتنة في هذه الآية: الشرك في قول ابن عباس (٦). قال أهل المعاني (٧): وذلك أنه إذا لم يتول المؤمن المؤمن توليًا يدعو غيره ممن لا يكون مؤمنا إلى مثل ذلك لحسن التواد والتعاطف، ولم يتبرأ من الكافر بما يصرفه عن كفره أدى ذلك إلى الضلال، وكذلك في التناصر، وذلك أن المسلمين كانوا قليلًا، ولم يكن مسلم إلّا وله أقارب من الكفار فإذا هجر أقاربه الكفار، ونصر أقاربه المسلمين كان ذلك أدعى إلى الإسلام وترك الكفر لأقاربه الكفار. وقال أهل العلم في قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ هذا دليل على أن الكفار في الموارثة مع اختلاف مللهم كأهل ملة واحدة، هو

стр. 5658

مذهب عامة الفقهاء (١)؛ فالمجوسي يرث الوثني، والنصراني يرث المجوسي؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. ٧٤ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله: ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، قال المفسرون: أولئك الذين [حققوا إيمانهم بما يقتضيه من الهجرة والنصرة، خلاف من أقام بدار الشرك (٢). وقال أهل المعاني: أولئك الذين] (٣) حقق الله إيمانهم بالبشارة التي بشرهم بها في قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [ولم يكن لمن لم يهاجر، ولم ينصر مثل هذا (٤). ومعنى قوله: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾] (٥)، قال ابن عباس: يريد: في الجنة ثواب عظيم (٦). قال أهل المعاني: الرزق الكريم: طعام الجنة لا يستحيل في أجوافهم نجوًا، ولكن يصير كالمسك رشحًا (٧).

стр. 5659

٧٥ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: الذين هاجروا بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية (١) التي فيها الصلح (٢). وقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، قال ابن عباس: يريد: إن أولي الأرحام لم يكونوا يتوارثون، وكان من واخى بينهم رسول الله ﷺ أولى بالميراث، كان إذا أسلم الأخوان فهاجر أحدهما فمات (٣) لم يرثه الذي لم يهاجر، وكان الذي واخى بينهم رسول الله ﷺ أولى بالميراث وإن كان بعيدًا (٤) في النسب حتى فتحت مكة فرد الله المواريث إلى أولي الأرحام فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ يريد: في فرائض الله، هذا كلام ابن عباس (٥). قال أصحابنا (٦): فليس في الآية حجة لمن قال بتوريث العمة والخالة وذوي الأرحام؛ لأن الله تعالى أراد بهذه الآية نقل الموارثة عن الحلف إلى القرابة.

стр. 5660

وهذا إجماع من المفسرين أن قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ نسخ للميراث بالهجرة والحلف (١). ومعنى قوله: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، قال الزجاج: أي في حكم الله كقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] أي: حكم الله (٢)، قال الزجاج: وجائز أن تكون هذه الأشياء (٣) مكتوبة في اللوح المحفوظ، كقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] (٤).

стр. 5661

وذكر أبو علي وجهين آخرين فقال: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي فيما فرض لهم من السهام في المواريث (١)، وذلك في سورة النساء، وذكرنا أن (كتب) بمعنى فرض يأتي في القرآن عند قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وهذا يقوي قول من لا يقول بتوريث ذوي الأرحام (٢)؛ لأنه لم يفرض لهم سهم في الميراث عند ذكر فرض السهام، قال: ويجوز أن يُعْنَى بالكتاب ههنا: التنزيل، أي: هم في فرض كتاب الله أولى بأرحامهم، قال: وأن يحمل الكتاب على المكتتب أولى، وذلك كقوله في سورة الأحزاب [٦]: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ والمسطور إنما يسطر في صحف أو ألواح، فَرَدُّ المطلق منهما إلى هذا المقيد أولى؛ لأنه أمر واحد (٣). وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، قال ابن عباس: يريد: كل شيء خلق، وكل شيء فرض، وكل شيء حد (٤).

стр. 5662

سورة براءة (التوبة)

стр. 5663

تفسير سورة براءة اختلفوا في سبب ترك التسمية في أول هذه السورة، فروي بطرق مختلفة عن ابن عباس أنه قال: "قلت لعثمان بن عفان ﵁ ما حملكم على (١) أن عمدتم (٢) إلى الأنفال وهي من (٣) المثاني، وإلى براءة وهي من (٤) المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم الله ووضعتموها في السبع الطول (٥)؟ فقال: كانت الأنفال مما نزل على النبي ﷺ بالمدينة، وكانت براءة آخر القرآن نزولًا، وكانت قصتهما شبيها بعضها ببعض، وقبض رسول الله ﷺ ولم يتقدم إلينا فيهما (٦) بشيء؛ فلذلك قرنا بينهما ولم نكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، وكانتا تدعيان

стр. 5664

القرينتين فوضعناهما في السبع الطوال" (١). وروي أيضًا عن ابن عباس قال: "سألت علي بن أبي طالب لِمَ لم تكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟، قال: لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان، وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان (٢) (٣)، وبهذا قال سفيان بن عيينة: "التسمية رحمة والرحمة أمان وهذه السورة نزلت [في المشركين] (٤)

стр. 5665

والمنافقين بالسيف ولا أمان لهم" (١)، وبقريب من نحو هذا قال المبرد، وهو أنه قال: لم (٢) تفتتح (٣) هذه السورة ببسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن التسمية افتتاح للخير، وأول براءة وعيد ونقض عهود فلذلك لم تفتتح بالتسمية" (٤)، وسئل أبيّ بن كعب عن هذا فقال: "إنها نزلت في آخر القرآن وكان رسول الله ﷺ يأمر في أول كل سورة ببسم الله الرحمن الرحيم، ولم يأمر في سورة براءة بذلك، فضمت (٥) إلى سورة الأنفال لشبهها بها" (٦). قال الزجاج: "يعني أن أمر العهود مذكور في الأنفال، وهذه نزلت بنقض العهود فكانت ملتبسة بالأنفال بالشبه" (٧)، وكان قتادة يقول: "إنهما سورة واحدة" (٨).

стр. 5666

ونحو هذا روى الزهري عن سعيد بن المسيب (١) . ١ - قوله : ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية، ومعى البراءة في اللغة: انقطاع العصمة، يقال: برئت من فلان أبرأ براءة، أي: انقطعت بيننا العصمة ولم يبق بيننا علقة، ومن هذا يقال: برئت من الدين، وليس فيها إلا لغة واحدة، كسر العين في الماضي، وفتحها في المستقبل، ويقال: بريء إلى فلان من كذا، أي: أخبره أنه (٢) بريء منه. ومعنى ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: براءة الله، فلما نون أدخل "من" كما تقول: هذا فضل الله، ورحمة الله، ثم ينون فتدخل "من"، فتقول: فضل من الله ورحمة منه. قال المفسرون: "أخذت العرب تنقض عهودًا بينهم (٣) وبين

стр. 5667

رسول الله ﷺ فأمره الله تعالى أن ينقض عهودهم وأن ينبذ ذلك إليهم ففعل ما أمر به" (١). قال أبو إسحاق: "أي قد بريء الله ورسوله من إعطائهم العهود والوفاء بها إذ نكثوا" (٢) . والخطاب في ﴿عَاهَدْتُمْ﴾ لأصحاب رسول الله ﷺ [والمتولي للعقد رسول الله ﷺ ] (٣) والمعنى: إلى الذين عاهد (٤)، ولكن أدخلوا في الخطاب لأنهم راضون بفعله، فكأنهم عقدوا وعاهدوا. و ﴿بَرَاءَةٌ﴾ ترتفع على وجهين: أحدهما: على خبر الابتداء، على معنى: هذه الآيات براءة من الله، وعلى الابتداء (٥)، ويكون الخبر: ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾؛ لأن براءة موصولة بـ"من" و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفة لها، والوجهان ذكرهما الزجاج (٦)، واختار الفراء الوجه الأول، ومثله بقولك إذا نظرت إلى رجل: جميلٌ والله، تريد: هذا جميل والله (٧). ٢ - قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ الآية (٨)، قال ابن

стр. 5668

الأنباري: "قال اللغويون (١): أصل السياحة الضرب في الأرض، والاتساع في السير، والبعد عن المدن ومواضع العمارة مع الإقلال من الطعام والشراب، وقيل للصائم: سائح، لأنه يشبه السائح لتركه المطعم والمشرب" (٢)، قال الفراء: "يقال: ساح يسيح سياحة وسيوحًا" (٣). قال الزجاج: "معناه: اذهبوا فيها وأقبلوا وأدبروا" (٤). قال ابن الأنباري: "ويضمر القول على تقدير: فقل لهم: سيحوا، ويكون هذا رجوعًا من الغيبة إلى الخطاب، كقوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ ...﴾ الآية [الإنسان: ٢٢]. قال المفسّرون: "هذا تأجيل من الله للمشركين أربعة أشهر، فمن كانت مدّة عهده أكثر من أربعة أشهر حطه إلى الأربعة أشهر (٥)، ومن كانت

стр. 5669

مدته أقل أربعة أشهر رفعه إلى الأربعة، ومن لم يكن له مدة جعل له خمسين يوما أجلًا" (١). وروى الوالبي عن ابن عباس في هذه الآية قال: "حدّ الله للذين عاهدوا رسول الله أربعة أشهر يسيحون فيها حيثما شاؤا، وأجل من ليس له عهدٌ عند انسلاخ الأشهر الحرم، من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم، خمسين ليلة، فإذا انسلخ الأشهر الحرم أمره بأن يضع السيف فيهم حتى يدخلوا في الإسلام" (٢)، قال (٣) "ولم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت "براءة" وانسلخ الأشهر الحرم، ومدّة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل "براءة" عادت إلى أربعة أشهر، من يوم أذّن بـ"براءة" إلى عشر من ربيع الآخر وذلك أربعة أشهر". وقال محمد بن إسحاق: "من كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر أمهل تمام الأربعة، ومن كانت مدة عهده بغير أجل محدود قصر به على أربعة أشهر، ليرتاد لنفسه ثم هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين يقتل

стр. 5670

حيثما أدرك، وأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحرم وذلك خمسون يومًا، وابتداء هذا الأجل يوم النحر وانقضاؤه إلى عشر (١) من شهر ربيع الآخر لمن كانت مدته أربعة أشهر" (٢). وقال الزهري: "الأربعة أشهر شوال، وذو القعدة، وذو الحجة والمحرم؛ لأن هذه الآية نزلت في شهر شوال" (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: "يريد: حيثما كنتم وحيثما توجهتم لا يعجز الله عن نقمته فيكم" (٤). وقال الزجاج: "إي وإن أُجلتم هذه الأربعة أشهر فلن تفوتوا الله" (٥)، وقال غيره (٦): "المعنى أنكم فائتين كما يفوت ما يعجز عنه لأنكم حيثما (٧) كنتم في ملك الله وسلطانه".

стр. 5671

وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ قال ابن عباس: "بالقتل في الدنيا، والعذاب في الآخرة" (١)، وقال الزجاج: "هذا ضمان من الله نصرة المؤمنين (٢) على الكافرين" (٣) . والإخزاء (٤): الإذلال بما فيه الفضيحة والعار، والخزي: النكال (٥) الفاضح. ٣ - وقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ الآية، أذان: رفع بالعطف على براءة قاله الفراء (٦)، والزجاج (٧)، ومعنى الأذان: الإعلام في قول المفسرين (٨) وأهل المعاني (٩). قال الأزهري: "يقال: آذنته أوذنه إيذاناً وآذانًا، فالأذان اسم (١٠) يقوم مقام الإيذان، وهو المصدر الحقيقي" (١١). قال أبو علي: قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفة لـ ﴿وَأَذَانٌ﴾ وكذلك ﴿إِلَى النَّاسِ﴾ (١٢). ومعناه: للناس، كما يقال: هذا غلام من فلان لك واليك، وأراد

стр. 5672

بالناس: المؤمن والمشرك؛ لأن الكل داخلون في هذا الإعلام. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾، قال أبو علي: "يجوز أن يتعلق الظرف بالصفة ويجوز أن يتعلق بالخبر الذي هو: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ولا يجوز أن يتعلق بـ"أذان" لأنك قد وصفته والموصوف إذا وصفته لم يتعلق بشيء" (١). واختلفوا في يوم الحج الأكبر فقال ابن عباس في رواية عكرمة: "إنه يوم عرفة" (٢)، وهو قول عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاووس وإحدى الروايتين عن علي ﵁ (٣)، ورواية المسور بن مخرمة عن رسول الله ﷺ وهو أنه قال: خطب رسول الله ﷺ عشية عرفة فقال: "أما بعد إن هذا يوم الحج الاكبر" (٤). وقال ابن عباس في رواية عطاء: "يوم الحج الأكبر يوم النحر" (٥)، وهو قول الشعبي والنخعي والسدي وابن زيد وإحدى الروايتين عن علي وقول المغيرة بن شعبة وسعيد بن جبير (٦). وروى ابن جريج عن مجاهد قال: "يوم الحج الأكبر أيام منى

стр. 5673

كلها" (١)، وهو مذهب سفيان الثوري، وكان يقول: يوم الحج الأكبر أيامه كلها مثل يوم صفين ويوم الجمل ويوم بعاث (٢) يراد به الحين والزمان؛ لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أيامًا كثيرة (٣). فمن قال: إنه يوم عرفة احتج بأن معظم الحج يقضى فيه وهو الوقوف، ومن قال: إنه يوم النحر احتج بأن أعمال الحج وقضاء المناسك يوم النحر؛ لأن في ليلة نهار (٤) يوم النحر الوقوف بعرفة غير فائت إلى طلوع الفجر، وفي صبيحتها تعمل أعمال الحج، فالحج كله يوم النحر (٥)، ومعنى الحج الأكبر: الحج بجميع أعماله، والحج الأصغر: العمرة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٦)، والزهري (٧) والشعبي (٨).

стр. 5674

قالوا: الحج الأكبر: الوقوف بعرفة والحج الأصغر: العمرة لنقصان عملها عن (١) عمل الحج. قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾، قال أبو علي: "لا بد من تقدير الجار في قوله ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ فتقول: بأن الله، لأن (٢) ﴿اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ لا يكون الإعلام، كما يكون الثاني الأول في نحو قولك: خبرك أنك خارج (٣)، وخبر الابتداء يجب أن يكون الأول إذ له فيه ذكر، و ﴿وَأَذَانٌ﴾ ابتداء فلا يكون ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ﴾ خبره إلا بتقدير الجار، ومعنى الآية: إن الله بريء من عهد المشركين، فهو من باب حذف المضاف، و"ورسوله" رفع بالابتداء وخبره مضمر على معنى: ورسوله أيضاً بريء، ودل الخبر عن الله على الخبر عن الرسول ومثله. فإني وقيارٌ بها لغريب (٤) وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ رجع إلى خطاب المشركين، قال ابن عباس: "يريد: فإن رجعتم عن الشرك إلى توحيد الله" (٥)، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الإقامة على الشرك ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يريد: عن الإيمان ﴿فَاعْلَمُوا

стр. 5675

أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ أي: إنكم لا تفوتون بأنفسكم من أن يحل بكم عذابه في الدنيا، ثم أوعدهم بعذاب الآخرة فقال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، قال المفسرون: "لما فتح الله مكة على رسول الله ﷺ سنة ثمان من الهجرة وخرج رسول الله ﷺ إلى غزاة تبوك وتخلف من تخلف من المنافقين وأرجفوا الأراجيف جعل المشركون ينقضون عهودهم فأمر الله رسوله بإلقاء عهودهم إليهم ليأذنوا بالحرب، فلما كانت سنة تسع أراد رسول الله ﷺ الحج ثم قال: "إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك" (١) فبعث رسول الله ﷺ أبا بكر تلك السنة أميرًا على الموسم ليقيم للناس الحج وبعث معه بأربعين آية من صدر براءة ليقرأها على أهل الموسم، فلما سار دعا رسول الله ﷺ عليًا فقال: "اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن بذلك فى الناس إذا اجتمعوا" فخرج علي ﵁ على ناقة رسول الله ﷺ العضباء حتى أدرك أبا بكر بذي الحليفة فرجع أبو بكر إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء قال: "لا، ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار وأنك صاحبي على الحوض؟! " (٢)، قال: بلى يا رسول الله، فسار أبو بكر أميرًا على الحج، وعليّ ليؤذن ببراءة، فقدما مكة، فلما كان قبل
следующие страницы →