← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ قال ابن عباس: "بالقتل في الدنيا، والعذاب في الآخرة" (١)، وقال الزجاج: "هذا ضمان من الله نصرة المؤمنين (٢) على الكافرين" (٣) . والإخزاء (٤): الإذلال بما فيه الفضيحة والعار، والخزي: النكال (٥) الفاضح. ٣ - وقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ الآية، أذان: رفع بالعطف على براءة قاله الفراء (٦)، والزجاج (٧)، ومعنى الأذان: الإعلام في قول المفسرين (٨) وأهل المعاني (٩). قال الأزهري: "يقال: آذنته أوذنه إيذاناً وآذانًا، فالأذان اسم (١٠) يقوم مقام الإيذان، وهو المصدر الحقيقي" (١١). قال أبو علي: قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفة لـ ﴿وَأَذَانٌ﴾ وكذلك ﴿إِلَى النَّاسِ﴾ (١٢). ومعناه: للناس، كما يقال: هذا غلام من فلان لك واليك، وأراد

стр. 5672

بالناس: المؤمن والمشرك؛ لأن الكل داخلون في هذا الإعلام. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾، قال أبو علي: "يجوز أن يتعلق الظرف بالصفة ويجوز أن يتعلق بالخبر الذي هو: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ولا يجوز أن يتعلق بـ"أذان" لأنك قد وصفته والموصوف إذا وصفته لم يتعلق بشيء" (١). واختلفوا في يوم الحج الأكبر فقال ابن عباس في رواية عكرمة: "إنه يوم عرفة" (٢)، وهو قول عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاووس وإحدى الروايتين عن علي ﵁ (٣)، ورواية المسور بن مخرمة عن رسول الله ﷺ وهو أنه قال: خطب رسول الله ﷺ عشية عرفة فقال: "أما بعد إن هذا يوم الحج الاكبر" (٤). وقال ابن عباس في رواية عطاء: "يوم الحج الأكبر يوم النحر" (٥)، وهو قول الشعبي والنخعي والسدي وابن زيد وإحدى الروايتين عن علي وقول المغيرة بن شعبة وسعيد بن جبير (٦). وروى ابن جريج عن مجاهد قال: "يوم الحج الأكبر أيام منى

стр. 5673

كلها" (١)، وهو مذهب سفيان الثوري، وكان يقول: يوم الحج الأكبر أيامه كلها مثل يوم صفين ويوم الجمل ويوم بعاث (٢) يراد به الحين والزمان؛ لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أيامًا كثيرة (٣). فمن قال: إنه يوم عرفة احتج بأن معظم الحج يقضى فيه وهو الوقوف، ومن قال: إنه يوم النحر احتج بأن أعمال الحج وقضاء المناسك يوم النحر؛ لأن في ليلة نهار (٤) يوم النحر الوقوف بعرفة غير فائت إلى طلوع الفجر، وفي صبيحتها تعمل أعمال الحج، فالحج كله يوم النحر (٥)، ومعنى الحج الأكبر: الحج بجميع أعماله، والحج الأصغر: العمرة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٦)، والزهري (٧) والشعبي (٨).

стр. 5674

قالوا: الحج الأكبر: الوقوف بعرفة والحج الأصغر: العمرة لنقصان عملها عن (١) عمل الحج. قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾، قال أبو علي: "لا بد من تقدير الجار في قوله ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ فتقول: بأن الله، لأن (٢) ﴿اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ لا يكون الإعلام، كما يكون الثاني الأول في نحو قولك: خبرك أنك خارج (٣)، وخبر الابتداء يجب أن يكون الأول إذ له فيه ذكر، و ﴿وَأَذَانٌ﴾ ابتداء فلا يكون ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ﴾ خبره إلا بتقدير الجار، ومعنى الآية: إن الله بريء من عهد المشركين، فهو من باب حذف المضاف، و"ورسوله" رفع بالابتداء وخبره مضمر على معنى: ورسوله أيضاً بريء، ودل الخبر عن الله على الخبر عن الرسول ومثله. فإني وقيارٌ بها لغريب (٤) وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ رجع إلى خطاب المشركين، قال ابن عباس: "يريد: فإن رجعتم عن الشرك إلى توحيد الله" (٥)، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الإقامة على الشرك ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يريد: عن الإيمان ﴿فَاعْلَمُوا

стр. 5675

أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ أي: إنكم لا تفوتون بأنفسكم من أن يحل بكم عذابه في الدنيا، ثم أوعدهم بعذاب الآخرة فقال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، قال المفسرون: "لما فتح الله مكة على رسول الله ﷺ سنة ثمان من الهجرة وخرج رسول الله ﷺ إلى غزاة تبوك وتخلف من تخلف من المنافقين وأرجفوا الأراجيف جعل المشركون ينقضون عهودهم فأمر الله رسوله بإلقاء عهودهم إليهم ليأذنوا بالحرب، فلما كانت سنة تسع أراد رسول الله ﷺ الحج ثم قال: "إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك" (١) فبعث رسول الله ﷺ أبا بكر تلك السنة أميرًا على الموسم ليقيم للناس الحج وبعث معه بأربعين آية من صدر براءة ليقرأها على أهل الموسم، فلما سار دعا رسول الله ﷺ عليًا فقال: "اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن بذلك فى الناس إذا اجتمعوا" فخرج علي ﵁ على ناقة رسول الله ﷺ العضباء حتى أدرك أبا بكر بذي الحليفة فرجع أبو بكر إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء قال: "لا، ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار وأنك صاحبي على الحوض؟! " (٢)، قال: بلى يا رسول الله، فسار أبو بكر أميرًا على الحج، وعليّ ليؤذن ببراءة، فقدما مكة، فلما كان قبل

стр. 5676

التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس وحدثهم عن مناسكهم، وأقام للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية من الحج، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بالذي أمره به، وقرأ عليهم سورة براءة، فقال المشركون: "نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب" (١). وذكر أبو إسحاق السبب في تولية علي تلاوة براءة على المشركين قال: "وذلك لأن العرب جرت عادتها في عقد عهدوها (٢) ونقضها أن يتولى ذلك على القبيلة رجل منها، وكان جائزًا أن تقول العرب إذا تُلي عليها نقض العهد من الرسول ﷺ هذا خلاف ما يعرف فينا في نقض العهود، فأزاح رسول الله ﷺ العلة في ذلك" (٣). وقال عمرو (٤) بن بحر: "إن النبي ﷺ بعث أبا بكر أميرًا على الحاج وولاه الموسم وبعث عليًّا يقرأ على الناس آيات من سورة براءة فكان أبو

стр. 5677

بكر الإمام وعلي المؤتم، وكان أبو بكر الخطيب وعلي المستمع، وكان أبو بكر الدافع بالموسم ولم يكن لعلي أن يدفع حتى يدفع أبو بكر، وأما قوله ﷺ "لا يبلغ عني إلا رجل مني" (١) فإن النبي ﷺ لم يقل ذلك تفضيلًا منه لعلي على غيره في الدين، ولكن عامل العرب على مثل ما كان بعضهم يتعارفه من بعض، وكعادتهم في عقد الحلف وحل العقد، وكان السيد منهم إذا عقد لقوم حلفًا أو عاهد عهدا لم يحل ذلك العقد غيره أو رجل من رهطه دنيا (٢) كأخ أو عم فلذلك قال النبي ﷺ ذلك القول (٣). ٤ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، قال أبو إسحاق: "الذين" في موضع نصب، أي: وقعت البراءة من المعاهدين الناقضين للعهود، إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقصوكم أي ليسوا داخلين في البراءة" (٤)، قال المفسرون (٥) في هذه الآية: "هؤلاء قوم مخصوصون أمر النبي ﷺ بإتمام عهده وهم بنو ضمرة وبنو كنانة ومن اتبعهم وكان بقي لهم من مدتهم تسعة أشهر فأمر باتمامها لهم". وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ أي من شروط العهد شيئًا ﴿وَلَمْ

стр. 5678

يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾، قال ابن عباس: "ولم يعاونوا عليكم عدوًا" (١)، وقوله (٢): ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ معناه: إلى انقضاء مدتهم، ومعنى المدة زمان طويل (٣) للفسحة؛ لأنه من مددتُ له في الأجل للمهلة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: يحب من اتقاه بطاعته وأداء فرائضه واجتناب معاصيه. ٥ - قوله تعالى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾، قال الليث: "يقال سلخت الشهر إذا خرجت منه فصرت في آخر يومه (٤)، وانسلخ (٥) الشهر" (٦)، وكشف أبو الهيثم (٧) عن هذا المعنى فقال: "يقال: أهللنا هلال شهر كذا أي دخلنا فيه ولبسناه فنحن نزداد كل ليلة إلى مضي نصفه (٨) لباسًا منه ثم نسلخه عن أنفسنا [بعد تكامل النصف منه جزءًا فجزءًا حتى نسلخه عن أنفسنا] (٩) كله فينسلخ، وأنشد (١٠): إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله ... كفى قاتلا سلخي الشهور وإهلالي (١١)

стр. 5679

واختلفوا في معنى الأشهر الحرم هاهنا فمنهم من حملها على ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ويحل (١) القتال بانسلاخ المحرم على الإطلاق عند من جعل تاريخ (٢) الأشهر الأربعة من أول شوال وهو وقت نزول براءة (٣)، ومن قال: إن تاريخ الأشهر الأربعة من يوم النحر حمل قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [على التخصيص، ومعناه: فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾] (٤) الذين أمهلناهم خمسين يومًا وهم الذين لم يكن لهم ذمة سابقة مع رسول الله ﷺ ، هذا على قول من يقول الأشهر الحرم هذه الثلاثة التي تعرف بالحرم (٥) ومنهم من قال: المراد بالأشهر الحرم شهور العهد (٦)، قيل لها: حرم لأن الله تعالى حرم على المؤمنين فيها دماء المشركين، فإذا مضت قد (٧) حل قتالهم عامًا مطلقًا، وهذا قول الحسن (٨)، ومجاهد (٩)،

стр. 5680

وابن إسحاق (١)، وابن زيد (٢)، وعمرو بن شعيب (٢)، والسدي (٣). وقوله تعالى: ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ يوجب تعميم الحل والحرم، قال الفراء: "في الأشهر الحرم وغيرها في الحل والحرم" (٤) ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أي (٥) بالأسر، والأخيذ: الأسير ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾ معنى الحصر: المنع عن الخروج من محيط، قال ابن عباس: يريد: إن تحصنوا فاحصروهم" (٦)، وقال الفراء: "حصرهم: أن يمنعوا من البيت الحرام" (٧)، وقال ابن الأنباري: "يريد: أن احبسوهم واقطعوهم عن البيت الحرام". وقوله تعالى: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ المرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو، من قولهم: رصدت فلانًا أرصده: إذا ترقبته، قال المفسرون (٨): يقول: اقعدوا لهم على كل طريق يأخذون فيه إلى البيت أو إلى تجارة، قال أبو عبيدة في قوله: ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ المعنى: كل طريق" (٩)، وقال أبو الحسن الأخفش: " (على) محذوفة، المعنى: على كل مرصد، وأنشد (١٠):

стр. 5681

نغالي اللحم للأضياف نيئًا ... ونرخصه إلا نضج القدور المعنى نغالى باللحم (١)، فحذف الباء هاهنا فكذلك حذف (على)، قال الزجاج: " ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ظرف، كقولك: ذهبت مذهبًا، وذهبت طريقًا، وذهبت كل طريق، فلست تحتاج أن تقول في هذا إلا بما تقوله في الظروف نحو: خلف وأمام وقدام" (٢). قال أبو علي: "ذهب أبو الحسن إلى أن المرصد اسم للطريق كما فسره أبو عبيدة، وإذا (٣) كان اسمًا (٤) للطريق كان مخصوصًا، وإذا كان مخصوصًا وجب ألا يصل الفعل الذي لا يتعدى إليه إلا بحرف جر (٥) نحو: ذهبت إلى زيد، وقعدت على الطريق، إلا أن يجيء في ذلك اتساع فيكون الحرف معه محذوفًا كما حكاه سيبويه (٦) من قولهم: ذهبت الشام ودخلت البيت فالأسماء المخصوصة إذا تعدت إليها الأفعال التي لا تتعدى فإنما هو على الاتساع، والحكم في تعديها إليها والأصل أن يكون بالحرف، وقد غلط أبو إسحاق في قوله (٧): ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ظرف كقولك ذهبت مذهبًا في أن جعل الطريق ظرفًا كالمذهب وليس الطريق بظرف، ألا ترى [أن الطريق] (٨) مكان مخصوص كما أن البيت والمسجد مخصوصان، وقد نص

стр. 5682

سيبويه على اختصاصه (١) والنص به ليس كالمذهب والمكان، ألا ترى أنَّه حمل قول ساعدة (٢): لَدْنٌ بهز الكف (٣) يعسل متنه ... فيه (٤) كما عسل الطريق الثعلب (٥) على أنه حذف الحرف اتساعًا، كما حذف عنده من ذهبت الشام (٦)، وقال أبو إسحاق في هذا المعنى خلاف ما قاله هنا، [وهو أنه قال في قوله (٧): ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦]: أي على طريقك، قال: ولا اختلاف بين النحويين أن (على) محذوفة" (٨)، وإذا كان كذلك بلا خلاف لم يجز أن يجعله ههنا مثل ما هو ظرف (٩) بلا خلاف من

стр. 5683

قوله: ذهبت مذهبًا، وإذا كان الصراط [اسمًا للطريق وكان اسمًا مخصوصًا ومما لا يصح أن يكون ظرفًا لاختصاصه فالمرصد] (١) أيضًا (٢) مثله في الاختصاص، وأن لا يكون ظرفًا، كما لم يكن الصراط والطريق ظرفًا" (٣). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾، قال ابن عباس: "يريد: من الشرك" (٤)، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ قال أصحابنا (٥): هذه الآية دليل على أن تارك اصلاة يقتل؛ لأن الله أباح في دماءهم، ثم قال: "فإن تابوا" يعني من الشرك "وأقاموا الصلاة" وهذا اللفظ للفعل لا للاعتقاد؛ ولأن الاعتقاد مندرج تحت التوبة، فإذا لم يقم الصلاة بقي دمه على الإباحة، وإن تاب من الشرك بحكم ظاهر الآية، ودل الظاهر على التسوية بين الصلاة والزكاة فاقتضى الإجماع ترك الظاهر في الزكاة. وقوله تعالى: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾، قال ابن عباس: "يريد: زكاة الأموال من العين والمواشي والثمار" (٦)، وقوله تعالى: ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ قيل: يعني: إلى البيت الحرام، وقيل: إلى التصرف في أمصاركم للتجارة وغيرها، وقوله (٧): ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن تاب وآمن.

стр. 5684

٦ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ الآية، قال الفراء: ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ في موضع جزم وإن فرق بين الجازم والمجزوم بـ"أحد" وذلك سهل في (إن) خاصة دون حروف الجزاء؛ لأنها شرط وليست باسم، فلم يحفلوا أن يفرقوا بينها وبين المجزوم بالمرفوع والمنصوب، فأما المنصوب فمثل قولك: إن أخاك ضربت ظلمت، والمرفوع مثل قوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] ولو حولت "هلك" إلى (يهلك) (١) لجزمته (٢)، ونحو هذا قال الزجاج، فقال: وإنما يجوز الفصل في باب (إن) لأن (إن) أم الجزاء، لا تزول (٣) عنه إلى غيره، فأما أخواتها فلا يجوز ذلك فيها إلا في الشعر، قال الشاعر (٤): فمتى واغل يزرهم (٥) يحيوه ... وتُعطفْ عليه كأس الساقي (٦) قال ابن عباس: " ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ممن لم يكن له عهد" (٧)، وقال محمد بن إسحاق: "أي: من هؤلاء الذين أمرتك بقتالهم" (٨)، وقال سعيد بن جبير: "جاء رجل من المشركين إلى علي بن

стр. 5685

أبي طالب: فقال: إن (١) أراد الرجل منا أن يأتي محمدًا بعد انقضاء هذا الأجل فيسمع كلام الله أو يأتيه لحاجة قتل؟! فقال علي: لا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ الآية (٢)، وقال الزجاج: "المعنى: إن طلب منك أحد منهم أن تجيره من القتل إلى أن يسمع كلام الله فأجره" (٣). وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، قال السدي (٤) ومقاتل (٥): "يعني القرآن"، وقال عطاء عن ابن عباس: "يريد: ما أعد (٦) الله لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب وما افترض في دينه من الصلاة والزكاة وصيام شهر رمضان وحج البيت وجميع الفرائض" (٧). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ قال: "يريد: الموضع الذي يأمن فيه" (٨) يريد: إذا لم يتب، فإن تاب ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، وقال ابن زيد: "يقول: إن لم يوافقه ما تتلو (٩) عليه فأبلغه مأمنه" (١٠). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: يفعل كل هذا لأنهم جهلة، لا يعلمون دين الله وتوحيده وما افترض عليهم، وقال

стр. 5686

أبو إسحاق "أي: الأمر ذلك، أي: وجب أن يعرّفوا ويجاروا؛ لجهلهم بالعلم فربما يتبينون به الإسلام" (١). وهذا بيان عن حال الطالب للعلم (٢)، وليس له عهد من الإمام، حتى يسمع الدليل على الحق، ثم يُردّ إلى مأمنه لينظر في أمره، وقال الحسن في هذه الآية: "إن استعاذك فأعذه حتى يسمع كلام الله، فتقيم عليه حجة الله، وتبين له دين الله، فإن أسلم فقد دخل في عز الإسلام وإن أبى فأبلغه مأمنه ولا تعرض له" (٣). وقال أهل العلم: "الكافر الحربي إذا دخل دار الإسلام كان مغنومًا مع ماله إلا أن يدخل مستجيرًا لغرض شرعي، كاستماع كلام الله رجاء الإسلام، أو دخل لتجارة، فإن دخل بأمان صبي أو مجنون فأمانهما شبهة أمان (٤)، فيجب تبليغه مأمنه، وهو أن يبلغ محروسًا في نفسه وماله إلى مكانه الذي هو مأمن له، ومن دخل منهم دار الإسلام رسولاً فالرسالة له (٥)

стр. 5687

أمان (١)، ومن دخل ليأخذ مالاً له في دار الإسلام، ولماله أمان فأمان ماله أمانه (٢) " (٣). ٧ - قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية، قال الفراء: "هذا على التعجب [كما تقول: كيف] (٤) يستبقى مثلك؟ أي لا ينبغي أن يستبقى، قال: وإذا استفهمت بشيء من حروف الاستفهام فلك أن تدعه استفهامًا ولك أن تنوي به الجحد، من ذلك قولك: هل أنت إلا كواحد (٥) منا؟! [معناه: ما أنت إلا واحد منا" (٦)] (٧) وقال غيره من أهل المعاني: "في الآية محذوف تقديره: كيف يكون للمشركين عهد مع إضمار الغدر فيما وقع من العهد" (٨). وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، قال الزجاج: "أي: ليس العهد إلا لهؤلاء الذين لم ينكثوا"، قال: "وموضع "الذين" نصب بالاستثناء" (٩). واختلفوا في المعنيّ بقوله: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ والذي يشهد له ظاهر اللفظ أنهم بنو ضمرة وبنو كنانة الذين ذكروا في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ

стр. 5688

عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٤] وهو قول السدي (١) وابن إسحاق (٢) والكلبي (٣) قالوا: "هم قبائل بني جذيمة (٤) وبنو مدلج (٥) وبنو ضمرة (٦) وبنو الدئل (٧) من بني بكر (٨). وكذلك قال ابن جريج (٩). قال محمد بن إسحاق: "هم قبائل من بني بكر (١٠) الذين (١١) كانوا دخلوا في عهد قريش مع النبي ﷺ يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين النبي ﷺ وبين قريش، فلم يكن نقضه إلا هذا الحي من قريش (١٢) فأمر

стр. 5689

النبي ﷺ باتمام العهد لمن لم يكن نقض من بني بكر" (١). وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾، قال ابن عباس: "يريد ما أوفوا بعهدهم أوفوا بعهدكم" (٢)، وقال الزجاج: "أي ما أقاموا على الوفاء بعهدهم فأقيموا أنتم" (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ يعني من اتقى الله وراقبه في أداء فرائضه، والوفاء بعهده لمن عاهده. ٨ - قوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ الآية، قال الفراء (٤) والزجاج (٥) وابن الأنباري وجميع أهل المعاني (٦): "أي كيف يكون لهم عهد وحالهم ما وصف في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا﴾ الآية، ولكنه حذف ما يتعلق به (كيف)؛ لأنه قد ذكر قبل هذا في الآية المتقدمة فاكتفى به، قال الفراء: "وإذا أعيد الحرف وقد مضى معناه استجازوا حذف الفعل، وأنشدوا (٧):

стр. 5690

وخبرتماني أنما الموت في القرى ... فكيف وهذي هضبة وكثيب (١) (٢) أي فكيف مات وليس بقرية، وأنشد أبو إسحاق (٣) وأبو بكر قول الحطيئة: فكيف ولم أعلمهُم خذلوكمُ ... على معظَم ولا أديمكمُ قدُّوا (٤) أراد: فكيف يكون ما تقولون حقًّا والأمر على ما أصف. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يقال: ظهرت على فلان: إذا علوته، وظهرت على السطح: إذا صرت فوقه، قال الليث: "الظهور: الظفر بالشيء" (٥)، وأظهر الله المسلمين على المشركين أي أعلاهم عليهم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣، الفتح: ٢٨، الصف: ٩]، أي: ليعليه (٦)، قال

стр. 5691

أهل المعاني: "الظهور: العلو بالغلبة (١)، وأصله خروج الشيء إلى حيث يصلح أن يدرك" (٢)، قال ابن عباس: "يريد: أن يقدروا عليكم" (٣). وقوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾، قال الليث: "رقب الإنسان يرقبه رقبة ورقوبًا (٤)، وهو أن ينتظره، ورقيب القوم حارسهم" (٥)، وقوله: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] أي لم تحفظه، وقيل: لم تنتظر (٦)، وهذان معنيان يرجعان إلى واحد، وهو أن معنى الرقوب: العمل في الأمر على ما تقدم به العهد، فالحفظ والانتظار داخل في هذا، قال ابن عباس: "لا يحفظوا" (٧)، وقال الضحاك: "لا ينتظروا" (٧)، وقال قطرب: "لا يراعوا" (٧). واختلفوا في معنى الإل (٨)، فقال أبو عبيدة: "الإل: العهد" (٩)، وقال الفراء: "الإل: القرابة" (١٠)، وقال إسحاق: "وقيل (١١): الإل: الحلف،

стр. 5692

يعني الجوار، وقيل: الإل: اسم من أسماء الله " (١). وأما قول المفسرين: فقال ابن عباس والضحاك: "قرابة" (٢)، وهو رواية منصور (٣) عن مجاهد (٤)، وقال قتادة: "الإل: الحلف" (٥)، وقال السدي وابن زيد: "هو العهد" (٦)، وهو إحدى الروايات عن مجاهد (٧)، وقال في سائر الروايات: "الإل هو الله " (٨)، وهو قول أبي مجلز (٩) (١٠)، وبكل هذه المعاني في الإل جاءت الأشعار، قال حسان: لعمرك إن إلك من قريش ... كإل السقب (١١) من رأل النعام (١٢) يعني القرابة، وقال أوس بن حجر:

стр. 5693

لولا بنو مالك والإل مرقبة ... ومالك فيهم الإلاء والشرف (١) يعني الحلف، وقال آخر (٢): وجدناهم كاذبًا إِلّهم ... وذو الإِلّ والعهد لا يكذب يعني العهد، وفي حديث أبي بكر أنه قال: "إن هذا الكلام لم يخرج من إل" (٣)، يعني الله . قال أبو إسحاق: "وليس عندنا بالوجه قول من قال: الإل اسم من أسماء الله معروفة ومعلومة كما تُليت في القرآن، وسمعت في الأخبار، ولم يسمع الداعي يقول في الدعاء يا إل، قال: وحقيقة "الإل" عندي على (٤) ما توجبه اللغة: تحديد الشيء (٥)، فمن ذلك الألة: الحربة (٦) وأذن مؤَلَّلة (٧)، فالإل يخرج في جميع ما فسر من العهد والقرابة والجوار من (٨) هذا،

стр. 5694

إذا (١) قطت في العهد: بينهما إلّ، [فتأويله أنهما قد حددا في أخذ العهود] (٢) (٣)، وكذلك في الجوار والقرابة، وقال الأزهري: "إيل من أسماء الله بالعبرانية، فجائز أن يكون أعرب فقيل: إل (٤) " (٥). وقال بعض أهل المعاني: "الأصل في جميع ما فسر به الإل: العهد، وهو مأخوذ من قولهم ألّ يؤلّ (٦) إلا، إذا صفا وبرق ولمع، ومنه الألّه للمعانها، وأذن مؤللة: مشبهة بالحربة في تحديدها، فالعهد سمي إلا (٧) لظهوره وصفائه من شائب الغدر" (٨). وقوله تعالى: ﴿وَلَا ذِمَّةً﴾ الذمة: العهد، وجمعها ذمم وذمام، وهو كل حرمة تلزمك إذا ضيعتها المذمة، وقال أبو عبيدة: "الذمة: ما يتذمم منه" (٩). يعني ما يجتنب فيه الذم، يقال: تذمم فلان أي: ألقى عن نفسه الذم، نحو: تحوب (١٠) وتأثم وتحرج، وذُكر في التفسير الوجهان في معنى

стр. 5695

الذمة، فقال الأكثرون: العهد، وهو قول ابن عباس (١)، ومن فسر الإلّ بالعهد قال: "إنما كرر لاختلاف اللفظين للتأكيد والمعنى واحد" (٢)، وهو مذهب المبرد (٣)، وحكى محمد بن جرير (٤): "إن الذمة في هذا الموضع: التذمم ممن لا عهد له". وقوله تعالى: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ [وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ] (٥)﴾، قال ابن عباس: "يريد: يقولون بألسنتهم كلاما حلوًا، وفي القلب (٦) ضمير لا يحبه الله" (٧)، وقال سعيد بن جبير: "يرضونكم بالحسن من القول وتأبى قلوبهم الوفاء به" (٨). وقوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾، قال ابن عباس: "يريد: كاذبون" (٩)، وقال غيره: "ناقضون العهد" (١٠)، وقال أهل المعاني:

стр. 5696

"الكفار كلهم فاسقون وتخصيص أكثرهم ههنا (١) على وجهين: أحدهما: أنه أراد المتمردين، والثاني: أنه وضع الخصوص موضع العموم" (٢). ٩ - قوله تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي استبدلوا بالقرآن متاع الدنيا، ومضى الكلام في حقيقة معنى هذا في مواضع (٣)، قال مجاهد: "أطعم أبو سفيان بن حرب حُلفاءه وترك حلفاء النبي ﷺ " (٤)، فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي ﷺ بتلك الأكلة (٥). قوله تعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: فأعرضوا عن طاعة الله، وقال عطاء: "كان أبو سفيان يعطي البعير والناقة والطعام ليصد الناس بذلك عن متابعة النبي ﷺ " (٦)، وعلى هذا: معنى "فصدوا عن سبيله": منعوا الناس (٧) به عن الدخول في الإسلام، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي من اشترائهم (٨) الكفر بالإيمان. ١٠ - قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ يعني هؤلاء الناقضين للعهد الذين اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلاً، وهذا ذم لهم بترك

стр. 5697

المراقبة للعهد والذمة للمؤمن، وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾، قال الكلبي: "أي المعتدون للحلال إلى الحرام بنقض العهد" (١). ١١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾، قال ابن عباس: "يريد: عن الشرك" (٢). ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ قال ابن مسعود: "أُمرتم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة جميعاً ولم يُزك فلا صلاة له" (٣)، وقال ابن زيد: "افترضت الصلاة مع الزكاة جميعًا ولم يفرق بينهما وأبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة" (٤)، وقال: "يرحم الله أبا بكر ما كان (٥) أفقهه" (٦). وقال أهل العلم: "هذه الآية دليل على أن الصلاة والزكاة مقرونتان بالشهادة في كف السيف وحقن الدم ودليل على أن المؤاخاة بالإسلام بين المسلمين موقوفة على فعل الصلاة والزكاة جميعًا لأن الله تعالى شرطهما في إثبات المؤاخاة ومن لم يكن من أهل وجوب الزكاة وجب عليه أن يقر بحكمها فإذا أقر بحكمها دخل في الصفة التي تجب بها الأخوة" (٧). وقوله تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾، قال الفراء: "معناه: فهم إخوانكم، يرتفع مثل هذا من الكلام بأن يضمر له اسمه مكنيًا عنه كقوله (٨): ﴿فَإِنْ لَمْ

стр. 5698

﴿تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الأحزاب: ٥] أي: فهم إخوانكم" (١). قال أبو حاتم: "قال أهل البصرة أجمعون: "الإخوة" في النسب، و"الإخوان" في الصداقة، قال: وهذا غلط، يقال للأصدقاء وغير الأصدقاء: إخوة وإخوان قال الله سبحانه (٢) وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] لم يعن (٣) النسب، وقال : ﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وهذا في النسب" (٤). قال ابن عباس: "حرمت هذا الآية دماء أهل القبلة" (٥). ﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [أي: نبينها، يعني آيات القرآن ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾] (٦) أنها من عند الله. ١٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ يقال: نكث فلان عهده: إذا نقضه بعد إحكامه كما ينكث خيط الصوف بعد إبرامه (٧)، وهو الغزل من الصوف والشعر يُبرم وُينسج، فإذا أخلقت (٨) النسيجة قطعت ونكثت (٩) خيوطها المبرمة وخلطت بالصوف وميشت (١٠)، ثم غزل ثانية،

стр. 5699

ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢] والأيمان: جمع يمين، بمعنى الحلف والقسم، وقيل للحلف يمين باسم اليد، وكانوا يبسطون أيمانهم إذا حلفوا أو تحالفوا أو تعاقدوا، وقيل: سمي القسم يميناً ليمن البرّ فيه. قال (١) المفسرون: يعني مشركي قريش، يقول: "إن نقضوا عهودهم" (٢). وقوله تعالى: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [قال ابن عباس: يريد: اغتابوكم وغمصوا عليكم في دينكم] (٣)، يقال: طعنه بالرمح يطعنه، وطعن بالقول السيىء (٤) يطعن (٥)، قال الليث: "وبعضهم يقول: يطعُن بالرمح ويطعَن بالقول، فيفرق بينهما" (٦)، وقال الزجاج: "وهذه الآية توجب قتل الذمي إذا أظهر الطعن في الإسلام؛ لأن العهد معقود عليه ألا يطعن فإن طعن فقد نكث" (٧).

стр. 5700

قال أصحابنا (١): "إذا بلغنا عن طائفة من أهل الذمة الطعن في ديننا انتقض بذلك عهدهم لقوله: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾. قال ابن عباس والمفسرون: "هم رؤوس قريش وصناديدها" (٢)، وقال الزجاج: "أئمة الكفر: رؤساء الكافرين وقادتهم لأن الإمام متبع (٣)، وذكرنا معنى (٤) الإمام عند قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا (٥)﴾ (٦) وفي:

стр. 5701

"أئمة" قراءتان (١) بتحقيق الهمزتين، وقلب الثانية ياء (٢). قال أبو إسحاق: "الأصل في أئمة أَأْمِمَة (٣)؛ لأنها جمع إمام، مثل: قال وأمثلة، ولكنّ الميمين لما اجتمعتا أدغمت الأولى في الثانية وأُلقيت حركتها (٤) على الهمزة فصارت أئمة فأبدل من الهمزة المكسورة الياء (٥)؛ لكراهة اجتماع الهمزتين في كلمة واحدة، هذا هو الاختيار عند جميع النحويين (٦)، وذكرنا وجه هذا عند قوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦]. قال الزجاج: ومن قرأ بهمزتين فينبغي (٧) أن يقرأ أَأْدم بهمزتين، والإجماع أن آدم فيه همزة واحدة، والاختلاف يرد إلى الإجماع وليس "أئمة" باجتماع الهمزتين من مذهب (٨) أصحابنا (٩) وإلا ما يحكى عن ابن

стр. 5702

أبي إسحاق (١) أنه كان يُجيز اجتماعها" (٢). واختلفوا في التفضيل في الإمامة فعند المازني يقال: "هذا أومّ من هذا بالواو؛ لأن الأصل أأمّ فلم يمكن أن يبدل من الهمزة الثانية ألفاً لاجتماع الساكنين فجعلت واوًا مفتوحة كما قالوا في جمع آدم: أوادم، وآخر: أواخر (٣). وعند الأخفش يقال: أيمّ (٤)؛ لأن الهمزة الثانية من هذه الكلمة كلما تحركت (٥) أبدل (٦) منها ياء، نحو: أيمة، قال الزجاج: "والقياس

стр. 5703

هو الأول" (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾، قال الفراء: "أي لا عهود لهم" (٢)، وفيه قراءتان: فتح الهمزة وكسرها (٣). قال الزجاج: "من قرأ: ﴿لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ فقد وصفهم بالنكث في العهود وهو أجود القراءتين (٤) " (٥). والذي يقوي الفتح قوله: ﴿قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣] ولأنه إذا قال: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ عُلم أنه لا إيمان لهم، فالفتح في قوله: ﴿لَا أَيْمَانَ﴾ أولى؛ لأنه لا يكون تكريرًا إذ لم يقع عليه دلالة من الكلام الذي تقدمه كما وقع على الكسر. ومعنى ﴿لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ أي لا أيمان لهم صادقة؛ لأنه قد أثبت لهم الأيمان في قوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [وفي قوله: ﴿قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾] (٦) [التوبة: ١٣] فالمنفي هاهنا غير الموجب هناك؛ لأن معنى المنفي: لا أيمان لهم يفون بها، ولا أيمان لهم صادقة كما قال (٧):

стр. 5704

وإن حلفت لا ينقض النأيُ عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين أي ليس لها (١) يمين تقي بها. ومن قرأ بالكسر فقال الفراء: "يريد: أنهم كفرة لا إسلام لهم" قال: "وقد يكون المعنى: لا تُؤمنوهم، فيكون مصدر قولك: آمنته إيماناً" (٢). وذكر أبو إسحاق أيضًا الوجهين (٣). وشرح أبو علي هذا فقال: "الإيمان ههنا يراد به الذي هو ضد التخويف، أي: ليس لأئمة الكفر من المشركين إيمان كما يكون لذوي الذمة من أهل الكتاب؛ لأن المشركين لا يقرون على دينهم، فلا يكون على هذا: الإيمان الذي هو خلاف الكفر، فيكون تكريرًا لدلالة ما تقدم من قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ على أن أهل الكفر لا إيمان لهم" (٤). وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾، قال ابن عباس: "يريد: كي ينتهوا عن الشرك بالله" (٥). وقال الزجاج: "أي ليرجى منهم الانتهاء" (٦).

стр. 5705

١٣ - قوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ الآية، قال ابن عباس: "هذا تحريض من الله لأوليائه على أعدائه" (١)، وقال الزجاج: "هذا على جهة التوبيخ، ومعناه: الحض على قتالهم" (٢). قال أهل المعاني: "إذا قلت: ألا (٣) تفعل كذا (٤)، فإنما [تستعمل ذلك في فعل تقدر وجوده، وإذا قلت: ألست تفعل؟] (٥) فإنما تقول ذلك في فعل تحقق وجوده، والفرق (٦) بينهما أن (لا) يُنفى بها المستقبل، فإذا (٧) دخلت عليها الألف صار (٨) تحضيضًا [على فعل ما يستقبل] (٩)، و (ليس) إنما تستعمل لنفي الحال، فإذا (١٠) دخلت عليها الألف صار (١١) لتحقيق الحال" (١٢).

стр. 5706

وقوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ يدل على أن قتال الناكثين أولى من قتال غيرهم من الكفارة ليكون ذلك زجرًا لغيرهم، قال محمد بن إسحاق والسدي والكلبي: "نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة" (١). وقوله تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾، قال المفسرون: "كانوا هموا بذلك بأن (٢) يخرجوه من مكة على حالة فظيعة فصان الله رسوله عنها، وأمره بالهجرة إلى المدينة، وحين جلسوا (٣) في دار الندوة للمكر به، كان من رأي بعضهم إخراجه من مكة" (٤). فبان بهذا أنهم قصدوا إخراجه، وهموا به فلم يمكنهم الله من ذلك (٥).

стр. 5707

قوله تعالى: ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، قال ابن عباس: "يريد: بالقطيعه والهجرة والعداوة" (١)، وذكر المفسرون في هذا قولين: أحدهما: أنه أراد بدؤكم بالقتال يوم بدر (٢)؛ لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمدًا ومن معه، والثاني: أنه أراد أنهم قاتلوا حلفاءك خزاعة فبدؤا بنقض العهد وهذا قول الأكثرين (٣)، واختيار الفراء (٤) والزجاج (٥). وقوله تعالى: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾، قال الزجاج: "المعنى: أتخشون أن ينالكم من قتالهم مكروه فتتركون قتالهم؟ ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ أي: فمكروه عذاب الله أحق أن يخشى في ترك قتالهم (٦) ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: مصدقين بعقاب الله وثوابه" (٧)، ودلت هذه الآية على أن المؤمن ينبغي أن يخشى ربه دون غيره.

стр. 5708

١٤ - قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ " [قال مقاتل: وعدهم الله النصر بهذه الآية" (١)، ومعنى: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾] (٢) يقتلهم بسيوفكم ورماحكم، في معنى قول ابن عباس والمفسرين (٣). وقوله تعالى: ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾، قال ابن عباس: "بعد (٤) قتلكم إياهم" (٥). وهذا يدل على أن هذا الإخزاء وقع بهم في الآخرة، وقال آخرون: "معناه: يذلهم بالقهر والأسر" (٦). وقوله تعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾، قال ابن عباس والسدي ومجاهد: "يعني بني خزاعة" (٧)، وذلك حين أعانت قريش بني بكر عليهم حتى نكوا (٨) فيهم (٩)، فشفى الله صدورهم من بني بكر واستوفى

стр. 5709

ثأرهم بالنبي ﷺ والمؤمنين حين استووا في القتل، وذلك أنه لما جاء المستغيث من خزاعة رسول الله ﷺ وأنشد (١): اللهمَّ إني ناشد محمدًا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا (٢) .. الأبيات. قال رسول الله ﷺ : "لا نُصرت إن لم أنصركم" (٣) وغضب لهم، وخرج إلى مكة ونصر الله رسوله وشفى صدور خزاعة.

стр. 5710

قال أبو إسحاق: "وفي هذه الآية، دليل على تثبيت النبوة؛ لأنه وعدهم النصر ووفى به، فدل به على صدق ما أتى به محمد ﷺ " (١)، ودلّ كلام أبي إسحاق (٢) في تفسير قوله: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ أن هذا يراد به أصحاب النبي ﷺ لا حلفاؤه من خزاعة؛ لأنه قال: "فيه دليل على أنهم اشتد غضبهم لله " (٣)، فعنده الشفاء إنما هو من داء الغضب لله ولدينه ورسوله، وعند غيره من المفسرين: الشفاء من داء الحقد لخزاعة على بني بكر وقريش (٤). ١٥ - قوله تعالى: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾، قال المفسرون: "يعني: كربها ووجدها بمعونة قريش بكرًا عليهم" (٥). ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني (٦) من المشركين كأبي سفيان وعكرمة ابن أبي جهل (٧) وسهيل بن عمرو (٨)، تاب الله عليهم، وهداهم للإسلام.
следующие страницы →