← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾، قال ابن عباس: يريد: ليس فيهم منافق (١). قال أهل المعاني: لم يخرجهم من (٢) صفة المتقين إلا لأنه علم أنهم ليسوا منهم (٣). ٤٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية، أجمعوا على أن هذا الاستئذان في القعود عن الجهاد، وإخبار أن من فعل ذلك غير مؤمن بالله (٤). وقوله تعالى: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: شكوا في دينهم، ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾، قال: يريد في شكهم يتمادون (٥) (٦). وقال أهل المعاني: هذه صفة الشاك المتحير في دينه الذي ليس (٧) على بصيرة من أمره، لا يجد ثقة الإيمان لما هو عليه من الحيرة

стр. 5847

والاضطراب حتى زهد في الجهاد، واستأذن في المقام بما لا يجوز من الاعتذار، وقال أبو إسحاق: أعلم الله -جل وعز- أن من ارتاب وشك في الله وفي البعث فهو كافر (١). ٤٦ - وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾، قال ابن عباس: يريد: من الزاد والماء وما يركبون؛ لأن سفرهم بعيد، وفي زمان شديد (٢)، وقال الزجاج: فتركهم العدة دليل على إرادتهم التخلف (٣)، وقال غيره: هذا إشارة إلى أنهم كانوا مياسير قادرين على أخذ العدة لو أرادوا الخروج إلى الجهاد (٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ الانبعاث: الانطلاق في الأمر، يقال: بعثت (٥) البعير فانبعث، وبعثته لأمر كذا فانبعث: أي نفذ فيه (٦)، ومنه الحديث في عقر الناقة: "فانبعث لها رجل عارم (٧) " (٨).

стр. 5848

قال ابن عباس في تفسير ﴿انْبِعَاثَهُمْ﴾: يريد: خروجهم معك ونحوه قول (١) الزجاج: (كره الله أن يخرجوا معكم) (٢)، قال أصحابنا: معنى: (كره الله): لم يرد الله؛ لأن الكراهة للشيء ضد الإرادة له (٣). وقوله تعالى: ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ التثبيط: ردُّك الإنسان عن الشيء يفعله، قال ابن عباس: يريد: فخذلهم وكسلهم عن الخروج (٤)، وعنه أيضًا: (فحبسهم) في رواية الضحاك (٥)، والأول في رواية عطاء، وقال الحسن: (خذلهم) (٦)، وهذا ظاهر في أن الله تعالى يخلق الخذلان والكفر، ألا

стр. 5849

تري (١) أنه (٢) أضاف حبسهم ومنعهم من الخروج إلى نفسه في قوله: ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾، قال ابن عباس: يعني: أولى الضرر والزمنى (٤)، وقال عطية: يعني الصبيان والنساء (٥)، واختلفوا في أن هذا القول ممن كان؟ فقال بعضهم: رسول الله قال لهم لما (٦) استأذنوا: اقعدوا مع الخالفين غضبًا منه عليهم، ولم يقصد بذلك سوى الوعيد فاغتنموا هذه اللفظة، وقالوا: قد أذن لنا رسول الله ﷺ (٧)، فقال

стр. 5850

الله تعالى: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ والمراد لفظ الإذن لا حقيقته (١)، وقال مقاتل: وحيًا إلى قلوبهم (٢)، يعني أن الله ألهمهم أسباب الخذلان، وأوحى إلى قلوبهم: ﴿اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ ويجوز أن يكون بعضهم قال لبعض (٣). وقوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ الآية، قال ابن زيد: هذا تسلية للنبي ﷺ عن حزنه على تخلف من تخلف عنه من المنافقين فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ (٤)، وقال الزجاج: أعلم الله تعالى لم كره خروجهم بقوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ الآية (٥)، قال ابن عباس: لو خرجوا معكم (٦). وقوله تعالى: ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ الخبال: الفساد والشر في كل شيء (٧)، وهو مما ذكرناه في سورة آل عمران [١١٨]، والمراد بالخبال هاهنا: الاضطراب في الرأي، وذلك (٨) بتزيين أمر لفريق وتقبيحه عند فريق ليختلفوا فتفترق كلمتهم ولا تنتظم، يقول: لو خرجوا لأفسدوا عليكم أمركم، هذا معنى قول المفسرين (٩).

стр. 5851

قال ابن عباس في قوله: ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ يريد: عجزًا وجبنا (١)، يعني: أنهم يجبنونهم (٢) عن لقاء العدو بتهويل الأمر عليهم، وقال الكلبي: "إلا شرًّا" (٣) وقال مرة (٤): "إلا غشًّا" (٥)، وقال يمان (٦): "إلا مكرًا" (٧)، وقال الضحاك: "إلا غدرًا" (٨). قال أصحاب النحو والعربية: هذا أمر الاستثناء المنقطع بتقدير: ما زادوكم قوة لكن طلبوا لكم الخبال، وذلك أنهم لم يكونوا على خبال فيزداودا ذلك (٩)، ويجوز أن يكونوا (١٠) على تلون في الرأي لما يعرض في النفس، فكانوا يصيرونه خبالاً (١١) فلا يكون استثناء منقطعًا.

стр. 5852

وقوله تعالى: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾، قال النضر: وضع البعير إذا عدا، وأوضعته أنا: إذا حملته عليه (١)، ونحو ذلك قال أبو زيد (٢)، وأنشد الليث (٣): لماذا (٤) تردّين امرأ جاء لا يرى .... كودّك ودًا قد أكل (٥) وأوضعا (٦) وقال الفراء: العرب تقول: أوضع الراكب، ووضعت الناقة، وربما قالوا للراكب: وضع، وأنشد: إني إذا ما كان يوم ذو فزع .... ألفيتني محتملاً بزّي (٧) أضع (٨)

стр. 5853

وقال الأخفش: يقال: أوضعت (١) وجئت موضعًا ولا توقعه على شيء، قال: وقد يقول بعض قيس (٢): أوضعت بعيري، فلا يكون لحنا (٣)، وقال أبو عبيد: فيما روي عنه ﷺ أنه أفاض من عرفة وعليه السكينة، وأوضع في وادي محسر (٤)، الإيضاع: سير مثل الخبب (٥)، فحصل من هذه الأقوال أن الإيضاع في قول أكثر أهل اللغة معناه حمل البعير على العدو، حتى لا يجوز أن يقال: أوضع الرجل: إذا سار بنفسه سيرًا حثيثًا، [وعند الأخفش وأبي عبيد يجوز أن يقال: أوضع بمعنى سار سيرًا حثيثًا] (٦) من غير أن يراد أوضع ناقته أو بعيره، وأكثر ما جاء في الشعر (أوضع) إنما جاء من غير إيقاع على شيء، قال لبيد (٧):

стр. 5854

أرانا موضعين لحتم غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب أرد: مسرعين، ولا يجوز أن يريد: موضعين (١) الإبل أو المطية؛ لأنه لم يرد السير في الطريق، وقال عمر بن أبي ربيعة: تبالهن (٢) بالعرفان لما عرفنني ..... وقُلن امرؤ باغ أكلَّ وأوضعا (٣) والآية أيضًا تشهد لقول الأخفش وأبي عبيد. وقوله تعالى: ﴿خِلَالَكُمْ﴾ أي: فيما بينكم، ومنه (٤) قوله: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣]، وقوله: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ [الإسراء: ٥]، وأصله من الخلل وهو الفرجة بين الشيئين، وجمعه خلال (٥). ومنه قوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣] (٦)، وقرئ:

стр. 5855

(من خَلله) (١) وهي مخارج مصب القطر، وقال الأصمعي: "تخللت القوم: إذا دخلت من (٢) خللهم وخلالهم" (٣)، ويقال: جلسنا خلال بيوت الحي، وخلال دورهم، أي جلسنا بين البيوت ووسط الدور. قال أهل المعاني: ومعنى الإيضاع هاهنا: إسراعهم في الدخول بينهم للتضريب (٤) ينقل الكلام على التحريف (٥)، وعلى هذا المعنى دل كلام المفسرين، قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ يريد: أضعفوا شجاعتكم (٦)، يعني: بالتضريب بينهم لتفترق الكلمة فتجبنوا عن العدو، وقال الحسن: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ بالنميمة لإفساد ذات بينكم (٧)، هذا هو المعنى الصحيح، وقال الكلبي: يعني ساروا بينكم يبغونكم العنت (٨)، وعلى هذا قوله: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ عبارة عن سيرهم فيما بينهم

стр. 5856

فقط، وقوله تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ حال لهذا السير ولهم، وقال أصحاب العربية في قوله: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾: أي أوضعوا مراكبهم خلالكم (١)، وهو قول أبي الهيثم (٢)، ونحوه الكسائي: خيبوا (٣) ركائبهم فيما بينكم (٤). ولا يكون في (٥) هذا ذمًا لهم إلا أن يحمل هذا على معنى قول الكلبي، وقال ابن الأعرابي: أي: لأسرعوا في الهرب خلالكم (٦)، ونحوه قال ابن الأنباري: أسرعوا الفرار في أوساطكم (٧)، وهذا قول بعيد؛ لأن لفظ الآية ليس يدل على معنى الهرب، [وأي فائدة لقوله في (٨) ﴿خِلَالَكُمْ﴾ لو أراد بالإيضاع: الهرب] (٩)، وقال أبو إسحاق: أي: ولأسرعوا فيما يخل بكم (١٠)، وهذا راجع إلى القول الأول وهو أنه إسراع بالنميمة، والنميمة (١١) مما يخل بهم.

стр. 5857

وقوله (١): يخل بكم، ليس من لفظ الخلال (٢)، ولا بتفسير له، بل هو مضمن في الإيضاع يعني: ولأوضعوا مخلين بكم بالنميمة، وليس الخلال من الإخلال في شيء، هذا معنى قول أبي إسحاق (٣)، وكتب في المصاحف ﴿وَلَأَاوْضَعُوا﴾ بزيادة ألف ومثله: ﴿أَوْ لَأَاذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١] في بعضها، قال الفراء: وهو من سوء هجاء الأولين، وقال الزجاج: إنهم كانوا في ذلك الزمان يكتبون الفتحة ألفًا ولم يكن ذلك من هجاء العرب، والكتابة بالعربية ابتدئ به بقرب نزول القرآن فوقع فيه زيادات في أمكنة (٤)

стр. 5858

وقوله تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أي: يبغون لكم، قال كعب بن زهير: إذا ما نتجنا أربعًا عام كفأة ... بغاها خناسيرًا فأهلك أربعًا (١) أي: بغى لها خناسير، وهي الدواهي، ومعنى بغى هاهنا: طلب. الأصمعي: يقال ابغني كذا أي: اطلبه لي، ومعنى ابغني وابغ لي سواء، وإذا قال: أبغني فمعناه أعنيِّ على بُغائه (٢). أبو عبيد عن الكسائي: أبغيتك (٣) الشيء، إذا أردت: أعنته على

стр. 5859

طلبه، فإذا أردت أنك فعلت ذلك له (١) قلت: بغيته، وكذلك أعكمتك (٢)، وأحلبتك (٣): إذا أعنته، وعكمتك العكم (٤): أي فعلته لك (٥)، ونحو هذا قال الفراء (٦)، ومعنى الفتنة هاهنا: النفاق في قول ابن عباس (٧)، والشرك، في قول محمد بن مسلم (٨)، باختلاف كلمتهم وافتراقهم فيما بينهم وذلك شرك ونفاق، وهو أن يختلفوا على النبي ﷺ (٩)، وقال الكلبي: يبغونكم العنت، يبطئونكم (١٠) (١١).

стр. 5860

وقوله تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي: عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم، هذا قول مجاهد (١) وابن زيد (٢) والكلبي (٣)، وقال قتادة: وفيكم من يسمع كلامهم ويطيعهم (٤)، وقال ابن إسحاق: وفيكم قوم أهل محبة لهم وطاعة [فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم (٥)، ومعناه على هذا: وفيكم أهل سمع لهم وطاعة] (٦) لو صحبهم هؤلاء المنافقون أفسدوهم عليكم (٧) بتثبيطهم إياهم عن (٨) السير معكم، وكل هذا إخبار عن حال المنافقين من حرصهم على خبال المؤمنين وطلب الغوائل لهم (٩). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾، قال ابن عباس: (يريد المنافقين) (١٠).

стр. 5861

٤٨ - قوله تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾، قال ابن عباس: "طلبوا لك العنت والشرمن قبل تبوك" (١)، قال العوفي وابن جريج: وهو أن اثني عشر رجلاً من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة (٢) ليفتكوا بالنبي ﷺ (٣). وقال كثير من المفسرين: يعني: طلبوا صد أصحابك عن الدين وردهم إلى الكفر وتخذيل الناس عنك قبل هذا، وهو ما فعل عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عنك بأصحابه (٤)، فمعنى الفتنة هاهنا: الاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة، وهو الذي طلبه المنافقون للمؤمنين فسلمهم الله منهم (٥).

стр. 5862

وقوله تعالى: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ تقليب الأمر: تصريفه وترديده للتدبير يعني: اجتهدوا في الحيلة عليك، والكيد بك، قال ابن عباس وابن إسحاق: "أداروا (١) لك الأمور، وبغوا لك الغوائل ليخذلوا عنك أصحابك ويردوا عليك أمرك" (٢). وقوله تعالى: ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ إلى آخره، أي: حتي أخزاهم الله بإظهار الحق، وإعزاز الدين على رغم منهم وكره (٣). ٤٩ - وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾، قال ابن عباس والمفسرون كلهم: نزلت في جد بن قيس (٤) المنافق، قال له رسول الله ﷺ لما أرادوا غزو تبوك: "هل لك يا جد العام في جلاد بني الأصفر -[يعني:

стр. 5863

الروم] (١) - تتخذ منهم سراري ووصفاء؟ " وكان (٢) رسول الله ﷺ حرض المؤمنين على غزاة بني الأصفر، وقال: "إن الله تعالى أمرني أن أغزوهم"، وقال (٣): "إنكم لن تغزوا أكرم أحسابًا (٤)، ولا أصبح وجوهًا، ولا أعذب أفواهًا منهم (٥) ". فقال جد: ائذن لي في القعود عنك، وأعينك بمالي فقد عرف قومي أني مغرم بالنساء، وإني أخشى إن رأيت بنات الأصفر ألا أصبر عنهن، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾ (٦). قال ابن عباس: يريد جد بن قيس، ﴿ائْذَنْ لِي﴾ في التخلف، ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾، قال: يريد لصباحة وجوههم، وعذوبة أفواههم (٧)، يعني: لا تفتني ببنات الأصفر، [فإني مستهتر (٨) بالنساء، وهذا قول مجاهد (٩)،

стр. 5864

وقتادة (١)، وابن جريج (٢)، واختيار الفراء (٣)، والزجاج (٤)، قال ابن عباس: اعتل جد بن قيس بقوله: ولا تفتني ببنات الأصفر] (٥) ولم يكن له علة إلا النفاق، وكراهة الخروج (٦)، وقال الحسن: ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ لا تهلكني في ضيعتي ومالي بالخروج معك (٧)، ونحو هذا قال ابن زيد: ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ أي: إن لم تأذن لي افتتنت وعصيت (٨)، وقال الضحاك: إلا تحرجني) (٩)، وقال قتادة: (لا تؤثمني) (١٠)، وقال أبو العالية: (لا تعرضني

стр. 5865

للفتنة) (١)، فقول قتادة وأبي العالية يحتمل الوجهين (٢). وقوله تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾، قال ابن كيسان: يريد أن اعتلالهم بالباطل هو الفتنة لأنها الشرك والكفر (٣)، وقال الزجاج: أعلم الله أنهم قد سقطوا في الإثم (٤)، وقال قتادة: فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله ﷺ ، والرغبة بنفسه عنه أعظم (٥)، قال المفسرون: أي في الشرك والإثم وقعوا بنفاقهم وخلافهم أمر رسول الله ﷺ (٦)، قال أهل المعاني: وهذا بيان عما يوجبه التعليل (٧) بالباطل من أنه ينقلب على صاحبه حتى يقع به (٨)، وجمع الكناية في قوله: ﴿سَقَطُوا﴾ لأنه أراد جدًّا وأصحابه من المنافقين المتخلفين. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ يقول (٩): هي من ورائهم يصيرون إليها بأعمالهم الخبيثة، وقال يمان: هي محدقة بمن كفر بالله جامعة لهم (١٠).

стр. 5866

٥٠ - قوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾، قال ابن عباس والمفسرون: يريد النصر والغنيمة ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ من القتل والهزيمة (١)، ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾، قال ابن عباس: يريد: قد أخذنا حذرنا حين تخلفنا (٢)، ونحو ذلك قال مجاهد (٣)، ووَال الزجاج: أي قد عملنا بالحزم في التخلف (٤)، قال أهل المعاني: كأنه قيل: قد أخذنا أمرنا عن مواضع الهلكة، فسلمنا مما وقعوا (٥) فيه (٦). وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذه المصيبة ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾، قال الكلبي: (عن الإيمان) (٧)، ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾: معجبون بذلك (٨) وهذا بيان عما توجبه العداوة من الاغتمام بتجدد النعمة والفرح بلحاق المصيبة. ٥١ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أي: لن يصبنا خير وشر وشدة ورخاء إلا وهو مقدر علينا، مكتوب في اللوح

стр. 5867

المحفوظ، وهذا معنى قول الحسن (١)، ومقاتل (٢)، ونظير هذه الآية قوله: (ما أَصابَ (٣) مِنْ مُصِيْبَةٍ في الأَرْضِ ولا في أَنْفُسِكُم (٤)) الآية [الحديد: ٢٢]، وقال ابن عباس: يريد: ما قضى الله لنا من الشهادة (٥)، وهذا كأنه جواب لهم عن شماتتهم بهم (٦) إذا أصابتهم مصيبة، أي إن أعظم ما يصيبنا القتل وهو شهادة لنا، فليس يصيبنا غير هذا، وعلى هذا القول ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ﴾ مخصوص هاهنا بالشهادة، وفي القول الأول عام في كل ما يصيب. قال الزجاج: وفيه وجه آخر: ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أي: بين الله لنا في كتابه من أنا نظفر فيكون ذلك حسنى لنا، أو نقتل فتكون الشهادة حسنى لنا أيضاً، أي فقد كتب الله ما يصيبنا وعلمنا ما لنا فيه من الحظ (٧). والأكثرون من المفسرين على القول الأول (٨)، وقالوا: هذا يدل على أن أمر (٩) العباد يجري على تقدير قد أحكم، وتدبير قد أبرم (١٠)،

стр. 5868

فلا يحدث في الكائنات شيء إلا وقد جرى به قضاء سابق. وقوله تعالى: ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾، قال ابن عباس: (ناصرنا) (١)، وقيل: الذي يتولى حياطتنا ودفع الضرر عنا (٢)، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، أي: وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم على الرضا بتدبيره والثقة بحسن اختياره، قال أصحاب المعاني: وهذا بيان عما يوجبه إظهار شماتة الأعداء من الإقرار بأنه لا يصيب العبد إلا ما قضى (٣) عليه والتسليم لأمره، والتوكل عليه. ٥٢ - قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ الآية، يقال: فلان يتربص بفلان الدوائر: إذا كان ينتظر وقوع (٤) مكروه (٥) به، وهذا مما سبق الكلام فيه (٦)، وقال أهل المعاني: التربص: التمسك بما ينتظر به مجيء حينه، وكذلك قيل: تربص بالطعام إذا تمسك به إلى حين زيادة سعره (٧)، وابن عباس والمفسرون يقولون في التربص هاهنا: الانتظار (٨) والحسنى: تأنيث الأحسن.

стр. 5869

قال ابن عباس وجميع المفسرين في: ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ يعني الغنيمة والفتح، أو (١) الشهادة والمغفرة (٢)، وقد قال رسول الله ﷺ "تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرج إلا إيمانًا بالله وتصديقًا لرسوله أن يرزقه الشهادة، أو يرده إلى أهله مغفورًا نائلاً ما نال من أجر وغنيمة" (٣). أخبرناه (٤) الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم (٥)، قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن الحسن المفسر (٦) قال (٧): أنبأ أبو بكر محمد ابن أحمد بن جعفر العدل (٨)، ثنا أبو (٩) عبد الله محمد بن إبراهيم

стр. 5870

العبدي (١)، ثنا أبو بكر أمية بن بسطام (٢)، أنبأ يزيد بن زريع (٣)، عن روح ابن القاسم (٤)، عن سهيل، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ فذكر الحديث. وأخبرناه أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن إبراهيم بن يحيي التميمي (٥) أنبا أبو عمرو إسماعيل بن أبي أحمد السلمي (٦)، أنبا،

стр. 5871

العبدي فذكره بإسناده، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤]. وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾، قال ابن عباس: ننتظر بكم (١)، ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ (٢)، قال: يريد بقارعة من السماء (٣)، وقال الكلبي: بعذاب من عنده كما أصاب الأمم الخالية (٤). وقوله تعالى: ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾، قال ابن عباس: يريد بإذن الله لنا في قتلكم فنقتلكم (٥)، وقال ابن كيسان: أي إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلناكم (٦). وقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾، قال ابن عباس: فانتظروا (٧) إنا معكم منتظرون (٨)، وقال الحسن: فتربصوا مواعيد الشيطان

стр. 5872

إنا معكم متربصون مواعبد الله، من إظهاره دينه واستئصال من خالفه (١) وكان الشيطان يمني المنافقين موت النبي ﷺ وهو قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]. وقال أبو إسحاق: يقول أنتم تربصون بنا إحدى الحسنيين، ونحن نتربص بكم إحدى السوأتين (٢) فبين ما تنتظرونه وننتظر (٣) فرق عظيم (٤). وقال أهل المعاني: ومعنى صيغة الأمر في قوله: فتربصوا التهدد (٥)، وذلك أن تربصهم تمسك بما يؤدي إلى الهلاك، وتربص المؤمنين تمسك بما يؤدي إلى النجاة، وهذا بيان عما يوجبه اختلاف أحوال المحق والمُبطل. ٥٣ - قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، قال ابن عباس: نزلت في جد بن قيس حين قال للنبي ﷺ : ائذن لي في القعود وهذا مالي أعينك به (٦)، قال الفراء والزجاج: هذا لفظ أمر، ومعناه معنى الشرط والجزاء، المعنى: إن أنفقتم طائعين أو مكرهين لن يتقبل منكم، وأنشدا قول كُثّير:

стр. 5873

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ..... لدينا ولا مقلية إن تقّلت (١) (٢) قال الزجاج: فلم يأمرها بالإساءة ولكن أعلمها أنها إن أساءت أو أحسنت فهو على عهدها (٣)، ووقوع الأمر في موقع الخبر كوقوع لفظ الخبر في معني الأمر في الدعاء كقولك: غفر الله لفلان ورحمه، ومعناه: اغفر له وارحمه. قال الفراء: ومثل هذه الآية في قوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] الآية (٤)، ونذكره في موضعه إن شاء الله (٥)، وقال ابن عباس في قوله: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ يريد: طائعين أو كارهين (٦). وقوله تعالى: ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ الآية، قال (٧): يريد [أنه (٨) لا يتقبل من أعدائه صدقاتهم ونفقاتهم (٩)، ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ قال:

стр. 5874

يريد] (١) عاصين لله على غير طريقة الإسلام (٢). ٥٤ - وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾ وقرئ: يقبل بالياء (٣)، فمن قرأ بالتاء فلأن الفعل مسند إلى مؤنث، ومن قرأ بالياء ذهب إلى أن النفقات (٤) بمعنى الإنفاق (٥)، كقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. قال الفراء والزجاج وجميع النحويين: موضع (أن) الأولى نصب، والثانية في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ رفع، والتقدير: وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم (٦)، قال أهل العلم: وهذه الآية دليل على أن الكافر لا يقبل له عمل ولا يكتب له معروف، فإن أسلم كتب له ما أتاه من طاعة في الشرك (٧).

стр. 5875

قال حكيم بن حزام لرسول (١) الله ﷺ : إنا كنا نتحنث بأعمال في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : "أما أنت فقد أسلمت على ما قدمت من الخير" (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ مضى الكلام في (كسالى) في سورة النساء [١٤٢]. قال عطاء عن ابن عباس: يريد إن كان في جماعة صلى، وإن كان

стр. 5876

وحده لم يصل (١)، يريد إن صلى لم يرجُ لها ثوابًا، وإن تركها لم يخف عليها عقابًا، هذا معنى يأتونها (٢) كسالى، فإن قيل: أي صلاة تصح لهم حتى ذُموا بالكسل عنها؟ قيل: إنما ذمّوا بأنهم صلوها (٣) على غير الوجه الذي أمروا به من النفاق الذي يبعث على الكسل عنها، دون الإيمان الذي يبعث على النشاط لها (٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾، قال المفسرون: وذلك أنهم يعدون الإنفاق مغرمًا ومنعه مغنمًا (٥)، وهذا يوجب أن تكون النفس طيبة عند أداء الزكاة والإنفاق في سبيل الله؛ لأن الله ذم المنافقين بكراهتهم الإنفاق وهذا معنى قوله ﷺ : "وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم" (٦) فإن أداها وهو كاره لذلك كان من علامات الكفر والنفاق. ٥٥ - قوله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ﴾ الآية، معنى الإعجاب،

стр. 5877

السرور بما يتعجب منه، قال المفسرون: يقول لا تستحسن (١) ما أنعمنا عليه من الأموال الكثيرة والأولاد، فإن العبد إذا كان مستدرجًا كثر ماله وولده (٢)، قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ هو أن كثيراً من المنافقين كان لهم أولاد أتقياء كحنظلة بن أبي (٣) عامر (٤)، غسلته الملائكة وعبد الله بن عبد الله بن أبيّ (٥)، شهد بدرًا وكان من الله بمكان، وهم بشرٌ كثيرٌ صالحون أبرياء من النفاق (٦)، يريد أن صلاح أولادهم لأنفسهم وهم لا يغنون عن هؤلاء شيئًا، وعلى هذا يحتمل (٧) أن يكون المعنى في أموالهم (٨) ما ينفقون منها في سبيل الله ولا ينفعهم ذلك فإنه لا يقبل منهم (٩).

стр. 5878

[وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا﴾، قال النحويون: في الآية مقدر كأنه قيل: إنما يريد الله أن يملي لهم فيها ليعذبهم، فتكون هذه اللام لام العاقبة (١)، ويجوز أن تكون هذه اللام بمعنى (أن) تعاقبها (٢)] (٣). وقوله تعالى: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، قال مجاهد (٤)، وقتادة (٥)، والسدي (٦): المراد بهذا: التقديم، على تقدير: أموالهم (٧) وأولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، وهذا يروى عن ابن عباس أيضًا: رواه الوالبي (٨)، ومن المفسرين من أقره في موضعه (٩)، قال

стр. 5879

الحسن: إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا بأخذ الزكاة والنفقة في سبيل الله (١)، وقال ابن زيد: يعذبهم بها في الحياة الدنيا بالمصائب فيها، فهي لهم عذاب وللمؤمن أجر (٢)، وقيل: بالتعب في جمعه والوجل في حفظه والكره في إنفاقه (٣)، والقولان ذكرهما الفراء (٤)، والزجاج (٥). وقوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد: وتموت أنفسهم) (٦)، يقال: زهقت نفسه فهي تزهق: أي تذهب (٧)، قال الكسائي: زهقت نفسه وزهقت لغتان (٨)، وقال أبو زيد: (زهقت نفسه وزهق الباطل، وزهق إذا سبق، ليس في شيء منه زهق) (٩)، قال الزجاج: المعنى وتخرج أنفسهم وهم على الكفر (١٠).

стр. 5880

قال أصحابنا: وهذا نص في أن الله يريد أن يموتوا كافرين (١). ٥٦ - قوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾، قال أبو إسحاق: أي يحلفون بالله أنهم مؤمنون كما أنتم مؤمنون فأكذبهم الله بقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ (٢)، قال ابن عباس: يريد أنهم ليسوا بأنصار ولا كرامة (٣)، وقال الزجاج: لأنهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر (٤). ٥٧ - وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ أي: [يفرقون أن] (٥) يظهروا (٦) ما هم عليه فيقتلوا، قال الضحاك: أي إنما يحلفون تقية (٧)، والفرق: الخوف، ومنه قيل: رجل فروقة وهو الشديد الخوف. قوله تعالى: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ الملجأ: المكان الذي يتحصن فيه، ومثله اللجأ مقصور ومهموز (٨)، قال الزجاج (٩): وأصله من لجأ إلى

стр. 5881

كذا يلجأ لجأ، بفتح اللام وسكون الجيم، ومثله: إلتجأ (١)، وألجأته إلى كذا أي: اصطررته (٢) إليه، قال ابن عباس: يريد مهربًا (٣). وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ هي جمع مغارة، وهي الموضع الذي تغور فيه أي: تستتر، قال أبو عبيدة: كل شيء غرت فيه فغبت فهي مغارة (٤) لك (٥)، ومنه (٦) غار الماء في الأرض وغارت العين، قال عطاء، عن ابن عباس: يعني سراديب (٧). وقوله تعالى: ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾، قال الزجاج: أصله مدتخل والتاء بعد الدال تبدل دالاً؛ لأن التاء مهموسة والدال مجهورة، وهما من مكان واحد (٨)، وهو (مفتعل) من الدخول كالمتلج (٩) من (١٠) الولوج، ومعناه

стр. 5882

المسلك الذي يتدسس بالدخول فيه، قال قتادة: سربا (١)، وقال الكلبي وابن زيد: نفقا كنفق اليربوع (٢)، وقال الضحاك: مأوى (٣)، وقال الحسن: وجهاً يدخلونه (٤). وقوله تعالى: ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾، قال ابن قتيبة: لرجعوا إليه (٥) [وأدبروا إليه] (٦)، يقال: ولي إليه بنفسه إذا انصرف، وولى غيره: إذا صرفه (٧). وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ أي: يسرعون إسراعًا لا يرد وجوههم شيء، ومن هذا يقال: جمح الفرس، وهو فرس جموح وهو (٨) الذي إذا حمل لم (٩) يرده اللجام (١٠)، قال ابن عباس: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ (١١): يريد مثل ما يجمع الفرس (١٢)، قال ابن كيسان والزجاج وغيرهما: معنى الآية

стр. 5883

أن هؤلاء المنافقين لا بصيرة لهم في الدين ولا احتساب، وإنما هم فيه كالمسخرين، حتى لو وجدوا أحد هذه الأشياء التي ذكرت لأسرعوا إليه طلبًا للفرار (١). ٥٨ - وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية، قال أبو سعيد الخدري: بينما رسول الله ﷺ يقسم مالاً إذ جاءه ابن ذي (٢) الخويصرة التميمي وهو حرقوص بن زهير (٣)، أصل الخوارج، فقال:

стр. 5884

اعدل يا رسول الله، فقال: "ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟! " فنزلت هذه الآية (١). وقال الكلبي: نزلت في المؤلفة قلوبهم وهم المنافقون (٢)، قال رجل منهم يقال له أبو الجواظ (٣): لم تقسم بالسوية فأنزل الله هذه الآية (٤). ونحو ذلك قال ابن زيد. هؤلاء المنافقون قالوا: والله (٥) ما يعطيها محمد إلا من (٦) أحب ولا يؤثر

стр. 5885

بها (١) إلا هواه (٢). قال الليث: اللمز كالغمز في الوجه، رجل لمزة يعيبك في وجهك [ورجل همزة يعيبك بالغيب (٣)] (٤)، وقال الزجاج: يقال: لمزتُ الرجل ألمزه بكسر الميم، ولَمُزت بضم الميم (٥): [إذا عبته] (٦) وكذلك همزته أهمزه: إذا عبته، والهمزة اللمزة الذي يغتاب الناس ويغضهم (٧)، وكذلك قال ابن السكيت، ولم يفرق بينهما (٨)، وكذلك قال الفراء (٩). قال الأزهري: وأصل الهمزة واللمز الدفع، قال الكسائي: يقال: همزته ولمزته ولهزته (١٠): إذا دفعته (١١).
следующие страницы →