← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

كذا يلجأ لجأ، بفتح اللام وسكون الجيم، ومثله: إلتجأ (١)، وألجأته إلى كذا أي: اصطررته (٢) إليه، قال ابن عباس: يريد مهربًا (٣). وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ هي جمع مغارة، وهي الموضع الذي تغور فيه أي: تستتر، قال أبو عبيدة: كل شيء غرت فيه فغبت فهي مغارة (٤) لك (٥)، ومنه (٦) غار الماء في الأرض وغارت العين، قال عطاء، عن ابن عباس: يعني سراديب (٧). وقوله تعالى: ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾، قال الزجاج: أصله مدتخل والتاء بعد الدال تبدل دالاً؛ لأن التاء مهموسة والدال مجهورة، وهما من مكان واحد (٨)، وهو (مفتعل) من الدخول كالمتلج (٩) من (١٠) الولوج، ومعناه

стр. 5882

المسلك الذي يتدسس بالدخول فيه، قال قتادة: سربا (١)، وقال الكلبي وابن زيد: نفقا كنفق اليربوع (٢)، وقال الضحاك: مأوى (٣)، وقال الحسن: وجهاً يدخلونه (٤). وقوله تعالى: ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾، قال ابن قتيبة: لرجعوا إليه (٥) [وأدبروا إليه] (٦)، يقال: ولي إليه بنفسه إذا انصرف، وولى غيره: إذا صرفه (٧). وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ أي: يسرعون إسراعًا لا يرد وجوههم شيء، ومن هذا يقال: جمح الفرس، وهو فرس جموح وهو (٨) الذي إذا حمل لم (٩) يرده اللجام (١٠)، قال ابن عباس: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ (١١): يريد مثل ما يجمع الفرس (١٢)، قال ابن كيسان والزجاج وغيرهما: معنى الآية

стр. 5883

أن هؤلاء المنافقين لا بصيرة لهم في الدين ولا احتساب، وإنما هم فيه كالمسخرين، حتى لو وجدوا أحد هذه الأشياء التي ذكرت لأسرعوا إليه طلبًا للفرار (١). ٥٨ - وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية، قال أبو سعيد الخدري: بينما رسول الله ﷺ يقسم مالاً إذ جاءه ابن ذي (٢) الخويصرة التميمي وهو حرقوص بن زهير (٣)، أصل الخوارج، فقال:

стр. 5884

اعدل يا رسول الله، فقال: "ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟! " فنزلت هذه الآية (١). وقال الكلبي: نزلت في المؤلفة قلوبهم وهم المنافقون (٢)، قال رجل منهم يقال له أبو الجواظ (٣): لم تقسم بالسوية فأنزل الله هذه الآية (٤). ونحو ذلك قال ابن زيد. هؤلاء المنافقون قالوا: والله (٥) ما يعطيها محمد إلا من (٦) أحب ولا يؤثر

стр. 5885

بها (١) إلا هواه (٢). قال الليث: اللمز كالغمز في الوجه، رجل لمزة يعيبك في وجهك [ورجل همزة يعيبك بالغيب (٣)] (٤)، وقال الزجاج: يقال: لمزتُ الرجل ألمزه بكسر الميم، ولَمُزت بضم الميم (٥): [إذا عبته] (٦) وكذلك همزته أهمزه: إذا عبته، والهمزة اللمزة الذي يغتاب الناس ويغضهم (٧)، وكذلك قال ابن السكيت، ولم يفرق بينهما (٨)، وكذلك قال الفراء (٩). قال الأزهري: وأصل الهمزة واللمز الدفع، قال الكسائي: يقال: همزته ولمزته ولهزته (١٠): إذا دفعته (١١).

стр. 5886

قال ابن عباس في رواية عطاء: يلمزك يغتابك (١). وقال قتادة: يطعن عليك (٢). وقال الكلبي: ﴿يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي: يعيبك في أمرها، ويطعن عليك فيها (٣). وقال أبو علي: المعنى في حذف الإضافة والتقدير: يعيبك في تفريق الصدقات (٤). وقال أهل المعاني: هذه (٥) الآية بيان عما يوجبه الخلق الدني (٦) من الشره إلى الصدقة حتى يعيب ما لا عيب فيه إذا لم يعطه ما يرضيه (٧). وقال جويبر عن الضحاك في هذه الآية: كان رسول الله ﷺ يقسم بينهم ما آتاه الله من قليل المال وكثيره، وكان المؤمنون يرضون بما أعطوا ويحمدون الله عليه، وأما المنافقون فإن أعطوا كثيراً فرحوا، وإن أعطوا قليلاً سخطوا (٨).

стр. 5887

٥٩ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا﴾ الآية، جواب (لو) محذوف بتقدير: لكان خيرًا لهم، وأعود عليهم (١)، قال ابن عباس: ولكن غلب عليهم النفاق، ولم يحق الإيمان في قلوبهم، فيتوكلوا على الله حق توكله (٢). ثم إن الله تعالى بين لمن الصدقات فقال: ٦٠ - ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية، قال ابن عباس: يريد صدقات الأموال (٣). وذكرنا معنى الصدقة عند قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] الآية (٤). واختلفوا في معنى الفقير والمسكين، والكلام في اشتقاقهما قد سبق (٥)، فأما معناهما: فقال ابن عباس والحسن وجابر بن زيد (٦) والزهري

стр. 5888

ومجاهد وابن زيد: الفقير: المتعفف الذي لا يسأل الناس (١)، والمسكين الذي يسأل (٢)، وهذا اختيار الفراء، قال: الفقراء أهل الصفة لم تكن لهم عشائر ولا مال كانوا يأوون إلى مسجد رسول الله ﷺ والمساكين: الطوافون على الأبواب (٣) (٤). وسئل أبو العباس عن تفسير الفقير والمسكين فقال: قال أبو عمرو بن العلاء فيما روى عنه (٥) الأصمعي: الفقير [الذي له ما يأكل، والمسكين الذي لا شيء له (٦). وقال يونس (٧):] (٨) الفقير يكون له بعض ما يقيمه، والمسكين الذي لا شيء له، وقال (٩): قلت لأعرابي أفقير أنت؟ قال: لا والله بل مسكين، قال: فالمسكين أسوأ حالاً من الفقير، والفقير الذي له بلغة من العيش (١٠)،

стр. 5889

ونحو هذا قال ابن السكيت (١) وابن قتيبة (٢)، وهو مذهب أهل العراق (٣)، واحتجوا على هذا بقول الراعي: أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد (٤) فسماه فقيرًا، وله حلوبة تكفيه وعياله (٥). وقال محمد بن مسلمة (٦) (٧): الفقير الذي له المسكن يسكنه والخادم

стр. 5890

يخدمه (١)، والمسكين الذي لا ملك له (٢)، وهؤلاء قالوا (٣): كل محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه وإن كان غنيًا عن غيره، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] والمسكين المحتاج إلى كل شيء، ألا ترى كيف حض على إطعامه وجعل الكفارات من الأطعمة له ولا فاقة أعظم من سد الجوعة. وقال الشافعي: الفقراء: الزمنى الضعاف الذي لا حرفة لهم وأهل الحرفة الضعيفة التي لا تقع حرفته من حاجتهم موقعًا، [والمساكين: السؤال ممن لهم حرفة تقع موقعًا] (٤) ولا تغنيه وعياله (٥)، فالفقير أشدهما حالاً عند الشافعي وإلى هذا ذهب جماعة (٦)، وقال أحمد بن عبيد (٧): المسكين أحسن

стр. 5891

حالاً من الفقير؛ لأن الفقير أصله في اللغة المفقور الذي نزعت فقرة من فقر ظهره، فصرف عن مفقور إلى فقير كما قيل: مطبوخ وطبيخ ومجروح وجريح (١). وقال خالد بن يزيد (٢): كأن الفقير إنما سمي فقيرًا لزمانة تصيبه مع حاجة شديدة، تمنعه الزمانة من التقلب في الكسب على نفسه فهذا هو الفقير (٣)، ولا حال في الإقلال والبؤس هي أوكد من هذه الحال، وأنشدوا للبيد: لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم (٤) كالفقير الأعزل (٥)

стр. 5892

قال ابن الأعرابي في هذا البيت: الفقير: المكسور الفقار يضرب مثلاً لكل ضعيف لا ينفذ في الأمور (١). وقال قتادة: الفقير: الزمن المحتاج، والمسكين: الصحيح المحتاج (٢)، فجعل الفقير أسوأ حالاً، ومما يدل على صحة هذا القول أن الله ابتدأ بذكرهم، فدل أنهم أولى الأصناف بالصدقات لسوء حالهم، وما روي أن رسول الله ﷺ تعوذ من الفقر (٣)، وروي عنه أنه قال: "اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا (٤)، واحشرني في زمرة المساكين" (٥).

стр. 5893

فلو كان المسكين أسوأ حالاً من الفقير لتناقض الحديثان؛ لأنه يتعوذ من الفقر ثم يسأل حالاً أسوأ منه، ولا تناقض بينهما؛ لأنه تعوذ بالله من الضر (١)، وسوء الحال، وسأله الخضوع وأن لا يجعله من الجبارين. والمسكنة حرف مأخوذ من السكون، يقال: تمسكن الرجل: إذا لان وتواضع وخشع، ومنه قول النبي ﷺ : "تبأس وتمسكن" (٢) يريد: تواضع وتخشع، فيجوز أن يكون الرجل يملك شيئًا، وله حالة من الدنيا، ويكون مسكيناً على ما ذكرنا، ألا ترى أن الله تعالى استجاب دعاء نبيه ﵇ وأعاذه من الفقر؛ لأنه قبضه موسرًا غنيًا بما أفاء عليه، وإن كان لم يضع درهمًا على درهم، والله يقول: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]. هذا الذي ذكرنا كلام ابن قتيبة في هذين الحديثين (٣). واحتد ابن الأنباري لهذه (٤) الطريقة بقوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ

стр. 5894

لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] الآية، فوصف بالمسكنة من له سفينة من سفن البحر تساوي جملة من الدنانير (١)، وبقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: ١٤ - ١٦]، ومسكين ذو متربة: هو الفقير الذي قد لصق بالتراب من شدة الفقر، والمسكين الذي ليس بذي متربة هو أحسن حالاً من الفقير؛ لأنه ذو مال، ونعت الله تعالى هذا المسكين بأنه ذو متربة يدل على أن ثم مسكينًا ليس بذي متربة يخالف المنعوت ولا يبلغ منزلته في شدة الفقر. وأما احتجاجهم ببيت الراعي، قلنا: قد ذكر الفقير وحده وكل فقير أفردته بالاسم جاز إطلاق المسكين عليه، وكذلك إطلاق الفقير على المسكين، وإنما يتبين مقصود هذه المسألة عند الجمع بينهما وفائدة هذا الخلاف لا تبين في تفريق الصدقات، وإنما تبين في الوصايا، وهو أن رجلاً لو (٢) قال: أوصيت للفقراء بمائتين وللمساكين بخمسين وجب (٣) دفع المائتين إلى من هو أسوأ حالاً من الفريقين. ومن الناس من سوى بين الفقير والمسكين وقال: هما واحد إلا أنه

стр. 5895

ذكر (١) بالصفتين لتأكيد أمره (٢). والظاهر من هذه الأقوال الذي يوافق اللغة قول قتادة، هو أن الفقير ذو الزمانة سنة من أهل الحاجة، والمسكين الصحيح منهم، وهو في اللغة (مفعيل) من السكون مثل المنطيق من النطق، ومضى الكلام فيه عند قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١]. وحدّ الفقير والمسكين الذي يجوز دفع الزكاة إليه هو من لا يفي دخله بخرجه. وقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾، قال ابن عباس: يريد الذين يستخرجونها (٣). وقال الزهري وابن زيد: هم السعاة لجباية الصدقة (٤). وهؤلاء يعطون من الصدقات بقدر أجور أمثالهم، وهو مذهب الشافعي (٥)، وقول عبد الله بن عمرو (٦)، وابن زيد (٧)، وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثُّمُن من الصدقات (٨).

стр. 5896

والصحيح أن الهاشمي والمطلبي (١) لا يجوز أن يكون عاملاً على الصدقات [بعمالة منها؛ لأن رسول الله ﷺ أبي أن يبعث أبا رافع (٢) عاملاً على الصدقات] (٣)، وقال: "أما علمت أن مولى القوم منهم؟! " (٤). وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، قال ابن عباس: هم قوم من أشراف العرب استألفهم رسول الله ﷺ ليردوا عنه قومهم ويعينوه على عدوه، منهم عباس بن مرادس السلمي، وعيينة بن حصن الفزاري (٥)، والأقرع بن حابس

стр. 5897

التميمي (١)، والحارث بن هشام المخزومي، وأبو سفيان بن حرب الأموي، وجماعة (٢)، وهذا قول الكلبي (٣) والأكثرين (٤). وكان رسول الله ﷺ يعطيهم سهمًا من الزكاة، فأما اليوم فقد أغنى الله المسلمين عن ذلك إنما كانوا على عهد رسول الله ﷺ خاصة، وهذا قول الحسن (٥) والشعبي (٦)، فإن رأى الإمام على مقتضى الحال يريد أن يؤلف قلوب قوم على الإسلام فله الإعطاء إذا كانوا مسلمين، إذ لا يجوز صرف شيء من زكاة الأموال إلى المشركين، فأما المؤلفة من المشركين فإنما يعطون من مال الفيء لا من الصدقات (٧).

стр. 5898

وقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، قال ابن عباس: (يريد المكاتبين) (١)، وقال الزجاج: (كأن يعاون المكاتب حتى يفك رقبته) (٢). وهذا على حذف المضاف؛ لأن المعنى: وفي فك الرقاب، وقد مضى مثل هذا في سورة البقرة [١٧٧] في قوله تعالى: ﴿وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾. وسهم الرقاب موضوع في المكاتبين (٣) ليعتقوا به، وهذا مذهب الشافعي (٤) والليث بن سعد (٥). ومذهب مالك (٦) وأحمد (٧) وإسحاق (٨): أنه موضوع (٩) لعتق الرقاب يشترى به عبيد فيعتقون. ومذهب (١٠) أبي حنيفة وأصحابه أنه لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة،

стр. 5899

ولكن يعطى منها رقبة ويعان بها مكاتب (١)، وهذا قول سعيد بن جبير (٢) والنخعي (٣). وقال الزهري: (سهم الرقاب نصفان نصف للمكاتبين المسلمين، ونصف يشترى به رقاب ممن صلوا وصاموا وقدم إسلامهم، فيعتقون، من الذكور والإناث) (٤). قال أصحابنا: (والاحتياط في سهم الرقاب دفعه إلى السيد بإذن المكاتب (٥)) (٦)، وهذا معنى تغيير اللفظ على ما ذكره صاحب "النظم"، وهو أنه قال: قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ إلى قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ فصل جاء بنظم له معنى خاص دون ما بعده، وذلك أن الله تعالى قصد به دفع الصدقات إلى هؤلاء ليعملوا فيما يعطون ما شاؤوا في نفقاتهم وغيرها، ثم

стр. 5900

قال: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ إلى آخر الآية (١) فجاء هذا بنظم غير ذلك النظم، فكأنه أمر بأن يوضع ما يقدر لهم في المواضع التي بها استحقوا الصدقة دون أن يدفع إليهم فيصرفوه في غيره، فيجب أن يوضع في الرقاب بأن يؤدى عنهم، وكذلك: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ ويصرف ما أوجب للسبيل وابنه إلى ما يحتاجون إليه من آلة ونفقة، دون دفعه إليهم، وإنما قلنا هذا على ظاهر النظم لأنه لم يجعله فصلين بنظمين مختلفين إلا وقد قصد به معنيين متغايرين. وقوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾، قال ابن عباس: (يريد أهل الدين) (٢)، وقال مجاهد (٣) وقتادة (٤) والزهري (٥): (الغارمون: الذين لزمهم الديون في غير معصية ولا إسراف). قال الشافعي: (وهم صنفان: صنف أدانوا في مصلحتهم أو معروف أو غير معصية ثم عجزوا عن أداء ذلك في العرض والنقد، فيعطون في غرمهم، وصنف أدانوا في حمالات وصلاح ذات بين، ولهم عروض إن بيعت أضر بهم فيعطى هؤلاء وتوفر عروضهم (٦)، وذلك إذا كان دينهم في غير فسق ولا تبذير ولا معصية، فأما من أدان في معصية الله فلا أرى أن

стр. 5901

يعطى)، قال الزجاج: (لأن ذا المعصية إن أدي عنه الدين كان ذلك تقوية له على المعاصي) (١). وأصل الغرم في اللغة: لزوم ما يشق ويتعذر، والغرام: العذاب اللازم أو (٢) العشق أو الشر اللازم، وفلان مغرم بالنساء: -إذا كان مولعًا بهن- من هذا (٣). وقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: الغزاة والمرابطين، عند عامة المفسرين (٤)، قال الزجاج: (أي للمجاهدين حق في الصدقة) (٥). ومذهب الشافعي في هذا: أن المغازي يجوز أن يعطى وإن كان غنيا إذا طلب (٦) وهو مذهب مالك (٧) وإسحق (٨) وأبي (٩) عبيد (١٠). وقال أبو حنيفة وصاحباه (١١): (لا يعطى المغازي إلا أن يكون

стр. 5902

محتاجًا (١)، واحتج (٢) الشافعي بما روي أن النبي ﷺ قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: رجل عمل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو في سبيل الله (٣)، أو ابن السبيل (٤)، أو رجل كان له جار فتصدق عليه فأهداها له" (٥). وقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، قال ابن عباس: (يريد عابر السبيل) (٦)، قال المفسرون: (المسافر المنقطع يأخذ من الصدقة وإن كان

стр. 5903

غنيًا في بلده (١)، وهذا قول مجاهد (٢) والزهري (٣)، وقال الزجاج: (هو الذي قطع عليه الطريق) (٤). قال الشافعي: (ابن السبيل المستحق للصدقة: هو الذي يريد السفر في غير معصية، فيعجز عن بلوغ سفره إلا بمعونة) (٥)، قال أصحابنا: (ومن أنشأ السفر من بلده لحاجة جاز أن يدفع إليه سهم ابن السبيل كالمجتاز ببلدك) (٦). وقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، قال الزجاج: (منصوب على التوكيد؛ لأن قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ لهؤلاء كقوله: فرض الله الصدقات (٧) لهؤلاء) (٨). ﴿فَرِيضَةً﴾، قال ابن عباس: (يريد أن الله ﵎ افترض هذا على الأغنياء في أموالهم) (٩) ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ بما حكم فيهم (١٠).

стр. 5904

فأما حكم هذه الآية فقال قوم: قاسم الصدقة له أن يضعها في أي هؤلاء الأصناف شاء، وإنما سمى (١) الله الأصناف الثمانية (٢) إعلاماً منه أن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف إلى غيرها، وهذا قول عمر وحذيفة وابن عباس وابن جبير وعطاء وأبي العالية وإبراهيم (٣)، ومذهب أبي حنيفة (٤) (٥).

стр. 5905

وكان الشافعي يجري الآية على ظاهرها ويقول: ذكر الله تعالى ثمانية أصناف فبين أن كل صنف منهم يستحق سهمه فلا يجوز حرمان صنف موجود، وكيف يجوز مع هذه القسمة (١) التي تولاها سبحانه ثم أكدها بقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ فإذا تولى رب المال قسمها فإن عليه وضعها في ستة أصناف [لأن سهم] (٢) المؤلفة ساقط، وسهم العاملين (٣) يبطل بقسمة إياها، ولا يجزئه أن يعطي من كل صنف منهم أقل من ثلاثة أنفس، ولا يصرف منها سهم ولا شيء منه عن أهله ما دام من أهله أحد (٤) يستحقه، ولا يخرج من بلد وفيه أهله، وترد حصة من لم يوجد من أهل السهمان على من وجد منهم) (٥)، وهذا قول عمر (٦) بن عبد العزيز (٧) وعكرمة (٨) والزهري (٩).

стр. 5906

قال أصحابنا: (أقل عدد كل صنف ثلاثة فصاعدًا، للفظ الجمع في (١) الآية، فإن دفع سهم الفقراء إلى فقيرين ضمن نصيب الثالث، وهو ثلث سهم الفقراء، يضمنه لفقير واحد أو (٢) أكثر) (٣). وأما كيفية قسمها فهو أن تنظر فإن وجدت خمسة أصناف وقد لزمك أن تتصدق بعشرة دراهم، جعلت العشرة خمسة أسهم، كل سهم درهمان، ولا يجوز التفاضل، ثم يلزمك أن تدفع إلى كل صنف درهمين، وأقل عددهم ثلاثة ولا تلزمك التسوية بينهم، ولك أن تعطي فقيرًا درهمًا، وفقيرًا خمسة أسداس، وفقيرًا سدس درهم، هذه صفة قسم الصدقات على مذهب الشافعي (٤). ٦١ - قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾، قال المفسرون: (نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحارث (٥) وجماعة معه، كانوا يؤذون رسول الله ﷺ ويبلغون حديثه إلى المنافقين ويعيبونه، ويقولون فيما بينهم: نقول ما شئنا ثم نأتيه ونحلف له ونقول: ما قلنا فيصدقنا؛ لأنه أذن، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ (٦)

стр. 5907

يعني (١) من المنافقين من يوذيه بنقل حديثه، وعيبه ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ أي يسمع من كل أحد ما يقول ويقبله، وقال (٢) الحسن: (قالوا: ما هذا الرجل إلا أذن، من شاء صرفه كيف شاء، ليست له عزيمة (٣). وقرأ نافعٌ (أذن) بالتخفيف (٤)، مثل عنق وظفر وطنب، وكل ذلك يجيء فيه (٥) التخفيف، والأذن في الأصل عبارة عن جارحة مخصوصة، ويجوز أن يطلق على الجملة، ويوصف به، كما قال الخليل في الناب من الإبل: (إنه سميت به لمكان الناب البازل (٦) فسميت الجملة كلها به (٧)) (٨). وكما قالوا للربيئة (٩)، وهو عين القوم، ويجوز أن يجري الاسم وصفًا للشيء إذا وجد معنى ذلك الاسم فيه (١٠)، وذلك كما أنشد أبو عثمان (١١):

стр. 5908

مئبرة العرقوب إشفى المرفق (١) فوصف المرفق بالإشفى لما أراد من الدقة (٢) والهزال، وخلاف الدرم (٣). وقال آخر (٤): فلولا الله والمهر المفدى ... لأبت وأنت غربال الإهاب فجعله غربالًا لكثرة الخروق فيه من آثار الطعن، فكذلك ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ أجرى على الجملة اسم الجارحة لإرادة (٥) كثرة استعمالها (٦) في الاصغاء بها، ويجوز أن تكون (فعلا) من أذن يأذن: إذا استمع، ويكون معناه: إنه كثير الاستماع، وفي التنزيل: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (٧) أي استمعت، وقالوا: ائذن لكلامي: أي استمع له، وفي الحديث: "ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي

стр. 5909

يتغنى بالقرآن" (١)، ومنه قول عدي (٢): في سماع يأذن الشيخ له ... وحديث مثل ماذي مشار (٣) ويقوي هذا الوجه أن أبا زيد قال: رجل أُذُنٌ، ويَقَنٌ: إذا كان يصدق بكل ما يسمع (٤)، فكما أن يَقَنٌ صفة كبطل (٥)، كذلك أُذُن كأنُف. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أي مستمع خير وصلاح ومصغ إليه، لا مستمع شر وفساد، وروى الأعشى (٦) والبرجمي (٧): (أذنٌ

стр. 5910

خيرٌ) (١) على وصف الأذن بـ (خير) ومعناه: أن يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم، و ﴿خَيْرٍ﴾ في القراءة الأولى بمعنى صلاح (٢)، وفي الثانية بمعنى أصلح، قال أبو إسحاق: (من قرأ (أذنٌ خيرٌ) بالتنوين، فالمعنى: قل من يسمع منكم، ويكون قريبًا منكم، قابلًا للعذر، خير لكم (٣). والقراءة هي الأولى؛ لأن ما بعده يؤكده، وهو قوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي يسمع ما ينزله (٤) الله جل وعز عليه (٥) فيصدق به ويصدق المؤمنين فيما يخبرونه به، فهو أذن خير، لا أذن شر، وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ (يريد: يسمع كلام جبريل فينهاكم عن معاصي الله، ويأمركم بطاعته، ولتطرحوا عنكم ما علم الله في قلوبكم من النفاق) (٦)، وقال الفراء في قوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: أي يصدق بالله، و ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ويصدق المؤمنين أراد: لكنه لا يصدقكم إنما يصدق المؤمنين، قال: وهو كقوله: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] أي يرهبون ربهم (٧).

стр. 5911

ويقال: آمن به وآمنه وآمن له، أي: صدقه، وقال أبو علي: اللام في ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ على حدها في قوله ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] أو على المعنى؛ لأن معنى يؤمن: يصدق، فعدى باللام كما عدي مصدق به في نحو: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [المائدة: ٤٦] (١). قال المفسرون (٢): وهذا تكذيب من الله للمنافقين، كأنه قال: إن محمدًا يصدق الله ويصدق المؤمنين، قال: وهو كقوله: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]. وتكلم صاحب "النظم" في هذه الآية فأفاد، وهو أنه قال: من قرأ بترك الإضافة فقوله: ﴿أُذُنٌ﴾ رفع بالابتداء في الظاهر، وموضعه في الباطن نصب على الحال؛ لأن تأويله: قل هو أذنًا خير لكم، أي: إذا كان أذنًا خير لكم، و (خير) بمنزلة (أفعل) لأنه يقبل منكم ما تقولون فيما تعتذرون به، وليس ذلك راجعًا عليه بعيب، ويكون قوله: (هو) -لو ظهر- مبتدأ، وقوله تعالى: (أذنًا) (٣) بعده حال. وقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ خبر للمبتدأ، كما تقول في الكلام: هو حافظًا خير لك (٤)، [أي: في حال الحفظ خير لك] (٥)، فلما كف ذكره (هو) وضع ما بعده من الحال موضعه فصار مبتدأ، كما تقول في الكلام: هو حافظ خير لك، والعرب تضمر (هو) في الكلام، كقوله: ﴿سَيَقُولُونَ

стр. 5912

ثَلَاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢] الآية (١). ومن قرأ بالإضافة في (خير) ليس على (أفعل) وتقديره (٢) تقدير (فضل) و (نفع) [بمعنى: قل هو أذن نفع] (٣) لكم، لما (٤) تجدون فيه وعنده من السهولة والمسامحة فيما يبلغه عنكم، ثم بين الله ذلك بقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي يصدقهم كما قال : ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣] أي: لا تصدقوا، والمؤمنون هاهنا: المنافقون (٥) الذين آمنوا بألسنتهم ولم (٦) يخلصوا بقلوبهم، فقبل ﷺ ظاهرهم، وخلطهم بالمؤمنين في الأحكام، ومنه قوله: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] [فسماهن مؤمنات بإقبالهن إلى الهجرة ثم قال: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾] (٧) ولا يقع الامتحان إلا على من لا يُعرف إيمانه، ثم قال: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ أي بما يظهرن من الإيمان بألسنتهن. وأما قوله: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهم (٨) المخلصون؛ لأن الرحمة لا تنال إلا من أخلص إيمانه، وقد يحتمل أن يكون قوله: ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي يصدق المؤمنين المخلصين فأما غير المخلصين فإنه يسمع منهم

стр. 5913

ما يقولون ولا يظهر لهم التكذيب، ويكل أمرهم إلى الله (١) -، والله أعلم بما أراد من ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾، قال الزجاج: (أي وهو رحمة؛ لأنه كان سبب إيمان المؤمنين) (٢)، فجعله الرحمة لكثرة هذا المعنى منه، وعلى هذا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقرأ حمزة (ورحمةٍ) بالجر (٣)، عطفا على خير، كأنه: أذن خير ورحمة، أي مستمع رحمة، وجاز هذا كما جاز مستمع خير، ألا ترى أن الرحمة من الخير، فإنه قيل: فهلا (٤) استغنى بشمول الخير للرحمة وغيرها عن (٥) تقدير عطف الرحمة عليه؟ فالقول: إن ذلك لا يمتنع، كما لم يمتنع ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، ثم خص فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] كذلك الرحمة، وإن كانت من الخير، لم يمتنع أن تُعطف عليه (٦) فتخصص (٧) الرحمة بالذكر من بين ضروب الخير لغلبة ذلك في وصف النبي ﷺ وكثرته، قال أبو عبيد: (هذه القراءة بعيدة في مذهب

стр. 5914

النحو (١)؛ لأنه تباعد عن الذي عطفته عليه) (٢). قال أبو علي: (البعد بين (٣) الجار وما عطف عليه لا يمنع من العطف، ألا ترى أن من قرأ ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ [الزخرف: ٨٨] إنما يحمله على: (﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ وعلم قيله (٤)) (٥). ٦٢ - قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ أي يحلف هؤلاء المنافقون فيما بلغكم عنهم من أذى رسول الله ﷺ والطعن عليه أنهم بما أتوا ذلك، قال الزجاج: (حلفوا أنهم ما قالوا ما حكي عنهم ليرضوا المؤمنين بيمينهم) (٦). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ولم يقل: يرضوهما لأن المعنى يدل عليه، فحذف استخفافًا؛ لأن رضا الرسول ﷺ برضا الله . وهذه المسألة قد مضت عند قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] وفي (٧) غيرها من الآيات (٨). وقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾، قال الزجاج: (أي إن كانوا

стр. 5915

على ما يظهرون، فكان (١) ينبغي ألا يعيبوا النبي ﷺ فيكونوا بقبولهم (٢) قوله، وترك عيبه مؤمنين (٣)) (٤)، وهذا تهجين لهؤلاء السفهاء بطلب مرضاة العباد مع ترك مرضاة رب العباد، والرسول المبعوث لصلاح العباد (٥). ٦٣ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ الآية، قال ابن عباس والكلبي: (نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك (٦)، قال أهل المعاني: معنى قولك: ألم تعلم [لمن لا يعلم] (٧): [الاستبطاء له] (٨) في تخلفه عن ذلك العلم (٩). وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ﴾ (١٠) الكناية فيه ضمير الشأن والقصة، قال أبو علي الجرجاني: (وذلك أن (أن) يتضمن ما بعده من المبتدأ والخبر، ويشتمل عليهما (١١) حتى يصير معهما (١٢) قصة وشأنًا، مثل قولك: زيد

стр. 5916

مريض، فإذا أردت أن تعلم غيرك مرضه قلت: اعلم أن زيدًا (١) مريض، ولو قلت: اعلم زيدًا مريضًا، كان العلم واقعًا على زيد نفسه دون المرض وانتقل المعنى عما كان عليه، فإذا قلت: اعلم أنه زيد مريض فقد تضمن (أن) ما بعده من المبتدأ والخبر، وجمع معناهما في الهاء التي وقع عليها (٢) (أن) وعمل (أن) فيها، وشغل بها عن غيرها، فصارت الهاء كناية عن القصة والشأن، وارتفع ما بعدها من المبتدأ والخبر لشغلك (أن) بالهاء، وصار ما بعد الهاء من المبتدأ والخبر بيانا لما في الهاء من نية تلك القصة لأنها مبهمة، فقوله : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ﴾ الهاء (٣) قد تضمنت ما بعدها من المبتدأ وخبره، وما بعدها من قوله: ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ مبتدأ، ولذلك (٤) جزم لأنه شرطٌ مبتدأ (٥). وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال الليث: (حاددته أي: عاصيته (٦) وخالفته، والمحادة كالمجانبة والمخالفة والمعاداة، وذكر الزجاج اشتقاقه من الحد، قال: (ومعنى حاد فلان فلانًا: أي: صار في حد غير حده، كقولك: شاقه، ومعنى: ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ أي يصير في حد غير حد أولياء الله بالمخالفة) (٧).

стр. 5917

قال ابن عباس: (يعني من يخالف الله ورسوله بتكذيب نبيه، والإظهار باللسان خلاف ما في القلب) (١)، وقال الأخفش: ﴿يُحَادِدِ اللَّهَ﴾: يحارب الله) (٢)، وقال قطرب: (يعاند الله) (٣)، وقال الزجاج: (يعاد (٤) الله) (٥). ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [المعنى: فله نار جهنم] (٦) ولكنه لما طال الكلام أعيد (أن) ليكون أوكد، ويجوز كسر (فإن) على الاستئناف بعد الفاء، والقراءة بالفتح (٧)، هذا معنى كلام أبي إسحاق (٨)، والكلام في إعراب هذه الآية يأتي (٩) في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ [الحج: ٤] (١٠).

стр. 5918

٦٤ - قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ الآية، قال مجاهد والكلبي: (كان المنافقون يعيبون رسول الله ﷺ فيما بينهم، يقولون: عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا، فأنزل الله هذه الآية) (١). وقوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ إخبار عنهم بما كانوا يفرقون من هتكهم وفضيحتهم، قال الزجاج: (ويجوز أن يكون لفظه خبرًا ومعناه أمرًا) (٢)، وهذا بعيد، وآخر الآية دليل على أن المراد بقوله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ (٣) الخبر وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾. وقوله: ﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ الظاهر أن الكناية عائدة على المنافقين، والوجه أن ترجع إلى المؤمنين، [والمعنى: أن تنزل على المؤمنين، (٤) سورة تنبئهم بما في قلوب المنافقين (٥)، [ونحو هذا قال الحسن (٦).

стр. 5919

وقوله تعالى: ﴿تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾] (١) قال ابن عباس: (يريد: ينزل الله في تلك السورة [ما استتروا به من الناس) والمعنى: يظهر] (٢) ما في قلوبهم من الحسد لرسول الله ﷺ والمؤمنين وما كانوا ينطوون (٣) عليه من العداوة لهم. وقوله تعالى: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ أمر وعيد ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ﴾ مظهر ﴿مَا تَحْذَرُونَ﴾ ظهوره، قال عطاء عن ابن عباس: (أنزل الله أسماء المنافقين وكانوا سبعين رجلاً فأنزل الله أسماءهم، وأسماء آبائهم وعشائرهم في القرآن، ثم نسخ تلك الأسماء رأفة منه ورحمة؛ لأن أولادهم كانوا مسلمين، والناس يعير بعضهم بعضًا) (٤)، فعلى هذا قد أنجز الله وعده بإظهار ذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾، وقال بعضهم: (إن الله أخرج ذلك حيث ألهم النبي ﷺ معرفتهم فقال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] (٥)، قال عطاء ومقاتل وقتادة: (كانت تسمى هذه السورة الفاضحة والمثيرة والمبعثرة، أثارت مخازي المنافقين وفضحتهم) (٦) فإن قيل: أكان

стр. 5920

المنافقون يحذرون هذا وهم ينطوون (١) على الكفر ومجانبة الإيمان؟. قيل: هذا لا يلزم على مذهب الزجاج، حيث جعل (٢) قوله: (يحذر) بمعنى الأمر (٣)، وإن جعلته خبرًا فالمنافقون كانوا ينحرفون عن النبي ﷺ حسدًا له (٤) وبغيًا، وقلوبهم تشهد بصدقه، وهم يخافون نزول سورة عليه يكشف فيها أمرهم، إذا كانوا لا يشكون في نزول الملائكة عليه، وأن الله يطلعه من الغيب على ما هو مستور عن غيره، هذا كلام ابن الأنباري (٥)، وقد أشار الزجاج إلى هذه الجملة حيمث قال في قوله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾: (ويجوز أن يكون خبرًا عنهم؛ لأنهم كانوا يكفرون عنادًا وحسدًا) (٦). ٦٥ - وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾، قال ابن عمر، وزيد بن أسلم والقرظي: (قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: ما رأيت مثل هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله ﷺ والمؤمنين، فقال له عوف بن مالك (٧): كذبت، ولكنك منافق [لا خير فيك] (٨)، لأخبرن رسول الله ﷺ ، فذهب عوف ليخبره فوجد القرآن قد
следующие страницы →