← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

نكرهه، قاله المفسرون (١). وقال أهل المعاني: الفرق بين الإتيان بقرآن غيره وبين تبديله أن الإتيان بغيره قد يكون معه فأما تبديله فلا يكون إلا برفعه ووضع آخر في مكانه أو في شيء منه (٢)، وهذا تعنت وتحكم منهم وإيهام أن الأمر موقوف على ما يرضون به، وليس (٣) يرضون بهذا فيريدون غيره. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾، قال الكلبي (٤): ما ينبغي لي أن أغيره من قبل نفسي، ولم أومر به (٥). وقال أهل المعاني: معناه ليس لي أن أتلقاه بالتبديل، كما ليس لي أن أتلقاه بالرد (٦). ومعنى التلقاء: جهة مقابلة (٧) الشيء، وقد يجعل ظرفًا، فيقال: هو تلقاءه، كما يقال هو حذاءه وإزاءه وقبالته. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ قال ابن عباس: يريد ما أخبركم إلا ما أخبرني الله به (٨).

стр. 6127

وقال مقاتل: يقول إذا أُمرت بأمر فعلته، ولا أبتدع ما لا (١) أومر به (٢)، وقال الزجاج: تأويله [إن الذي أتيت به من عند الله لا من عند نفسي فأبدله (٣)] (٤). والآية بيان عن (٥) حال الجاهل في التحكم في سؤال الدلالات كما يقول السفيه: [لست أريد هذه الحجة، فهات غيرها] (٦)، جهلًا منه بما يلزمه فيها. ١٦ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾، قال ابن عباس [والمفسرون: يقول: لو شاء الله ما قرأت عليكم] (٧) القرآن (٨) ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ أي: ولا أخبركم ولا أعلمكم الله به، يقال: دريت الشيء وأدراني به الله [والمعنى: أنه لو شاء الله أن لا ينزل القرآن] (٩) ما أعلمهم به، ولا (١٠) أمر النبي ﷺ بتلاوته عليهم.

стр. 6128

قال سيبويه: يقال دريته ودريت به، قال: والأكثر [في الاستعمال بالباء (١). ويبين ما قاله (٢)] (٣). قوله: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ ولو كان على اللغة الأخرى لكان (٤): ولا أدراكموه، وأدرى: (أفعل) من الدراية وهي [التأني (٥) والتعمل (٦) لعلم الشيء، وعلى] (٧) هذا المعنى ما تصرف من هذه الكلمة نحو: درى وأدرى بمعنى ختل، وقالوا: داريت الرجل إذا [لاينته وختلته، وإذا كان الحرف] (٨) على هذا فالداري في وصف الله لا يجوز، فأما قول الراجز: لا هُمّ لا أدري وأنت الداري (٩) [فإنما استجاز ذلك لتقدم لا أدري] (١٠) كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] ونحوه، ولو لم يتقدم ذكر الاعتداء لم

стр. 6129

يحسن في الابتداء [الأمر بالاعتداء، على أن الأعراب] (١) ربما ذكروا (٢) أشياء لا مساغ لها (٣) كقوله (٤): اللهم إن كنت الذي بعهدي ... ولم تُغيرك الأمور بعدي وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾. قال ابن عباس: يريد أقمت فيكم أربعين سنة لا أحدثكم شيئًا ولا آتيكم [به (٥). ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنه ليس من قبلي] (٦) أتيتكم به. وقال الزجاج: أي قد لبثت فيكم من قبل أن يوحى إليّ لا أتلو كتابًا ولا أخطه بيميني، وهذا دليل على أنه أوحي إليّ، إذ كنتم تعرفونني بينكم (٧)، نشأت لا أقرأ الكتب، فإخباري إياكم بأقاصيص الأولين من غير

стр. 6130

كتاب ولا تلقين يدل على أنه إنما أتيت به من عند الله (١) جل وعز (٢) وقال غيره: يقول قد أتى عليّ عُمُر وأنا بهذه الصفة لا أتلوه عليكم ولا يعلمكم به الله، حتى أمرني به وشاء إعلامكم (٣). ١٧ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآية (فمن) هاهنا استفهام معناه الجحد، أي لا أحد أظلم ممن هذه صفته، والمعنى: لا أحد أظلم ممن يظلم ظلم الكفر، كأنه قيل: لا أحد أظلم من الكافر. قال ابن عباس: يريد: إني لم أفتر على الله ولم أكذب عليه، وأنتم فعلتم ذلك حيث زعمتم أن معه شريكًا وعبدتم الأوثان وكذبتم نبيه وما جاء به من عند الله (٤). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾، قال: يريد: لا يسعد من كذب أنبياء الله (٥). ١٨ - قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾

стр. 6131

يعني أهل مكة، قال أبو إسحاق: المعنى: ما لا يضرهم إن لم يعبدوه، ولا بنفعهم إن عبدوه (١). وذمّ هؤلاء بعبادة الوثن الذي لا يضر ولا ينفع؛ لأن هذا غاية الجهل حيث عبدوا جمادًا فهم أجهل (٢) ممن عبد من دون الله من ينفع ويضر في الظاهر. وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، قال أهل المعاني: توهموا أن عبادتها أشد في تعظيم الله من قصده بالعبادة، فعبدوها وأحلوها محل الشافع عند الله (٣). وقال الحسن: شفعاء في إصلاح معاشهم في الدنيا؛ لأنهم لا يقرون بالبعث؛ ألا تسمعه يقول: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ (٤) [النحل: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال الضحاك: أتخبرون الله [أن له شريكًا ولا يعلم الله لنفسه شريكًا في السموات ولا في الأرض؛ لأنه لا شريك له، فذلك لا يعلمه ولو كان لعلم (٥).

стр. 6132

قال أهل المعاني] (١): هذا على طريق الإلزام؛ لأنه ينكر ما يخبرون به من عبادة الأوثان وكونها شافعة، يقول: أتخبرون الله بالكذب وبما يعلم أنه ليس (٢)؛ لأنه لا يشفع عند الله إلا من أذن له بالشفاعة (٣). وقوله تعالى: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [وقرئ (تُشركون)] (٤) بالتاء (٥)؛ فمن قرأ بالتاء فلقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ﴾، ومن قرأ بالياء فكأنه قيل للنبي ﷺ : قل أنت: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ويجوز أن يكون هو سبحانه نزه نفسه عما افتروه، فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٦). ١٩ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي مجتمعة على دين واحد، قال عطاء، عن ابن عباس: يعني من لدن إبراهيم إلى أن غيّر الدين عمرو بن لحي، فاختلفوا واتخذوا الأصنام أربابًا وأندادًا مع الله (٧).

стр. 6133

وقال الكلبي: يعني أمة كافرة على عهد إبراهيم، فاختلفوا فآمن بعضهم وكفر بعضهم (١). وقال مجاهد: كانوا على ملة الإسلام إلى أن قتل أحد بني آدم أخاه (٢)، وهو قول السدي (٣). وحكى الزجاج وابن الأنباري: أن الناس هاهنا العرب، وكان دينهم في أول دهرهم (٤) الكفر ثم اختلفوا بعد ذلك فمنهم من آمن ومنهم من كفر (٥). وقد ذكرنا الاختلاف في هذا في قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] الآية (٦).

стр. 6134

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، قال ابن عباس (١)، والكلبي (٢)، والحسن (٣)، والمفسرون (٤): سبق من الله أنه أخر هذه الأمة، ولا يهلكهم بالعذاب كما أهلك الذين من قبلهم. ومعنى ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [لفصل بينهم ﴿فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، قال ابن عباس: بنزول العذاب (٥)] (٦). وقال أبو روق: بإقامة الساعة (٧). وقال الحسن: بإدخال المؤمنين الجنة بأعمالهم، والكافرين النار

стр. 6135

بكفرهم ولكنه (١) سبق من الله الأجل فجعل موعدهم يوم القيامة (٢). وقال أهل المعاني: لولا كلمة سبقت من ربك في أنه لا يعاجل العصاة بالعقوبة إنعامًا عليهم في التأني بهم لقضي بينهم في اختلافهم بما يضطرهم إلى علم المحق من المبطل (٣). ٢٠ - قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعني أهل مكة ﴿لَوْلَا﴾ هلا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، قال ابن عباس: يريدون مثل العصا وما أنزل على موسى؛ سألوه أن يأتيهم بآية من ربه كما جاءت الأنبياء (٤)، هذا قول المفسرين (٥). وقال أهل المعاني: سألوا آية تضطر إلى المعرفة، ولم يطلبوا معجزة؛ لأنه قد أتاهم بمعجزة، وإنما طلبوا آية يعلم بها صحة النبوة لا محالة من غير أن يوكلوا إلى الاستدلال بالآية (٦). وقال بعضهم: طلبوا آية غير القرآن (٧).

стр. 6136

وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّه﴾ [قال المفسرون: يعني قل لهم: إن قولكم هلا أنزل عليه آية غيب، وإنما الغيب لله] (١) لا يعلم أحد لِمَ لَمْ يفعل ذلك، وهل يفعله أم لا، وإن فعله متى يفعل (٢)؟ وهذا على التسليم أنه مما لا يعلمه العباد فيجب أن يوكل إلى علام الغيوب (٣). وقوله تعالى: ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ أي نزول الآية ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لنزولها. ٢١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ﴾، قال ابن عباس وغيره: يعني كفار مكة (٤) ﴿رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ يعني مطرًا وخصبًا وغنى من بعد قحط وبؤس وفقر، قال أهل المعاني: قيل: أذقناهم رحمة، على طريق البلاغة لشدة إدراك الحاسة (٥). وقوله تعالى: ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾، قال عطاء وابن عباس:

стр. 6137

(قول بالتكذيب في آياتنا) (١). وقال مجاهد: (استهزاء وتكذيب) (٢)، وعلى هذا، الآيات يراد به (٣) القرآن، والمعني أنهم إذا أخصبوا بطروا وكذبوا بالقرآن، وسمي تكذيبهم بآيات الله مكرًا؛ لأن المكر صرف الشيء عن وجهه على طريق الحيلة فيه، وهؤلاء يحتالون لدفع آيات الله بكل ما يجدون إليه السبيل من شبهة أو تخليط في مناظرة أر غير ذلك من الأمور الفاسدة. وقال مقاتل (٤): يعني لا يقولون هذا رزق الله، إنما يقولون سقينا بنوء كذا، وعلى هذا، المراد بالآيات: إذاقة الرحمة والخصب بعد القحط، وإنزال المطر بعد الجدوبة. قال أبو إسحاق: قوله تعالى: ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ﴾ جواب الجزاء، وهذا كقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] المعنى: وإن تصبهم سيئة قنطوا، ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ﴾ (٥) مكروا، فـ (إذا) تنوب عن جواب الشرط كما ينوب الفعل (٦)، وكما تنوب الفاء، وزاد

стр. 6138

الفراء فقال: وكذلك يفعلون بـ (إذ) كقول الشاعر (١): بينما هن بالأراك معًا ... إذ أتى راكب على جمله قال: وأكثر الكلام في هذا الموضع أن تطرح (إذ) كقوله (٢): بينا تَبغّيه العشاء وطوفه ... سقط العشاء به على سرحان (٣) وهذا الفصل يأتي مشروحًا في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] في سورة الروم إن شاء الله (٤). وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾، قال عطاء: أسرع نقمة (٥)، والمعنى جزاءً على المكر، وذلك أنهم جعلوا جزاء النعمة المكر مكان الشكر، فقوبلوا بما هو أشد، وتأويل قوله: ﴿أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ أن ما يأتيهم من العقاب (٦) أسرع في

стр. 6139

إهلاكهم مما أتوه من المكر في إبطال آيات الله، وهذا معنى قول مقاتل: فقتلهم الله يوم بدر (١)، يعني: جزاء مكرهم في آياته بعقاب ذلك اليوم، فكان (٢) أسرع في إهلاكهم من كيدهم في إهلاك محمد ﷺ وإبطال ما أتى به. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ وعيد لهم على المجازاة وبه (٣) في الآخرة، ويعني بالرسل الحفظة. ٢٢ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية، يقال سيرت القوم من بلدة إلى بلدة: أي أشخصتهم، وقرأ ابن عامر: (ينشركم) (٤) من النشر بعد الطي، والمعنى: يفرقكم ويبثكم، وحجته قوله: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾، قال بعضهم: في الآية إضمار على تقدير: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ فتسيرون ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ (٥)، وذكرنا الكلام في الفلك في سورة البقرة (٦). وقوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾، قال أبو إسحاق: ابتداء

стр. 6140

الكلام خطاب، وبعد ذلك إخبار عن غائب؛ لأن كل من أقام الغائب مقام من يخاطب جاز له أن يرده إلى الغائب، وأنشد: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية (١) إن تقلت (٢) (٣) فقوله (تقلت)، خبر عن غائب بعد المخاطبة. وقوله تعالى: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾، قال الفراء: يعني الفلك، فقال: ﴿جَاءَتْهَا﴾ وقد قال: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ ولم يقل وجرت، وكلٌ صواب، تقول: النساء قد ذهبت وذهبن، والفلك يؤنث ويذكر، ويكون واحداً (٤) وجمعًا (٥). وقوله تعالى: ﴿عَاصِفٌ﴾، قال الزجاج والفراء: ريح عاصف وعاصفة وقد عصفت عصوفًا وأعصفت، فهي معصف ومعصفة (٦). قال الفراء: والألف (٧) لغة بني أسد (٨) ومعنى عصفت الريح: اشتدت، وأصل العصف السرعة، يقال: ناقة عاصف وعصوف: سريعة،

стр. 6141

وإنما قيل ريح عاصف؛ لأنه يراد ذات عصوف، كما قيل لابن، وتامر (١)، أو لأن لفظ الريح مذكر (٢). وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾، الموج ما ارتفع من الماء فوق الماء، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾، قال أبو عبيدة والقتيبي: أي دنوا من الهلاك (٣)، وأصل هذا أن العدو إذا أحاط بقوم أو بلد فقد دنوا من الهلاك، وذكرنا ما في هذا عند قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ (٤) [البقرة: ٨١]. وقوله تعالى: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، قال ابن عباس: يريد تركوا الشرك فلم يشركوا به من آلهتهم شيئًا، وأخلصوا لله الربوبية والوحدانية (٥)، وقالوا: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾ أي: من هذه الريح

стр. 6142

العاصف، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ قال (١): يريد من الموحدين والطائعين. ٢٣ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، قال الزجاج: المعنى: فلما أنجاهم بغوا (٢)، وذلك أن (إذا) تقع موقع الفعل كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ [بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ] (٣) إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]، [على معنى قنطوا، ونذكر الكلام في هذا عند قوله ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (٤)] (٥). ﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: يعملون بالفساد والمعاصي بغير الحق، قال ابن عباس: يريد بالفساد (٦) والتكذيب والجرأة على الله (٧)، ومعنى البغي: قصد الاستعلاء بالظلم، وأصله من الطلب (٨). وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ يريد: أهل مكة، ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: بغي بعضكم على بعض متاع في الدنيا، وليس مما يقرب إلى الله، وإنما تأتونه لحبكم العاجلة.

стр. 6143

قال أبو إسحاق: ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تقرأ بالرفع وبالنصب (١)، فالرفع من جهتين: أحدهما: أن يكون ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ خبرًا لقوله: ﴿بَغْيُكُمْ﴾، ويجوز أن يكون خبر الابتداء ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ويكون ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ رفعا على إضمار (هو) ومعنى الكلام: إن ما تنالونه بهذا الفساد والبغي إنما تتمتعون به في الحياة الدنيا ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ﴾، ومن نصب فعلى المصدر، المعنى: [تمتعون متاع الحياة] (٢) الدنيا؛ لأن قوله: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ﴾ يدل على أنهم يتمتعون (٣). وزاد أبو علي الفارسي بيانًا فقال: قوله: ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ يحتمل تاويلين؛ أحدهما: أن يكون متعلقًا بالمصدر؛ لأن فعله متعد بهذا الحرف يدل على ذلك قوله: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ [الحج: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢]، فإذا جعلت الجار من صلة المصدر كان الخبر ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [والمعنى: ما ذكرنا أن بغي بعضكم على بعض متاع] (٤) في الدنيا (٥).

стр. 6144

ويجوز أن تجعل (١) (على) خبر المبتدأ ولا تجعله من صلة المصدر، وحينئذ يكون خبرًا للمصدر، ويكون متعلقًا بمحذوف على تقدير: إنما بغيكم عائد على أنفسكم، أي: عملكم بالظلم يرجع إليكم، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ (٢) [فصلت: ٤٦]، [الجاثية: ١٥]، وهذا في (٣) المعنى كقوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠]، فإذا رفعت ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ على هذا التأويل كان خبر (٤) مبتدأ محذوف، كأنك قلت: ذاك متاع الحياة الدنيا، أو هو متاع الحياة الدنيا (٥)، ومن نصب ﴿متاعَ﴾ جعل (على) من صلة المصدر، فيكون الناصب للمتاع هو المصدر الذي هو البغي، ويكون خبر المبتدأ محذوفًا، وحسن حذفه لطول الكلام، وهذا المحذوف لو أظهرته لكان يكون: مذموم (٦) أو مكروه أو منهي عنه، ويجوز أن تجعل (على) خبر المبتدأ وتنصب (متاع) على: تمتعون متاعًا، فيدل (٧) انتصاب المصدر على المحذوف (٨).

стр. 6145

٢٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية، معناه: إنما القول في تشبيه حال الحياة الدنيا كالقول في ماء (١) علي ما ذكر من صفته؛ لأن معنى المثل: قول يشبّه فيه حال الثاني بالأول، ويجوز أن يكون المعنى: صفة الحياة الدنيا كماء، وذكرنا الكلام في معنى المثل (٢)، وأراد بالحياة الدنيا الحياة الفانية في هذه الدار. وقوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ معنى الاختلاط تداخل الشيء بعضه في بعض، يعني فاختلط -بسبب ذلك الماء الذي أنزلناه- نبات الأرض ﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ﴾ من البقول والحبوب والثمار ﴿وَالْأَنْعَامُ﴾ من المراعي والكلأ ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾، قال ابن عباس: يريد زينتها وحسنها وخصبها (٣). قال الزجاج: الزخرف كمال حسن الشيء (٤). وقال غيره: يعني: حسن ألوان الزهر الذي يروق البصر (٥)، ومضى الكلام في معنى الزخرف عند قوله: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]. وقوله تعالى: ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ قال ابن عباس: يريد بالحبوب

стр. 6146

والثمار (١)، وقيل: بنباتها (٢). قال (٣) الزجاج: يعني: تزينت، فأدغمت التاء في الزاي [وسكنت الزاي] (٤) فاجتلبت لها ألف الوصل (٥). وهذا مثل ما ذكرنا في: ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ (٦) [البقرة: ٧٢]، و ﴿ادَّارَكُوا﴾ [الأعر اف: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾، قال ابن عباس: يريد أهل تلك الأرض أنهم قادرون على حصادها وجدادها وقطعها (٧)، وقال الزجاج: أي قادرون على الانتفاع بها (٨). وقال أهل المعاني: أخبر عن الأرض، والمعنى للنبات إذ كان مفهومًا (٩)، وقيل رد الكناية إلى الغلة؛ لأن ما سبق من الكلام يدل عليها فكأنها قد ذكرت (١٠).

стр. 6147

وقوله تعالى: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾، قال ابن عباس: يريد عذابنا (١)، والمعنى: أمرنا بهلاكها. وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا﴾، قال ابن عباس: لا شيء فيها (٢). وقال الضحاك: يعني المحصود (٣)، وعلى هذا المراد بالحصيد [الأرض التي حصد نبتها، ويجوز أن يكون المراد بالحصيد] (٤) النبات والغلة، قال أبو عبيدة: الحصيد المستأصل (٥). وقال غيره: الحصيد: المقطوع والمقلوع (٦). وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾، قال الليث: يقال للشيء إذا فني: كأن لم يغن بالأمس، أي كأن لم يكن، من قولهم: غني القوم في دارهم، إذا أقاموا بها (٧). وهذا معنى قول ابن عباس: كأن لم تكن أمس (٨)، وعلى هذا، المراد به الغلة. وقال الزجاج: كأن لم تعمر بالأمس، والمغاني: المنازل التي يعمرها أهلها بالنزول (٩)، ونحو هذا قال ابن قتيبة: كأن لم تكن عامرة

стр. 6148

بالأمس (١)، وعلى هذا، المراد به الأرض. وقال بعض أهل المعاني: معناه (٢): كأن لم تقم على تلك الصفة فيها قبل (٣)، وهذا القول جامع للأرض والغلة جميعًا، والكلام في (أمس) يأتي عند قوله: ﴿كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص: ١٩]، إن شاء الله (٤). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي: كما بينا هذا المثل للحياة الدنيا كذلك نبين آيات القرآن. وقوله (٥): ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في المعاد، هذا الذي ذكرنا تفسير الآية ومعناها على ما ذكره المفسرون وأصحاب المعاني، وتأويلها: أن الله تعالى ضرب مثلا للحياة الدنيا في هذه الدار الفانية بما أنزله من السماء، فجعله سببا لالتفاف النبات وكثرته، حتى تتزين به الأرض وتظهر بهجتها بحمرة النوار وبياض الزهر وخضرة العشب، وظن الناس أنهم منتفعون ومستمتعون بجميع ذلك، فبينا هم على ذلك الظن جُعلوا (٦) على غير شيء؛ لأن القادر عليهم وعليها أهلكها (٧)، وردها إلى الفناء حتى كأن لم تكن،

стр. 6149

كذلك الحياة في (١) الدنيا سبب (٢) اجتماع (٣) المال وزهرة الدنيا وعروضها وما فيها مما يروف ويعجب (٤)، حتى إذا كثر ذلك واجتمع منه شيء كثير عند صاحبه، وظن أنه متمتع (٥) به، سلب ذلك عنه بموته أو بحادثة تأتي على ما قد جمعه بالإهلاك والتبديد، وهذا بيان عما يوجب الحذر عن (٦) الركون إلى الدنيا، والحياة فيها (٧)، والاغترار بها. ٢٥ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ أي: ببعث الرسول، ونصب الأدلة يدعو إلى الجنة، ودار السلام هي الجنة، وذكرنا الكلام فيها عند قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وذكرنا في السلام قولين؛ أحدهما: أنه اسم الله تعالى؛ لأنه سلم مما يلحق الخلق من الغير والفناء (٨)، وقال المبرد: تأويله: أنه ذو السلام أي الذي يملك السلام الذي هو تخليص من المكروه (٩)، وعلى هذا (السلام) مصدر سلم.

стр. 6150

وقال النضر بن شميل: سمى نفسه سلامًا؛ لأن الخلق سلموا من ظلمه (١)، وهذا أيضًا مثل قول المبرد؛ لأن معناه ذو السلام، قال ابن الأنباري: وعلى هذا هو من باب حذف المضاف كقوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣] وأمثاله (٢). القول الثاني: أن السلام جمع سلامة، ومعنى دار السلام: الدار التي من دخلها سلم من الآفات؛ كالموت والمرض والألم والمصائب ونزغات الشيطان والكدّ والعناء، وخوف العاقبة، وغير ذلك بما يكون في الدنيا. وقال قوم: سميت الجنة دار السلام؛ لأن الله تعالى يسلم على أهلها، قال الله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، والملائكة يسلمون عليهم أيضًا] (٣)، قال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، وهم أيضًا يحيّي بعضهم بعضًا بالسلام، قال الله تعالى عنهم: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ (٤) [إبراهيم: ٢٣]، وهذا معنى قول الحسن: إن السلام لا ينقطع عن أهل الجنة، وهو تحيتهم (٥)، وكنا وعدنا في تفسير قوله: ﴿دَارُ السَّلَام﴾ [الأنعام: ١٢٧] زيادة بيان هاهنا.

стр. 6151

وقول (١): ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، قال المفسرون وأصحاب الحقائق (٢): عَمّ بالدعوة وخَصّ بالهداية من شاء؛ لأن الحكم له في خلقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (٣). ٢٦ - قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾، قال ابن عباس: يريد للذين قالوا لا إله إلا الله (٤). ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى وهي الجنة" (٥).

стр. 6152

ونحو ذلك قال ابن عباس في الحسنى؛ أنها الجنة (١). وروى ليث، عن عبد الرحمن بن سابط (٢) أنه قال: الحسنى: النضرة التي ذكرها الله في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٣) [القيامة: ٢٢، ٢٣]، والحسنى في اللغة تأنيث الأحسن، وهي جامعة للمحاسن. قال ابن الأنباري: والعرب توقعها على الخلّة المحبوبة والخصلة المرغوب فيها المفروح بها، ولذلك لم توصف هاهنا ولم تنعت بشيء؛ لأن ما يعرفه العرب من أمرها يغني عن نعتها، يدل على ذلك قول امرئ القيس: فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ... ورُضْتُ فذلت صعبة أي إذلال (٤) أراد: فصرنا إلى الأمر المحبوب المأمول (٥). وقوله تعالى: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾، اختلفوا في هذه الزيادة؛ فروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ سئل عن هذه الآية فقال: "الحسنى الجنة والزيادة النظر

стр. 6153

إلى وجه الله الكريم" (١). ونحو هذا (٢) روى أبيّ بن كعب (٣). وهذا قول أبي بكر الصديق (٤)، وحذيفة (٥)، وأبي موسى (٦)، وصهيب (٧)، وعبادة بن الصامت (٨)، وابن

стр. 6154

عباس في رواية عطاء (١)، وأبي الجوزاء (٢) (٣)، وهو قول الضحاك (٤)، والسدي (٥)، ومقاتل (٦). وقال آخرون: الزيادة تضعيف الحسنات بواحدة عشرة إلى سبعمائة، وهو قول ابن عباس في رواية العوفي (٧)، والحسن (٨)، وعلقمة (٩)، وقال مجاهد: الزيادة: مغفرة من الله تعالى ورضوان (١٠). وروى الحكم، عن علي ﵁ قال: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب (١١).

стр. 6155

وقال ابن زيد: الزيادة ما أعطاهم في الدنيا من النعيم، لا يحاسبهم به يوم القيامة، بخلاف أهل النار؛ فإن ما يعطيهم الله تعالى في الدنيا من النعمة في مقابلة ما يأتون من حسنة ولا ثواب لهم يوم القيامة على أعمالهم (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾ أي لا يغشاها، يقال: رهقه ما يكرهه: أي غشيه ومصدره (٢) الرهق، قال ابن عباس: يريد ولا يصيب وجوههم (٣). وقال تعالى: ﴿قَتَرٌ﴾، القتر والقترة: غبرة تعلوها سواد كالدخان، قال ابن عباس وقتادة (٤): يعني سواد الوجوه من الكآبة (٥). وقال عطاء: يريد دخان جهنم (٦)، ﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾ كما تصيب أهل جهنم، قال ابن أبي ليلى: هذا بعد نظرهم إلى ربهم (٧).

стр. 6156

٢٧ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾، قال ابن عباس في رواية الكلبي: يريد عملوا الشرك (١)، مثل قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [النساء: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ [قال الفراء: رفعت الجزاء بإضمار (لهم)؛ كأنك قلت: فلهم جزاء السيئة بمثلها] (٢)، كما قال: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي: فعليه، قال: وإن (٣) شئت رفعت الجزاء بالباء في قوله: ﴿بِمِثْلِهَا﴾ والأول أعجب إليّ (٤). هذا كلامه، وزاد ابن الأنباري بيانًا فقال: إذا رفعت الجزاء بالباء أضمرت العائد إلى الموصول، على تقدير: جزاء سيئة منهم بمثلها، فالجزاء مرتفع بالباء و (الذين) يرتفعون برجوع الهاء المضمرة عليهم، وصلح إضمار (منهم) في ذا الموضع كما تقول: رأيت القوم صائم وقائم، يراد: منهم صائم وقائم، كما أنشد الفراء (٥):

стр. 6157

حتى إذا ما أضاء النجم في غلس ... وغودر البقل ملوي ومحصود (١) معناه: منه ملوي ومنه محصود. وعلى الجواب الأول يرتفع الجزاء باللام المضمرة؛ لأن التقدير: لهم جزاء سيئة بمثلها، والباء صلة الجزاء و (الذين) يرتفعون برجوع الهاء عليهم، وصلح إضمار (لهم) كما تضمره العرب في قولهم: رأيت لعبد الله ذكاءً وفطنة وعلم واسع، يريدون وله علم واسع، أنشد الفراء (٢): هزئت هنيدة أن رأت لي رثة ... وفمًا (٣) به قصم وجلد أسود (٤) أراد ولي جلد أسود (٥). انتهى كلامه. وهذا مذهب الكوفيين في هذه الآية (٦).

стр. 6158

وأما عند أهل البصرة (١) فقال أبو عثمان (٢): الباء في قوله (بمثلها) زائدة، وتقديره عنده: جزاء سيئة مثلها، واستدل على هذا بقوله في موضع آخر: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. قال أبو الفتح الموصلي (٣): وهذا مذهب حسن، واستدلال صحيح؛ إلا أن الآية تحتمل مع صحة هذا القول تأويلين آخرين، أحدهما: أن تكون الباء مع ما بعدها هو الخبر، فكأنه قال: وجزاء سيئة كائن بمثلها، كما تقول: إنما (٤) أنا بك، أي كائن موجود بك. والثاني: أن تكون الباء في (بمثلها) متعلقة بنفس الجزاء، ويكون الجزاء مرتفعًا (٥) بالابتداء، وخبره محذوف كأنه قال: وجزاء سيئة بمثلها كائن أو واقع، وحذف الخبر حسن متجه، قد حذف في عدة مواضع. هذان القولان حكاهما أبو الفتح (٦)، وذكرهما أبو علي في "المسائل الحلبية" (٧) في قوله : ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وعلى هذه الأقوال في الباء، الجزاء مرتفع بالابتداء، والجملة -التي هي ابتداء وخبر- فيها خبر الابتداء الأول وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾

стр. 6159

والمعني: يجزون السوء، وعلى هذا المعنى عطف قوله: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾، هذا كلام النحويين من الفريقين في هذه الآية، وكلهم جعلوا الموصول مبتدأ (١)، ويجوز أن تجعله عطفًا على الموصول الأول وهو قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ فكأن التقدير: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة، فيرتفع الجزاء باللام في الآية الأولى، والباء في (بمثلها) من صلة الجزاء، وحسن النظم من غير إضمار ولا تكلف. وقوله تعالى: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾، قال ابن عباس: يصيبهم الذل والخزي (٢) والهوان (٣). وقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ ما لهم من عذاب الله من مانع يمنعهم ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ﴾ ألبست (٤) ﴿وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ القِطْع: [اسم لِما (٥) قطع فسقط، ويراد به هاهنا بعض من الليل. قال ابن السكيت: القِطْع] (٦) الطائفة من الليل (٧)، ومعنى الآية وصف وجوههم بالسواد حتى كأنها ألبست سوادًا من الليل كقوله: ﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]، وكما قيل في قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] أي (٨): أنه سواد الوجوه وزرقة

стр. 6160

الأعين (١)، والعرب تستعمل لون الليل في السواد. قال الشاعر (٢): ودوية مثل السماء اعتسفتها ... وقد صبغ الليل الحصى بسواد جعل ما يعلو الحجارة من ظلمة الليل صبغا منه إياها بالسواد. وقوله تعالى: ﴿مُظْلِمًا﴾ قال الفراء (٣)، والزجاج (٤): هو نعت لقوله: ﴿قِطَعًا﴾. و [قال أبو علي] (٥) يجوز أن تجعله حالاً من الذكر الذي في الظرف -يريد بالظرف الليل- كأنه قيل: قطعًا من الليل وهو مظلم، أي الليل، قال: والقول الأول (٦) أحسن؛ لأنه على قياس قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢، ١٥٥]، وصفت الكتاب بالمفرد بعدما وصفته بالجملة، وأجريته على النكرة (٧) كذلك هاهنا، تصف ﴿قِطَعًا﴾ بكونه مظلما بعدما وصفته بقوله ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾.

стр. 6161

وقرئ ﴿قِطَعًا﴾ مفتوحة الطاء (١)، وهي جمع قِطْعة، ومعنى الآية في القراءتين واحد؛ لأنهم إذا أغشيت وجوههم قِطْعًا من الليل مظلمًا اسودت منها، كما أنه إذا أغشيت قِطَعا التي (٢) هي جمع قطعة اسودت و ﴿مُظْلِمًا﴾ على هذه القراءة حال من الليل، المعنى أغشيت وجوههم قِطَعا من الليل في حال ظلمته. ٢٨ - قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾، قال ابن عباس (٣)، ومقاتل (٤)، والكلبي (٥): ويوم نجمع المشركين وشركاءهم والكفار (٦) وآلهتهم، والحشر: الجمع من كل أوب (٧) إلى الموقف. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ﴾، قال الزجاج: مكانكم منصوب على الأمر؛ كأنه (٨) قيل لهم: انتظروا مكانكم حتى نفصل بينكم، قال: والعرب تتوعد فتقول: مكانك، وانتظر، وهي كلمة جرت على الوعيد (٩).

стр. 6162

وقوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ ﴿وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ عطف عليه، والخبر في قوله: ﴿مَكَانَكُمْ﴾ على ما ذكرنا من التقدير كأنه قيل: ثم نقول أنتم وشركاؤكم انتظروا مكانكم، واثبتوا وقفوا والزموا مكانكم، ومعنى ﴿شُرَكَاؤُكُمْ﴾ أي: الذين جعلتموهم شركاء في العبادة وفي أموالكم من الأوثان، كما قالوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦]. وقوله تعالى: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ جاء هذا على لفظ المضي بعد قوله ﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾ وهو منتظر؛ لأن الكائن (١) يومًا في علم الله تعالى وقدره كالكائن الراهن (٢) الآن، وذكرنا نظير هذا في قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (٣) [الأعراف: ٤٤]. ومعنى (زيلنا) فرقنا وميزنا، ومنه قوله الفرزدق: أنت الفداء لذكر عام لم يكن ... نحسًا ولا بين الأحبة زيلا (٤) وأنشد المبرد فقال (٥): سائل مجاور جَرْم هل جنيت لهم ... حربًا تُزيّل بين الجيرة الخُلُطِ (٦) قال أبو إسحاق: هو (٧) من قولك [زلت الشيء عن مكانه أزيله،

стр. 6163

وزيّلنا -للكثرة- من (١) هذا: إذا نحيته (٢). وحكى سلمة (٣)، عن الفراء في قوله: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾، قال: ليس من زُلت، إنما هي من زِلت الشيء فأنا أزيله: إذا فرقت ذا من ذا (٤)، ونحو هذا قال الكسائي، قال: وتقول العرب زلت الضأن من المعز فلم تزل ومزتها فلم تنمز (٥). هذا كلامه، فالزيل (٦) والتزييل والمزايلة: التمييز والتفريق، قال ذو الرمة: وبيضاء لا تنحاش منا وأمها ... إذا ما رأتنا زيل منا زويلها (٧) أراد بيض النعامة وأن البيضة لا تنفر منا، وأن النعامة التي باضتها فإنها إذا رأتنا نفرت، وزيل منا زويلها، أي نُحي عنا حركة شخصها. وقرئ (فَزَيَلْنَا بَيْنَهُمْ) (٨)، وهو مثل: (فَزَيَّلْنَا) والتزايل والانزيال:

стр. 6164

التباين والافتراق، والزيال بمعنى الفراق (فِعَال) من المزايلة. وقال ابن قتيبة في هذه الآية: هو من زال يزول وأزلته أنا (١). قال الأزهري: هذا غلط وأراه لم يميز بين زال يزول، وزال يزيل، وبينهما بنون بعيد، والقول ما قال الفراء، وكان القتيبي قليل البصر بمقاييس النحو والتصريف وهو مع ذلك ذو بيان عذب (٢). قال المفسرون: فرقنا بين المشركين وبين شركائهم من الآلهة

стр. 6165

والأصنام، وانقطع ما كان بينهم من التواصل في الدنيا، وذلك حين يتبرأ كل معبود من دون الله ممن عبده (١)، وهو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾، قال ابن عباس: أنكروا عبادتهم (٢). قال مجاهد: يقول ذلك كل شيء يعبدون من دون الله يعني أن الله تعالي ينطق الأوثان فتقول: ما كنا نشعر بأنكم إيانا تعبدون (٣). ٢٩ - قوله تعالى: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية، هذا من كلام معبوديهم (٤)، لما تبرؤوا منهم قالوا: يشهد الله على علمه فينا ما كنا عن عبادتكم إلا غافلين؛ لأنه لم يكن فينا روح وما كنا نسمع ولا نبصر، وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّا﴾ (إن) هاهنا هي المخففة من الثقيلة، ودليله إلحاق اللام في الخبر للفرق بين (إن) الجحد و (إن) المؤكدة، والتقدير: إنا (٥) كنا عن عبادتكم لغافلين، ثم خففت وحذف الضمير، كقوله: إن هالك كل من يحفى وينتعل (٦) وقد ذكرنا نظائر هذا فيما تقدم. ٣٠ - قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ﴾، قال أبو إسحاق: (هنالك) (٧) ظرف،
следующие страницы →