← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، قال أهل المعاني: إنه رب كل شيء، وخص العرش بالذكر؛ لأنه لما ذكر الأعظم دخل فيه الأصغر (١)، ويجوز أن يكون التخصيص تشريفًا للعرش وتفخيمًا لشأنه.

стр. 6092

سورة يونس

стр. 6093

سورة يونس ﵇ بسم لله الرحمن الرحيم ١ - ﴿الر﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: أنا الله الرحمن (١)، وعنه أيضًا: أنا الله أرى (٢)، وهو قول الضحاك (٣). وقال قتادة: (الر) اسم من أسماء القرآن (٤)، وقال أبو روق (٥): ﴿الر﴾ فاتحة السورة (٦)، وعلى هذا هي صلة وابتداء واستفتاح للكلام (٧)،

стр. 6094

والمعنى: كأنه ابتدأ فقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. وقال أبو عبيدة: الله أعلم بما أراد بهذه الحروف (١) (٢). وقرأ القراء الراءَ بالإمالة في ﴿الر﴾ وتركها (٣)، فمن ترك الإمالة فلأن كثيراً من العرب لا تميل ما يجوز فيه الإمالة عند غيرهم، والأصل ترك الإمالة في هذه الحروف، نحو: (ما)، و (ولا)؛ لأن ألفاتها لا تكون منقلبة عن الياء، وأما من أمال فلأن هذه الحروف أسماء لما (٤) يلفظ به من

стр. 6095

الأصوات المقطعة في مخارج الحروف، فجازت الإمالة فيها من حيث (١) كانت أسماء (٢) ولم تكن الحروف التي تمتنع فيها (٣) الإمالة (٤)، نحو: (ما) (٥) و (لا) وما أشبههما، فقصد بإمالة هذه الحروف -التي هي أسماء للأصوات- الإعلام بأنها أسماء (٦) ليست بحروف. وفإن قلت: فإن الأسماء لا تكون على حرفين أحدهما حرف لين، وإنما تكون على هذه الصفة الحروف نحو: (لا) و (ما)، فالقول: إن هذه الأسماء لم تمتنع أن تكون على حرفين أحدهما حرف لين؛ لأن التنوين لا يلحقها، فيؤمن لامتناع التنوين من اللحاق لها أن تبقى على حرف واحد، وإذا أمن ذلك لم يمتنع أن يكون الاسم على حرفين أحدهما حرف لين ألا ترى أنهم قالوا: هذه شاة (٧)، فجاء على حرفين، أحدهما حرف لين لما أمن لحاق التنوين له لاتصال علامة التأنيث به، وكذلك قوله: رأيت رجلاً ذا مال؛ لاتصال المضاف إليه به، وكذلك قولهم: كسرت فا زيدٍ. ومثل شاة في كونها على حرفين أحدهما حرف لين لما دخلت (٨) عليه

стр. 6096

علامة التأنيث قولهم في الباءة: باه، كأنه أراد: الباءة (١)، فأبدل من الهمزة الألف كما أبدلها في قوله (٢): ... لا هَنَاكِ المَرْتَعُ فاجتمع ألفان فحذف أحدهما لالتقاء الساكنين فبقي الاسم على حرفين أحدهما حرف لين، أنشد اليزيدي (٣): فياشرَّ مُلْكٍ ملْكِ قيس بن عاصم ... على أن قيسًا لم يطأ باه مَحْرَم (٤)

стр. 6097

ومثل هذا ما رواه الفراء عن الكسائي أنه سمع: اسقني شربة مًا يا هذا (١)، يريد شربة ماء، فقصر (٢) وأخرجه على لفظ (من)، هذا إذا مضى فإذا (٣) وقف قال: ما، والقول في هذا كالقول في باهٍ؛ إلا أن باهًا (٤) أحسن من مًا، لتكثرها بعلامة التأنيث. ولم يعد ﴿الر﴾ آية كما عد ﴿طه﴾؛ لأن آخره لا يشاكل رؤوس الآي التي بعده [إذ هي بمنزلة المردف بالباء، و ﴿طه﴾ عدّ؛ لأنه يشاكل رؤوس الآي التي بعده (٥)] (٦). قوله تعالى ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ قال أبو عبيدة: المعنى هذه آيات (٧)، وقال الزجاج: أي تلك الآيات التي جرى ذكرها آيات الكتاب الحكيم (٨)، وقد بينّا في أول سورة البقرة جواز (تلك) و (ذلك) بمعنى (هذه) و (هذا). وقال صاحب النظم: نظم هذه الفاتحة مثل نظم قوله تعالى: ﴿الم

стр. 6098

(١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ إلا أن الكتاب مذكر فقال (ذلك) والآيات مؤنثة وقال (تلك) قال: وربما أخرج ذلك على ما تقدم وربما أخرج علي ما تأخرج وأخرج هاهنا (١) على ما تأخرة لأن (ذلك) و (ذاك) و (تلك) و (أولئك) إشارات تقع على ما يقصد بالإشارة إليه، وقد قال عطاء عن ابن عباس: يريد هذه الآيات التي أنزلتها على محمد ﷺ (٢). وأراد بـ ﴿الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ القرآن في قول أكثر المفسرين (٣)، والحكيم: الحاكم (فعيل) بمعنى (فاعل) دليله قوله: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٣] وقيل: إنه بمعنى المحكم (٤)، قال مقاتل: المحكم من الباطل لا كذب فيه ولا اختلاف (٥)، وقد بينا قبل هذا أن الأحكام معناه المنع من الفساد، ويدل على أن الحكيم هاهنا بمعنى المحكم قوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]. قال الأزهري: وهذا سائغ في اللغة، والقرآن يبين بعضه بعضًا، وإنما جاز ذلك؛ لأن (حكمت) تجري مجرى (أحكمت) في المعنى فرد إلى الأصل والله أعلم (٦). وقد قال الأعشى:

стр. 6099

وغريبة تأتي الملوك حكيمة ... قد قلتها ليقال من ذا قالها (١) يذكر قصيدته ويعني بالحكيمة المحكمة. وقال الحسن في قوله: ﴿الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وحكم فيه بالنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه، وبالنار لمن عصاه (٢) ، فعلى هذا الحكيم بمعنى المحكوم فيه. ٢ - قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ الآية، قال ابن عباس والمفسرون: عجبت قريش من إرسال الله (٣) محمدًا ﷺ إلى العباد، وقالوا أما (٤) وجد الله تعالى من يرسله إلينا إلا يتيم أبي طالب؟! فأنزل الله تعالى قوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ (٥) والألف فيه للتوبيخ والإنكار، ويعني بالناس أهل مكة. وقوله تعالى: ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ (أن) في محل الرفع؛ لأنه اسم لِكان بمنزلة قولك: إيحاؤنا. وقوله تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ (أن) نصب بـ (أوحينا)، قال عطاء، عن ابن عباس: عجبوا أن اخترت من خلقي رجلاً منهم يعرفونه ويعرفون

стр. 6100

أباه وأمه، وفيهم وُلد ونشأ يسمونه الأمين، لا يعدلون به أحدًا في صغره، ولا شابًا في شبابه، ولا كهلًا في سنه، فكذبوه ورموه بكل (١) ما ليس فيه وإنما بعثه الله مبشرًا (٢) ونذيرًا فذلك قوله: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. قال الليث وأبو الهيثم: القدم: السابقة، وكذلك القُدمة، والمعنى أنه قد سبق لهم عند الله خير (٣). وقال ذو الرّمة: وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابةٍ ... لهم قدم معروفة ومفاخر (٤) قال: القدم السابقة وما تقدموا فيه غيرهم (٥). وقال أحمد بن يحيى في هذه الآية: القدم كل ما قدمت من خير، قال: وتقدَّمَتْ فيه لفلان قدم: أي تقدم في الخير (٦). وقال ابن الأنباري: القدم: كناية عن العمل الذي يتقدم فيه ولا يقع فيه تأخر ولا إبطاء؛ لأن العادة جارية بتقدم الساعي على قدميه، فالقدم كنت (٧) من العمل الصالح، وسدّت مسدّ السبق.

стр. 6101

وأنشد لحسان يخاطب (١) النبي ﷺ : لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة (٢) الله تابع (٣) (٤) هذا الذي ذكرنا معنى القدم في اللغة. فأما التفسير فقال ابن عباس: أجرًا حسنًا بما قدموا من أعمالهم (٥)، وعلى هذا، المعنى: أن لهم أجر قدم صدق أو ثوابه، على تقدير حذف المضاف. وقال مجاهد والحسن: يعني الأعمال الصالحة (٦)، وعلى هذا لا حذف. وقال الوالبي عن ابن عباس: سبقت لهم السعادة (٧). وقال ابن زيد: محمد ﷺ -شفيع لهم (٨)، واختار ابن الأنباري أن

стр. 6102

يكون المراد بالقدم العمل الصالح (١)، وأنشد: صَلِّ لذي العرش واتخذ قدما ... تنجيك يوم العثار والزلل (٢) وأكثر أهل التفسير والمعاني على هذا (٣)، وهو قول مقاتل (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، والشعبي، وقطرب (٦)، والقتيبي (٧)، وأبي عبيدة (٨)، وذكرنا (٩) أيضًا عن الحسن، ومجاهد. وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ﴾ تم الكلام عند قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾، قال عطاء، عن ابن عباس: أخرجوا محمدًا من علمهم فيه بالأمانة والصدق إلى غير علمهم

стр. 6103

فكفروا (١). وقرئ: (لساحر) بالألف (٢)، والوجهان يحتملهما قوله: ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ فمن قال (ساحر) أراد به الرجل، ومن قال (سحر) أراد الذي أُوحي سحر. ٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ مفسَّر في سورة الأعراف [٥٤]. وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾، معنى التدبير: تنزيل الأمور في مراتبها على أحكام عواقبها، قال ابن عباس: يخلق ما يكون (٣)، وقال مقاتل: يقضيه وحده (٤). وقوله تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾، قال أبو إسحاق: الذي اقتضى ذكر الشفيع أنهم كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤهم عند الله، وقد ذكر الله هذا عنهم في هذه السورة في قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨] [يونس:١٨] الآية، فأيسهم الله عن ذلك بقوله: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ (٥). قال الكلبي: ما من شفيع من الملائكة والنبيين (٦) إلا من بعد أمره في

стр. 6104

الشفاعة (١). ٤ - قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾، قال ابن عباس: يريد: إليّ (٢) مصيركم يوم القيامة وعندي الثواب والعقاب (٣)، فالمرجع بمعنى الرجوع، ومعنى الرجوع إلى الله الرجوع إلى جزائه (٤)، وهذا مما سبق بيانه (٥). و ﴿جَمِيعًا﴾ نصب على الحال. وقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ منصوب على معنى وعدكم الله وعدًا؛ لأن قوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ معناه الوعد بالرجوع. قاله الزجاج (٦)، قال: و ﴿حَقًّا﴾ منصوب على أحق ذلك حقًا (٧). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ رد على المشركين الذين أنكروا البعث فاحتج الله عليهم بالنشأة (٨) الأولى. وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾، قال ابن

стр. 6105

عباس: يريد بالعدل جزاءً لا يصفه الواصفون (١). فإن قيل: لم أفرد المؤمنين بالقسط دون غيرهم وهو يجزي الكافر أيضًا بالقسط؟ قال ابن الأنباري: لو جمع الله الصنفين بالقسط لم يتبين ما يقع بالكافرين من العذاب الأليم، ففصلهم من المؤمنين ليبين ما يجزيهم به مما هو عدل غير جور، فلهذا خص المؤمنين بالقسط، وأفرد الكافرين بخبر يرجع إلى تأويله بزيادة في الإبانة والفائدة (٢). وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ الحميم: الذي قد أسخن بالنار حتى انتهى حره، يقال: حممت الماء: أي أسخنته، أحميه (٣) فهم حميم، ومنه الحمام. ٥ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾، قال أبو علي: الضياء لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون جمع ضوء، كسوط وسياط، وحوض وحياض، أر مصدر ضاء يضوء ضياءً، كقولك قام قيامًا، وصام صيامًا (٤)، وعلى أي الوجهين حملته فالمضاف محذوف، والمعنى: جعل الشمس ذات ضياء، والقمر ذا نور، ويجوز أن يكون جُعلا النور والضياء لكثرة ذلك منهما (٥).

стр. 6106

وروي عن ابن كثير من طريق قنبل (١) (ضئاءً (٢) بهمزتين (٣)، وأكثر الناس على تغليطه في ذلك (٤)؛ لأن ياء (٥) ضياء منقلبة عن واو، مثل ياء قيام وصيام فلا وجه للهمز فيها، وعلى البعد يجوز أن يقال: الهمزة في موضع العين [من (ضياء) يكون على القلب كأنه قَدَّم اللام التي هي همزة إلى موضع العين] (٦) وأخَّر العين التي هي واو إلى موضع اللام، فلما وقعت طرفًا بعد ألف زائدة انقلبت [همزة كما انقلبت] (٧) في سقاء (٨) وبابهن وهذا إذا قدر الضياء جمعا كان أسوغ، ألا ترى أنهم قالوا: [قوس

стр. 6107

وقسي؛ فصححوا الواحد وقلبوا في الجمع (١)، وإذا قدرته مصدرًا كان أبعد؛ لأن المصدر يجري على فعله في الصحة والاعتلال، والقلب ضرب من الاعتلال فإذا لم يكن في الفعل امتنع أن يكون في المصدر أيضاً، ألا ترى أنهم قالوا] (٢): لاوذ لواذا، وبايع بياعا فصححوهما (٣) في المصدر لصحتهما في الفعل، وقالوا: قام قيامًا، فأعلوه (٤) ونحوه؛ لاعتلاله في الفعل (٥). وقوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾، قال الفراء (٦)، والزجاج (٧)، وابن الأنباري وغيرهم (٨): خص القمر بالعائد لأن به تعرف المشهور دون الشمس فلحقه الاختصاص، قالوا: ويجوز أنه أراد: وقدرهما، فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما اختصارًا، ولهذا نظائر قد تقدمت (٩).

стр. 6108

ومعنى قدر: أي هيأ ويسر (١)، وقوله: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ يتوجه علي أحد وجهين (٢): إما أن يقال: المعنى: قدر له منازل، فحذف الجار وأفضى الفعل، وإما إن يقال: قدره (٣) ذا منازل، فحذف المضاف (٤) وقوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾، قال ابن عباس: يقول: لو جعلت شمسين شمسًا بالنهار وشمسًا بالليل ليس فيها ظلمة (٥) ولا ليل لم تعلموا عدد السنين والحساب (٦). قال الكلبي: يعني حساب المشهور والسنين والأيام والساعات (٧). وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ يعني ما تقدم (٨) ذكره من الشمس والقمر ومنازله، ﴿ذَلِكَ﴾ يُشار به إلى أكثر من الواحد، وذكرناه في قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] مستقصى مشروحًا (٩). وقوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾، قال ابن عباس: يريد بالعدل؛ لأنه هو الحق، وكل ما جاء من عنده هو الحق (١٠)، وعلى هذا، المعنى: ما خلق

стр. 6109

الله ذلك إلا عادلًا في خلقه لم يخلقه ظلمًا ولا باطلاً، بل إظهارًا لصنعه ودلالة على قدرته وحكمته، وقال بعضهم: الباء هاهنا بمعنى اللام، والمعنى ما خلق الله ذلك إلا للحق (١)، وهو ما ذكرنا من إظهار صنعه وقدرته ووحدانيته، وذكرنا وجهًا آخر في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ في سورة الأنعام (٢). وقوله تعالى: ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي نبينها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي يتدلون بالأمارات والبراهين على قدرة الله، ولهذا خص العلماء؛ لأنهم المستدلون دون الجُهّال الذين لا يبلغون هذه المنزلة. ٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد اتقَوُا الله، ولم (٣) يشركوا به شيئًا (٤) يعني لقوم يؤمنون باللهِ فيعلمون ويقرون، وذلك أن من كفر ولم يستدل بما ذكر في هذه الآيات فليست له دلالة فيما خلق الله في السموات والأرض. ٧ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾، قال ابن عباس (٥)، ومقاتل (٦)، والكلبي (٧): لا يخافون البعث، والمعنى أنهم لا يخافون

стр. 6110

ذلك؛ لأنهم لا يؤمنون بها فلا يوجلون منها كما يوجل المؤمنون المصدقون بها المعنيون بقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥] ٤٥]، وبقوله: ﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩]، ويكون الرجاء هاهنا الخوف، كما قال تعالى: ﴿لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ (١) [نوح:١٣]، وقال الهذلي: إذا لسعته النحل لم يَرجُ لسعها ... وخالفها في بيت نوب (٢) عوامل (٣) (٤) وقال آخرون في قوله: ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: لا يطمعون في ثوابنا (٥)، فيكون الرجاء هاهنا الذي خلافه اليأس، كما قال: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [الممتحنة: ١٣]، وذكرنا معنى لقاء الله في قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]. وقوله تعالى: ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي بدلاً من الآخرة، كما قال: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨]، وقد مر.

стр. 6111

وقوله تعالي: ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾، قال ابن عباس والمفسرون: أي ركنوا إليها؛ لأنهم لا يؤمنون بشيء من الثواب والعقاب (١)، كما قال: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] الآية، فهؤلاء فرحهم يكون للدنيا، وغمهم لها، ورضاهم وسخطهم لها. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾، قال ابن عباس (٢): يريد ما أنزلت من حلالي وحرامي وفرضت من شرائعي (٣). ٩ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾، معناه: يهديهم ربهم إلى الجنان ثوابًا لهم بإيمانهم [وأعمالهم الصالحة، هذا معنى قول المفسرين في هذه الآية (٤)، قال مجاهد في قوله: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [(٥) يكون لهم نور يمشون به (٦)،] يعني أن الله تعالى يهديهم بذلك النور إلى الجنة، ونحو هذا قال مقاتل: يهديهم بالنور

стр. 6112

على الصراط إلى الجنة (١)، وهو قول أبي روق (٢). وقال قتادة: إن المؤمن يُصوّر له عمله في صورة حسنة، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك، فيكون له نورًا وقائدًا إلى الجنة، والكافر على ضد ذلك، فلا يزال به عمله حتى يدخله النار (٣). وقال ابن الأنباري: يجوز أن يكون المعنى: إن الله تعالى يزيدهم هداية بخصائص وألطاف وبصائر ينور بها قلوبهم، ويزيل بها الشكوك عنهم كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] الآية (٤)، ويجوز أن يكون المعنى يثبتهم على الهداية كما قلنا في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]. وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ أي من (٥) بين أيديهم، وهم يرونها من علو أسِرَّتهم وقصورهم. ١٠ - قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ الآية، الدعوى: مصدر كالدعاء، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٥]، قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: كلما اشتهى أهل الجنة شيئا قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ فجاءهم ما يشتهون، فإذا طعموا بما يشتهون قالوا:

стр. 6113

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) وقال ابن جرير: إذا مر بهم الطير يشتهونه قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ فيؤتون به، فإذا نالوا منه شهوتهم قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). وقال الكلبي: قوله: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ علم بين أهل الجنة والخدام، فإذا سمعوا ذلك من قولهم أتوهم بما يشتهون (٣). وقوله تعالى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾، قال ابن عباس والكلبي: يحيي بعضهم بعضًا بالسلام (٤)، وقال آخرون: تحية الملائكة إياهم، وتحية الله إياهم سلام (٥)، وعلى هذا أضيف المصدر إلى المفعول. وقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ الآية، ذكرنا فيه قول ابن عباس وابن جرير. وقال الكلبي: إذا فرغ أحدهم من كلامه (٦) يقول: الحمد لله رب العالمين (٧).

стр. 6114

وقال ابن زيد: إذا فرغوا وشربوا قالوا: الحمد لله على ما أعطاهم (١). وقال الحسن في هذه الآية عن النبي ﷺ : "إن أهل الجنة يلهمون الحمد والتسبيح كما تلهمون أنفاسكم" (٢)، [قال ذلك في هذه الآية وقال] (٣) أبو إسحاق: أعْلَمَ اللهُ أنهم يبتدئون بتعظيم الله وتنزيهه، ويختمون بشكره والثناء عليه (٤). وقوله تعالى: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (أن) هي المخففة من الشديدة فلذلك لم تعمل لخروجها بالتخفيف عن شبه الفعل كقوله (٥): أن هالك كل من يحفى وينتعل على معنى: أنه هالك، وقال صاحب النظم: (أن) هاهنا زائدة (٦).

стр. 6115

١١ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾، قال مجاهد: هو (١) قول الإنسان لولده وماله إذا غضب: اللهم لا تبارك فيه والعنه (٢). وقال قتادة: هو دعاء الرجل على نفسه وولده وأهله وماله بما يكره أن يستجاب له (٣)، والتعجيل: تقديم الشيء قبل وقته، والاستعجال: طلب العجلة. قال الفراء: ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ﴾ منصوب بوقوع الفعل وهو (يعجل) كما تقول: قد ضربت اليوم ضربك (٤)، والمعنى كضربك (٥). وقال أبو إسحاق: نصب (استعجالهم) على [معنى: مثل استعجالهم، على] (٦) نعت مصدر محذوف، المعنى: ولو يعجل الله للناس الشر تعجيلًا مثل استعجالهم بالخير (٧)، وهذا نحو قول الفراء وتفسير له؛ لأنه قد قال: هو مثل قولك ضربت اليوم ضربك، أي: كضربك فيكون المعنى تعجيلًا كاستعجالهم (٨)، فالقولان سواء،

стр. 6116

و (استعجالهم) نصب بـ (تعجيك) (١) في الظاهر على ما قاله الفراء، وهو في الحقيقة نعت مصدر محذوف كما قال أبو إسحاق، واستعجالهم معناه طلبهم العجلة، وهو مصدر مضاف إلى الفاعل، والمعنى: أن الناس لو أجيبوا في الدعاء على أنفسهم وأهليهم عند الغضب كقول الرجل لابنه وحميمه: فعل الله بك وأماتك الله، وعجلوا في ذلك الشر على ما يطلبون كما يطلبون العجلة بالخير. وزاد ابن قتيبة بيانًا فقال: إن الناس عند الغضب وعند الضجر قد يدعون على أنفسهم وأهليهم وأولادهم بالموت وتعجيل البلاء، كما قد يدعونه بالرزق والرحمة وإعطاء السؤال، يقول: فلو أجابهم الله إذا دعوه بالشر الذي يستعجلونه به استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم، قال: وفي الكلام حذف واختصار كأنه قال: ولو يعجل الله للناس إجابتهم في الشر الذي يستعجلونه استعجالهم بالخير (٢)، وعلى (٣) هذا، الاستعجال مصدر لفعل محذوف، والمصدر يدل على الفعل، كما أن الفعل يدل على المصدر، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ فعل من الله ، وقوله تعالى: ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ﴾ فعل من المخلوقين. وقال مقاتل في هذه الآية: لو استجيب لهم في الشر كما يحبون أن يستجاب لهم في الخير (٤).

стр. 6117

وسلك أبو علي الفارسي في الآية طريقة أخرى فقال: المعنى والله أعلم: ولو يعجل الله للناس الشر (١)، أي: ما يدعون به (٢) من الشر على أنفسهم في حال ضجر وبطر استعجاله إياهم (٣) بدعاء الخير فأضيف المصدر إلى المفعول به، وحذف الفاعل، كقوله: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩] في حذف ضمير الفاعل قال: والتقدير: ولو يعجل الله للناس الشر (٤) استعجالًا مثل استعجالهم بالخير (٥)، وهذا مذهب الكلبي في هذه الآية، فإنه قال: يقول: لو يعجل الله للناس إذا دعوا بالعقوبة كما يعجل لهم الخير إذا دعوا بالرحمة والرزق والعافية فيرزق ويعطي (٦)، وعلى هذا: التعجيل والاستعجال كلاهما من الله .

стр. 6118

وقوله تعالى: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾، قال عامة المفسرين: أي لماتوا وهلكوا جميعًا وفرغ من هلاكهم (١)، وقال أبو عبيدة: لفرغ عن أجلهم (٢)، والتقدير: لفرغ من أجلهم ومدتهم المضروبة للحياة، فإذا انتهت مدتهم المضروبة للحياة هلكوا، ومعنى الفراغ من المدة: انقضاؤها، والشيء إذا انقضى فرغ منه، ونحو هذه الآية قوله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١]. فأما ما يتعلق به الجار في قوله: ﴿إِلَيْهِمْ﴾، قال أبو علي: لما كان معنى (قضى): فرغ [وكان فرغ] (٣) قد يتعدى بها الحرف نحو قوله (٤): ألان فقد فرغت إلى نمير ... فهذا حين صرت لهم عذابا فلما تعلق (إلى) بفرغ كذلك تعلق بقضى (٥). وتحقيق التأويل: لو أجيبوا إلى ما يدعون به من الشر والعذاب لفرغ إليهم من أَجَلِهم بأن ينقضي الأجل فيموتوا ويحصلوا في البلاء والعذاب. وقرأ ابن عامر: (لقَضَى إليهم أجلَهم) على إسناد الفعل إلى

стр. 6119

الفاعل (١)؛ لأن ذكر الفاعل قد تقدم وهو الله ، في قوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾. وذكر عن بعض المفسرين (٢): أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث حين قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية، يدل على صحة هذا قوله: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، يعني الكفار الذين لا يخافون البعث. ١٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ أي: مضطجعا على جنبه؛ ولهذا المعنى عطف عليه بالحال، كقوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦] فنسق ﴿وَكَهْلًا﴾ على ﴿فِي الْمَهْدِ﴾؛ لأن معناه: ويكلم الناس صغيرًا وكبيرًا، قال ابن الأنباري: وهذا كما يقول القائل إنا بخير وكثير صيدنا، فيعطف (كثيراً) على الباء، إذ تأويلها: إنا مخصبون (٣). قال ابن عباس: إذا أصاب الكافر ما يكره من فقر أو مرض أو بلاءً أو شدة أخلص في الدعاء مضطجعًا كان أو قائمًا أو قاعدًا (٤)، وإنما يريد جميع حالاته؛ لأن الإنسان لا يخلو من هذه الحالات. قال أبو إسحاق: وجائز أن يكون: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو

стр. 6120

مسه قاعدًا أو مسه قائمًا دعانا (١)، والمعنى: وإذا مسَّ الإنسان الضر في حال من الأحوال دعانا، قال أبو بكر: وفي هذا القول عندي بُعد؛ لأن إزالة ألفاظ القرآن إلى معنى غامض يُتطلب لها مكروهة؛ إذِ استعمال الظاهر إذا لم يدعُ إلى الغامضِ ضرورةٌ أولى (٢). قال: ومما يزيد هذا القول فسادًا أنّ اللام في قوله (لجنبه) إذا انتصب بـ (مس) لم يجز أن يدخل بين (دعانا) وما يتعلق به كتعلق الصلة، والفاء في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا﴾ يتصل ما (٣) بعدها بـ (دعانا) وغير جائز أن تقول: دعوت فأجابني عبد الله فأحسن)، من قِبَل أنّ (أحسن) ينعطف على أجابني، فدخول منصوب الأول بينهما لا وجه له (٤). وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ﴾ [قال ابن عباس: فلما كشفنا عنه] (٥) مرضه مرّ طاغيا على ترك الشكر (٦). وقال الفراء: استمر على طريقته الأولى قبل أن يصيبه البلاء (٧). وقال الزجاج: مرّ في العافية على ما كان عليه قبل (٨) أن يبتلى ولم

стр. 6121

يتعظ بما ناله (١)، وهذا بيان عن حال الجاهل (٢) من الإعراض عما يجب عليه من الشكر على كشف الضر الذي نزل به. وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾، قال الأخفش: ﴿كَأَنْ لَمْ﴾ يريد: كأنه لم، فخففت، ومثله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ (٣) [يونس: ٤٥]، وهذا مثل ما ذكرنا في (أن) الخفيفة في مواضع، وقال الحسن: نسي ما دعى الله فيه، وما صنع الله به (٤) فيما كشف عنه من ذلك النبلاء (٥). وقال صاحب النظم في هذه الآية: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾: (وإذا) موضوعة للمستقبل، ثم قال: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا﴾ وهذا واجب ماضٍ، فهذا النظم محمول على الاشتراك من أن المعنى فيه: إنه هكذا كان فيما مضى، وهكذا يكون في المستأنف، فدل ما فيه من [الفعل المستأنف على ما فيه من المعنى المستأنف، وما فيه من] (٦) الماضي على الماضي (٧). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قال المفسرون: [يقول: كما زُين لهذا الكافر الدعاء عند البلاء والإعراض عند الرخاء، زُين للمسرفين عملهم (٨)، والمعنى: زُين للمسرفين عملهم تزيينًا

стр. 6122

مثل تزيين عمل هذا الكافر، فموضع الكاف في (كذلك) نصب أي: جعل الله جزاءهم الإضلال [بإسرافهم (١) في كفرهم؛ لأن تزيينهم لهم ما يعملون إضلال] (٢) وهذا معنى قول الزجاج في هذه الآية (٣). قال ابن عباس: يريد بالمسرفين: المشركين (٤). قال ابن كيسان: أسرفوا على أنفسهم إذ عبدوا الوثن (٥)، قال عطاء: نزلت هذه الآية في عتبة بن ربيعة (٦) والوليد بن المغيرة (٧) (٨). ١٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الآية] (٩)، قال المفسرون: يخوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية (١٠).

стр. 6123

وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾، قال ابن الأنباري: ألزمهم الله ترك الإيمان لمعاندتهم الحق، وايثارهم الباطل، يدل على هذا قوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١). وقال أبو إسحاق (٢): أعلم الله أنهم لا يؤمنون ولو بقّاهم (٣) أبدًا، فجائز أن يكون جعل الله جزاءهم الطبع على قلوبهم، كما قال: ﴿رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا (٤) مِنْ قَبْلُ﴾ الآية في سورة الأعراف (٥)، والدليل أنه طبع على قلوبهم جزاءً لهم قوله (٦) تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [قال: وجائز أن يكون أعلم (٧) ما قد علم منهم (٨) (٩)، وعلى هذا معنى قوله: كذلك نجزي القوم المجرمين] (١٠)، أي نعاقب ونهلك المشركين المكذبين بمحمد ﷺ كما فعلنا بمن قبلهم. ١٤ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، قال

стр. 6124

ابن عباس: يريد أهل مكة (١). وقوله تعالى: ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد لنختبر أعمالكم، وهو يعلم ما يكون قبل أن يكون (٢). وقال أهل المعاني: معنى النظر هو طلب العلم، وجاز في وصف الله تعالى للمظاهرة في العدل بأنه يعامل العباد معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم ليجازيهم بحسبه كقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٣) [الملك: ٢]، وقد مرّ نظائر هذا (٤). وقال رسول الله ﷺ : "إن الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون" (٥) [وقال قتادة: صدق الله ربنا؛ ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا، فأروا الله من أعمالكم خيرًا بالليل والنهار (٦).

стр. 6125

وقال أبو إسحاق: موضع (كيف) نصب بقوله (تعملون)] (١)؛ لأنها حرف الاستفهام الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، لو قلت لننظر خيرًا تعملون أم شرًا، كان العامل في (خير) و (شر): تعملون (٢). ١٥ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ الآية، قال قتادة (٣)، ومقاتل (٤)، والكلبي (٥): نزلت في مشركي مكة؛ قالوا للنبي ﷺ : ائت بقرآن غير هذا، ليس فيه ترك عبادة آلهتنا، قال الزجاج: (بينات) منصوب على الحال (٦). وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾، قال ابن عباس (٧)، والكلبي (٨)، وغيرهما (٩): يعني الذين لا (١٠) يخافون البعث. وقوله تعالى: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ أي بقرآن ليس فيه عيب آلهتنا وذكر البعث والنشور ﴿أَوْ بَدِّلْهُ﴾ أي تكلم به من ذات نفسك فبدل منه ما

стр. 6126

نكرهه، قاله المفسرون (١). وقال أهل المعاني: الفرق بين الإتيان بقرآن غيره وبين تبديله أن الإتيان بغيره قد يكون معه فأما تبديله فلا يكون إلا برفعه ووضع آخر في مكانه أو في شيء منه (٢)، وهذا تعنت وتحكم منهم وإيهام أن الأمر موقوف على ما يرضون به، وليس (٣) يرضون بهذا فيريدون غيره. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾، قال الكلبي (٤): ما ينبغي لي أن أغيره من قبل نفسي، ولم أومر به (٥). وقال أهل المعاني: معناه ليس لي أن أتلقاه بالتبديل، كما ليس لي أن أتلقاه بالرد (٦). ومعنى التلقاء: جهة مقابلة (٧) الشيء، وقد يجعل ظرفًا، فيقال: هو تلقاءه، كما يقال هو حذاءه وإزاءه وقبالته. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ قال ابن عباس: يريد ما أخبركم إلا ما أخبرني الله به (٨).

стр. 6127

وقال مقاتل: يقول إذا أُمرت بأمر فعلته، ولا أبتدع ما لا (١) أومر به (٢)، وقال الزجاج: تأويله [إن الذي أتيت به من عند الله لا من عند نفسي فأبدله (٣)] (٤). والآية بيان عن (٥) حال الجاهل في التحكم في سؤال الدلالات كما يقول السفيه: [لست أريد هذه الحجة، فهات غيرها] (٦)، جهلًا منه بما يلزمه فيها. ١٦ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾، قال ابن عباس [والمفسرون: يقول: لو شاء الله ما قرأت عليكم] (٧) القرآن (٨) ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ أي: ولا أخبركم ولا أعلمكم الله به، يقال: دريت الشيء وأدراني به الله [والمعنى: أنه لو شاء الله أن لا ينزل القرآن] (٩) ما أعلمهم به، ولا (١٠) أمر النبي ﷺ بتلاوته عليهم.

стр. 6128

قال سيبويه: يقال دريته ودريت به، قال: والأكثر [في الاستعمال بالباء (١). ويبين ما قاله (٢)] (٣). قوله: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ ولو كان على اللغة الأخرى لكان (٤): ولا أدراكموه، وأدرى: (أفعل) من الدراية وهي [التأني (٥) والتعمل (٦) لعلم الشيء، وعلى] (٧) هذا المعنى ما تصرف من هذه الكلمة نحو: درى وأدرى بمعنى ختل، وقالوا: داريت الرجل إذا [لاينته وختلته، وإذا كان الحرف] (٨) على هذا فالداري في وصف الله لا يجوز، فأما قول الراجز: لا هُمّ لا أدري وأنت الداري (٩) [فإنما استجاز ذلك لتقدم لا أدري] (١٠) كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] ونحوه، ولو لم يتقدم ذكر الاعتداء لم

стр. 6129

يحسن في الابتداء [الأمر بالاعتداء، على أن الأعراب] (١) ربما ذكروا (٢) أشياء لا مساغ لها (٣) كقوله (٤): اللهم إن كنت الذي بعهدي ... ولم تُغيرك الأمور بعدي وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾. قال ابن عباس: يريد أقمت فيكم أربعين سنة لا أحدثكم شيئًا ولا آتيكم [به (٥). ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنه ليس من قبلي] (٦) أتيتكم به. وقال الزجاج: أي قد لبثت فيكم من قبل أن يوحى إليّ لا أتلو كتابًا ولا أخطه بيميني، وهذا دليل على أنه أوحي إليّ، إذ كنتم تعرفونني بينكم (٧)، نشأت لا أقرأ الكتب، فإخباري إياكم بأقاصيص الأولين من غير

стр. 6130

كتاب ولا تلقين يدل على أنه إنما أتيت به من عند الله (١) جل وعز (٢) وقال غيره: يقول قد أتى عليّ عُمُر وأنا بهذه الصفة لا أتلوه عليكم ولا يعلمكم به الله، حتى أمرني به وشاء إعلامكم (٣). ١٧ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآية (فمن) هاهنا استفهام معناه الجحد، أي لا أحد أظلم ممن هذه صفته، والمعنى: لا أحد أظلم ممن يظلم ظلم الكفر، كأنه قيل: لا أحد أظلم من الكافر. قال ابن عباس: يريد: إني لم أفتر على الله ولم أكذب عليه، وأنتم فعلتم ذلك حيث زعمتم أن معه شريكًا وعبدتم الأوثان وكذبتم نبيه وما جاء به من عند الله (٤). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾، قال: يريد: لا يسعد من كذب أنبياء الله (٥). ١٨ - قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾
следующие страницы →