← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

الوجه الثاني: أن تجعله صفة للمصدر على تقدير: ويوم نحشرهم حشرًا (١) كأن لم يلبثوا قبله، ثم فُعِلَ بـ (قبله) ما ذكرنا في الوجه الأول. الوجه الثالث: أن تجعله حالاً من الضمير المنصوب في ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ والمعنى: نحشرهم مشابهةً أحوالُهم أحوال من لم يلبث إلا ساعة، وأما (يوم) فإنه يصلح أن يكون معمولًا لأحد شيئين؛ أحدهما: أن يكون معمول ﴿يَتَعَارَفُونَ﴾، وينتصب على وجهين؛ أحدهما: أن يكون ظرفًا معناه: يتعارفون في هذا اليوم، والآخر: أن يكون مفعولًا على السعة على: يا سارقَ الليلةَ أهلِ الدار (٢) وأهل الدار ما سرقوا وإنما سرق منهم، ولكن جعلوا مفعولًا على السعة، كذلك هاهنا تعارفوا في اليوم فجعل اليوم مفعولًا على السعة، والآخر (٣): أن يكون ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ معمول ما دلّ عليه قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ ألا ترى أن المعنى: تشابه أحوالهم أحوال من لم يلبث، فيعمل في الظرف هذا المعنى، ولا يمنع المعنى من أن يعمل في الظرف وإن تقدم الظرف عليه، كقولهم: أكلَّ يوم لك ثوب؟ غير أن هذا الوجه ضعيف؛ لأن قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ لا يخلو من أن يكون على أحد (٤) الأوجه الثلاثة التي

стр. 6197

ذكرنا، فإن جعلته صفة المصدر لم يجز أن يعمل في (يوم)؛ لأن الصفة لا يتقدم عليها ما تعمل فيه، وإن جعلته صفة لليوم فالصفة لا تعمل في [الموصوف كما أن الصلة لا تعمل في] (١) الموصول؛ لأنها بعضه، وإنْ قدرته تقدير الحال على ما ذكرنا لم يجز أن يكون (يوم) معمولًا له؛ لأن العامل [في الحال] (٢) (نحشر) و (نحشر) قد أضيف اليوم إليه فلا يجوز أن يعمل في المضاف المضاف إليه، ولا ما يتعلق بالمضاف إليه؛ لأن ذلك يوجب تقديمه على المضاف، فلهذا (٣) قلنا: إن هذا الوجه ضعيف (٤). وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾، قال المفسرون: خسر ثواب الجنة الذين كذبوا بالبعث (٥). قال ابن الأنباري: ووجه اتصال خسرانهم بتعارفهم هو أن الله لما ذكر البعث وذكر ما يصير إليه أحوال المبعوثين، وصله بتخسير المكذبين بالبعث (٦)، وهذا معنى قول أبي إسحاق: يجوز أن يكون هذا إعلامًا من الله -بعد أن بين أمر البعث- أنه من كذب به فقد خسر (٧). قال أبو بكر: وفيه قول (٨) آخر: قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله في

стр. 6198

حال التعارف؛ لأن تلك حالٌ لا تقبل فيها توبة ولا يرجى معها إقالة (١). ٤٦ - وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾، قال ابن عباس والمفسرون: يريد ما (٢) ابتلوا به يوم بدر (٣)، ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أو أتوفأك قبل ذلك، فلا فوت عليّ، ولا يفوتني شيء، وهو قوله: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾، قال الربيع (٤): أي: فنعذبهم في الآخرة (٥)، وقال مقاتل: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ بعد الموت فنجزيهم بأعمالهم (٦)، ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ أي: من محاربتك وتكذيبك، قاله ابن عباس (٧). قال أهل المعاني: أعلم الله تعالى نبيه ﵇ أنه ينتقم من بعض هذه الأمة، ولم يعلمه أيكون ذلك بعد وفاته أو قبله (٨)، فقال المفسرون: كانت وقعة بدر ما أراه في حال حياته (٩). وقال أبو إسحاق: الذي (١٠) تدل عليه الآية أن الله أعلمه أنه إن لم

стр. 6199

ينتقم منهم في العاجل انتقم منهم في الآجل (١). ٤٧ - قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، ذكر المفسرون (٢)، وأصحاب المعاني (٣) في هذه الآية قولين: أحدهما: أن مجيء الرسول والقضاء بينهم في الدنيا، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: فإذا كذبوا رسولهم قضي بينهم بالعدل (٤)، وقال عطية العوفي: يقول الله تعالى: أرسلت إلى كل أمة رسولاً، فإذا جاء رسولهم وبلغهم الكتاب وكذبوه قضي بينهم وبين رسولهم في الدنيا بالعدل؛ فعُذب المكذبون (٥)، ونجا (٦) الرسل (٧) والمؤمنون. القول الثاني: أن المراد بمجيء الرسول والقضاء ما يكون في القيامة، وهو قول مقاتل ومجاهد وابن عباس في بعض الروايات (٨)، قال مجاهد: فإذا جاء رسولهم يوم القيامة (٩)، وقال مقاتل: فإذا جاء رسولهم في الآخرة (١٠).

стр. 6200

وقال ابن عباس: إن الله تعالى يقول لهم يوم القيامة: ألم يأتكم رسلي بكتبي؟ فيقولون: ما أتانا لك رسول ولا كتاب (١)، ثم يؤتى بالرسول فيقول: قد أبلغتهم كتابك، فذلك قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (٢). قال أبو إسحاق: ودليل القول الأول: قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥] الآية، أعلم أنه لا يعذب قومًا إلا بعد الإعذار والإنذار، ودليل القول الثاني قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]، أعلَم الله أن كل رسول شاهد على أمته بإيمانهم وكفرهم (٣). وزاد ابن الأنباري بيانًا ومعنى فقال في القول الأول: ولكل أمة رسول يرسله الله إليهم سفيرًا بينه وبينهم، مبشرًا ومنذرًا، فإذا جاءهم الرسول في الدنيا ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أي: حكم عليهم عند اتباعه وعناده (٤) بالمعصية والطاعة والضلالة والهدى (٥)، فالقضاء بالقسط على

стр. 6201

هذا وقع في الدنيا على القبول من الرسل والسعادة باتباعهم (١)، أو (٢) كذيب الرسل والشقاوة بعصيانهم، وهذا معنى آخر سوى ما ذكرنا من قول المفسرين؛ لأنهم فسروا (القضاء بالقسط في الدنيا) بعذاب الكافرين ونجاة المؤمنين، وقال (٣) في القول الثاني: ولكل أمة رسول يرسل إليهم مبينًا الضلالة والهدى، ومرغبًا في ثواب الله، ومخوفًا غضب الله، فإذا جاء رسولهم في الآخرة شاهدًا عليهم بما كان منهم في الدنيا قضي بينهم هنالك (٤) بدخول الجنة والنار، يدل على صحة هذا قوله ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا﴾ [النساء: ٤١] الآية. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، قال عطاء، عن ابن عباس: يريد لا ينقص الذين صدقوا، ويُجازى الذين كذبوا (٥)، وقال مقاتل: لا ينقصون من محاسنهم ولا يزادون على مساوئهم ما لم يعملوا (٦) (٧)، وقال العوفي: لا يُعذب أحد بغير ذنب ولا على غير حجة (٨). ٤٨ - قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾، قال مقاتل: وذلك حين

стр. 6202

أخبرهم النبي ﷺ بقوله (١): ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ الآية، فقالوا: متي هذا الوعد الذي تعدنا يا محمد (٢)، وقال غيره: يريدون متى قيام الساعة (٣) ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ أي أنت يا محمد وأتباعك ﴿صَادِقِينَ﴾، وقال الكلبي في هذه الآية: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى﴾ يعني: كل أمة كذبت رسولها تقول ذلك لرسولها (٤). ٤٩ - قوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي﴾ الآية إلى آخرها مفسرة في آيتين من سورة الأعراف [٣٤، ١٨٨]. ٥٠ - قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا﴾ الآية، هذا جواب لقولهم: متى هذا الوعد، وهذا استعجال منهم للعذاب (٥)، فقيل للنبي ﷺ : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ أي أعلمتم (٦)، والرؤية هاهنا من رؤية القلب لا من رؤية العين، ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾ أي عذاب الله ﴿بَيَاتًا﴾، قال الزجاج: البيات: كل ما كان بليل، وهو منصوب على الوقت (٧) (٨)، ﴿أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يجوز أن يكون (ماذا) اسمان، فيكون (ما) استفهامًا، و (ذا) بمعنى (الذي)، ويكون المعنى ما الذي يستعجل منه

стр. 6203

المجرمون؟] (١) كقولك: أي شيء الذي يستعجل من العذاب المجرمون؟ أي يستعجله؛ فـ (ما) على هذا في موضع رفع، و (ذا) بمعنى (الذي) خبره، والعائد إن صلته إليه الهاء المقدر في (يستعجل)، فإن جعلت (٢) (ما) و (ذا) اسمًا واحدًا كان في موضع نصب كأنه في التمثيل: أي شيء يستعجل المجرمون من العذاب أو من الله؟ هذا كلام أبي علي الفارسي (٣) في شرح كلام أبي إسحاق، وذكر أبو إسحاق أن (ما) في (٤) موضع (٥) رفع من جهتين (٦)، وأنكر أبو علي أن تكون في موضع رفع إلا من جهة واحدة، وهي ما ذكرنا من الابتداء، وذكر الكلام عليه في "المسائل المصلحة" (٧). قال أبو إسحاق: والأجود أن تكون الهاء في (منه) تعود على العذاب (٨). وأما معنى هذا الاستفهام فقال ابن الأنباري وصاحب النظم: معناه: التهويل والتحذير والتفظيع، أي: ما أعظم ملتمسهم، وأشد وقوع الذي يبغون، ونزوله بهم، وهذا كقولك لمن هو في أمر تستوخم (٩) عاقبته: ماذا

стр. 6204

تجني على نفسك؟ (١)، وكقول الشاعر (٢): هوت أمه ما يبعث الصبح غاديًا ... وماذا يؤدي الليل حين يؤوب فهذا الاستفهام معناه التعظيم لشأن من ذكر، والتهويل منه. وقال بعض أصحاب المعاني (٣): تقدير الآية ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ أي أعلمتم؛ لأن هذا من رؤية القلب فيكون معناه العلم، ماذا يستعجل المجرمون من العذاب إن أتاكم بياتًا أو نهارًا؟ أي: أعلمتم أي شيء استعجلوه (٤) إن أتاكم، يعني في العظم (٥) والفظاعة، وهذا على التقديم والتأخير. ٥١ - وقوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾، دخول ألف الاستفهام على (ثم) للتقرير والتوبيخ، ومعناه: إن أهل الكفر قالوا: نكذب بالعذاب ونستعجله، ثم إذا ما وقع آمنا به، فقال الله موبخًا ومقررًا: أثم إذا ما وقع وحلّ بكم آمنتم به؟ يقول لنبيه ﵇: قل لهم: أثم تؤمنون به بعد أن نزل بكم فلا يقبل منكم الإيمان، ويقال لكم: الآن تؤمنون وقد كنتم به تستعجلون في الدنيا مستهزئين ومعاندين للحق؟.

стр. 6205

قال ابن عباس: يريد لا أقبل إيمانًا عند نزول العذاب (١)، وذكر الفراء الكلام في (الآن) هاهنا، وذكر أقوالًا (٢)، ورد عليه الزجاج (٣)، وأبو علي (٤)، وأكثر كلامهم ذكرناه في سورة البقرة في قوله: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١]. ٥٣ - قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾، قال ابن عباس وغيره: يستخبرونك (٥) ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾، قال ابن عباس: يريد الذي جئت به (٦). وقال الكلبي: أحق ما جئتنا به من نزول العذاب بنا والبعث (٧). ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾، قال الليث: إي: يمين (٨). وقال الزجاج. معناه: نعم وربي (٩)، ونحو ذلك روى أحمد بن يحيى، عن ابن الأعرابي (١٠)، قال الأزهري: وهذا هو القول الصحيح (١١).

стр. 6206

﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾، قال الكلبي: يعني العذاب، ﴿لَحَقٌّ﴾ نازل بكم (١). ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، قال ابن عباس: يريد: أن الله لا يعجزه شيء (٢)، ولا يفوته شيء (٣). وقال الكلبي: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بعد الموت (٤). وقال الزجاج: أي لستم ممن يُعجز أن يجازى على كفره (٥). ٥٤ - وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾، قال ابن عباس وغيره: أشركت (٦)، ﴿مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: لبذلته لدفع العذاب عنها، قال ابن عباس: يريد إن قبل الله ذلك منها، ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي: أخفى الرؤساء الندامة من السفلة الذين أضلوهم، أي كتموهم ذلك ولم يطلعوهم عليه، هذا قول عامة المفسرين (٧)، وأصحاب المعاني (٨)، قال الفراء: يعني الرؤساء من المشركين أسروها من سفلتهم الذين أضلوهم، أي أخفوها (٩).

стр. 6207

ونحو هذا قال الزجاج (١). وقال ابن الأنباري: إنما يقع هذا الكتمان منهم (٢) قبل إحراق النار ولهم، فإذا أحرقتهم النار ألهتهم عن هذا التصنع لمن كان يتبعهم في الدنيا، يدل على هذا قوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] الآيات، فهم في هذه الحال (٣) لا يكتمون ندمهم (٤)، وروى أبو عبيد عن أبي عبيدة: أسررت الشيء: أخفيته، وأسررته: أعلنته، قال: ومن الإصهار قول الله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي أظهروها، وأنشد للفرزدق (٥): فلما رأى الحجاجَ جرد سيفه ... أسر الحروري الذي كان أضمرا (٦) أراد أظهر الحروري، قال شِمْر: لم أجد هذا البيت للفرزدق، وما قال غير (٧) أبي عبيدة في قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ أي أظهروها، ولم أسمع ذلك لغيره (٨).

стр. 6208

وذكر المفضل، عن الأصمعي وغيره: أسر بمعنى أظهر (١)، واختار المفضل الإظهار، وقال: ليس ذلك اليوم يوم تكبُّر ولا تصبُّر (٢). ومعنى الندامة: الحسرة على ما كان يتمنى أنه لم يكن، والتأسف علي ما وقع منه، ويود أنه لم يكن أوقعها، هذا معنى الندامة والندم، فأما أصله فإن (٣) موضوعه (٤) اللزوم، ومنه سمي النديم؛ لأنه يلازم المجلس (٥)، ويقوي هذا قولهم: نادم وسادم، والسَّدَم (٦): اللهج بالشيء، وقالوا للرجل: ندم وسدم إذا اهتم بالشيء الفائت؛ لأن هذا الهمّ ألزم للقلب من الهمّ العارض للشيء الحادث؛ فإن هذا يزول بزوال ما حدث، والفائت لا سبيل إلى رده، فاستعملوا فيه الندم والسدم. ويقوي هذا المذهب أيضًا أن أصحاب القلب (٧) ذكروا أن الندم قلب

стр. 6209

الدمن (١)، وهو اللزوم. وقال ابن الأعرابي (٢): فلان نديم الخمر أي مدمن لها، والدمن ما اجتح في الدار وتلبد من الأبوال والأبعار، سمي بذلك للزومه، والدمنة: الحقد الكامن في الصدر اللازم، وهذا من المقلوب الذي يستعمل كل واحد من الأصل والمقلوب في معنى غير المعنى الآخر بعد أن يكونا يرجعان إلى أصل واحد. وقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بين الرؤساء والسفلة، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾؛ لأنهم يجازون بشركهم. ٥٥ - قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ قال ابن عباس: يريد ما وعد لأوليائه من [الثواب والنعيم، وما أوعد أعداءه من] (٣) العذاب والخِزي والهوان، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، قال: يريد: المشركين (٤). ٥٧ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ يعني قريشًا (٥) ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ

стр. 6210

مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يريد القرآن وما فيه، ومعنى الموعظة: الإبانة عما يدعو إلي الصلاح بطريق الرغبة والرهبة، والقرآن داع إلى كل صلاح بهذا الطريق. وقوله تعالى: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ أي: دواء لداء الجهل، وذلك أن داء الجهل أضر للقلب من داء المرض للبدن، فالمزيل له أجلّ شفاء وأعظمه موقعًا، والقرآن بحمد الله مزيل للجهل، وكاشف لعمى القلب ﴿وَهُدًى﴾ وبيان من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، قال ابن عباس: ونعمة من الله لأصحاب محمد (١) ﷺ (٢). ٥٨ - قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ الآية، قال أبو علي: الجار في قوله: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ متعلق بمضمر استغني عن ذكره لدلالة ما تقدم من قوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ﴾ عليه، كما أن قوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس: ٩١] يتعلق الظرف فيه بمضمر يدل عليه ما تقدم ذكره من الفعل، وكذلك قوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٣) [يونس: ٥١] معناه الآن تؤمنون، ودل عليه: ﴿أَثُمَّ إِذاَ مَا وَقَعَءَامَنُم﴾ [يونس: ٥١]، ونحو هذا قال ابن الأنباري، فقال (٤): (الباء الأولى في الآية خبر لاسم مضمر، وتأويله:

стр. 6211

هذا الشفاء وهذه الموعظة بفضل الله، خذف الاسم وأبقى خبره) (١). ومعنى الإضافة في قوله: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾، قال بعض أهل المعاني: الفضل هاهنا موضع الإفضال، كما أن النبات في موضع الإنبات في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]، والمعنى بإفضال الله (٢)، ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى الملك، كما يضاف العبد إلى الله بمعنى أن مالك له. وقوله تعالى: ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ أعاد الجار على الأصل كقوله (٣): يا دار عفراء ودار البَخْدَنِ وكقولهم: مررت بأخيك وبأبيك، وهذا مما سبق بيانه قديمًا، ومعنى الآية على ما ذكرنا: جاءتكم هذه الموعظة وهذا الشفاء -ويعني به القرآن- بإفضال الله عليكم، وإرادته الخير بكم، ثم قال: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ أشار بذلك إلى القرآن؛ لأن المراد بالموعظة والشفاء القرآن، فترك اللفظ وأشار إلى المعنى. وقال ابن الأنباري: (ذلك) إشارة إلى معنى الفضل والرحمة، تلخيصه: بذلك التطول (٤) فليفرحوا (٥). قال أبو علي: الجار في قوله ﴿فَبِذَلِكَ﴾ متعلق بـ (ليفرحوا)؛ لأن هذا

стр. 6212

الفعل يصل به، يقال: فرحت بكذا، والفاء في قوله: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ زيادة (١) كقول الشاعر (٢): وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي والفاء في (فاجزعي) زيادة، كما كانت التي في قوله: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ كذلك (٣)، هذا الذي ذكرنا مذهب النحويين في هذه الآية (٤). ومذهب المفسرين غير هذا، فإن ابن عباس (٥)، والحسن (٦)،

стр. 6213

وقتادة (١)، ومجاهدًا (٢)، وغيرهم (٣)، قالوا: فضل الله: الإسلام، ورحمته القرآن. وقال أبو سعيد الخدري: فضل الله: القرآن، ورحمته أن جعلهم من أهله (٤)، وعلى هذا: الباء في ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ تتعلق بمحذوف يفسره ما بعده، كأنه قيل: قل (٥) فليفرحوا بفضل الله وبرحمته. [وقوله تعالى: ﴿فبَذَلِك﴾، قال الزجاج: هو بدل من قوله: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾] (٦). وقال صاحب النظم: قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ يقتضي جوابًا فلم يجىء حين قال مبتدئًا: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، وأكثر ما يجيء أن يكون المبتدأ مجملاً، ثم تجيء الترجمة والبيان بعد، وهاهنا جاءت الترجمة قبل، وجاء الإجمال بعد البيان؛ لأن قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ معروف ما هما، فلو قال نسقًا عليه ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ لكان تامًّا مفهومًا، فلما قال: (فبذلك) أجمل به ما تقدم من الترجمة؛ لأن قوله (ذلك) يحمل ما قبله قلّ أم كثر، ذكرًا كان أم أنثى، واحداً كان أم اثنين، كما قال تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ﴾

стр. 6214

وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] أي بين البكر والفارض (١). وقوله تعالى: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ هو أمر للمؤمنين بالفرح. ومعنى الفرح: لذة في القلب بإدراك المحبوب ونيل المشتهى، يقول: ليفرح المؤمنون بفضل الله ورحمته، فإن ما آتاهم الله من الموعظة وشفاء ما في الصدور، وثلج اليقين بالإيمان، وسكون النفس إليه، خير مما يجمع غيرهم من أعراض الدنيا مع فقد هذه الخلال. فإن قيل: كيف جاء الأمر للمؤمنين (٢) بالفرح (٣) وقد ذم ذلك في غير (٤) موضع من التنزيل؛ من ذلك قوله: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠]؟ قيل: إن عامة ما جاء مقترنًا بالذم من هذه اللفظة إذا جاءت مطلقة، فإذا قيد (٥) لم يكن ذمًا، كقوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، وقد قيد في هذه الآية بقوله تعالى: (بذلك). وقوله: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ بالياء، قال الفراء: وقد ذُكر عن زيد بن ثابت أنه قرأ بالتاء (٦)، وقال: معناه: فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد ﷺ ، هو

стр. 6215

خير مما يجمع الكفار، قال: وقوى هذه القراءة قراءةُ أُبيّ (فبذلك فافرحوا) (١)، والأصل في الأمر للمخاطب والغائب اللام، نحو: لتقم يا زيد، وليقم زيد، يدل على هذا أن حكم الأمرين واحد، إلا أن العرب حذفت (٢) اللام من فعل المأمور المواجه (٣) لكثرة استعماله، وحذفوا التاء أيضًا وأدخلوا ألف الوصل، نحو: اضرب واقتل؛ ليقع الابتداء به، كما قالوا (٤): ﴿ادَّارَكُوا﴾ [الأعراف: ٣٨]، و ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨]، وكان الكسائي يعيب قولهم: فلتفرحوا؛ لأنه وجده قليلاً فوجده (٥) عيبًا، وهو الأصل، ولقد سُمع عن النبي ﷺ أنه قال في بعض المشاهد: "لتأخذوا مصافكم" (٦)

стр. 6216

يريد به خذوا (١)، هذا كلام الفراء مع زيادة شرح لابن الأنباري. قال أبو علي: اللام إنما تدخل عل فعل الغائب؛ لأن المواجهة (٢) استغني فيه عن اللام بقولهم: افعل، فصار مشبهًا للماضي في (يدع) الذي استغني عنه بـ (ترك)، ولو قلت: (فلتفرحوا) فألحقت التاء لكنت مستعملاً لما هو كالمرفوض وإن كان الأصل، فلا تُرجِّح القراءة بالتاء أن ذلك هو الأصل، لما قد ترى كثيراً من الأصول المرفوضة، وحجة من قرأ بالتاء أنه اعتبر الخطاب وهو قوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ﴾ [يونس: ٥٧]، وقرئ (تجمعون) بالتاء (٣) أيضًا، ووجه قول من قرأ ذلك أنه عني المخاطبين والغُيَّب جميعا، إلا أنه غلّب المخاطب على الغائب كما يغلب التذكير على التأنيث، وكأنه أراد المؤمنين وغيرهم (٤). ٥٩ - قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ قال المفسرون: الخطاب في هذه الآية لكفار مكة (٥) و (ما) هاهنا فيه وجهان، أحدهما: أن يكون بمعنى: الذي، فينتصب بـ (رأيتم)، والآخر: أن يكون بمعنى: أي، في الاستفهام، فينتصب بـ (أنزل) وهو قول الزجاج؛ لأنه

стр. 6217

قال: (ما) في موضع نصب بـ (أنزل) (١)، ومعنى (أنزل) هاهنا: خلق وأنشأ، كقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦] وقد مرّ، وجاز أن يعبر عن الخلق بالإنزال؛ لأن كل ما في الأرض من رزق فمما أنزل من السماء (٢)، من ضرع وزرع وغيره، فلما كان إيجاده بالإنزال سمي إنزالاً، كقوله: تعلّى الندى في متنه وتحدرا (٣) يعني الشحم، سماه ندى؛ لأنه بالندى يكون النبات، وبالنبات يكون الشحم، وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾، قال ابن عباس والحسن

стр. 6218

ومجاهد: يعني ما حرموا من الحرث والأنعام لآلهتهم من البحائر والسوائب (١)، وهو ما ذكر في سورة الأنعام في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ﴾ [الأنعام: ١٣٦] الآية، وقوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ أي: في هذا التحريم والتحليل؛ وذلك أنهم كانوا يقولون: الله (٢) أمرنا بها. ثم قال: ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ بمعنى: بل على الله تفترون، تقولون على الله الكذب. قال أبو علي: (قل) في قوله: ﴿قُلْ آللَّهُ﴾ توكيد؛ لأن ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمعنى (٣) أخبروني، والاستفهام في قوله: في موضع المفعول الثاني [وإذا

стр. 6219

كان كذلك لزم أن يكون (قل) تكريرًا؛ ليقع الاستفهام بعدها في موضع المفعول الثاني] (١)، ومثله في التوكيد والاعتراض بين المفعول الأول والثاني، قوله (٢): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٣) [الأحقاف: ٤] ونذكر الكلام فيه إذا انتهينا إليه إن شاء الله تعالى (٤). ٦٠ - قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الظرف متعلق بالظن على معنى: ما ظنهم في ذلك اليوم؟ وهو استفهام تقريع وتوبيخ، قال مقاتل: وما ظن الذين يتقولون على الله الكذب بأن الله أمرهم بتحريمه (٥) يوم القيامة إذا لقوه (٦)؟ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾، قال ابن عباس: يريد: أهل مكة حين جعلهم في أمن وحرم (٧) كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا

стр. 6220

حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وقال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧]. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾، قال: يريد: لا يوحدون ولا يطيعون (١)، وقال مقاتل: إن الله لذو فضل على الناس، حين لا يعجل عليهم بعقوبة افترائهم (٢)، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ تأخير العذاب عنهم (٣). ٦١ - وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ الآية، قال الفراء: (ما) هاهنا جحد لا موضع لها (٤)، والشأن: الخطب، والجمع الشؤون، والعرب تقول ما شأن فلان: أي: ما حاله. قال الأخفش: وتقول ما شأنتُ شأنه أي: ما عملت عمله (٥). وقال غيره: يقال: أتاني فلان وما شأنتُ شأنه، إذا لم تكترث له (٦)، ويقال: لأشأنن شأنهم، أي لأفسدن أمرهم (٧)، فالشأن اسم إذا كان بمعنى الخطب، وإذا كان بمعنى المصدر كان معناه القصد (٨)، والذي في هذه الآية يجوز أن يكون المراد به اسم الأمر وهو قول المفسرين (٩).

стр. 6221

قال ابن عباس: (وما تكون) يا محمد (في شأن) يريد من أعمال البر (١). وقال الحسن: في شأن من شأن الدنيا، وحوائجك فيها (٢)، ويجوز أن يكون المراد به المصدر يعني قصد الشيء، قال الشاعر (٣): يا طالب الجود [إن الجود] (٤) مكرمة ... لا البخل منك ولا من شأنك الجودا (٥) أي ولا من قصدك الجود، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ اختلفوا في الكناية في (منه)، فقيل: إنه كناية عن القرآن (٦)، على تأويل: وما تتلو من القرآن، أي من جميعه ﴿مِنْ قُرْآنٍ﴾ أي من (٧) شيء؛ لأن عامته قرآن وبعضه أيضاً قرآن، وقد سبق ذكر القرآن في معنى قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ [يونس: ٥٨] والمعنى وما تتلو من القرآن من سورة. وقال بعض أهل المعاني: ذكر القرآن بالإضمار ثم بالإظهار لتفخيم ذكره، على نحو قوله: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٨) [النمل: ٩]، وقد قيل: إن معناه من الله (٩)، أي ما تتلو من قرآن من الله، أي نازل منه، ويجوز أن

стр. 6222

يعود الضمير إلى الشأن (١)، كأنه قيل من الشأن من قرآن (٢)، أي وما تتلو فيما تعمل من شأنك من قرآن، وهذا الوجه اختيار الزجاج (٣)، وذكر صاحب النظم الأوجه الثلاثة. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾، قال ابن عباس: خاطبه وأمته جميعًا (٤). قال ابن الأنباري: قوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو﴾ خطاب للنبي ﷺ ، وأمته داخلون فيه، ومعنيون به، ومعروف عندهم أن يخاطب الرئيس والمراد هو وأتباعه إذ كان هو زعيمهم، يدل على هذا قوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، ثم جمع في قوله: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ﴾ ليدل على أنهم داخلون في الفعلين الأولين الذين أفردا (٥) لخطاب النبي ﷺ (٦). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾، قال الفراء: يقول: الله شاهد على كل شيء، وهو كقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] يقول: إلا هو شاهدهم (٧)، قال: وهو جمع (٨) ليس

стр. 6223

بمصدر، والمعنى: إلا نعلمه فنجازيكم به (١). وقوله تعالى: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾، معنى الإفاضة هاهنا: الدخول في العمل على جهة الانصباب إليه، وهو الانبساط في العمل، قال ابن الأنباري: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ إذ تندفعون فيه وتنبسطون في ذكره، يقال: قد أفاض القوم في الحديث: إذا اندفعوا (٢) فيه، وقد أفاضوا من عرفة: إذا دفعوا منه بكثرتهم فتفرقوا (٣) (٤). وقال الزجاج: إذ تنتشرون فيه، وأفاض القوم في الحديث: إذا انتشروا فيه (٥)، وهو قول ابن كيسان (٦). وقال ابن عباس: يقول الله تعالى: شهدت ذلك منكم إذ تأخذون فيه (٧). قال صاحب النظم: (إذ) هاهنا بمعنى حين، ولذلك جاز في المستقبل، والمعنى حين تفيضون فيه.

стр. 6224

وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ أي: وما يبعد وما يغيب، قاله ابن عباس (١)، وغيره (٢)، ومعنى العزوب (٣): ذهاب المعنى عن المعلوم، وأصله من البعد، ومنه (٤) يقال: كلأ عازب، إذا كان بعيد المطلب، وعزب الرجل بإبله: إذا راعها بعيدًا عن الحلة، لا يأوي إليهم، وعزب الشيء عن علمي: إذا بعد، وفيه لغتان: عَزَبَ يعزُب وعَزَبَ يَعْزِب (٥). وقوله تعالى: ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ أي وزن ذرة، ومثقال الشيء: ميزانه من مثله، والمعنى: ما يزن ذرة، والذر صغار النمل، واحدها ذرة (٦)، وهي خفيفة الوزن جدًّا، ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ﴾ ويقرآن بالرفع (٧)، قال الفراء: فمن نصبهما فإنما يريد الخفض يُتْبعهما المثقال أر الذرة، ومن رفعهما أتبعهما معنى المثقال؛ لأنك لو ألقيت من المثقال (من) كان رفعًا، وهو كقولك ما أتاني من أحد عاقلٍ (٨)،

стр. 6225

وعاقلٌ (١)، وكذلك قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥]، [هود: ٥٠، ٦١، ٨٤]، [المؤمنون: ٢٣، ٣٢] وغَيْرِهِ (٢). هذا كلامه (٣). وشرحه أبو علي الفارسي فقال: من فتح الراء من ﴿وَلَا أَصْغَرَ﴾، ﴿وَلَا أَكْبَرَ﴾؛ فلأن (أفعل) في الموضعين في موضع جر؛ لأنه صفة للمجرور الذي هو (مثقال)، وإنما فتح لأن (أفعل) إذا اتصل به (من) كان صفة، [وإذا كان صفة] (٤) لم ينصرف في النكرة، ومن رفع حمله على موضع الموصوف، وذلك (٥) أن الموصوف الذي هو ﴿مِن مِّثقَالِ﴾ الجار والمجرور فيه في موضع رفع، كما كان (٦) في موضعه في قوله: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ (٧) [الرعد: ٤٣]، [الإسراء: ٩٦]، [العنكبوت، ٥٢] وقوله: ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت .............. (٨)

стр. 6226

فحمل الصفة على الموضع، ومما يجوز أن يكون محمولًا على الموضع قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]، وقول الشاعر: فلسنا بالجبال ولا الحديدا (١) قال: وقد يجوز أن يعطف قوله: ﴿وَلَا أَصْغَرَ﴾ على ﴿ذَرَّةٍ﴾ فيكون التقدير: وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ولا مثقال أصغر، فإذا حمل على هذا لم يجز فيه إلا الجر؛ لأنه لا موضع للذرة غير لفظها كما كان لقوله: ﴿مِنْ مِثْقَالِ﴾ (٢) موضع غير لفظه، ولا يجوز على قراءة من قرأ بالرفع أن يكون معطوفًا على (ذرة) كما جاز في قراءة الباقين؛ لأنه إذا عطف على ﴿ذَرَّةٍ﴾ وجب أن يكون مجرورًا (٣)، وإنما فتح؛ لأنه لا ينصرف، وكذلك يكون على قول من عطفه على الجار الذي هو (من) (٤). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، قال ابن عباس: يريد: اللوح المحفوظ (٥)، وذكرنا معنى إثبات الله الكائنات في اللوح المحفوظ عند

стр. 6227

قوله: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] مشروحًا، وذكر أبو علي الجرجاني هاهنا فصلاً لابد من الوقوف عليه وهو أنه قال: قول: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا أَكْبَرَ﴾ كلام تام نفى الله (١) به عن نفسه عزوب شيء من الأحداث، وهاهنا انقطاعه (٢)، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ خبرآخر منقطع بما قبله؛ لأنه لو كان متصلًا بما قبله فيكون محققًا من قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾؛ وجب أن يكون قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ نفيًا منتظرًا له تحقيق، وإذا كان النفي منتظرًا له التحقيق كان نفيًا (٣) إذا خلا من الحال التي تحقق ما قبلها، مثل قولك: ما ينام زيد إلا بجهد، وما يصبح عمرو إلا مريضًا، فأنت لم تنف النوم عن زيد ولا الإصباح عن عمرو، إلا بخلاف الحال التي حققت النوم والإصباح بها؛ لأن التأويل (هكذا ينام زيد، وهكذا يصبح عمرو)، فلو كان قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ متصلًا بقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ لوجب أن يكون قد عزب عن الله أو يعزب عنه مثقال ذرة وأصغر وأكبر (٤) منها إلا في الحال التي (٥) استثناها، وهو قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ فيكون ما يعزب عنه من ذلك مستدركًا في الكتاب وفي هذا ما فيه، ونظيره من الكلام قول القائل (ما يغيب عني زيد إلا في بيته)، فالغيبة

стр. 6228

واجبة بهذه الحال. وإذا كان كان آخر الكلام منقطعًا من الأول لم يؤد (١) إلى هذا النوع من الفساد، فكأنه قال: لا يعزب عنه شيء في السماء ولا في الأرض لا صغيرًا ولا كبيرًا، وانقطع الكلام هاهنا ثم استأنف خبرًا آخر بقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [أي: وهو أيضًا في كتاب مبين] (٢)، والعرب تضع (إلا) موضع واو النسق كثيراً على معنى الابتداء، كقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل: ١٠، ١١] يعني ومن ظلم، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٣) [البقرة: ١٥٠] يعني: والذين ظلموا (٤). وهذا مذهب أبي عبيدة في تلك الآية (٥)، وقد ذكرنا في سورة البقرة ما احتج به من الأبيات (٦)، فقد ثبت أن (إلا) بمعنى واو النسق تستعمل، فقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ معنى (إلا) هاهنا: واو النسق، وأضمر بعده (هو)، والعرب تضمر

стр. 6229

(هو) وما يتصرف منه كقوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨، الأعراف: ١٦١]، أي: هي حطة، وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] أي: هم ثلاثة، ومما جاء من (١) مثل هذا النظم قوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: ٥٩] إلى قوله: ﴿وَلَا يَابِسٍ﴾ فهذا تمام، ثم قال: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [المعنى: وهو في كتاب مبين] (٢) كهذه الآية سواء. وذكر أبو إسحاق على قراءة من قرأ (ولا أصغرُ، ولا أكبرُ) رفعًا وجهًا للرفع سوى ما ذكرنا يستغنى فيه عن هذا التطويل الذي ذكره الجرجاني، وهو (٣) أنه قال: يجوز رفعه على الابتداء، فيكون المعنى وما أصغر من ذلك وما أكبر ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٤)، فجعل ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ خبر المبتدأ، وهذا مستقيم، ولكن لا يستقيم هذا الوجه في قراءة من قرأ بالفتح وهو قراءة أكثر القراء (٥). ٦٢ - قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الآية، الأولياء جمع الولي، وذكرنا معنى الولي في اللغة في سورة البقرة (٦)، فأما هؤلاء الذين ذكروا هاهنا فقال رسول الله ﷺ فيما روى

стр. 6230

عنه الخدري: "هم الذين يُذكر الله لرؤيتهم" (١)، وروى عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس" ثم قرأ هذه الآية (٢). وقال ابن كيسان: هم الذين تولى الله هديهم بالبرهان الذي أتاهم وتولوا القيام بحقه (٣)، وهذا تفسير على مقتضى اللغة.

стр. 6231

وقال ابن زيد: هم الذين وصفوا فيما بعد ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (١)، وهذا إذا جعلت (الذين) نعتًا للأولياء، فإن جعلت (الذين) مستأنفًا (٢) وجعلت الخبر (٣) قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ لم يكن قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نعتًا للأولياء. قال ابن عباس: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هو يريد: الذين صدقوا النبي ﷺ وخافوا مقامهم بين يديّ (٤). ٦٣ - قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، روى عبادة بن الصامت وأبو الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية: "هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له" (٥). ﴿وَفِي اَلأَخِرَةِ﴾ الجنة، يريد أن الرؤيا الصالحة بشرى للمسلم في الدنيا ويبشر في الآخرة بالجنة، وقال ابن عباس في رواية عطاء ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى

стр. 6232

فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: يريد عند الموت، تأتيهم ملائكة الرحمة بالبشرى من الله ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ يريد: عند خروج نفس المؤمن إذا خرجت يعرجون (١) بها إلى الله تزف كما تزف العروس تبشر برضوان الله (٢)، وهذا قول الزهري (٣)، وقتادة (٤)، والضحاك (٥) قالوا: هي بشارة الملائكة للمؤمن عند الموت. وقال الحسن: هي ما بشرهم الله به في كتابه من جنته وكريم ثوابه، في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥]، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٧]، ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ (٦) [فصلت: ٣٠]، وهذا اختيار الفراء (٧)، والزجاج (٨)، قالا: ويدل على صحة هذا قوله بعد هذا ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ (٩)، قال ابن عباس: يريد لا خلف لمواعيد الله، وذلك أن مواعيده بكلماته، فإذا لم تبدل كلماته بوضع غيرها بدلاً منها لم تبدل مواعيده (١٠).

стр. 6233

٦٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾، قال ابن عباس: (تكذيبهم) (١). وقال الزجاج: أي: لا يحزنك إنكارهم وتكذيبهم وتظاهرهم عليك (٢). وقال غيره من أهل المعاني: معنى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ التسلية عن قولهم الذي يؤذونه به (٣). والنهي في اللفظ للقول، وإنما هو عن السبب المؤدي إلى التأذي بقولهم، ومثله (لا أرينك هاهنا) (٤) والمعنى لا تكن هاهنا فمن كان هاهنا رأيته، فكذلك لا تعبأ بقولهم فمن عبأ به آذاه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، قال الفراء: هذا استئناف، ولم يقولوا هم ذاك فيكون حكاية (٥). وقال غيره: هذا استئناف بالتذكير (٦) لما ينفي الحزن، لا (٧) لأنها بعد القول (٨)؛ لأنها ليست حكايته عنهم (٩).

стр. 6234

ومعنى ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، قال الزجاج: أي: إن الغلبة لله، وهو ناصرك وناصر دينك (١)، وقال غيره: العزة: القدرة على كل جبار بما لا يرام ولا يضام (٢)، والمعنى: إنه الذي يعزك حتى تصير أعز ممن ناوأك. وليست هذه الآية مضادة لقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]؛ لأن عزة الرسول والمؤمنين بالله فهي كلها لله. وقوله تعالى: ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: يسمع قولهم ويعلم ضميرهم فيجازيهم بما تقتضيه حالهم، ويدفع عنك شرهم، وهذه الآية بيان عما توجبه العزة لله من التسلي عن قول الجاهلين، وأذى المبطلين؛ لأنهم في سلطان الله حتى يعاملهم بما تقتضيه حالهم. ٦٦ - قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس: يريد: لا ملك إلا لله في السموات ولا في الأرض (٣). وقال الزجاج: أي: يفعل بهم وفيهم ما يشاء (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾ ذكر أهل التفسير والمعاني في (ما) هاهنا قولين: أحدهما: أنه نفي وجحد كأنه قيل: وما يتبعون شركاء على الحقيقة؛ لأنهم يعدونها شركاء شفعاء لهم، وليست على ما يظنون، فإذن ما يتبعون شركاء. الثاني: أن (ما) استفهام كأنه قيل: أي شيء يتبع الذين يدعون من

стр. 6235

دون الله شركاء؟ تقبيحًا (١) لفعلهم يعني أنهم ليسوا على شيء؛ لأن هذا الاستفهام معناه الإنكار (٢). وذكر صاحب النظم في هذا قولين آخرين: أحدهما: أن التأويل: وما يتبع الذين يَدْعُون من دون الله فيما يدعون من الشركاء من يجب اتباعه في ذلك من نبي دعاهم إلى ذلك فهم يتبعونه فيه، كما يقال في الكلام: فلان متبع وفلان مبتدع، والمتبع (٣) الذي يتبع السنة، فاعلم أنهم لا يتبعون [ولكن يبتدعون، فلما كف عن هذا البيان وأضمره، بَيَّنَ في قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ] (٤) إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ أنّ اتباعهم فيما يدعون من دون الله إنما هو ظن وتخرص (٥)، فعلى هذا القول: الشركاء منصوبة بـ (يدعون) لا بـ (يتبع) ويكون مفعول (يتبع) محذوفًا على ما ذكر من التقدير (٦). القول الثاني: أن قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾ تكرير لقوله: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ﴾
следующие страницы →