← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

وقال ابن زيد: هم الذين وصفوا فيما بعد ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (١)، وهذا إذا جعلت (الذين) نعتًا للأولياء، فإن جعلت (الذين) مستأنفًا (٢) وجعلت الخبر (٣) قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ لم يكن قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نعتًا للأولياء. قال ابن عباس: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هو يريد: الذين صدقوا النبي ﷺ وخافوا مقامهم بين يديّ (٤). ٦٣ - قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، روى عبادة بن الصامت وأبو الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية: "هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له" (٥). ﴿وَفِي اَلأَخِرَةِ﴾ الجنة، يريد أن الرؤيا الصالحة بشرى للمسلم في الدنيا ويبشر في الآخرة بالجنة، وقال ابن عباس في رواية عطاء ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى

стр. 6232

فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: يريد عند الموت، تأتيهم ملائكة الرحمة بالبشرى من الله ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ يريد: عند خروج نفس المؤمن إذا خرجت يعرجون (١) بها إلى الله تزف كما تزف العروس تبشر برضوان الله (٢)، وهذا قول الزهري (٣)، وقتادة (٤)، والضحاك (٥) قالوا: هي بشارة الملائكة للمؤمن عند الموت. وقال الحسن: هي ما بشرهم الله به في كتابه من جنته وكريم ثوابه، في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥]، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٧]، ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ (٦) [فصلت: ٣٠]، وهذا اختيار الفراء (٧)، والزجاج (٨)، قالا: ويدل على صحة هذا قوله بعد هذا ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ (٩)، قال ابن عباس: يريد لا خلف لمواعيد الله، وذلك أن مواعيده بكلماته، فإذا لم تبدل كلماته بوضع غيرها بدلاً منها لم تبدل مواعيده (١٠).

стр. 6233

٦٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾، قال ابن عباس: (تكذيبهم) (١). وقال الزجاج: أي: لا يحزنك إنكارهم وتكذيبهم وتظاهرهم عليك (٢). وقال غيره من أهل المعاني: معنى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ التسلية عن قولهم الذي يؤذونه به (٣). والنهي في اللفظ للقول، وإنما هو عن السبب المؤدي إلى التأذي بقولهم، ومثله (لا أرينك هاهنا) (٤) والمعنى لا تكن هاهنا فمن كان هاهنا رأيته، فكذلك لا تعبأ بقولهم فمن عبأ به آذاه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، قال الفراء: هذا استئناف، ولم يقولوا هم ذاك فيكون حكاية (٥). وقال غيره: هذا استئناف بالتذكير (٦) لما ينفي الحزن، لا (٧) لأنها بعد القول (٨)؛ لأنها ليست حكايته عنهم (٩).

стр. 6234

ومعنى ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، قال الزجاج: أي: إن الغلبة لله، وهو ناصرك وناصر دينك (١)، وقال غيره: العزة: القدرة على كل جبار بما لا يرام ولا يضام (٢)، والمعنى: إنه الذي يعزك حتى تصير أعز ممن ناوأك. وليست هذه الآية مضادة لقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]؛ لأن عزة الرسول والمؤمنين بالله فهي كلها لله. وقوله تعالى: ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: يسمع قولهم ويعلم ضميرهم فيجازيهم بما تقتضيه حالهم، ويدفع عنك شرهم، وهذه الآية بيان عما توجبه العزة لله من التسلي عن قول الجاهلين، وأذى المبطلين؛ لأنهم في سلطان الله حتى يعاملهم بما تقتضيه حالهم. ٦٦ - قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس: يريد: لا ملك إلا لله في السموات ولا في الأرض (٣). وقال الزجاج: أي: يفعل بهم وفيهم ما يشاء (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾ ذكر أهل التفسير والمعاني في (ما) هاهنا قولين: أحدهما: أنه نفي وجحد كأنه قيل: وما يتبعون شركاء على الحقيقة؛ لأنهم يعدونها شركاء شفعاء لهم، وليست على ما يظنون، فإذن ما يتبعون شركاء. الثاني: أن (ما) استفهام كأنه قيل: أي شيء يتبع الذين يدعون من

стр. 6235

دون الله شركاء؟ تقبيحًا (١) لفعلهم يعني أنهم ليسوا على شيء؛ لأن هذا الاستفهام معناه الإنكار (٢). وذكر صاحب النظم في هذا قولين آخرين: أحدهما: أن التأويل: وما يتبع الذين يَدْعُون من دون الله فيما يدعون من الشركاء من يجب اتباعه في ذلك من نبي دعاهم إلى ذلك فهم يتبعونه فيه، كما يقال في الكلام: فلان متبع وفلان مبتدع، والمتبع (٣) الذي يتبع السنة، فاعلم أنهم لا يتبعون [ولكن يبتدعون، فلما كف عن هذا البيان وأضمره، بَيَّنَ في قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ] (٤) إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ أنّ اتباعهم فيما يدعون من دون الله إنما هو ظن وتخرص (٥)، فعلى هذا القول: الشركاء منصوبة بـ (يدعون) لا بـ (يتبع) ويكون مفعول (يتبع) محذوفًا على ما ذكر من التقدير (٦). القول الثاني: أن قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾ تكرير لقوله: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ﴾

стр. 6236

والتأويل (١): وما يتبع الذين يدعون شركاء من دون الله إلا الظن، أي: يتبعون الظن ويعملون به، فيكون قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾ مكررًا على قوله: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ﴾ و (ما) و (إن) الخفيفة جحدان معناهما واحد، ومثاله من الكلام: ما يأكل الذي يغصب ويظلم الناس ويأخذ أموالهم، إن يأكل إلا النار، فيكون قوله: إن يأكل، توكيدًا لقوله: ما يأكل، ومثل هذا من التكرير قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] النحل: ١١٠]، فكرر قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ [على قوله] (٢) ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ﴾ ولو لم يكرر الآخر لكان في الأول كفاية، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ يريد: ظنهم أنها تشفع لهم يوم القيامة. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ قال ابن عباس: يقولون ما لا يكون (٣)، وذكرنا معنى الخرص في سورة الأنعام عند قوله: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (٤). ٦٧ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ﴾ أي خلق، وذكرنا معنى الجعل عند قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ (٥) [المائدة: ١٠٣].

стр. 6237

وقوله تعالي: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾، قال ابن عباس: يقول جعلت الليل راحة لكم لتسكنوا فيه مع أزواجكم وأولادكم (١). وقال أهل المعاني: جعل الليل ليزول التعب والكلال بالسكون فيه، وجعل النهار مبصرًا: أي: مضيئًا لتهتدوا به في حوائجكم بالإبصار، والمبصر الذي يبصر، والنهار يبصر فيه وإنما جعله مبصرًا على طريق استعارة صفة الشيء لسببه للمبالغة (٢)، كما قال جرير: لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى (٣) ... ونمت وما ليل المطي بنائم (٤) وقال رؤبة: فنام ليلي وتجلى همي (٥) ومثله قوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، وذكرنا الكلام هناك بأبسط من هذا (٦). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ يريد: يسمعون

стр. 6238

سماع اعتبار، أنه مما لا يقدر عليه إلا عالم قاصد مدبر لهما، وأنه نعمة على العباد بما لهم فيه من الانتفاع والصلاح. ٦٨ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، قال ابن عباس والمفسرون: يعني: زَعَم المشركون أن الملائكة بنات الله (١)، قال الكلبي: نزلت في أهل مكة، وهذه مقالتهم (٢)، ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تعظيمًا له وتنزيهًا عما قالوا: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾، قال ابن عباس: الغني أن تكون له زوجة أو ولد (٣). وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [هذا كقوله: (سبحانه أن يكون (له ولد) (٤) له ما في السموات وما في الأرض)] (٥) [النساء: ١٧١] وقد مر. قوله: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ما عندكم من (٦) حجة بهذا. ٦٩ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد لا يسعدون (٧).

стр. 6239

قال أهل المعاني: إنهم لا يفلحون وإن اغتروا بطول السلامة والمظاهرة في النعمة، قال الزجاج: هذا وقف التمام (١) (٢)، ثم قال: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾ وارتفاعه على أنه خبر ابتداء محذوف، قال الزجاج: يعني: ذلك متاع في الدنيا (٣)، وقال الفراء: ومثله التي في النحل ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ (٤)، وقوله: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥] كله مرفوع بشيء مضمر قبله إما (هو) وإما (ذاك) (٥). وقال الأخفش: المعنى: لهم متاع (٦) (٧)، وإضمار (لهم) هاهنا أظهر وأكشف للمعنى من إضمار (هو) أو (ذاك)؛ لأنه لم يتقدم ما يضمر أو ما (٨) يشار إليه، والمعنى: لهم متاع في الدنيا يتمتعون به أيامًا يسيرة، ثم إلينا مرجعهم، ودل (٩) على هذا المحذوف ما هو معلوم (١٠) من حالهم.

стр. 6240

وقال صاحب النظم: افتراؤهم متاع في الدنيا، ودل ﴿يَفْتَرُونَ﴾ علي الافتراء، كما قال: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] فكنى عن الشكر؛ لأن ﴿تَشْكُرُوا﴾ دلّ عليه. وعلى ما ذكره (١) يجوز أن يعود ما أضمره الفراء والزجاج من قولهما (هو) أو (ذاك) (٢) إلى الافتراء الذي دل عليه ﴿يَفْتَرُونَ﴾. وقوله: ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾، قال ابن عباس: الغليظ: الذي لا ينقطع (٣)، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾، قال: يريد: بنعم الله ويجحدون ربوبيته (٤). ٧١ - قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي﴾ الآية، قال: كَبِرَ يكبَر كِبَرًا في السنن، وكَبُر الأمر والشيء: إذا عظم يَكْبُر كِبَرًا وكَبَارة (٥). قال ابن عباس: يريد ثقل عليكم (٦)، ومعناه شق عليكم، وعظم أمره عندكم. والمقام -بضم الميم-: مصدر كالإقامة، يقال: أقام بين أظهركم

стр. 6241

مقامًا وإقامة، والمقام -بفتح الميم-: الموضع الذي تقوم (١) فيه، وأراد بالمقام هاهنا لبثه ومكثه فيهم، وقوله تعالى: ﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: يريد وعظي وتخويفي إياكم عقوبة الله ونقمته (٢). وقوله تعالى: ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ جواب الشرط، مع أن شأنه التوكل كيف تصرفت حاله؛ ليبين أنه متوكل في هذا على التفصيل، لِمَا (٣) في إعلامه قومه ذلك من زجرهم عنه؛ لأن الله -جل وعز- يكفيه أمرهم (٤). وقال ابن الأنباري: معنى الآية: إن كان عظم عليكم كوني بين أظهركم (٥)، ولم تحبوا نصرتي فإني أتوكل على من ينصرني ويمنع عني (٦)، فأدى قوله: ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ عن هذا المعنى، وقال صاحب النظم: ليس هذا جوابًا للشرط؛ لأنه ليس بِطِبْق له ولا بِلِفْق، وجوابه قوله: ﴿فَأَجْمِعُوا﴾، وهذا كلام اعترض بين الشرط وجوابه، كما تقول في الكلام: إن كنت أنكرت عليّ شيئًا فالله حسبي فأعمل ما تريد (٧). وقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾، قال الفراء: الإجماع: الإعداد، والعزيمة على الأمر.

стр. 6242

وأنشد الشاعر (١): يا ليت شعري والمُنَي لا تنفع هل أغدُوَنْ يومًا وأمري مجمع (٢) فإذا أردت جمع المتفرق قلت: جمعت القوم فهم مجموعون (٣)، وقال الأصمعي: جمعت الشيء إذا جئت به من هنا وهنا، وأجمعته إذا صيرته جميعًا، وأنشد: وأولات (٤) ذي العرجاء نهب مجمع (٥) (٦) وقال أبو الهيثم: أجمع أمره: أي جعله جميعًا بعد ما كان متفرقًا،

стр. 6243

قال: وتفرُّقه أنه جعل يدبّره فيقول مرة: أفعل كذا، ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر محكم أجمعه، أي جعله جميعًا (١). وقد كشف أبو الهيثم عن حقيقة معنى إجماع الأمر، ومن هذا قوله وتعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ [يوسف: ١٠٢]، وقال الشاعر (٢): أجمعوا أمرهم بليل فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء هذا الذي ذكرنا معنى إجماع الأمر، ثم صار بمعنى العزم حتى وُصِلَ بـ (على) فقيل: أجمعت على الأمر، أي: عزمت عليه، والأصل أجمعت الأمر. وقوله تعالى: ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾، قال الفراء: وادعوا شركاءكم [دعاء استغاثة (٣) بهم والتماس لمعونتهم] (٤) وكذلك هي في قراءة عبد الله (٥)، قال: والضمير هاهنا يصلح إلقاؤه كما قال الشاعر (٦): ورأيت زوجك في الوغى ... متقلدًا سيفًا ورمحًا

стр. 6244

نصب الرمح بضمير (١) الحمل (٢). قال الزجاج: الذي قاله الفراء غلط في إضمار (وادعوا)؛ لأن الكلام لا فائدة فيه (٣)؛ لأنهم إن كانوا يدعون شركاءهم لأن يجمعوا أمرهم، فالمعنى: فأجمعوا أمركم مع شركائكم، [وإن كان الدعاء لغير شيء فلا فائدة فيه (٤)] (٥)، قال: والواو بمعنى (مع) كقولك: لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها (٦)، وذكر أبو علي القولين جميعًا فقال: وقول الفراء انتصاب الشركاء بإضمار فعل آخر كأنه: فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم، فدل المنصوب على الناصب كقول الشاعر: علفتها تبنًا وماءً باردًا (٧)

стр. 6245

وقال آخر: شَرَّاب ألبان وتمر وأقط (١) وقال آخر: متقلدًا سيفًا ورمحًا (٢) لما لم يجز أن يحمل الرمح على التقلد (٣) أضمر له فعلاً، كذلك يُضمر لنصب الشركاء -لما لم يجز الحمل على (أجمعوا) - فعل آخر، قال: وزعموا أن في حرف أُبي (وادعوا شركاءكم) (٤) فحمل الكلام في قراءة العامة على الذي يراد به الانتصاب، كقوله: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ

стр. 6246

اللَّهِ﴾ [هود: ١٣]، ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، قال: ويجوز أن يكون انتصاب الشركاء على أنه مفعول معه، أي أجمعوا أمركم مع شركائكم، كقولهم: استوى الماء والخشبة، وجاء البرد والطيالسة (١)، قال: ويدلك على جوازه أن الشركاء فاعلة في المعنى كما أن الطيالسة كذلك، ومن ثم قرأ الحسن (وشركاؤكم) (٢) رفعًا (٣). قال أبو الفتح الموصلي: الواو التي بمعنى (مع) كقولهم (٤): لو خُليت والأسد لأكلك، ولو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، وكيف تصنع وزيدًا، وكيف تكون وقصعة ثريد، واجتمع زيد وأبا محمد، ومن أبيات (٥) الكتاب (٦): وكونوا (٧) أنتم وبني أبيكم ... مكان الكليتين من الطحال (٨)

стр. 6247

أي مع بني أبيكم، فلما حذف (مع) وأقام الواو مقامها أفضى الفعل الذي قبل الواو إلى الاسم الذي بعدها فنصبها (١) بوساطة (٢) الواو، وذلك أن الواو قوية فأوصلته إليه (٣). وزاد غيره فقال: الواو في مثل هذا للجمع دون العطف، ألا ترى أن ليس قبلها منصوب يعطف عليه بالواو، والواو معنى الجمع فيه أعم من معنى العطف (٤)، ولا تكون الواو عاطفة إلا وهي للجمع، وقد تكون للجمع ولا تكون عاطفة وهي واو الحال، والواو في هذه المسألة جامعة، نحو قولك: استوى الماء والخشبة، الواو (٥) جمعت الخشبة مع الماء (٦)، والخشبة منصوبة بـ (استوى) بتوسط الواو، وعلى هذا، التقدير: فأجمعوا أمركم مع شركائكم (٧). قال ابن الأنباري: وهذا الوجه خطأ في قول الكوفيين (٨)؛ لأنه لا

стр. 6248

ينصب الثاني مع الواو التي تأويلها (مع) إلا بأن لا يحسن تكرير معرب الأول على الثاني، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال استوى الماء واستوت الخشبة [لأن الخشبة] (١) لم تكن معوجة فتستوي ولا يمكن أن يقال: جاء البرد وجاءت الطيالسة، إذ كانت الطيالسة لا تَقْدَم، والشركاء هاهنا يحسن أن نضمر معهم الدعاء (٢) فينصبهم، وما صلح إضمار فعل ناصب معه انقطع من المعرب الأول، وكان الفعل المضمر أملك به (٣) وأغلب عليه. هذا كله في قراءة من قرأ ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ بقطع الألف، وهو قراءة عامة القراء (٤)، وروى الأصمعي عن نافع: (فاجمعوا أمركم) بوصل الألف (٥) من جمعت. قال أبو علي: والمعنى على هذا: فاجمعوا أمركم، أراد ذوي الأمر منكم، أي رؤساؤكم ووجوهكم، فحذف المضاف وجرى على المضاف إليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت، ويجوز أن يراد بالأمر ما كانوا

стр. 6249

يجمعونه من كيدهم الذي يكيدونه به (١) (٢). قال ابن الأنباري: ولكون المعنى: لا تَدَعوا من أمركم شيئًا إلا أحضرتموه. وانتصاب الشركاء في هذه القراءة بالنسق على الأمر، يراد به: أجمعوا شركاءكم للمعونة لكم، ولا تدعوا منها (٣) غائبًا عنكم، ليكون ذلك أبلغ لما تؤملونه (٤) من نصرتها. وقرأ الحسن وجماعة من القراء (فأجمعوا) بقطع الألف (وشركاؤكم) رفعًا (٥) بالعطف على الضمير المرفوع في (٦) (فأجمعوا) وجاز ذلك من غير تأكيد الضمير، كنحو قوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، [الأعراف: ١٩]؛ لأن قوله: ﴿أَمْرَكم﴾ فصل بين الضمير وبين المنسوق فكان كالعوض من التوكيد، وقد شرحنا (٧) هذا عند قوله: (فاذهب (٨) أنت وربك) [المائدة: ٢٤]، وكان الفراء يستقبح هذه القراءة لخلافها المصحف (٩)، فإن الواو لم تكتب (١٠) في المصاحف ولأن

стр. 6250

شركاءهم هي الأصنام، والأصنام لا تعمل ولا تجمع (١)، انتهى كلام أبي بكر (٢). وقوله تعالى: ﴿لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾، قال أبو الهيثم: أي مبهمًا، من قولهم غُم علينا الهلال فهو مغموم: إذا التبس، قال طرفة: لعمرك ما أمري عليّ بغمة ... نهاري ولا ليلي عليّ بسرمد (٣) (٤) وقال الليث: إنه لفي غمة من أمره: إذا لم يهتد له (٥). قال الزجاج: أي ليكن أمركم [ظاهرًا منكشفًا (٦). وذكر صاحب النظم أن قوله: (ثم لا يكن أمركم] (٧) عليكم غمة) يجوز أن يكون نهيًا على غير المواجهة كما ذكره الزجاج (٨)، والنهي في الظاهر واقع على الأمر، ولكن المراد به صاحب الأمر كما قال: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] النهي واقع على العينين، ولكنه لما خاطب صاحب العينين حسن ذلك.

стр. 6251

قال: وقد قيل: إن (ثم) هاهنا زائدة، وحروف النسق قد تزاد في أضعاف الكلام مثل قوله: (كالأعمى والأصم والبصير (١) والسميع) (٢) [هود: ٢٤]. وقد ذكرنا هذا في الواو التي تكرر (٣) في النعوت، نحو قوله: إلى الملك القرم وابن الهمام (٤) وكقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، وزيادة الفاء ذكرناها أيضًا في مواضع، ومنها [قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَهُمْ﴾ (٥) [البروج: ١٠] فالفاء زيادة (٦)، وكذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا

стр. 6252

وَكَذَّبُوا] (١) بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ﴾ [الحج: ٥٧]، ومثله قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١١٨]، و (حتى) (٢) لا يقتضي (ثم) في جوابه، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ﴾ فيكون تأويله: فأجمعوا أمركم وشركاءكم لا يكن أمركم عليكم (٣) إذا فعلتم ذلك غمة، فيكون جزمه على جواب الأمر. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ قال مجاهد: اقضوا إليّ ما في أنفسكم (٤). قال ابن الأنباري: معناه: ثم امضوا إليّ بمكروهكم وما توعدونني به، كما تقول العرب: قد قضى فلان، يريدون مات ومضى (٥)، وهذا معنى قول الفراء (٦)، وقال الزجاج: ثم افعلوا ما تريدون (٧). وقال ابن عرفة (٨): قضاء (٩) الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه،

стр. 6253

وبه (١) سمي القاضي؛ لأنه إذا حكم فقد فرغ، فقوله: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ أي: افرغوا من أمرع، وأمضوا ما في أنفسكم، واقطعوا ما بيني وبينكم، ومن هذا قولى تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] أي: أعلمناهم إعلامًا قاطعًا. وهذا من أقوى آيات النبوة أن يقول النبي لقومه وهم متعاونون عليه: افعلوا بي بما شئتم، قال ابن عباس في هذه الآية: يريد: لا تألوا في الجمع والقوة فإنكم لا تقدرون على مساءتي ولا مضرتي؛ لأن لي إلهًا يمنعني، مثل قوله في هود: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ (٢). وقال المفسرون: هذا إخبار من الله عن نبيه نوح ﵇ أنه كان بنصر الله واثقًا، ومن كيد قومه وبوائقهم (٣) غير خائف، علما منه بأنهم وآلهتهم لا تنفع ولا تضر شيئًا إلا أن يشاء الله، وتعزية لنبيه محمد ﷺ وتقوية لقلبه؛ لأن سبيله في (٤) قومه كسبيل الأنبياء من قبله (٥). ٧٢ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: عن الإسلام وعن عبادة الله، ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾، قال: يريد: من مال تعطونيه (٦). قال أهل المعاني: هذا بيان عن إخلاص الدعاء إلى الله جل وعز من

стр. 6254

ترك الأجر لتتوفر الدواعي إلى الحق، وذلك أن الناصح إذا طلب على نصحه أجرًا ربما كان ذلك سببًا لامتناع الناس عن القبول منه، والإقبال عليه، وإذا لم يطلب الأجر كان ذلك أدعى إلى قبول قوله (١). ٧٣ - قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ (٢) جعل الذين نجوا مع نوح خلفاء ممن هلك بالغرق، قال ابن عباس: يريد: أن الخلق جميعًا من يومئذٍ من ولد نوح كما قال (٣): ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ (٤) [الصافات: ٧٧]، يريد إن الناس كانوا من ذريته بعد الغرق، وهلك أهل الأرض جميعًا بتكذيبهم لنوح ﵇ سوى ذريته الذين نجوا معه، وهذا تحذير للكفار من التكذيب كي لا يؤول أمرهم بالإهلاك إلى مثل ما آل أمر قوم نوح. ٧٤ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي من بعد نوح، ﴿رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: إبراهيم وهودًا وصالحًا ولوطًا (٥) وشعيبًا (٦). ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يريد بان لهم أنهم رسل الله، ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أي: أولئك الأقوام الذين بُعث إليهم الرسل، ﴿بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني قوم نوح، أي: لم يصدقوا بما كذب به قوم نوح [هذا معنى قول

стр. 6255

ابن عباس (١)، وقد علموا أن الله أغرق قوم نوح] (٢) بتكذيبهم نوحًا، أي إن هؤلاء الآخرين لم يؤمنوا بما كذب به أولهم أيام نوح، أي: إنهم مثلهم في الكفر والعتو. ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾، قال ابن عباس: يريد: أن الله طبع على قلوبهم فأعماها (٣) وأصمها فلا يبصرون سبيل الهدى (٤)، والمعنى: أن هؤلاء ومن قبلهم معتدون قد طبع (٥) على قلوبهم. وقال بعضهم: يحتمل نظم الآية أن يقال فيه: إن الأمم كذبوا رسلهم قبل أن جاءوهم بالمعجزات فجاءوهم بالمعجزات، ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ (٦)، والآية دلالة ظاهرة على أن الله تعالى إذا طبع على قلوب قوم استحال منهم الإيمان، فمن قال إنه [لا يطبع] (٧) على قلوب قوم ويأمرهم بالإيمان فذلك القائل ممن طبع الله (٨) على قلبه ولم يهده بكتابه (٩).

стр. 6256

٧٧ - قوله (١) تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا﴾ [الآية، يقال في هذا: لِمَ دخل الاستفهام في قولهم: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾] (٢) وهم قد قالوا هو سحر بغير استفهام ولا شك؟ وذكر (٣) الفراء في هذا ثلاثة أوجه: أحدها: قال قوم: قد يكون هذا من قولهم على أنه سحر عندهم وإن استفهموا، كما ترى الرجل تأتيه الجائزة فيقول: أحق هذا؟ وهو يعلم أنه حق لا شك فيه (٤)، وزاد أبو بكر لهذا (٥) بيانًا فقال: إنهم أدخلوا الاستفهام على جهة تفظيع الأمر والزيادة فيه كما يقول الرجل إذا نظر إلى الكسوة الفاخرة: أكسوة هذه؟! يريد بالاستفهام تعظيمها وأنها تزيد على معاني الكسى، وتأتي الرجل جائزة فيقول: أحق ما أرى، معظمًا لما ورد عليه منها (٦). الوجه الثاني: قال (٧): ويكون أن تزيد الألف في قولهم، وإن كانوا

стр. 6257

لم يقولوها، فيخرج الكلام على لفظه وإن كانوا لم يتكلموا به كما يقول الرجل: فلان أعلم منك، فيقول المتكلم (١): أقلت أحد أعلم بذا مني (٢)؟ [فحكى (٣) قوله على غير لفظه الذي قال. وقال أبو بكر في هذا الجواب: إن ألف الاستفهام دخلت في كلام قوم فرعون على معنى رد الخبر على (٤) موسى إذ كان هو المخبر والمتكلم، كما يقول رجل لرجل: فلان أعلم منك، فيقول له المخاطب: أقلت أحد أعلم بذا مني] (٥) فبدّل (٦) الياء من الكاف؛ لأنه صرف الكلام إلى نفسه، وإن كان مخبرًا به عن غيره، وحقيقة هذا الكلام أنه أخبر عنهم كما كان موسى يقوله إذا أجابهم (٧). الوجه الثالث: أن تجعل القول بمنزلة الصلة؛ لأنه فصل في الكلام، ألا ترى أنك تقول للرجل: أتقول عندك مال؟ ويكفيك أن تقول: ألك مال؟ فالمعنى قائم ظهر القول أو لم يظهر (٨). قال أبو بكر: تقدير هذا الجواب: قال موسى أسحر هذا؟ فدخل القول توكيدًا للكلام، كما ذكره الفراء من المثال، قال: وفيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير: أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر؟ ثم قال: أسحر هذا؟

стр. 6258

فأضمر (هو سحر) بعد القول؛ لأن الكلام المحكي يصلح إضماره إذا ظهر ما يدل عليه، والإضمار مع القول أمكن منه مع غيره، والدليل على المضمر قوله: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ قال الشاعر (١): قلنا لهم وقالوا ... وكل له (٢) مقال فأضمر المحكي مع القول ثقة بعلم المخاطب به ولم يذكر أَيش (٣) قالوا، وأَيش قيل لهم. وقال أبو إسحاق: قوله: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ هو تقرير لقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ثم قررهم فقال (٤): ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ (٥)، وهذا من كلامه (٦) يدل على أنه اختار الوجه الثالث من الأوجه التي ذكرها الفراء، وهو أنه جعل قوله: ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾ صلة. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ قال (٧): المفلح الذي يفوز بإرادته (٨)، أي: فكيف يكون هذا سحرًا، وقد أفلح الذي أتى به، أي فاز وفلح (٩) في حجته.

стр. 6259

٧٨ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾، قال ابن عباس: يريد لتردنا (١)، ومعنى اللفت في اللغة: الصرف عن أمر (٢)، وأصله اللّي، يقال: لَفَتَ عنقه: إذا لواها، ومن هذا يقال: التَفَتَ إليه: أي عدل وجهه وأماله إليه. الأزهري: لَفَتَ الشيء وفَتَله: إذا لواه (٣)، وهذا من المقلوب. وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥)، وابن جريج (٦)، والمفسرون (٧): أي: ويكون لكما الملك والعز في أرض مصر، والخطاب لموسى وهارون. وقول أهل اللغة في الكبرياء أيضًا أنها الملك (٨)، قال الزجاج: وسُمي الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا (٩).

стр. 6260

وقال الفراء: إنما قالوا ذلك لهما؛ لأن النبي إذا صُدِّق صارت مقاليد أمته وملكهم إليه (١)، وهذا بيان عن جهلهم حيث توهموا أن الصواب في اتباع الأسلاف وأن الداعي إلى خلافه إنما يريد التملك عليهم باتباعهم إياه وانقيادهم له (٢). ٨١ - قوله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾، (ما) هاهنا موصولة بمعنى (الذي) وهي مرتفعة بالابتداء وخبرها (السحر)، قال الفراء: وإنما قال: ﴿السِّحْرُ﴾ بالألف واللام؛ لأنه جواب لكلام (٣) قد سبق، ألا ترى أنهم قالوا لما جاءهم به موسى ﴿هَذَا سِحْرٌ﴾ (٤) فقال موسى: بل ما جئتم به السحر (٥). قال أبو بكر: فوجب دخول الألف واللام؛ لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة، يقول الرجل لمخاطبه: لقيت رجلاً، فيقول له: من الرجل؟ فيعيده بالألف واللام، ولو قال له من رجل؟ لم يقع في وهمه أنه يسأله عن الرجل الذي ذكره له (٦).

стр. 6261

وقرأ أبو عمرو (آلسحر) بالاستفهام (١) و (ما) على هذه القراءة استفهام يرتفع بالابتداء، و ﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾ في موضع الخبر كأن قيل: أي شيء جئتم به؟ ثم قال على وجه التقرير والتوبيخ (آلسحر)؟ كقوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] ونحوه كثير، و (آلسحر) بدل من المبتدأ، ولزم أن يلحقه الاستفهام ليساوي المبدل منه في أنه استفهام، كما تقول: كم مالك؟ أعشرون أم ثلاثون؟ فجعلت (أعشرون) بدل من كم، ولا يلزم أن يضمر للسحر خبر؛ لأنك (٢) إذا أبدلته من المبتدأ صار في موضعه، وصار ما كان خبرًا لما أبدلت (٣) منه في موضع خبر البدل (٤). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ سيهلكه ويظهر فضيحة صاحبه، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: لا يجعله ينفعهم؛ لأن معنى إصلاح العمل تقويمه على ما ينفع بدلا بما يضر. ٨٢ - قوله تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ معنى إحقاق الحق: إظهاره وتمكينه بالدلائل الواضحة والآيات البينة حتى يرجع الطاعن عليه حسيرًا، والمناصب (٥) له مغلوبًا، وهذا معنى (٦) قول ابن عباس في هذه الآية:

стр. 6262

يريد: حيث ألقى موسى عصاه فتلقفت كل كذب وسحر جاء به فرعون فأحق الله الحق (١). وذكرنا هذا المعنى في قوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ [الأنفال: ٨] الآية، وقوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾، قال الحسن: بوعده موسى (٢)، وقيل: بما سبق من حكمه في اللوح المحفوظ بأن ذلك يكون (٣). ٨٣ - قوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ الآية، قال الفراء: فسر المفسرون الذرية: القليل (٤)، قال ابن الأنباري: من المفسرين من يذهب إلى أن الذرية معناها هاهنا تقليل عدد المؤمنين؛ لأن الأكابر وأولي الأنساب (٥) العالية ممن لم يؤمنوا كانوا أكثر عددًا من الذرية، وهذا قول ابن عباس في رواية قتادة قال: الذرية: القليل (٦).

стр. 6263

واختلفوا في هؤلاء الذرية من هم؛ فقال ابن عباس: كانوا ستمائة ألف من بني إسرائيل (١)، وعلى هذا سموا ذرية؛ لأن يعقوب ﵇ دخل مصر في اثنين وسبعين إنسانًا، فتوالدوا بمصر حتى بلغوا ستمائة ألف، كانوا ذرية ذلك القوم الذين دخلوا مصر مع يعقوب من أولاده (٢)، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٣). وقال مجاهد: أراد بهم أولاد الذين أرسل إليهم موسى من بني إسرائيل، لطول الزمان هلك الآباء (٤)، وبقي الأبناء (٥)، وهذا القول اختيار

стр. 6264

إسحاق؛ لأنه قال: إنه (١) مكث يدعو الآباء فلم يؤمنوا وآمنت طائفة من أولادهم (٢)، وعلى هذين القولين (٣) (الهاء) في (قومه) كناية عن موسى.

стр. 6265

وقال ابن عباس في رواية عطية: هم ناس يسير من قوم فرعون آمنوا، منهم امرأة فرعون (١) وماشطة ابنته (٢)، ومؤمن آل فرعون (٣) ونفر

стр. 6266

يسير (١)، وروي عنه أيضًا: أنهم قوم كان (٢) آباؤهم من القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل (٣). قال الفراء: وهؤلاء إنما سموا ذرية؛ لأن أمهاتهم كن من غير جنس آبائهم، كما سمي أولاد الفرس الذين سقطوا إلى اليمن فتزوجوا نساء اليمن الأبناء (٤)، وعلى هذا الهاء في ﴿قَوْمَهِ﴾ تعود على فرعون (٥). وقوله تعالى: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾، قال الفراء: إنما قال: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾ وفرعون واحد؛ لأن الملك يُخبَر عنه بخبر الجمع؛ لأن الوهم يذهب إليه وإلى من معه من تُبّاعه (٦) كما يقال: قدم الخليفة فغلت

стр. 6267

الأسعار وكثر الناس واتسعت الأموال يراد بمن معه (١)، وهذا معنى قول الزجاج: لأن فرعون (٢) ذو أصحاب يأتمرون له، قال الفراء وابن الأنباري: وقد يكون هذا من باب حذف المضاف؛ كأنه أريد بفرعون آل فرعون (٣)، وعلى القول الذي يقول الكناية [في ﴿قَوْمِهِ﴾] (٤) تعود إلى فرعون جاز أن تعود الكناية في ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾ إلى القوم. وقوله (٥) تعالى: ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ أي: يصرفهم عن دينهم بمحنة وبلية يوقعهم فيها، وهو إخبار عن فرعون؛ لأن الملأ كانوا على مثل ما كان عليه، ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس: يريد: متطاول في أرض مصر (٦). ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ الإسراف: الإبعاد في مجاوزة الحد، قال المفسرون: وإسرافه أنه كان عبدًا فادعى الربوبية (٧).

стр. 6268

٨٤ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ﴾ الآية، قال أهل المعاني: أعيد ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ بعد ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ (١) لتبين المعنى بالصنفين من الإيمان والإِسلام، وبالتقييد والإطلاق (٢). ودلت الآية على أن التوكل والتفويض إلى الله من كمال الإيمان، وأن من كان يؤمن بالله فليتوكل على الله ويسلم أمره إليه عند نزول الشدائد على الثقة بحسن تدبيره له (٣). ٨٥ - قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، قال أبو مجلز، وأبو الضحى: يعني: لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خير منا فيزدادوا طغيانًا (٤). وقال مجاهد: لا تهلكنا بعذاب على (٥) أيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم فيفتتنوا (٦).

стр. 6269

قال ابن الأنباري: معنى دعائهم والذي التمسوه: ألا (١) يغلبهم الكفار فيفتتنوا بذلك ويظنوا أنهم لم يغلبوا إلاَّ وهم (٢) أولياء حق وأصحابه (٣)، قال: والفتنة في اللغة تكون إحراقًا وإهلاكًا، فكأن (٤) معنى الآية لا تجعلنا سبب هلاكهم وإحراقهم وإيقاع عذابك الأليم بهم (٥). هذا طريق في معنى الآية عليه أكثر أهل التأويل (٦)، وعلى هذا سألوا ألا تقع الفتنه بقوم فرعون بسبب تسلطهم وتمكنهم منهم. وفي الآية قول آخر، وهو قول عطية، قال: معناها: لا تسلطهم علينا فيفتنوننا (٧) (٨)، أي لا تمكنهم من ظلمنا بما يحملنا على الانصراف عن ديننا، وعلى هذا القول سألوا ألا تقع بهم الفتنة بسبب قوم فرعون، والفتنة أريد به المفعول؛ أي مفتونين بهم. ٨٦ - قوله تعالى: ﴿وَنَجِّنَا﴾ الآية، وذلك أنهم كانوا يستعبدونهم

стр. 6270

ويأخذونهم بالأعمال الشاقة والمهن الخسيسة. ٨٧ - قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا﴾، قال أبو علي: التبوء: فعل يتعدى إلى مفعولين، واللام في قوله: ﴿لِقَوْمِكُمَا﴾ في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] ألا ترى أن المطاوع من الأفعال على ضربين، أحدهما: ألا يتعدى نحو: انشوى وانتأى (١)، في مطاوع [شويته ونأيته، والآخر: أن يتعدى كما تعدى ما هو مطاوع] (٢) له؛ وذلك نحو تعلقته وتقطعته فـ (تعلقته) يتعدى كما تعدى (علقته) وليس فيه أن ينتقص مفعول المطاوع عما (٣) كان يتعدى إليه ما هو مطاوع له (٤)، فإذا كان كذلك كان اللام على الحد الذي ذكرنا (٥). فعلى ما ذكر أبو علي يجوز أن تقول: تبوأت زيدا مكانًا، أي اتخذت له، ولم أر هذا لغيره؛ لأنه يقال: تبوأ المكان دارًا، فيُعدونه إلى مفعولين كما ذكر، ويقال: تبوأ لزيد منزلاً، أي اتخذه له، فلا يُعدون إلى زيد إلا باللام. وقوله تعالى: ﴿بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد مساجد (٦)، فالبيوت هاهنا هي المساجد، لا المنازل المسكونة، كقوله
следующие страницы →