← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

يسير (١)، وروي عنه أيضًا: أنهم قوم كان (٢) آباؤهم من القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل (٣). قال الفراء: وهؤلاء إنما سموا ذرية؛ لأن أمهاتهم كن من غير جنس آبائهم، كما سمي أولاد الفرس الذين سقطوا إلى اليمن فتزوجوا نساء اليمن الأبناء (٤)، وعلى هذا الهاء في ﴿قَوْمَهِ﴾ تعود على فرعون (٥). وقوله تعالى: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾، قال الفراء: إنما قال: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾ وفرعون واحد؛ لأن الملك يُخبَر عنه بخبر الجمع؛ لأن الوهم يذهب إليه وإلى من معه من تُبّاعه (٦) كما يقال: قدم الخليفة فغلت

стр. 6267

الأسعار وكثر الناس واتسعت الأموال يراد بمن معه (١)، وهذا معنى قول الزجاج: لأن فرعون (٢) ذو أصحاب يأتمرون له، قال الفراء وابن الأنباري: وقد يكون هذا من باب حذف المضاف؛ كأنه أريد بفرعون آل فرعون (٣)، وعلى القول الذي يقول الكناية [في ﴿قَوْمِهِ﴾] (٤) تعود إلى فرعون جاز أن تعود الكناية في ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾ إلى القوم. وقوله (٥) تعالى: ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ أي: يصرفهم عن دينهم بمحنة وبلية يوقعهم فيها، وهو إخبار عن فرعون؛ لأن الملأ كانوا على مثل ما كان عليه، ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس: يريد: متطاول في أرض مصر (٦). ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ الإسراف: الإبعاد في مجاوزة الحد، قال المفسرون: وإسرافه أنه كان عبدًا فادعى الربوبية (٧).

стр. 6268

٨٤ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ﴾ الآية، قال أهل المعاني: أعيد ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ بعد ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ (١) لتبين المعنى بالصنفين من الإيمان والإِسلام، وبالتقييد والإطلاق (٢). ودلت الآية على أن التوكل والتفويض إلى الله من كمال الإيمان، وأن من كان يؤمن بالله فليتوكل على الله ويسلم أمره إليه عند نزول الشدائد على الثقة بحسن تدبيره له (٣). ٨٥ - قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، قال أبو مجلز، وأبو الضحى: يعني: لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خير منا فيزدادوا طغيانًا (٤). وقال مجاهد: لا تهلكنا بعذاب على (٥) أيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم فيفتتنوا (٦).

стр. 6269

قال ابن الأنباري: معنى دعائهم والذي التمسوه: ألا (١) يغلبهم الكفار فيفتتنوا بذلك ويظنوا أنهم لم يغلبوا إلاَّ وهم (٢) أولياء حق وأصحابه (٣)، قال: والفتنة في اللغة تكون إحراقًا وإهلاكًا، فكأن (٤) معنى الآية لا تجعلنا سبب هلاكهم وإحراقهم وإيقاع عذابك الأليم بهم (٥). هذا طريق في معنى الآية عليه أكثر أهل التأويل (٦)، وعلى هذا سألوا ألا تقع الفتنه بقوم فرعون بسبب تسلطهم وتمكنهم منهم. وفي الآية قول آخر، وهو قول عطية، قال: معناها: لا تسلطهم علينا فيفتنوننا (٧) (٨)، أي لا تمكنهم من ظلمنا بما يحملنا على الانصراف عن ديننا، وعلى هذا القول سألوا ألا تقع بهم الفتنة بسبب قوم فرعون، والفتنة أريد به المفعول؛ أي مفتونين بهم. ٨٦ - قوله تعالى: ﴿وَنَجِّنَا﴾ الآية، وذلك أنهم كانوا يستعبدونهم

стр. 6270

ويأخذونهم بالأعمال الشاقة والمهن الخسيسة. ٨٧ - قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا﴾، قال أبو علي: التبوء: فعل يتعدى إلى مفعولين، واللام في قوله: ﴿لِقَوْمِكُمَا﴾ في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] ألا ترى أن المطاوع من الأفعال على ضربين، أحدهما: ألا يتعدى نحو: انشوى وانتأى (١)، في مطاوع [شويته ونأيته، والآخر: أن يتعدى كما تعدى ما هو مطاوع] (٢) له؛ وذلك نحو تعلقته وتقطعته فـ (تعلقته) يتعدى كما تعدى (علقته) وليس فيه أن ينتقص مفعول المطاوع عما (٣) كان يتعدى إليه ما هو مطاوع له (٤)، فإذا كان كذلك كان اللام على الحد الذي ذكرنا (٥). فعلى ما ذكر أبو علي يجوز أن تقول: تبوأت زيدا مكانًا، أي اتخذت له، ولم أر هذا لغيره؛ لأنه يقال: تبوأ المكان دارًا، فيُعدونه إلى مفعولين كما ذكر، ويقال: تبوأ لزيد منزلاً، أي اتخذه له، فلا يُعدون إلى زيد إلا باللام. وقوله تعالى: ﴿بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد مساجد (٦)، فالبيوت هاهنا هي المساجد، لا المنازل المسكونة، كقوله

стр. 6271

تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]. ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾، قال (١) يريد: إلى الكعبة (٢)، وعلى هذا، التقدير: واجعلوا بيوتكم؛ أي مساجدكم قِبَل القبلة، أي (٣) إلى القبلة، وهذا قول مجاهد (٤)، والحسن (٥)، وابن جريج عن ابن عباس قال: كانت الكعبة قبلة موسى ومن معه (٦).

стр. 6272

وعلى هذا القول أمر موسى وأخوه باتخاذ المساجد لقومهما بمصر على رغم أعدائهما وأعداء قومهما؛ لأن الله يمنعهم من أعدائهم حتى لا (١) يَصِلُوا إيقاع مكروه بهم. وقال أكثر المفسرين: لما أُرسل (٢) موسى أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخربت كلها، ومُنعوا من الصلاة، فأُمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفًا من فرعون (٣)، وهذا قول ابن عباس في رواية عكرمة (٤)، وإبراهيم (٥)، وابن زيد (٦)، والربيع (٧)، وأبي مالك (٨)، والسدي (٩)، والضحاك (١٠)، واختيار الفراء (١١)، والزجاج (١٢). قال الزجاج: وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي: صلوا

стр. 6273

في بيوتكم لتأمنوا من الخوف (١)، وقال الفراء: أمروا أن يتخذوا المساجد في جوف الدور لتخفى من القبط، ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي إلى الكعبة (٢). وقال ابن الأنباري: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي قبلا، يعني مساجد فاكتفى بالواحد من الجمع، كقول العباس بن مرداس: فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور (٣) [أراد إنا إخوتكم (٤). وقال عكرمة عن ابن عباس: واجعلوا بيوتكم مساجد (٥)] (٦). ٨٨ - قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، قال ابن عباس: كان لهم من لدن فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن ذهب وفضة وزبرجد وياقوت (٧). ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾، اختلفوا في هذه اللام؛ فقال الفراء:

стр. 6274

(إنها (١) لام كي) (٢) وعلى هذا، المعنى: إنك جعلت هذه الأموال سببًا لضلالهم؛ لأنهم بطروا فيها فاستكبروا عن الإيمان، وطغوا في الأرض. وققال الأخفش: اللام في ﴿لِيُضِلُّوا﴾ إنما هو لما يؤول إليه الأمر، والمعنى: إنك آتيت فرعون وملأه زينة فضلوا، كما أن معنى ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أي: فكان كذلك (٣)، وهذا قول الزجاج، وأكثر أهل المعاني (٤). قال الزجاج: المعنى: أصارهم ذلك إلى الضلال، كما قال: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أي: فالتقطوه (٥) فآل أمرهم إلى أن صار عدوًّا وحزنًا، لا أنهم قصدوا ذلك (٦)، فعلى هذا هي لام العاقبة والصيرورة، وفتح الياء في (ليَضلوا) (٧) حسن لهذا المعنى؛ لأنهم ضلوا وطغوا لما أوتوه من الزينة والأموال، ومن قرأ: ﴿لِيُضِلُّوا﴾ من الإضلال فقد ذكرنا وجه ذلك في قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ﴾ سورة الأنعام [١١٩]. وقال ابن الأنباري: هذه لام الدعاء، وهي مكسورة تجزم المستقبل

стр. 6275

ويفتتح به (١) الكلام، فيقال: ليغفر الله للمؤمن (٢)، وليعذب الله الكافر، وتأويلها (٣): ربنا ابتلهم بالضلال عن سبيلك (٤) (٥). وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾، ذكرنا معنى الطمس عند قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ (٦) [النساء: ٤٧]، ومعناه هاهنا المسخ. قال الأزهري فيما روى عن شمر: ويكون الطموس بمنزلة المسخ للشيء، قال الله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ قالوا: صارت حجارة (٧). وهذا قول ابن عباس (٨)، [وقتادة (٩)، والقرظي (١٠)، والسدي (١١)، وابن زيد (١٢)، والربيع (١٣) والضحاك (١٤):

стр. 6276

قال ابن عباس] (١): بلغنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحًا وأثلاثًا وأنصافًا (٢) وقال القرظي: جعل سكرهم (٣) حجارة. وقال قتادة: بلغنا أن حروثًا لهم صارت حجارة. وقال السدي: مسخ الله أموالهم حجارة؛ النخل والثمار والدقيق والأطعمة (٤).

стр. 6277

وقال عطاء عن ابن عباس: لم يبق لهم معدن إلا [طمس الله عليه فلم ينتفع به أحد بعد (١). قال الزجاج: تأويل طمس الشيء: إذهابه عن] (٢) صورته والانتفاع به على الحال الأولى التي كانت عليها (٣) (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: امنعهم عن الإيمان (٥)، وتأويله: أقسها واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان، وهذا دليل على أن الله يفعل ذلك بمن يشاء (٦)، ولولا ذلك لما حسن من موسى هذا السؤال. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾، قال المبرد: هو عطف على قوله: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ أي: ربنا إنك آتيتهم ليضلوا فلا يؤمنوا (٧). وهذا اختيار أبي علي، قال: هو عطف على النصب الحادث من اللام في ﴿لِيُضِلُّوا﴾، وما بين ذلك من قوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾

стр. 6278

اعتراض (١) بين ﴿آتَيْتَ﴾ وما يتصل به، وهذا الضرب من الاعتراض كثير (٢). وقال الفراء (٣)، والزجاج (٤): ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ دعاء عليهم كأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم. [قال ابن الأنباري: والتأويل فلا آمنوا (٥) حتى يروا العذاب (٦)] (٧) وموضع ﴿يُؤْمِنُوا﴾ على هذا التأويل جزم بـ (لا) قال الأعشى: فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ... ولا تلقني إلا وأنفك راغم (٨) قال أبو بكر: ويجوز أن يكون ﴿يُؤْمِنُوا﴾ في موضع جزم بالنسق على (يضلوا)، و (يضلوا) منجزم بلام الدعاء (٩). وقال الفراء: وإن شئت جعلت ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ جوابًا لمسألة موسى ﵇ لأن المسألة خرجت على لفظ الأمر، فـ (لا يؤمنوا) (١٠) في موضع

стр. 6279

نصب على الجواب، فيكون كقول الشاعر (١): يا ناق سيري عنقًا فسيحًا ... إلى سليمان فنستريحا (٢) قال ابن الأنباري: وذهب بعض الناس إلى أن معنى قوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ فلن يؤمنوا، فأبدلت الألف من النون الخفيفة [وهذا خطأ لأن النون الخفيفة] (٣) لا تبدل ألفًا في وصل الكلام، ويلزم هذا القائل أن يجيز: لا يقومَ عبد الله، بنصب الميم، وذلك محال من كل وجه، وهذا القول الذي حكاه عن بعض الناس هو قول صاحب النظم. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ يريد الغرق (٤)، قال ابن جريج عن ابن عباس: فلا يؤمنوا حتى يروا الغرق (٥)، قال: وما آمن فرعون حتى أدركه الغرق (٦). ٨٩ - قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء: وذلك أن موسى كان يدعو، وهارون يؤمن (٧)، وهذا قول

стр. 6280

الربيع وابن زيد وعكرمة وأبي العالية والقرظي كلهم قالوا: دعا موسي وأمّن هارون فلذلك قال: ﴿دَعْوَتُكُمَا﴾ فأضاف إليهما (١). قال الزجاج: والمؤمّن على دعاء الداعي داع أيضًا؛ لأن قوله (آمين) تأويله: استجيب، فهو سائل كسؤال الداعي (٢). وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ فامضيا لأمري، قال عكرمة: فهو الاستقامة، عن ابن عباس (٣)، وقال المفسرون: فاستقيما على الرسالة والدعوة إلى أن يأتيهم العذاب (٤). قال ابن جريج: إن فرعون لبث بعد هذه الآية (٥) أربعين سنة (٦). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾، قال أبو إسحاق: موضعه جزم إلا أن

стр. 6281

النون الشديدة دخلت للنهي مؤكدة وكسرت لسكونها (١) وسكون النون التي قبلها فاختير لها الكسرة؛ لأنها بعد الألف تشبه نون الاثنين (٢)، قال أبو علي: إنما شبهتها؛ لأنها زائدة مثلها وداخلة لمعنى كدخولها (٣)، فإن قيل: المكسورة في (تتبعان) ليست بعد ألف فكيف تكسر تشبيهًا بنون رجلان وهي بعد ألف؟ قيل: النون الأولى من المشددة لما كانت ساكنة وجَمعت إلى السكون الخفاء لم يعتد (٤) بها، وصارت المكسورة كأنها وليت الألف، وقد لا يعتدون بالحاجز لخفائه، وإن كان متحركًا، كما أجمعوا -فيما زعم سيبويه (٥) - على (رُدَّهَا) بفتح الدال ولم يضموا كما أجازوا الضم في (رُدُّ)؛ لأن الدال في (ردها) صارت كأنها وليت الألف لخفاء الهاء (٦)، وهذا مما ذكرناه في أول هذا الكتاب. فأما قراءة ابن عامر (٧) (وَلَا تَتَّبِعَانِ) بتخفيف النون (٨) فلها ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يكون خفف الثقيلة للتضعيف كما حذفوا (رب) و (إن)

стр. 6282

ونحوهما من المضاعف، إلا أنه حذف الأولى (١) من المثلين، كما أبدلوا الأولى في نحو قيراط ودينار (٢)، ولزم ذلك في هذا الموضع؛ لأن الحذف لو لحق الثانية للزم التقاء الساكنين على غير ما يستعمل في الأمر الشائع، وغلط بعضهم فزعم أن هذا على مذهب يونس فإنه يجيز (٣) إدخال النون الخفيفة في فعل الاثنين وفعل جماعة النساء (٤)، وهذا غلط؛ لأن تلك النون الخفيفة ساكنة غير متحركة، وأجاز يونس في ذلك الجمع بين ساكنين، وابن عامر يقرأ بالتخفيف والتحريك (٥) وجميع أهل النحو خالفوا يونس في ذلك الوجه (٦). الثاني: أن قوله (لا تتبعان) على هذه القراءة على لفظ الخبر، ومعناه الأمر، كقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨، ٢٣٤]، و ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: لا ينبغي ذلك.

стр. 6283

وإن شئت جعلته حالاً من ﴿استقيما﴾، وتقديره: استقيما غير متبعين، وهذا هو الوجه الثالث، ويدل على هذا (١) قول الشاعر (٢): ولا أسقي ولا يَسقي شريبي ... ويرويه إذا أوردت مائي وقول الفرزدق: بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلت (٣) ومعنى الآية: ولا تسلكا طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي فتستعجلا قضائي، فإن وعدي لا خلف له، ووعيدي نازل بفرعون وقومه، كذا قال المفسرون (٤). ٩٠ - قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ هذا مذكور في سورة الأعراف، وقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُه﴾ الإتباع طلب اللحاق بالأول واستقصاء هذا مذكور في قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥]. وقوله تعالى: ﴿بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ البغي: طلب الاستعلاء بغير حق،

стр. 6284

والعدْو: الظلم، وهذا ما سبق القول فيه (١)، وقوله تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ﴾، وقرئ بكسر الألف (٢)، فمن فتح الألف فلأن هذا الفعل يصل بحرف الجر نحو: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] فلما حذف الحرف وصل الفعل إلى (أن) فصار (٣) في موضع نصب أو خفض على الخلاف في ذلك، ومن (٤) كسر الألف حمله على القول المضمر، كأنه: آمنت فقلت إنه، وإضمار القول في هذا النحو كثير، ولإضمار القول من المزية هنا أن قلت: إنه لا إله إلا الله في المعنى إيمان (٥)، فإذا قال: آمنت، فكأنه قد ذكر ذلك. قال ابن عباس في هذه الآية: فلم يقبل الله إيمانه عند [نزول العذاب، وقد كان في مهل، ولم يفعل الله ذلك بأحد عند] (٦) نزول العذاب، أو غرغرة الموت من المشركين، إلا قوم يونس (٧) وهذا قول جميع المفسرين (٨)، قالوا: إن فرعون تلفظ بما ذكر الله عنه من قوله: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ

стр. 6285

لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ فلم ينفعه ذلك؛ لأن التوبة مقبولة إلى أن يعاين ملك الموت وأعوانه من الملائكة، وعدو الله فرعون جنح إلى التوبة حين أغلق بابها بحضور الموت، ومعاينة الملائكة، فقيل له (١) (آلآن وقد عصيت قبل) (٢) يراد الآن تتوب وقد أضعت التوبة في وقتها وآثرت دنياك الفانية على الآخرة؟! والظرف متعلق بمحذوف تدل عليه الحال، تقديره: الآن آمنت أو تؤمن أو تتوب، والمفسرون على أن جبريل خاطب فرعون بهذا الخطاب (٣). وقال صاحب النظم: قوله: ﴿آمَنَتْ﴾ إلى آخر الآية، قد يعلم الجميع أن الغريق -سيّما من يكون غرقه نقمة من الله- لا يمكنه أن يلفظ بمثل هذا المنطق (٤) لما يكون فيه من الشغل بالموت، والمعنى إن شاء الله: إن الله علم ما وقع في قلبه حينئذ من اليقين والندامة على ما فرط منه، فذكر ذلك عنه وجعله قولاً، كما قال: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨] فأخرج إضمارهم مخرج القول، ومثله قوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] الآية. وجاء في الخبر: إن الله أثنى عليهم بما في ضميرهم، وهم لم يقولوا ذلك، ولكن الله علم ذلك من ضمائرهم

стр. 6286

فمدحهم به حتى كأنهم قالوا ذلك (١). ٩١ - وقوله تعالى بعد هذا ﴿آلْآنَ﴾ وما بعدها، كله على الخبر أنه فعله به، لا على أنه خاطبه بهذا القول (٢). والصحيح ما ذكرنا أولاً من مذهب المفسرين، يدل عليه ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن فرعون لما أدركه الغرق جعل جبريل يحشو التراب في فيه خشية أن يؤمن (٣). وروي أيضًا عن النبي ﷺ أنه قال: "قال لي جبريل رأيتني يا محمد وأنا أدس الطين في فيه مخافة أن تدركه الرحمة" (٤).

стр. 6287

والذي ذكره صاحب النظم شيء لا تبعده طريقة أهل اللغة والمعاني.

стр. 6288

٩٢ - قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾، قال ابن عباس (١) عامة المفسرين (٢): لما غرّق الله فرعون وقومه جحد بعض بني إسرائيل غرق فرعون، وقالوا: هو أعظم شأنًا من أن يغرق، فأخرجه الله حتى رأوه فذلك قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أي: نلقيك على نجوة من الأرض، وهي المكان المرتفع، وهذا قول أبي عبيدة (٣)، وأبي عمرو بن العلاء (٤)، ويونس (٥)، واختيار الزجاج (٦)، وابن قتيبة (٧)، وروى ثعلب، عن ابن الأعرابي قال: إنهم -أحسبها- شكوا في غرقه؛ فأمر الله أن يقذفه على دكة

стр. 6289

في (١) البحر (٢). وذهب بعضهم إلى أن هذا من النجاة والتخليص، ومعنى ننجيك نخرجك من البحر بعد الغرق (٣) وهو معنى قول الكلبي (٤)، ونحو ذلك قال عطاء عن ابن عباس: فأخرجه الله حتى رأوه (٥). واختلفوا في معنى البدن هاهنا؛ فأهل اللغة ذهبوا إلى أن معناه الدرع (٦)، قال الليث: البدن: شبه الدرع، إلا أنه قصير قدر ما يكون على المجسد، قصير الكمين (٧). وقال ابن الأعرابي في هذه الآية: ببدنه: بدرعه (٨)، وأنشد ابن الأنباري: ترى الأبدان فيها مسبغات ... على الأبطال واليلب الحصينا (٩)

стр. 6290

هذا قول ابن عباس قال: كانت عليه درع من ذهب يعرف بها وهو البدن (١)، والمعنى على هذا: إنا نرفع فرعون فوق الماء بدرعه المشهورة ليعرفوه بها أو نخرجه من الماء بدرعه، على الخلاف في ﴿نُنَجِّيكَ﴾. وقال آخرون: معنى البدن هاهنا جسده بغير روح (٢)، روى ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿بِبَدَنِكَ﴾ قال: معناه بجسدك (٣)، ونحوه قال الكلبي (٤). وقال بعض المفسرين: إنه طفا عريانًا، وكان ناجيًا ببدنه المجرد لينظر إليه نكالًا من كان يعتقده إلهًا (٥)، قال ابن الأنباري: وعلى هذا القول أهل التفسير (٦)، والقول الأول في البدن [عليه أهل اللغة واختاره الكسائي (٧) أيضًا. وقوله تعالى: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾] (٨)، قال الكلبي: لتكون

стр. 6291

نكالاً لمن خلفك فلا يقولوا مثل مقالتك (١). قال أبو بكر: وتلخيص الحرف (٢): لتكون لمن بعدك من الأمم عبرة، وأمرًا (٣) معجوبًا منه معتبرًا به (٤). وقال أبو إسحاق: وإنما كان ذلك آية؛ لأنه كان يدعي أنه رب وكان يعبده قوم (٥)، فبين الله أمره وأنه عبد، وفيه من الآية أن غرق مع وأخرج هو من بينهم فكان في ذلك آية (٦). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ الناس (٧) هاهنا عامة، وقوله: ﴿عَنْ آيَاتِنَا﴾ أي: عن الإيمان بآياتنا. ٩٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ ذكرنا معنى ﴿بَوَّأْنَا﴾ عند قوله: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ﴾ [آل عمران: ١٢١]، وقال أبو زيد: بوأت فلانًا منزلًا تبوئةً وتبوُّئًا (٨)، والاسم: البيئة (٩) (١٠)، وقال أبو

стр. 6292

علي: قوله: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ يجوز أن يكون مصدرًا، أي تبوّؤ (١) صدق، ويكون المفعول الثاني محذوفًا، ويجوز أن يكون مفعولًا ثانيًا فيجعل المبوأ اسمًا غير ظرف كما قال الشاعر (٢): وأنت مكانك من وائل ... مكان القراد من است الجمل (٣) ومعنى (صدق) هاهنا أن العرب إذا مدحت شيئًا أضافته إلى الصدق؛ لأن الصدق محمود في الأحوال كلها؛ فتقول: رجل صدق؛ [وقدم صدق] (٤)، وفلان صديقك الصدق (٥). وقال بعض أهل المعاني: معناه أن هذا المنزل يصدق فيما يدل عليه من جلالة النعمة (٦)، قال ابن عباس في قوله: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال: يريد: قريظة والنضير وبني قينقاع، ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾، قال: يريد: أنزلناهم منزل صدق ما بين المدينة والشام، ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، قال:

стр. 6293

يريد: من أرض يثرب من النخل وما فيها من الرطب والتمر الذي ليس في البلاد مثلها طيبًا (١). وقال بعض أهل المعاني: قد دلت الآية على اتساع أرزاقهم (٢). وعلى هذا التفسير يريد ببني إسرائيل: اليهود الذين كانوا في زمان النبي ﷺ ، وذهب قوم إلى أنه أراد الذين كانوا في زمن موسى فمن بعدهم فقالوا في قوله: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ يعني الشام ومصر (٣)، وهو قول الضحاك (٤). وقال قتادة: الشام وبيت المقدس (٥). وقال الحسن: مصر، وهو منزل صالح خصيب آمن (٦)، والصحيح قول ابن عباس؛ لأن قوله: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ من صفة الذين كانوا في عهد النبي ﷺ (٧)، فكذلك ما قبله.

стр. 6294

وعلى (١) قول هؤلاء يحمل أول الآية على العموم وآخرها على الخصوص (٢)، ومعنى ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾ أي: في تصديق النبي ﷺ وأنه نبي حق مبعوث (٣). قال المفسرون: كانوا يخبرون بمبعث محمد (٤) ﷺ ، ويفخرون على سائر الناس بما يعلمونه من صدقه وخروجه والدخول في جملته، حتى بُعث فكذبوه حسدًا وبغيًا وإيثارًا لبقاء الرئاسة، وآمن فريق منهم وصدقه، فذلك اختلافهم حين جاءهم العلم (٥).

стр. 6295

قال ابن عباس: يريد القرآن الذي جاء به محمد ﷺ (١) وعلى هذا، القرآن سمي علمًا؛ لأنه دليل مؤد إلى العلم، وقال الفراء: العلم يعني به محمدًا ﷺ وصفته (٢)، وعلى هذا أريد بالعلم المعلوم، وذلك أنهم كانوا يعملونه قبل خروجه بنعته وصفته حق العلم، هذا الذي ذكرنا مذهب عامة أهل التأويل (٣). وقال الحسن (٤) وابن زيد (٥): قوله: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾ يعني أنهم كانوا قبل مبعث محمد ﷺ كانوا كفارًا كلهم، حتى جاءهم العلم فاختلفوا بأن آمن فريق وكفر فريق، فنفي الاختلاف في القول الأول يعود إلى التصديق بمحمد ﷺ قبل مبعثه، وفي قول الحسن وابن زيد نفي الاختلاف عن كفرهم ثم ظهر الاختلاف بإيمان بعضهم، والقول هو الأول. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد: من أمرك (٦). ٩٤ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية، معنى الشك في موضوع (٧) اللغة: ضم بعض الشيء إلى بعض، يقال: شك

стр. 6296

الجواهر في العقد: إذا ضم بعضها إلى بعض، وشككت الصيد: إذا رميته فنظمت يده إلى يده أو رجله إلى رجله، لا يكون الشك إلا كذلك والشكائك من الهوادج (١): ما شك بعضها في بعض، والشكاك: البيوت المصطفة، والشكائك الأدعياء؛ لأنهم يشكون أنفسهم إلى قوم ليسوا منهم، أي: يضمون، وشك الرجل في السلاح إذا دخل فيه وضمه إلى نفسه [وألزمه إياها (٢)، فإذا قالوا شك فلان في الأمر أرادوا أنه وقف نفسه] (٣) (٤) بين شيئين فيجوّز هذا (٥) ويجوّز ذاك، فهو يضم إلى ما يتوهمه شيئًا آخر خلافه (٦). واختلفوا في هذا الخطاب لمن هو؟ فقال أكثر أهل العلم: هذا الخطاب للرسول ﵇ والمراد غيره من الشكاك (٧)؛ لأن القرآن نزل عليه بمذاهب العرب كلها، وهم قد يخاطبون الرجل بالشيء يريدون غيره،

стр. 6297

وكذلك يقول متمثلهم: إياك أعني واسمعي يا جارة (١)، ومثل هذا قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأحزاب: ١] الآية، الخطاب للنبي ﷺ والمراد بالوصية والعظة المؤمنون، يدل علي ذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢] ولم يقل بما تعمل. وقال أبو إسحاق: إن الله يخاطب النبي ﷺ وذلك الخطاب شامل للخلق، والمعنى فإن كنتم في شك فاسألوا (٢)، والدليل علي ذلك قوله في آخر السورة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ﴾ [يونس: ١٠٤] الآية، فَأعْلَم الله أن نبيه ليس في شك، وأمره أن يتلو عليهم ذلك، وهذا أحسن الأقوال. انتهى كلامه (٣)، وهذا (٤) الذي ذكرنا مذهب ابن عباس (٥)، والحسن (٦)، وأكثر أهل التأويل (٧). قال ابن عباس في هذه الآية: لم يرد النبي ﷺ ؛ لأنه لم يشك في الله، ولا فيما أوحى إليه، ولكن يريد من آمن به وصدقه، أمرهم أن يسألوا لئلا ينافقوا كما شك المنافقون.

стр. 6298

وقال ابن قتيبة: الناس كانوا في عصر النبي ﷺ أصنافًا؛ منهم كافر به مكذب لا يرى إلا أن ما جاء به الباطل، وآخر: مؤمن به مصدق يعلم أن ما جاء به الحق، وشاك في الأمر لا يدري كيف هو، فهو يقدم رجلاً ويؤخر رجلاً، فخاطب الله هذا الصنف من الناس فقال: فإن كنت أيها الإنسان (١) في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد ﷺ فأسأل، قال: ووحد وهو يريد الجمع، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]، و ﴿أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ [الانشقاق: ٦]، ﴿فَإِذَا (٢) مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ [الزمر: ٤٩]، ولم يرد في جميع هذا (٣) إنسانًا بعينه إنما هو لجماعة الناس، قال: وهذا وإن كان جائزًا حسنًا، فإن المذهب الأول (٤) أعجب إليّ؛ لأن الكلام اتصل حتى قال: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وهذا لا يجوز أن يكون إلا لرسول الله ﷺ (٥)، فجعل ابن قتيبة (٦) هذا الذي ذكره جوابًا آخر، ثم (٧) اعترض عليه بما ذكر، والأولى أن يقال: الخطاب للنبي ﷺ والمراد به هذا الصنف الشاك الذي ذكره ابن قتيبة، فيكون هذا تأكيدًا وبيانًا للقول الأول، ويسقط ذلك الاعتراض الذي ذكر. وذكروا في هذه الآية أقوالًا متكلفة بعيدة فلم

стр. 6299

أحكها (١). وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، قال ابن عباس (٢)، والضحاك (٣)، ومجاهد (٤)، وابن زيد (٥): يعني من آمن من أهل، الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه فسيشهدون (٦) على صدق محمد ﷺ ويخبرونك بنبوته، وما قدمه الله في الكتب من ذكره، وباقي الآية والتي تليها (٧) حكمه على ما ذكرنا من أنه خطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره من الشاكين. ٩٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾،

стр. 6300

قال ابن عباس: قول ربك بالسخط عليهم (١)، وقال قتادة: سخط ربك بما عصوه (٢)، وقال أهل المعاني: معنى (حقت عليهم [كلمة ربك) أي: وقعت على تحقيق من غير شرط ولا تقييد بأنهم لا يؤمنون، والمعنى: إن الذين حقت عليهم] (٣) الكلمة (٤) بأنهم لا يؤمنون [لا يؤمنون] (٥) ولو جاءتهم كل آية (٦)، وقال مقاتل: وجبت عليهم كلمة العذاب (٧). ٩٧ - ومعنى ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾، قال المفسرون: كانوا يسألون رسول الله ﷺ أن يأتيهم بالآيات حتى يؤمنوا، [فقال الله: (لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا] (٨) العذاب الأليم) فلا ينفعهم حينئذ إيمانهم كما لم ينفع فرعون إيمانه حين أدركه الغرق. ٩٨ - قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ الآية، في هذه الآية طريقان: أحدهما: وهو طريق المفسرين أن (لولا) معناها (٩) النفي، قال أبو مالك صاحب ابن عباس: كل ما في كتاب الله من ذكر (لولا) فمعناها:

стр. 6301

(هلَّا)، إلا حرفين ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ معناها: فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها، وكذلك ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [هود: ١١٦] معناه فما كان من القرون (١). وقال ابن عباس في رواية عطاء: فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس: قال: يريد لم أفعل هذا بأمة قط ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا﴾ عند نزول العذاب، كشفنا عنهم العذاب (٢) (٣). وقال قتادة في هذه الآية: لم يكن هذا معروفًا لأمة من الأمم؛ كفرت ثم آمنت عند نزول العذاب فكشف عنهم، إلا قوم يونس كشف عنهم العذاب بعد ما تدلى عليهم (٤). وقال مقاتل: كان العذاب فوق رؤوسهم قدر ميل (٥). وقال ابن الأنباري (٦): كشف الله عنهم العذاب وقَبِل توبتهم لما علم من حسن نيتهم وأنهم يقيمون على شكره وحمده، ولا يزالون يوحدونه

стр. 6302

ويعبدونه ويتأسفون (١) على ما فرط (٢) منهم من الكفر، بخلاف ما علم من سوء نيات الأمم المهلكين، يدل على صحة ما ذكرنا (٣) ما روي عن ابن مسعود أنه قال: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم بينهم حتى إن كان الرجل ليأتي الحجر وقد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه (٤) فيرده (٥). وانتصب قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ على أنه استثناء منقطع من الأول؛ لأن أول الكلام جرى على القرية وإن كان المراد أهلها، ووقع استثناء القوم من القرية فكان كقوله (٦):

стр. 6303

وما بالربع من أحد إلا أواريَّ ................. وذكر صاحب النظم أوجهًا سوى هذا، وهو أنه قال: معنى (لولا): هلا، وهلا: حث على الشيء، ويكون تبكيتًا وتنديمًا على فأئت، وفي ذلك دليل بالاعتبار على أنه لم يكن، فقوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ أي: لم تكن آمنت عند حلول العذاب فنفعها إيمانها، ثم استثنى قوم يونس فقال: (إلا قوم يونس) (١) وإنما نصب وقبله معنى جحد ونفي؛ لأنه لم يجىء على لفظ [النفي والجحد، وإنما جاء على لفظ] (٢) التبكيت والخبر، ولو كان نفيًا خالصًا لكان رفعًا، قال: وقد يكون نصبه على أن الكلام تم وانقطع عن قوله: ﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ ثم جاء قوله: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ بعد التمام كما نصب [من قرأ (ما فعلوه إلا قليلا منهم) [النساء: ٦٦] بالنصب (٣)] (٤)، وقد شرحنا وجه النصب هناك (٥) وأنه إنما

стр. 6304

يجوز النصب بعد النفي إذا كان ما قبله كلامًا تامًا كقولك ما مر بي أحدٌ إلا زيدًا، [ولا يجوز ما مر بي إلا زيدًا] (١)، قال: وقد قيل إن نصبه علي أن يكون مستثنى من قوله: ﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ على تأويل: لم ينفع قرية آمنت إيمانها إلا قوم يونس، أي: أن الإيمان نفع قوم يونس لما آمنوا. هذا الذي ذكرنا طريقة المفسرين (٢). الثاني: وهو طريقة الزجاج، وذكرها ابن الأنباري أيضاً، وهو أن معنى الآية حث على الإيمان حين ينفع الإيمان، يقول (٣): هلا كانت قرية آمنت في وقت ينفعهم الإيمان. وهذا تبكيت لفرعون؛ لأنه آمن لما أدركه الغرق فلم ينفعه، يدل على صحة هذا المعنى أن هذه الآية ذكرت عقيب قصته، وعلى هذا (لولا) يكون على ما هو موضوع له. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾، قال الزجاج: وقوم يونس -والله أعلم- لم يقع بهم العذاب، إنما رأوا الآية التي تدل على العذاب فلما آمنوا كشف عنهم، ومثل ذلك العليل الذي يتوب في مرضه وهو يرجو في مرضه العافية ويخاف (٤) الموت فتوبته صحيحة.

стр. 6305

وقال ابن الأنباري: قوم يونس تابوا (١) بعد آية ظهرت لهم تدل على قرب العذب، ولو عاين القوم العذاب كانت قصتهم في الهلكة قصة عاد وثمود، وعلى هذا قوله: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ من الاستثناء المنقطع؛ معناه: لكن قوم يونس لما آمنوا في وقت ينفعهم الإيمان ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [قال ابن عباس: يريد: سخط الله في الحياة الدنيا (٢)] (٣)، وقال أهل المعاني: عذاب الهوان (٤) الذي يفضح صاحبه (٥)، ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾، قال ابن عباس: يريد حين آجالهم (٦).
следующие страницы →