← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

لهم جيرانا وقرابة، وقد رأيتم ما أصيبوا به وما صاروا إليه من سخط الله وعذابه، فعلى هذا أراد: ليسوا ببعيد في الدار والنسب. وقال قتادة (١): ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ في الزمان الذي بينكم وبينهم، واختاره الزجاج فقال (٢): كان إهلاك قوم لوط أقرب الإهلاكات التي عرفوها، فكأنه قال لهم: العظة في قوم لوط قريبة منكم. قال ابن الأنباري: فعلى القول الأول (٣) كأنه يقول (٤): إنكم للعذاب الواقع بهم أذكر وأحفظ منكم لما لحق الأمم السالفة؛ لأن دارهم أقرب إلى داركم، فبحفظكم ذلك يلزمكم الإشفاق والحذر من مثل مصرعهم، وعلى القول الثاني كأنه يقول: إن وقتهم أقرب إليكم من أوقات من مضى من المهلكين، ولقرب وقتهم منكم ما يجب أن تراعوا وتحاذروا، ووحد البعيد (٥) على القول الأول؛ لأنه أراد: وما قوم لوط منكم بمكان بعيد، ويجوز أن يكون وَحَّده على لفظ القوم؛ لأنه على لفظ الواحد، وأنشد (٦): لو أن قومي حين تدعوهم حمل على الجبال الصم لارفض الجبل ولم يقل حملوا.

стр. 6512

٩٠ - قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾، قال أهل المعاني: معناه: اطلبوا المغفرة بأن تكون غرضكم، ثم توصلوا إليه بالتوبة، وهو ترتيب حسن وقد مرَّ هذا في أول السورة (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾، قال ابن عباس (٢): بأوليائه ومن صدق أنبياءه. ﴿وَدُودٌ﴾ (٣)، قال الفراء (٤): يقال (٥): ودِدت أوَد هذا أفضل الكلام وقال بعضهم وددت و (يفعل) منها يود لا غير، قال الكسائي (٦): وسمعت ودَدت بالفتح وهي قليلة، وأنكر البصريون ودَدت وهو لحن عندهم. قال الزجاج (٧): قد علمنا أن الكسائي لم يحك وددت إلا وقد سمعه، [ولكنه سمعه] (٨) ممن لا يكون قوله حجة. قال ابن الأنباري (٩): الودود في أسماء الله المجيب لعباده، من قولهم: وددت الرجل أوده وَدا ووُدا ووَدادا ووِدادًا ووِدادة ووَدادة.

стр. 6513

وقال الأزهري (١) من كتاب "شرح أسماء الله": قال بعض أهل اللغة: يجوز أن يكون ودودٌ فعولًا بمعنى مفعول، كركوب وحلوب (٢) ومعناه: أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه؛ لما (٣) عرفوا من فضله ولما سبغ عليهم من نعمائه، وكلتا الصفتين مدح؛ لأنه جل ذكره إنْ أحب عباده المطيعين فهو فضل منه، وإنْ أحبه عباده العارفون فلما تقرر عندهم من إحسانه. ٩١ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ الآية، معنى الفقه في اللغة (٤): فهم الكلام بما تضمن من المعنى، وقد صار اسمًا لضرب من علوم الدين، فمعنى الفقه في اللغة الفهم، يقال: أوتي فلانٌ فقهًا في الدين، أي فهما، وقوله ﷺ : "فقهه في الدين" (٥) (٦) أي فقهه تأويله،

стр. 6514

ونحو هذا قال ابن عباس والمفسرون (١) في قوله ﴿مَا نَفْقَهُ﴾: ما نفهم. فإن قيل: إن شعيبا كان يخاطبهم بلسانهم فلم قالوا ما نفقه؟ قال أبو بكر (٢): فيه جوابان: أحدهما (٣): ما نفقه صحة كثير مما تقول، يعنون ما يذكر من التوحيد والبعث والنشور، وما يلزم من الزكاة، ويحظر من التطفيف، فزعموا أن هذا مما لا يفهمون صحته إذ كانوا منكرين دين شعيب، فحذفت الصحة وقام "كثير" مقامها، والثاني: أنهم كانوا يستثقلون سمع بعض (٤) ما يأتي به عن ربه تعالى من ذم الكفار وعيب ما يرتكبون، فكانوا كأنهم لا يفقهونه، كما تقول لمن تكره كلامه: ما أفهم ما تقول، وما أستطيع أن أسمع كلامك، وأنت [في الحقيقة] (٥) تفهم وتستطيع، إلا أن هذا باب من المجاز، استعملته العرب وعرف في خطابها. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، قال سعيد بن جبير (٦) وقتادة (٧): أعمى.

стр. 6515

وقال سفيان (١): كان ضعيف البصر، وقال الزجاج (٢): حمير تسمي الضرير ضعيفًا؛ لأنه قد ضعف بذهاب بصره. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾، قال أبو عبيد (٣) عن أبي زيد: النفر والرهط [ما دون العشرة من الرجال، وقال أبو العباس (٤): المعشر والنفر والقوم والرهط] (٥) معناهم الجمع لا واحد لهم من لفظهم، وهذا (٦) للرجال دون النساء، وقال الليث (٧): الرهط عدد يجمع من ثلاثة إلى عشرة، قال المفسرون (٨): لولا عشيرتك. وقوله تعالى: ﴿لَرَجَمْنَاكَ﴾، قال الأزهري (٩): الرجم القتل، وقد جاء في غير موضع من كتاب الله تعالى، وإنما قيل للقتل رجم؛ لأنهم كانوا (١٠) إذا قتلوا إنسانًا رموه بالحجارة حتى يموت، ثم قيل لكل قتل رجم، والرجم السب والشتم؛ ومنه قوله تعالى ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦] أي

стр. 6516

لأسبنك ولأشتمنك، والرجم: القول بالظن، ومنه قوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢] والرجم اللعن، والشيطان الرجيم من هذا. قال ابن عباس (١) في قوله: ﴿لَرَجَمْنَاكَ﴾: لقتلناك. قال الزجاج (٢): والرجم من شر القتلات، وقال قوم من المفسرين (٣): لشتمناك وسببناك وطعنا عليك. قال أبو إسحاق (٤): وكان رهطه من أهل ملتهم؛ فلذلك أظهروا الميل إليهم، والإكرام لهم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾، قال ابن عباس: يريد (٥): ما أنت علينا بمنيع. ٩٢ - وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس (٦): يريد أمنع عليكم من الله، المنيع القوي، قال الزجاج (٧): وتأويله: أنتم تزعمون أنكم تتركون قتلي إكرامًا لرهطي، والله أولى بأن يتبع أمره، كأنه يقول: حفظكم إياي في الله أولى منه في رهطي.

стр. 6517

وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾، قال الليث (١): الظهري الشيء الذي تنساه وتغفل عنه، قال ابن عباس (٢): يريد ألقيتموه خلف ظهوركم وامتنعتم من قتلي مخافة قومي، والله أعز وأكبر من جميع خلقه. قال الفراء (٣): يقول رميتم أمر الله وراء ظهوركم، يعني تعظمون أمر رهطي، وتتركون أن تعظموا الله وتخافوه. وقال ابن الأنباري (٤): الظهري يقصد به هاهنا إلى الإهمال [والاطّراح تقول العرب: سألت فلانا حاجة فظهر بها] (٥)، وسألته حاجة فجعلها ظهرية، أهملها وطرحها (٦) ولم يلتفت إليها. وأنشد للفرزدق: تميمَ بنَ زيد لا تكونَنَّ حاجتي ... بظهر فلا يخفى عليّ جوابُها قال: معناه: لا تكون مهملة مطرحة، وقال قتادة (٧) في هذه الآية: أعززتم قومكم وظهرتم بربكم، قال أبو بكر: يريد بقوله ظهرتم: أهملتم وأعرضتم عن طاعته، وجميع أهل (٨) المعاني قالوا: الكناية في قوله: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ تعود إلى أمر الله، وما جاءهم به شعيب من الله تعالى، وهو في الظاهر يعود على اسم الله تعالى، ولكنه يعرف بالمعنى أن المراد منه

стр. 6518

الأمر، كما تقول العرب: جعلتني خلف ظهرك ودبر أذنك، يريدون: جعلت أمري وحاجتي وكلامي. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي خبير بأعمال العباد حتى يجازيهم، في قول جميع المفسرين (١). ٩٣ - قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾، المكانة الحال التي يتمكن بها صاحبها من عمله، قال ابن عباس: يريد اعملوا ما أنتم عاملون، وذكرنا هذا مستقصى في سورة الأنعام (٢). قال أهل المعاني: هذا تهديدٌ بصيغة الأمر، يقول: اعملوا على ما أنتم عليه، إني عامل على ما أنا عليه من طاعة الله، وسترون منزلتكم من منزلتي، وهذا معنى قوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾، وأسقط الفاء هاهنا من ﴿سَوْفَ﴾، وفي سورتي الأنعام [آية ١٣٥] والزمر [آية ٣٩] فسوف. قال ابن الأنباري (٣): وهما مذهبان معروفان للعرب وكلاهما صواب في القياس، إذا دخلت الفاء دلت على اتصال ما بعدها بما قبلها، وإذا سقطت بني الكلام على التمام، والذي بعده على الابتداء؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا﴾ [البقرة: ٦٧] معناه: (فقالوا)، فحذفت (٤) الفاء بناء على تمام (٥) ما قبلها واستئناف ما بعدها، وإنما يمكن هذا في القرآن والشعر؛ لتطاول القصص والأخبار فيهما، فأما الألفاظ

стр. 6519

القصار فلا يصلح سقوط الفاء كقول القائل: (قد قلت القبيح فيّ فستعلم عاقبته)، لا يجوز أن تسقط الفاء هاهنا؛ لأنه كلام قصير لا يتم فيه الأول ويستأنف الثاني، و (منْ) في محل النصب بقوله: ﴿تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي يفضحه ويذله، وذلك أن العذاب يقع على وجهين؛ عذاب (١) فاضح وعذاب غير فاضح فالفاضح، أشد. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾، قال الفراء (٢): إنما أدخلت العرب (هو) في قوله ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ لأنهم لا يقولون (من قائم) ولا (من قاعد)، إنما كلامهم: (من يقوم) و (من قام) أو (من القائم)، فلما كان قوله ﴿كَاذِبٌ﴾ غير معرفة ولا فعل أدخلوا (هو)، قال: وقد يجوز في الشعر (مَنْ قائم) وأنشد (٣): مَنْ شاربٌ مُرتجٌ بالكأس نادمني ... لا بالحَصور ولا فيها بسوَّار وقوله تعالى: ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾، معنى الارتقاب: الانتظار، وهو طلب ما يأتي بتعليق النفس به، رقبه يرقبه رقوبًا، وارتقب ارتقابًا، وترقبه ترقبًا، قال ابن عباس (٤) يريد: ارتقبوا العذاب إني مرتقب من الله الرحمة والثواب.

стр. 6520

٩٤ - وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾، قال المفسرون (١): صاح بهم جبريل صيحة فماتوا في أمكنتهم. ٩٥ - وقوله تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾، قال الزجاج (٢): المعني أنهم قد بعدوا من رحمة الله، قال: وهو منصوب على المصدر، المعنى: أبعدهم الله فبعدوا بعدًا. وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾، يقال: بعِد يبعَد إذا بعد في الهلاك ولا تستعمل في الحي، وبعُد يبعُد ضد قرب وتستعمل في الحي، والمصدر فيهما جميعًا البُعْد، ويقال في مصدر بعد يبعد: بَعَدًا. وقوله تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ دليل على أن (٣) مصدره البُعْد، وكذلك قول الشاعر (٤): يقولون لا تَبْعَدْ وهم يدفنونني ... وأين مكان البُعْد إلا مكانيا قال ابن الأنباري (٥): العرب تقول: بعُد الطريق يبعُد وبعِد الميت يبعَد، ومنهم من يسوي بينهما، والأكثر هو الأول، وروى الكلبي عن ابن عباس (٦) قال: لم يعذب الله تعالى أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم

стр. 6521

صالح، فأما (١) قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم من فوقهم. ٩٦ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾، قال ابن عباس (٢): يريد التوراة وما أنزل الله فيها من الفرائض والأحكام، قال الزجاج (٣): أي بعلاماتنا التي تدل على صحة نبوته. وقوله تعالى: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ حجة بينة وبرهان يتسلط به على إبطال قول من خالفه، مخلص من التلبيس والتمويه. قال ابن عباس (٤): يعني عصاه التي جعل الله فيها عذابا ونقمة؛ ليس يقوم لها جميع الخلائق، ولا يقوى عليها أحد. قوله تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾، أي أمرهم بعبادته واتخاذه إلها فاتبعوا ما أمرهم به، ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾، أي بمرشد إلى خير. قال ابن عباس (٥): يريد لم يرشد قومه ولا من اتبعه. قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، يقال: قَدَمَ فلانٌ فلانًا يَقْدُمُه قَدمًا، وزاد الزجاج (٦): قدومًا، ويقدم وأقدم واستقدم بمعنى واحد، والمعني: أنه (٧) يقدمهم إلى النار، يدل على هذا قوله: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾

стр. 6522

أي أدخلهم النار، والمعنى (فيوردهم)، وذكر بلفظ الماضي لتحققه وتأكد وجوده كأنه قد مضى، قال ابن عباس: يريد كما تَقَدَّم قومه في الدنيا [إلى البحر] (١) فأغرقهم، وقوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ﴾ أي النار. قال أبو بكر (٢): وذكَّر (بئس النار) لتذكير الوِرْد كما تقول: نعم المنزل دارك (٣)، ونعمت المنزل دارك، من ذكّر غلب المنزل، ومن أنث بني على تأنيث الدار، ويقال أيضًا: نعمت الدار منزلك، [ونعم الدار منزلك] (٤). وقوله تعالى: ﴿الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ قال الكلبي (٥) ومقاتل (٦) والمفسرون (٧): المدخل المدخول. قال ابن السكيت (٨): الوِرْد وُرُود القوم الماء، [والوِرْد الماء] (٩) الذي يورد، والورد الإبل الواردة، فعلى هذا الورد يجوز أن يكون مصدرًا بمعنى الورود (١٠) كقول الشاعر (١١):

стр. 6523

إذا القوم قالوا وردهن ضحى غدا ... تواهفن حتى وردهن طروق يصف إبلا قدّر أنها ترد الماء في وقت الضحى فوردته (١) قبل ذلك ليلاً لقوتهن وفضل نشاطهن، ويجوز أن يكون في ﴿الْوِرْدُ﴾ (٢) بمعنى الموضع والشيء الذي يورد عليه كالماء وغيره، والذي في هذه الآية يراد به الموضع الذي يورد، وهو بمعنى المفعول، ويجوز أن يكون بمعنى الفاعلين كقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] أي واردين، وهو في الأصل مصدر ثم يُسمى به المفعول والفاعل. قال ابن الأنباري (٣): الورد مصدر معناه: الورود تجعله العرب بمعنى الموضع المورود كالذي في هذه الآية، وتلخيص المعنى (٤) (بئس الشيء الذي يورد النار). ٩٩ - قوله تعالى ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً﴾ يعني في الدنيا، في قول الجميع، قال الكلبي (٥) ومقاتل (٦) والمفسرون (٧): لعنة الدنيا الغرق، ولعنة الآخرة عذاب جهنم، وقال أهل المعاني (٨): اللعنة في الدنيا يعني بها لعن المسلمين والصالحين إياهم في حياتهم، واللعنة في

стр. 6524

الآخرة ما يَقْدَمون عليه من عذاب الله، وقوله تعالى ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وذكر أبو علي (١) في انتصابه وجهين (٢) أحدهما: أن يكون التقدير: ولعنة (٣) يوم القيامة، فحذف المصدر وأقيم اليوم مقامه فانتصب انتصاب المفعول به، والآخر: أن يكون ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ محمولًا على موضع في ﴿هَذِهِ﴾ كما قال (٤): إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدًا ومثل هذه الآية قوله تعالى في القصص: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] ونذكرها في موضعها إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾، الرفد معناه في اللغة (٥): العطاء والمعونة، وكل شيء أعنت به غيرك فهو رفد، يقال: [رفد يرفده] (٦) رَفْدًا ورِفْدًا بفتح الراء وكسرها، ويقال: الرفد بالكسر اسم وبالفتح مصدر، وسميت اللعنة هاهنا رفدًا؛ لأنه جعل بدلا منها، كما يقال عتابك السيف وتحيتك الشتم، يذهب إلى أنه بدل منه وواقع موقعه. قال أبو عبيدة (٧) في قوله ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾: بئس العون المعان.

стр. 6525

وقال قتادة (١) في تفسير هذه الآية: ترافدت عليهم لعنتان من الله، لعنة الدنيا ولعنة الآخرة. وقال مجاهد (٢). رُفِدوا يوم القيامة بلعنة أخرى زيدوها، فتانِك لعنتان. وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن قوله: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾، فقال (٣): هو اللعنة بعد اللعنة، قال الزجاج (٤): وكل شيء جعلته عونا لشيء فقد رفدته به، فعلى هذه الأقوال معنى الرفد هاهنا: اللعنة التي لعنوا بها في الدنيا، ثم وصف هذا الرفد بأنه مرفود أي مشفوع معانٌ بلعنة الآخرة (٥). ١٠٠ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾، قال أهل المعاني (٦): الإشارة بقوله ﴿ذَلِكَ﴾ تعود إلى النبأ الذي تقدم، وقد ذكرنا في مواضع من هذا الكتاب أن (ذلك) يشار به إلى الواحد والاثنين والجماعة، كقوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]. وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾، أراد: ومنها حصيد؛ لأن

стр. 6526

الحصيد غير القائم. قال أبو إسحاق (١): أي من القرى التي أهلكت: (قائم) أي: بقيت حيطانه، ﴿وَحَصِيدٌ﴾: مخسوف وما قد محي أثره، وعلى نحو هذا دار كلام المفسرين. قال ابن عباس (٢): ﴿قَائِمٌ﴾: ينظرون إليه وإلى ما بقي من أثره، و (حصيد) قد خرب ولم يبق له أثر. قال ابن الأنباري: الحصيد هاهنا عني به الاستئصال بالهلكة ويعقبه الأثر، كالزرع إذا حصد وأزيل عن موضعه، ومن هذا قوله تعالى: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥]. ١٠١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، قال المفسرون (٣): وما ظلمناهم بالعذاب والإهلاك، ولكن ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد وما نقصناهم في الدنيا من النعيم ولا من الرزق، ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله، وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ أي ما نفعتهم (٤) وما دفعت عنهم (٥)، ﴿الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي التي يعبدون سوى الله وغيره. وقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾، ابن عباس (٦) وغيره من

стр. 6527

المفسرين (١) يقولون: غير تخسير، وأبو عبيدة (٢) وأهل اللغة يقولون: هو الإهلاك، والتباب الهلاك، وأحدهما قريب من الآخر، وذكرنا معنى التخسير في هذه السورة (٣). قال ابن الأنباري (٤): في قوله تعالى: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ قولان؛ أحدهما: (وما زادتهم عبادتها غير تتبيب) فحذفت العبادة على حذف المضاف، والآخر: أن الآلهة زادتهم بلاءً، وإن كانت من الموات؛ لأنهم ادعوا أن عبادتهم إياها [تنفعهم عند الله، فلما جرى الأمر بخلاف ما قدروا] (٥) وصفها الله بأنها زادتهم بلاءً وهلاكًا وخسارًا (٦). ١٠٢ - قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾، أي وكما ذكر من إهلاك الأمم وأخذهم بالعقاب أخذ ربك إذا أخذ القرى، ومعنى أخذ الله نقلهم إلى جهة عقابه. ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ من صفة القرى وهي في الحقيقة لأهلها ومن كان يسكنها، ونحو هذا قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ [الأنبياء: ١١] وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾، [القصص: ٥٨] يعني أن أهلها بطروا المعيشة، ويكون هذا من باب حذف المضاف. ١٠٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، يعني: ما ذكر من عذاب الأمم

стр. 6528

الخالية وإهلاكهم ﴿لَآيَةً﴾ (١)، قال ابن عباس (٢): لعبرة وعظة ﴿لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ يعني يوم القيامة، وقد سبق ذكره [في قوله تعالى] (٣): ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩] ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾؛ لأن الخلق كلهم يحشرون ويجمعون لذلك اليوم. ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾، قال ابن عباس (٤): يشهده البر والفاجر، وقال آخرون (٥): يشهده أهل السماء وأهل الأرض، قال أبو إسحاق (٦): أعلم الله أنه يحيي الخلق ويبعثهم في ذلك اليوم ويشهدون. ١٠٤ - قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾، قال المفسرون (٧): وما نؤخر ذلك اليوم فلا نقيمه عليكم إلا لوقت معلوم لا يعلمه أحد غير الله، وقال أبو علي (٨): أي ما نؤخر إحداثه، وهو كما قال؛ لأن ذلك اليوم لم يحدثه الله (٩) بعدُ، فتأخيره (١٠) تأخير إحداثه.

стр. 6529

١٠٥ - وقوله تعالى: (يوم يأتي) ويقرأ ﴿يَأْتِ﴾ (١) بحذف الياء، قال الفراء (٢): كل ياء أو واو يسكنان وما قبل [الواو مضموم وما قبل] (٣) الياء مكسور، فإن الحرب تحذفها وتجتزئ بالضمة من الواو وبالكسرة من الياء، وأنشد (٤): كفاك كفٌّ لا تُلِيقُ درهمًا ... جودًا وأخرى تُعْطِ بالسيف الدما وقال الزجاج (٥): هذيل تستعمل حذف هذه الياءات كثيراً، وقد حكى سيبويه والخليل أن العرب تقول: لا أدر فتحذف الياء وتجتزئ بالكسرة. قال أبو علي الفارسي (٦): قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾، فاعل يأتي لا يخلو من أن يكون اليوم الذي أضيف (٧) إلى يأتي، أو اليوم المتقدم ذكره، فلا يجوز

стр. 6530

أن يكون فاعله اليوم الذي أضيف إلى يأتي؛ لأن اليوم هو الفاعل، فلا يجوز أن يضاف إلى فعل نفسه، ألا ترى أنك لا تقول: جئتك يوم يسرك، على أن يكون فاعل السرور اليوم، ويجوز أن يكون جئتك يوم يخرج زيد؛ لأن المعنى فيه: يوم خروج زيد، فتضيف المصدر إلى الفاعل فيتعرف اليوم بفعل مضاف إلى فاعل غير اليوم. وإذا قلت: (يوم يسرك) يكون معناه وتقديره: (يوم سروره إياك)، ويصير كأنك عرفت اليوم بنفسه؛ لأن الفعل يعرفه الفاعل، واليوم مضاف إلى الفعل المعروف باليوم، وحدُّ جواز هذا أن يكون الظرف مضافا إلى فعل معرف [بفاعل نحو قولك: يوم يخرج زيد، فاليوم معرف] (١) بالفعل، والفعل معرف بالفاعل، وإذا قدرت الظرف فاعلاً يعرف به الفعل، والفعل هو الذي يعرف الظرف، كأنك إنما عرفت الظرف بنفسه؛ لأنك أضفته إلى الفعل المعرف به (٢) فصار هذا نظير قولك: هذا يوم حره، تريد: حر اليوم، ويوم برده، فلا يصح أن يعرف اليوم بشيء مضاف إلى اليوم، وليس هذا (٣) مثل سيد قومه، فتضيفه إلى ما هو مضاف إليه؛ لأن قومه وما أشبه ذلك شيء معروف يقصد إليه، وقولك يوم سروره زيدًا ويوم يسرك إنما هو مضاف إلى فعل، وإنما يقوم الفعل بفاعله، ليس أن الفعل شيء منفصل يقصد إليه في نفسه، و (واحد أمه)، و (عبد بطنه)، مضافان إلى الأم والبطن، وكل واحد منهما ظاهر يقوم بنفسه، وكذلك لا يجوز أن [تضيف الظرف إلى جملة معرف

стр. 6531

يضمره (١) وإن كانت ابتداءً وخبرًا؛ لا يجوز أن] (٢) تقول: (آتيك يومَ ضحوتُه باردة)، ولا (ليلةَ أولها مطير)، فإن نوّنت في هذا وفي الأول حتى يخرج من حد (٣) الإضافة جاز، فقلت: آتيك يومًا ضحوته باردة، وآتيك يومًا يسرك. وهذا قول أبي عثمان، فإذا لم يجز أن يكون (يوم) في قوله ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ [فاعل يأتي] (٤) ثبت أن في (يأتي) ضمير اليوم المتقدم ذكره في قوله: ﴿لِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾، وتقديره: يوم يأتي هذا اليوم الذي تقدم ذكره ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾، واليوم في قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ هو المراد به الحين والبرهة، ليس (٥) وضح النهار. فأما قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ يحتمل ضربين: أحدهما: أن يكون حالاً من الذكر الذي في ﴿يَأْتِ﴾، ونقدر فيه ضميرًا يرجع إلى ذي الحال، وتقديره: يوم يأتي ذلك اليوم غير متكلم فيه نفس، ومن قدَّر هذا التقدير كان أجدر بأن يحذف الياء من ﴿يَأْتِ﴾؛ لأنه كلام مستقل (٦) فيشبه (٧) -من أجل ذلك- الفواصل وإن لم يكن فاصلة، كما أن حذف الياء من قوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤] لما كان كلامًا

стр. 6532

تامًّا أشبه الفواصل فحسن الحذف له. الضرب الثاني: أن يكون قوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ صفة اليوم المضاف إلى ﴿يَأْتِ﴾؛ لأن اليوم في (يوم يأتي) مضاف إلى الفعل، والفعل نكرة، فإذا كان كذلك لم يمتنع أن يوسف به اليوم، كما يوسف النكرة بالجملة من الفعل والفاعل، والمعنى: لا تكلم فيه نفس، فحذف فيه أو حذف الحرف وأوصل الفعل إلى المفعول به، ثم حذف الضمير من الفعل الذي هو صفته، كما يحذف من الصلة، ومثل ذلك قولهم: الناس رجلان رجل أكرمت ورجل أهنت. وعلى هذا أيضًا لا يمتنع حذف الياء من في ﴿يَأْتِ﴾؛ لأن الصفة قد يستغني عنها الموصوف كما أن الحال كذلك، إلا أن من الصفات ما لا يحسن أن يحذف فيصير لذلك أشبه بغير الكلام التام، فأما إثبات الياء في الوصل والوقف وإسقاطها؛ فمن أثبتها في الوصل فهو القياس البين؛ لأنه لا شيء يوجب حذف الياء إذا وصل، وأما من حذف في الوقف فلأنها -وإن لم تكن فاصلة- أمكن أن تشبه بالفاصلة قياسا عليها؛ لأن هذه الياء تشبه الحركة؛ لأن الجازم يسقطها كما يسقط الحركة، فكما أن الحركة تحذف في الوقف، فكذلك ما أشبهها، ومن وقف بالياء فهو حسن؛ لأنها أكثر من الحركة في الصوت، فلا ينبغي إذا حذفت الحركة للوقف أن تحذف الياء له، كما لا تحذف سائر الحروف، ويدل على أن الياء (١) تنزل عندهم منزلة سائر الحروف تقديرُهم الحركة فيها في نحو (٢):

стр. 6533

ألم يأتيك والأنباء (١) تنمي فكأنهم قدروا أنها (٢) كانت متحركة ثم سكنت للجزم كسائر الحروف، وتحريكهم لها في الشعر يدل أيضًا على (٣) أنها عندهم بمنزلة سائر الحروف، وذلك نحو قول الشاعر (٤): فيومًا يوافين الهوى غير ماضِيٍ وأما من حذف في الوصل والوقف، فلأنه جعلها بمنزلة ما استعمل محذوفًا مما لم يكن ينبغي في القياس أن يحذف، نحو ولم يكُ ولا أدر (٥).

стр. 6534

وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي من الأنفس في ذلك اليوم؛ لأن النفس في قوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ لم يرد به واحداً، فصار كقوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] وقوله تعالى: (شقي) يقال: شقي (١)، يشقى، شقاء، وشقاوة، وشِقْوة، وأصل معنى الشقاء في اللغة: الشدة والعسرة يقال: شاقيت فلانا مشاقاة (٢): إذا عاسرته وعاسرك قال (٣): إذا تشاقى الصابرات لم يرث يعني: جملاً يصابر جمالًا على شدة المشي والتعب، قال ابن عباس (٤): ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ﴾ كتبت عليه الشقاوة، ﴿وَسَعِيدٌ﴾ كتبت عليه السعادة. ١٠٦ - قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِير﴾، قال الليث (٥): الزفر والزفير أن يملأ الرجل صدره غمًا ثم هو يزفر به، فالزفير إخراج النفس، والشهيق رد النفس. يقال شهق يشهق، وبعضهم يقول: شهوقًا، ونحو هذا روى أبو عبيد (٦) عن أبي زيد، وهو قول جميع أهل اللغة، والإنسان إذا زفر فمد نفسه للإخراج ارتفع صدره وانتفخ جنباه، ومن هذا يقال للفرس: إنه عظيم الزفرة، أي عظيم الجوف.

стр. 6535

وأنشد للجعدي (١): خِيطَ على زَفْرَةٍ فتمَّ ولم ... يَرْجع إلى دِقةٍ ولا هَضَمِ يقول: كأنه زافر أبدًا من عظم جوفه، فكأنه زفر فخيط على ذلك، وقال ابن السكيت (٢) في قول الراعي (٣): حوزيَّة طويت على زفراتها ... طي القناطر قد نَزَلن نُزُولًا يريد كأنها زفرت ثم خَلِقتْ على ذلك. وقال أبو إسحاق (٤): هما من أصوات المكروبين المحزونين، وحكي عن أهل اللغة جميعًا أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار بالنهيق، والشهيق بمنزلة آخر صوته، ونحو هذا قال المفسرون. قال الضحاك (٥) ومقاتل (٦): الزفير أول نهيق الحمار، والشهيق آخره حين يفرغ من صوته (٧)

стр. 6536

إذا ردده في الجوف، وقال أبو العالية (١): الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر، ويبين هذا قول رؤبة (٢): حَشْرَجَ في الجوفِ صهيلا أو شَهقْ ... حتى (٣) يقالَ ناهقٌ وما نَهَقْ وكلام ابن عباس قريب مما قاله أهل اللغة والمفسرون، فإنه قال (٤): الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف. وقال في رواية عطاء في قوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ يريد: ندامة ونفسا عاليًا (٥) وبكاء لا ينقطع. ١٠٧ - قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، الأكثرون من أهل المعاني والتفسير على أن قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ للتأبيد (٦) والمراد به خالدين فيها أبدًا.

стр. 6537

قال الضحاك (١): ما دامت سموات الجنة والنار وأرضهما، وكل ما علاك وأظلك فهو سماء، وكل ما استقرت عليه قدمك وثبت فهو أرض. وقال الحسن (٢) أراد: ما دامت الآخرة كدوام السماء والأرض في الدنيا. وقال ابن قتيبه (٣): للعرب في معنى الأبد ألفاظ يستعملونها في كلامهم، يقولون: لا أفعل ذلك ما اختلف الليل والنهار، وما طما البحر، وما أقام الجبل، وما دامت السماء والأرض، في أشباه كثيرة لهذا، يريدون: لا أفعله أبدًا، فخاطبهم الله بما يستعملون. وقال ابن الأنباري (٤): إن الله تعالى خاطب العرب على ما تعقل، ومن ألفاظهم في التأبيد أن يقولوا: لا أفعل ذلك ما دامت السموات والأرض، وما أن السماء سماء، وما بلَّ بحر صوفة (٥)، وما ناحت الحمام وتغنت، وما أطت الإبل، وما اجترت الناب (٦)، وما لألأت الفور (٧) فلما

стр. 6538

كانوا يستعملون هذه الألفاظ ظنًّا منهم أن هذه الأشياء لا تتغير، خاطبهم الله على سبيل ذلك فقال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ عندكم وليست عندنا دائمة، كما قال -يعني أبا جهل-: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أي عند نفسك، فأما عندنا فلا. فعلى هذا القول معنى الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾؛ قال الفراء: (١) هذا استثناء استثناه الله تعالى ولا يفعله، كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وعزيمتك على ضربه، فكذلك قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، ولا يشاؤه. هذا كلامه وزاده أبو بكر بيانا فقال: يجوز أن يكون الاستثناء ذكره الله تعالى وهو لا يريد أن ينقصهم من الخلود شيئًا، كما يقول الرجل لغلامه: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وهو لا ينوي إلا ضربه، فمعنى الاستثناء منه أني لو شئت أني لا أضربك لقدرت، غير أني مجمع على ضربك، وكذلك معنى الآية خالدين فيها أبدًا إلا أن يشاء ربك، وهو لا يشاء إلا تخليدهم، فوقع الاستثناء على معنى لو شاء أن لا يخلدهم لقدر، والدليل على أن الاستثناء هاهنا لا يعود إلى (٢) نقص الخلود أن الله تعالى بين في مواضع من كتابه أنه يخلد الكافرين في النار، والمؤمنين في الجنة، فإذا ذكر في هذه الآية الاستثناء، كان ذلك استثناء لا يكون ولا يوجد، فجرى مجرى قول العرب: والله لأهجرنك أبدًا (٣) إلا أن يشيب

стр. 6539

الغراب (١)، وهذا الاستثناء لا يفيد نقص شيء من التأبيد؛ لأن الغراب لا يشيب، كذلك الله تعالى [لا يريد أن ينقصهم من الخلود شيئًا بعد أن أخبر به. وهذا القول ذكره أبو إسحاق (٢) في أحد قولي أهل اللغة، وحكى قولا آخر، قال بعضهم]: (٣) الاستثناء وقع من الخلود بمقدار موقفهم للحساب، المعنى: خالدين فيها أبدًا إلا مقدار موقفهم للحساب. وقال ابن كيسان: الاستثناء وقع بمقدار تعميرهم في الدنيا قبل مصيرهم إلى الجنة والنار، واختاره ابن قتيبة (٤) فقال: خالدين في النار إلا ما شاء ربك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك. وقيل: الاستثناء يعود إلى حبس الفريقين في البرزخ، وهذه الأقوال قريبة من السواء؛ لأنه يمكنك الجمع بينها فتقول: خالدين فيها أبدًا إلا مقدار مكثهم في الدنيا والبرزخ والوقوف للحساب، ثم يصيرون إلى النار أبدًا أو إلى الجنة أبدًا. وقال جماعة (٥) من المفسرين: هذا الاستثناء يعود إلى إخراج أهل

стр. 6540

التوحيد [من النار] (١) وقدر مدة إدخال مذنبي المسلمين النار، وكأنه قال: خالدين في النار أبدًا إلا ما شاء ربك من [إخراج المذنبين إلى الجنة، وخالدين في الجنة أبدًا إلا ما شاء ربك من] (٢) إدخال المذنبين النار مدة من المدد ثم يصيرون إلى الجنة، وهذا معنى قول ابن عباس (٣)، وعلى هذا الاستثناء وقع من الخلود، ولهذا قال: ﴿مَا شَاءَ﴾ ولم يقل من شاء؛ لأن المذنبين من المؤمنين لا يكونون أشقياء، والأشقياء هم الكافرون. قال أبو إسحاق (٤): ويجوز أن يكون الاستثناء من الزفير والشهيق على أن لهم فيها زفيرًا وشهيقًا إلا ما شاء ربك [من أنواع العذاب الذي لم يذكر، وكذلك لأهل الجنة نعيم مما ذكر ولهم ما لم يذكر ما شاء ربك] (٥). هذا كله إذا قلنا إن المراد بقوله ما دامت السموات والأرض التأبيد، [فإذا قلنا ليس المراد به التأبيد، وهو قول ابن عباس؛ لأنه قال في قوله ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (٦): من ابتداء كونهما إلى وقت فنائهما (٧)، وهذا لا يدل على التأبيد، لكنه يتبين بما قد حصل طول مدته وتصورت حالة مشاهدته، فكأنه قال: خالدين فيها مدة العالم، وسَهُلَ أمر الاستثناء لأن

стр. 6541

للسموات والأرضِ وقتا تتغيران فيه عن هيئتهما، يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، فأراد أنهم خالدون فيها مدة العالم، إلا ما شاء ربك من الزيادة المضاعفة لا إلى نهاية، و (إلا) هاهنا تكون بمعنى سوى أو (الواو) كما تقول في الكلام: لك عندي ألف إلا ألفين؛ أي سوى الألفين الذين لك عندي، والمعنى على هذا: خالدين فيها مقدار دوام السموات والأرض سوى ما شاء ربك أن يزيدهم من الخلود على مدة العالم، وهذا أحد قولي الفراء (١)، واحد قولي أهل اللغة فيما حكاه الزجاج (٢)، وذكرنا في مواضع من هذا الكتاب كون (إلا) بمعنى الواو وبمعنى سوى (٣).

стр. 6542

قال النحويون: إذا استثنينا (١) زائدًا من ناقص لحق بالأول، كما لو قال: لك عندي ألف إلا الألفين، فقد أقر بثلاثة الآلاف لأنه استثنى زائدًا من ناقص، ومعنى (إلا) هاهنا كمعنى الواو، وكذلك في الآية، الذي يشاؤه (٢) الله من الخلود أكثر من مدة كون السموات والأرض، وكأن المعنى ما دامت السموات والأرض وما شاء ربك مما يريد إلى ما لا يتناهى (٣)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد من إخراج أهل التوحيد من النار. ١٠٨ - قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾، يقال (٤) سَعِدَ فلان يَسْعَدُ سعادة وسَعْدًا فهو سعيد نقيض شقي، وقرأ أهل الكوفة ﴿سُعِدُوا﴾ بضم

стр. 6543

السين (١). وسيبويه والمحققون من أهل اللغة على أن كلام العرب (أسعده الله) وأنه لا يبني في الثلاثة من هذا للمفعول به، فلا يقال (سُعِدَ) كما لا يقال (شُقِي)؛ لأن السعادة مصدر لا يتعدي فعله، وقالوا في هذه القراءة: إنها لغة خارجة عن القياس، أو تكون من باب (فَعَلَ وفَعَلْتُه)، نحو: غاض الماء وغِضْتُه، وحَزَن وحَزَنْته، كذلك يقال سَعَد وسَعَدْتُه، فإن احتج صاحب هذه القراءة بقولهم (مسعود) وهو على (سعد)، فلا دلالة قاطعة في هذا؛ لأنه يجوز أن يكون مثل (أجنه الله فهو مجنون)، و (أحبه الله فهو محبوب)، جاء المفعول في نحو هذا على حذف الزيادة، كما جاء الفاعل بحذف الزيادة من نحو: [يكشف عن] (٢) جمَّاته دلو الدالْ (٣) وإنما هو المدلي، وكذلك قوله (٤): ومَهْمَهِ هالك من تعرجا

стр. 6544

في أحد القولين، والقول الآخر: أن تميمًا تقول: هلكني زيد، ومن الحذف قوله (١): يخرجن من أجواز ليل غاض يريد: مُغْض، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر:٢٢] وهي تلقح الشجر فإذا لقحتها وجب أن يكون الجمع: ملاقح: فجاء على حذف الزيادة، [وكذلك (مسعود) يجوز أن يكون على حذف الزيادة] (٢)، ثم يمكن أن يقال: ﴿سُعِدُوا﴾ أيضًا من أسعده الله، وقد جاء على حذف الزيادة كما ذكرنا في مسعود، هذا كلام المحققين من أهل اللغة (٣)، والمتأخرون أجازوا: سعده الله وأسعده، فقد ذكر الزجاج (٤) في باب الوفاق: سَعَدَ الله جَدَّه، فهو مسعود، وأسعد جده فهو مُسْعَد، وذكر الفارابي: السعد معنى (٥) الإسعاد في باب فَعَلَ يَفْعَل (٦)، وأجاز

стр. 6545

الأزهري (١) أيضًا: سعد وأسعد، ولعل هؤلاء ذهبوا في هذا الذي أجازوه إلى هذه القراءة، وقال الفراء (٢): كلام العرب سعد الرجل وأسعده الله، إلا هذيلًا فإنهم يقولون: سُعد الرجل بالضم، وبذلك قرأ أصحاب (٣) عبد الله، وقال الكسائي (٤): سُعدوا وأسعدوا لغتان. وقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، انتصب (عطاء) على المصدر بما دل عليه الأول، كأنه قيل: إعطاهم النعيم عطاءً غير مجذوذ، ويكون العطاء اسما أقيم مقام المصدر، كقول القطامي (٥): وبعد عطائك المائة الرتاعا والمجذوذ: المقطوع في قول المفسرين (٦) كلهم، يقال: جذه يجذه جذًّا، وجذ الله دابرهم. وقال النابغة (٧):

стр. 6546

تَخُذّ السَّلُوقيَّ المضاعف نَسجُهُ ... ويوقدن بالصفاح نار الحباحب والآية تدل على أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع أبدًا. ١٠٩ - قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾: و ﴿لَا تَكُ﴾ أصلها: لا تكن، وإنما حذفت النون عند سيبويه لكثرة استعمال هذا الحرف. قال أبو إسحاق (١) في قوله ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢): ذكر الجلة من البصريين أنه اجتمع فيها كثرة الاستعمال، ومع ذلك أشبهت النون حروف اللين بأنها تكون علامة كما تكون حروف اللين علامة، وأنها غنة تخرج من الأنف فلذلك احتملت الحذف. وقال أبو الفتح الموصلي (٣): أشبه الحروف الصحيحة بحروف المد: النون؛ لأنها ضارعت بالمخرج والزيادة والغنة والسكون في (لا تكن) حروفَ المد، فحذفت كما يحذفن إذا وقعن طرفًا. وقوله تعالى: ﴿مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ يعني المشركين، قال أبو بكر الأنباري: قوله تعالى: ﴿مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ ليس على ظاهره؛ لأنه لا حجة ولا طعن عليهم بمعرفة أعيان معبوداتهم، ولكنه من باب حذف المضاف، تلخيصه: ولا تك في شك من حال ما يعبدون في أنها لا تضر ولا تنفع. وقوله تعالى: ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي إلا كعبادة

стр. 6547

آبائهم من قبل، ﴿مَا﴾ (١) مع الفعل بمنزلة المصدر؛ يريد: أنهم على طريق (٢) التقليد يعبدون الأوثان كعبادة آبائهم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، أي من العذاب في قول ابن عباس (٣) وغيره. ١١٠ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾، قال ابن عباس (٤): يعزّي النبي ﷺ ، يعني أن هذا تسلية للنبي ﷺ بالحال التي تعم من التكذيب، أي إنْ كذبوا بالكتاب الذي [آتيناك، فقد كذب من قبلهم بالكتاب الذي] (٥) آتينا موسى. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، قال ابن عباس (٦): يريد أني أخرت أمتك إلى الموت أو إلى يوم (٧) القيامة، ولولا ذلك لعجلت عقاب من كذبك، قال ابن الأنباري (٨): أعلم الله أنه لولا ما تقدم من حكمه بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة، لكان الذي يستحقونه عند عظيم كفرهم إنزال عاجل العذاب بهم، لكن المتقدم من

стр. 6548

قضائه أخر ذلك عنهم في دنياهم، فابن عباس والكلبي (١) وأكثر أهل التفسير على أن هذا في كفار مكة، وقال مقاتل بن سليمان (٢): يُعني بهذا قوم من أصحاب موسى، والظاهر هو الأول؛ لأن الذين كذبوا بالتوراة أهلكوا في الدنيا عاجلًا، ولم تؤخر عقوبتهم إلى الآخرة. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ يعني من القرآن، وفي قول مقاتل (٣): من كتاب موسى، ﴿مُرِيبٍ﴾ هو موقع للريبة. ١١١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية، اختلف القراء (٤) في تشديد ﴿إِنَّ﴾ و ﴿لمَّا﴾ وتخفيفهما؛ فقرأ أبو عمرو والكسائي: ﴿وَإِنَّ﴾ مشددة النون ﴿لمَا﴾ خفيفة، قال الزجاج (٥): تخفيف ﴿لمَا﴾ هو الوجه والقياس، ولام ﴿لمَا﴾ لام ﴿إِنَّ﴾ و (ما) زائدة مؤكدة لم تغير المعنى ولا العمل. وقال أبو علي (٦): هذه القراءة وجهها بين، ومثاله من الكلام (إن

стр. 6549

زيدًا [لما لينطلقن)]، (١)، فاللام في (لما) هي اللام التي تقتضيه (إنَّ)، و (إنَّ) تقتضي أن يدخل على خبرها أو اسمها لام كقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) [النحل: ١٨]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الحجر: ٧٧]، واللام الأخرى هي التي لتلقّي القسم، نحو: (والله لتفعلن)، ودخلت (ما) لتفصل بين اللامين؛ لأنه إذا كره أن تجتمع "اللام" و"أن" مع اختلاف لفظيهما لاتفاقهما في معنى التأكيد ففصل بينهما فأنْ يفصل بين اللامين مع اتفاق اللفظين أجدر، فقوله ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾، نصب ﴿كُلًّا﴾ بـ (أن) ودخلت اللام -وهي لام الابتداء- على خبر "إن" وهو قوله ﴿لمَّا﴾، وقد دخلت في الخبر لام أخرى وهي التي يتلقى (٣) بها القسم، وتختص بالدخول على الفعل ويلزمها في أكثر (٤) الأمر أحد النونين، فلما اجتمعت اللامان فصل بينهما بـ (ما) كما فصل بين "أن" و"اللام"، فدخلت (ما) لهذا المعنى -وإن كانت زائدة- لتفصل. وقال الفراء (٥) في وجه هذه القراءة: جعل (ما) اسما للناس؛ كما قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] ثم جعل اللام التي فيها جوابًا لـ (إنَّ)، وجعل اللام التي في ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ لامًا دخلت على نية يمين فيما بين "ما" وصلتها، كما تقول: (هذا مَنْ لَيَذْهَبَنَّ)، و (عندي ما

стр. 6550

لَغَيْرُهُ خيرٌ منه)، ومثله ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢]، وهذا القول كالأول إلا أنه أجاز أن تكون "ما" هاهنا اسمًا بمعنى "مَنْ"، وعند الزجاج (١) والبصريين (ما) صلة زائدة كما ذكرنا، وقرأ ابن كثير ونافع ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ مخففتين. ووجه هذه القراءة ما ذكره سيبويه (٢)، وهو أنه قال: حدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول: (إنْ عمروًا (٣) لمنطلق)، قال: وأهل المدينة يقرؤون ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ يخففون وينصبون. قال الأزهري (٤): أخبرني المنذري عن أبي طالب النحوي أنه قال: أهل البصرة أعني به سيبويه وذويه يقولون العرب تخفف (أنّ) الشديدة وتعملها وأنشدوا (٥): ووجه حسن النحر ... كأنْ ثدييه حقان أراد (كأنّ) فخفف وأعمل، قال أبو علي (٦): ووجه النصب بها مع
следующие страницы →