← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

تَخُذّ السَّلُوقيَّ المضاعف نَسجُهُ ... ويوقدن بالصفاح نار الحباحب والآية تدل على أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع أبدًا. ١٠٩ - قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾: و ﴿لَا تَكُ﴾ أصلها: لا تكن، وإنما حذفت النون عند سيبويه لكثرة استعمال هذا الحرف. قال أبو إسحاق (١) في قوله ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢): ذكر الجلة من البصريين أنه اجتمع فيها كثرة الاستعمال، ومع ذلك أشبهت النون حروف اللين بأنها تكون علامة كما تكون حروف اللين علامة، وأنها غنة تخرج من الأنف فلذلك احتملت الحذف. وقال أبو الفتح الموصلي (٣): أشبه الحروف الصحيحة بحروف المد: النون؛ لأنها ضارعت بالمخرج والزيادة والغنة والسكون في (لا تكن) حروفَ المد، فحذفت كما يحذفن إذا وقعن طرفًا. وقوله تعالى: ﴿مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ يعني المشركين، قال أبو بكر الأنباري: قوله تعالى: ﴿مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ ليس على ظاهره؛ لأنه لا حجة ولا طعن عليهم بمعرفة أعيان معبوداتهم، ولكنه من باب حذف المضاف، تلخيصه: ولا تك في شك من حال ما يعبدون في أنها لا تضر ولا تنفع. وقوله تعالى: ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي إلا كعبادة

стр. 6547

آبائهم من قبل، ﴿مَا﴾ (١) مع الفعل بمنزلة المصدر؛ يريد: أنهم على طريق (٢) التقليد يعبدون الأوثان كعبادة آبائهم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، أي من العذاب في قول ابن عباس (٣) وغيره. ١١٠ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾، قال ابن عباس (٤): يعزّي النبي ﷺ ، يعني أن هذا تسلية للنبي ﷺ بالحال التي تعم من التكذيب، أي إنْ كذبوا بالكتاب الذي [آتيناك، فقد كذب من قبلهم بالكتاب الذي] (٥) آتينا موسى. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، قال ابن عباس (٦): يريد أني أخرت أمتك إلى الموت أو إلى يوم (٧) القيامة، ولولا ذلك لعجلت عقاب من كذبك، قال ابن الأنباري (٨): أعلم الله أنه لولا ما تقدم من حكمه بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة، لكان الذي يستحقونه عند عظيم كفرهم إنزال عاجل العذاب بهم، لكن المتقدم من

стр. 6548

قضائه أخر ذلك عنهم في دنياهم، فابن عباس والكلبي (١) وأكثر أهل التفسير على أن هذا في كفار مكة، وقال مقاتل بن سليمان (٢): يُعني بهذا قوم من أصحاب موسى، والظاهر هو الأول؛ لأن الذين كذبوا بالتوراة أهلكوا في الدنيا عاجلًا، ولم تؤخر عقوبتهم إلى الآخرة. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ يعني من القرآن، وفي قول مقاتل (٣): من كتاب موسى، ﴿مُرِيبٍ﴾ هو موقع للريبة. ١١١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية، اختلف القراء (٤) في تشديد ﴿إِنَّ﴾ و ﴿لمَّا﴾ وتخفيفهما؛ فقرأ أبو عمرو والكسائي: ﴿وَإِنَّ﴾ مشددة النون ﴿لمَا﴾ خفيفة، قال الزجاج (٥): تخفيف ﴿لمَا﴾ هو الوجه والقياس، ولام ﴿لمَا﴾ لام ﴿إِنَّ﴾ و (ما) زائدة مؤكدة لم تغير المعنى ولا العمل. وقال أبو علي (٦): هذه القراءة وجهها بين، ومثاله من الكلام (إن

стр. 6549

زيدًا [لما لينطلقن)]، (١)، فاللام في (لما) هي اللام التي تقتضيه (إنَّ)، و (إنَّ) تقتضي أن يدخل على خبرها أو اسمها لام كقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) [النحل: ١٨]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الحجر: ٧٧]، واللام الأخرى هي التي لتلقّي القسم، نحو: (والله لتفعلن)، ودخلت (ما) لتفصل بين اللامين؛ لأنه إذا كره أن تجتمع "اللام" و"أن" مع اختلاف لفظيهما لاتفاقهما في معنى التأكيد ففصل بينهما فأنْ يفصل بين اللامين مع اتفاق اللفظين أجدر، فقوله ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾، نصب ﴿كُلًّا﴾ بـ (أن) ودخلت اللام -وهي لام الابتداء- على خبر "إن" وهو قوله ﴿لمَّا﴾، وقد دخلت في الخبر لام أخرى وهي التي يتلقى (٣) بها القسم، وتختص بالدخول على الفعل ويلزمها في أكثر (٤) الأمر أحد النونين، فلما اجتمعت اللامان فصل بينهما بـ (ما) كما فصل بين "أن" و"اللام"، فدخلت (ما) لهذا المعنى -وإن كانت زائدة- لتفصل. وقال الفراء (٥) في وجه هذه القراءة: جعل (ما) اسما للناس؛ كما قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] ثم جعل اللام التي فيها جوابًا لـ (إنَّ)، وجعل اللام التي في ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ لامًا دخلت على نية يمين فيما بين "ما" وصلتها، كما تقول: (هذا مَنْ لَيَذْهَبَنَّ)، و (عندي ما

стр. 6550

لَغَيْرُهُ خيرٌ منه)، ومثله ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢]، وهذا القول كالأول إلا أنه أجاز أن تكون "ما" هاهنا اسمًا بمعنى "مَنْ"، وعند الزجاج (١) والبصريين (ما) صلة زائدة كما ذكرنا، وقرأ ابن كثير ونافع ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ مخففتين. ووجه هذه القراءة ما ذكره سيبويه (٢)، وهو أنه قال: حدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول: (إنْ عمروًا (٣) لمنطلق)، قال: وأهل المدينة يقرؤون ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ يخففون وينصبون. قال الأزهري (٤): أخبرني المنذري عن أبي طالب النحوي أنه قال: أهل البصرة أعني به سيبويه وذويه يقولون العرب تخفف (أنّ) الشديدة وتعملها وأنشدوا (٥): ووجه حسن النحر ... كأنْ ثدييه حقان أراد (كأنّ) فخفف وأعمل، قال أبو علي (٦): ووجه النصب بها مع

стр. 6551

التخفيف من القياس أن (أنَّ) مشبهة في نصبها بالفعل، والفعل يعمل محذوفًا كما يعمل غير محذوف (١)، وذلك في نحو: (لم يك زيد منطلقًا)، وكذلك (لا أدر). قال الفراء (٢): لم نسمع العرب تخفف (أنَّ) وتعملها إلا مع المكني؛ لأنه لا يتبين فيه إعراب، نحو قوله (٣): فلو أنْكِ في يوم الرخاء سألتني ... فراقكِ لم أبخل وأنتِ صديق فأما مع الظاهر فلا، لكن إذا خففوها رفعوا، قال: ومن قرأ ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ فإنهم نصبوا (كلًا) بـ ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ كأنه قال: وإن ليوفينهم كلا. قال: وهذا وجه لا أشتهيه؛ لأن اللام لا يقع الفعل الذي بعدها (٤) على شيء قبله، وقرأ حمزة وابن عامر وحفص ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ مشددتان. والكلام في تخفيف "إنَّ" وتشديدها قد ذكرناه، وبقي الكلام في تشديد ﴿لَمَّا﴾ هاهنا. قال أبو إسحاق (٥): زعم بعض النحويين أن معناه (لمن ما) ثم قلبت

стр. 6552

النون ميمًا، فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت إحداها وهي الوسطى فبقيت (لمّا). قال: وهذا القول ليس بشيء؛ لأن (من) لا يجوز حذفها لأنها اسم على حرفين، ولكن التشديد فيه قولان: أحدهما يروى عن المازني (١) زعم أن أصلها "لَمَا" ثم شددت الميم. قال: وهذا القول ليس بشيء أيضًا (٢)؛ لأن الحروف نحو: (ربّ) وما أشبهها تُخفف، ولسنا نثقل ما كان على حرفين. قال: وقال بعضهم قولا (٣) لا يجوز غيره والله أعلم، أن (لما) في معنى (إلا) كما تقول: سألتك لما فعلت وإلا فعلت، ومثله ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] معناها إلا عليها. وقال الفراء (٤): أما من شدد (لما) فإنه والله أعلم أراد لمن (٥) ما ليوفينهم، فلما اجتمعت ثلاث ميمات حذفت واحدة فبقيت ثنتان فأدغمت في صاحبتها كما قال (٦): واني لمما (٧) أصدر الأمر وجهه ... إذا هو أعيا بالسبيل مصادره قال: وربما تحذف بعض الحروف إذا اجتمعت كما أنشد

стр. 6553

الكسائي (١): وأشمتَّ العداة بنا فأضحوا ... لَدَيَّ تباشرون بما لقينا معناه لَدَيَّ يتباشرون فحذف لاجتماع الياءات، ومثله (٢): كأن من آخرها إلقادمِ ... مَخْرِمَ نجدِ فارع المخارمِ أراد (إلى القادم)، فحذف اللام عند اللام، قال: وأما من جعل (لما) بمنزلة (إلا) فإنه وجه لا نعرفه، وقد قالت العرب: بالله لما قمت عنا، وإلا قمت عنا وأما (لما) بمعنى (إلا) في الاستثناء فلم يقولوه في شعر ولا غيره؛ لا يجوز: ذهب الناس لما زيد بمعنى (٣) إلا، هذا كلامه، ومعنى (ما) في قوله "لمن ما" معنى (من)، وقد أنكر ما أجازه الزجاج. قال أبو علي (٤): من قرأ ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ بالتشديد [فيهما (٥) فقراءته مشكلة، وكذلك قراءة أبي بكر عن عاصم: ﴿وإن كُلا﴾ بالتخفيف، ﴿لمَّا﴾ بالتشديد] (٦) وذلك أن ﴿إِنَّ﴾ إذا نصب بها وإن كانت مخففة كانت بمنزلتها مثقلة، و ﴿لمَّا﴾ إذا شددت كانت بمنزلة إلا، فكما لا يحسن [(إن زيدًا إلا منطلق) كذلك لا يحسن] (٧) تثقيل ﴿إِنَّ﴾ وتثقيل ﴿لَمَّا﴾، فأما

стр. 6554

مجيء ﴿لَمَّا﴾ هو في قولك: نشدتك الله لما فعلمت وإلا فعلت؛ فقال الخليل: الوجه لتفعلن كما تقول أقسمت عليك لتفعلن، وأما دخول إلا ولما فلأن المعنى الطلب، فكأنه أراد ما أسألك إلا فعل كذا فلم يذكر حرف النفي في اللفظ وإن كان مرادًا [كما كان مرادًا] (١) في قولهم (٢) شرٌّ ما أَهَرَّ ذا ناب، أي ما أهره إلا شرٌ، وليس في الآية معنى نفي ولا طلب، وهذا إنما كان يحسن ﴿إِنَّ﴾ لو خففت فخفف ﴿إِنَّ﴾ ورفع ﴿كُلًّا﴾ بعدها ثم ثقل ﴿لَمَّا﴾، فكان يجوز تثقيل ﴿لَمَّا﴾ على أن يكون المعنى: ما كل إلا ليوفينهم، فيكون ذلك كقوله ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٥] فأما تثقل ﴿لمَّا﴾ مع النصب في (كل) فلا وجه له. وهذا كله في إبطال ما أجازه الزجاج في تشديد ﴿لمَّا﴾؛ قال (٣): وأما قول الفراء: المعنى (لمن ما) فادعم النون في الميم بعد ما قلبها ميمًا ثم حذفت إحدى (٤) الميمات، فإن ذلك لا يسوغ، ألا ترى أن في هذه السورة مميات أكثر مما اجتمعن في (لمن ما) ولم يحذف منها شيء، وذلك في قوله ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] فإذا لم يحذف شيء من هذا فلأن لا تحذف ثَمَّ أجدر، وقد قرئ ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ بالتنوين، والمعنى (٥) أن كلا جميعًا ليوفينهم، ومعنى اللم: الجمع فوصف بالمصدر

стр. 6555

كقوله ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩]. فإن قال قائل: إن (لما) فيمن ثقل أنها هي ﴿لمًّا﴾ هذه ووقف عليها بالألف تم أجري الوصل مجرى الوقف فذلك مما يجوز في الشعر. قال الكسائي (١): من شدد ﴿إِنَّ﴾ وشدد ﴿لمَّا﴾ فالله أعلم بذلك ليس لي به علم، ولا من خفف "إنّ" ثم نصب (كلاّ) أيضًا وشدد "لمّا" فلست أدري أيضًا، قال أبو علي: ولم يبعد الكسائي فيما قال (٢). وقوله تعالى ﴿رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾، قال ابن عباس (٣): يريد جزاء بما عملوا، وعلى هذا هو من باب حذف المضاف؛ لأن المعنى: ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، خبير قال: يريد بطاعة أوليائه وخبير بمعصية أعدائه. ١١٢ - قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، الاستقامة: الاستمرار في جهة واحدة، وذلك خلاف الأخذ في جهات اليمين والشمال، قال المفسرون (٤): معناه فاستقم على العمل بأمر ربك والدعاء إليه في ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾ في القرآن. وقال ابن عباس (٥)،

стр. 6556

والسدي (١): الخطاب له والمراد منه أمته. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ (مَنْ) في محل الرفع من وجوه؛ أحدها: أن تكون عطفا على الضمير في ﴿فَاسْتَقِمْ﴾، أي فاستقم أنت وهم، والثاني: أن تكون عطفا على الضمير في ﴿أُمِرْتَ﴾، والثالث: أن تكون ابتداء على تقدير ومن تاب معك فليستقم، ومعنى ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾، قال ابن عباس (٢): يريد أصحابه الذين تابوا من الشرك. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾، معنى الطغيان تجاوز المقدار، قال ابن عباس (٣): يريد تواضعوا لله ولا تَجَبَّروا على أحد. وقال الكلبي (٤): ولا تطغوا في القرآن فتحلوا أو تحرموا ما لم يأمركم به الله، وقيل (٥): لا تجاوزوا أمري ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، قال ابن عباس: لا تخفى عليه أعمال بني آدم، علم قبل أن يعملوا ما هم عاملون. ١١٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾، يقال: ركِن يركَن ركونا، ومعنى الركون السكون إلى الشيء والميل إليه بالمحبة، ونقيضه النفور عنه، ولغة

стр. 6557

أخرى ركَن يركُن. قال الأزهري (١): وليست بفصيحة، وكان أبو عمرو أجاز ركَن يركَن بفتح [الكاف من الماضي والغابر، وهو خلاف ما عليه الأبنية في السالم. وقال الكسائي (٢): قريش تقول: ركِن يركَن وأهل نجد يقولون: ركَن يركُن؛ ومنه قراءة (٣) طلحة بن مصرف ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾ بضم الكاف. قال ابن عباس (٤) في قوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، قال: لا تميلوا؛ يريد في المحبة ولين الكلام والمودة. وقال السدي وابن زيد (٥): لا تداهنوا الظلمة. وقال أبو العالية (٦): لا ترضوا بأعمالهم] (٧).

стр. 6558

وقال قتادة (١): لا تلحقوا بالمشركين. وقوله تعالى: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، قال ابن عباس: هو أدب للمؤمنين ليس كمثل عقوبة الكفار، يريد أن قوله: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (٢) يتضمن عذابًا دون عذاب الكفار؛ لأنهم مخلدون في النار، وفي هذا دليل على أن المؤمن لا يخلد في النار، ودليل أيضاً على المنع من مصادقة المشركين وموالاة الظالمين، والميل إليهم بالمحبة والسكون. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾، قال ابن عباس (٣): يريد من مانع يمنعكم من عذاب الله. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ استئناف كقوله: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (٤). ١١٤ - قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الآية، قال عامة المفسرين (٥): نزلت في رجل أتى النبي ﷺ فقال: ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا تحل له ما يصيبه الرجل من امرأته غير الجماع؟ فقال له النبي ﷺ : "توضأ وضوءًا حسنًا ثم قم فصل"، وأنزل الله تعالى هذه الآية فقيل للنبي ﷺ ، أهي له خاصة أم للناس عامة؟ [فقال: "بل هي للناس

стр. 6559

عامة"] (١) (٢). قال ابن عباس (٣) في رواية عطاء في قوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ يريد الصبح والظهر والعصر، وهو قول مجاهد (٤) في رواية منصور

стр. 6560

والقرظي (١)، واختيار الفراء (٢) والزجاج (٣)، قال الزجاج: وصلاة طرفي النهار: الغداة والظهر والعصر، وزاد مقاتل (٤): المغرب، وقال: صلاة الفجر والظهر طرف وصلاة العصر والمغرب طرف، والصحيح ما ذكره الزجاج، وذلك أن أحد طرفي النهار صلاة الصبح والآخر فيه صلاتا (٥) العشاء، وهما الظهر والعصر، والمغرب من صلاة الليل لا من صلاة النهار. ويروى عن ابن عباس ومجاهد (٦) أنهما قالا: صلاة طرفي النهار الفجر والمغرب، وهو قول الحسن (٧) وابن زيد (٨)، وظاهر الكلام يدل على هذا، وحذف ذكر الظهر والعصر لظهور أمرهما في صلاة النهار؛ لأنهما أفردا بالذكر في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ودلوكها زوالها. وقوله تعالى: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، قال الليث (٩): زلفة من أول الليل

стр. 6561

طائفة والجميع الزلف، وروى أبو عمرو عن أبي العباس في هذه الآية قال: الزلف أول ساعات الليل واحدتها زلفة (١). وقال أبو عبيدة (٢) والأخفش (٣) وابن قتيبة (٤): الزلف ساعات الليل وآناؤه، وكل ساعة زلفة، ومعنى (زلفًا من الليل) أي ساعة بعد ساعة، وأنشدوا (٥): ناج طواه الليل مما وجفا ... طى الليالي زلفا فزلفا سماوة الهلال حتى احقوقفا ونحو هذا قال الفراء (٦). وقال ابن عباس (٧): يريد المغرب والعشاء قرب أول الليل (٨)؛ لأن الزلف القرب، وهذا قول عامة المفسرين (٩) غير

стр. 6562

مقاتل (١) فإنه يقول: هو صلاة العشاء؛ لأنه أدخل المغرب في طرفي النهار، [وقال أبو إسحاق (٢): هو منصوب على الظرف، كما تقول: جئت (٣) طرفي النهار] (٤) وأول الليل، قال: ومعنى زلفًا من الليل: الصلاة القريبة من أول الليل، وأصل الكلمة من الزلفة والزلفى، وهي القربة، يقال: أزلفته فازدلف أي قربته فاقترب. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، قال ابن عباس والمفسرون (٥): يريد [إن الصلوات الخمس] (٦) تكفر ما بينها من الذنوب إذا اجتنبت الكبائر، وروى ليث عن مجاهد (٧) قال: هي قول العبد: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾، قال ابن عباس: يريد: هذا موعظة فـ (ذلك) عنده بمعنى (هذا)، وذكرنا وجهه في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (٨)

стр. 6563

وقال غيره (١): ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى﴾ يعني القرآن عظة لمن ذكره، والكلام في (ذلك) وأن الإشارة بها إلى الجملة جائزة قد مضى في عدة مواضع، وقال أبو علي الفارسي: الذكرى مصدر جاء بألف التأنيث، كما جاء على فَعْلى نحو العدوى والدعوى والطغوى وتترى فيمن لم يصرف، وعلى فُعْلى نحو شورى، [وقالوا في الجمع (للذِّكَر) فجعلوه بمنزلة (سدرة وسدر)، كما جعلوا (العُلَى) مثل (الظُّلَم)، وقالوا: الذكر بالدال حكاه سيبويه (٢) وكذلك روي بيت ابن مقبل (٣): من بعد ما يعتري قلبي من الدكر وذلك لما كثر تصرف الكلمة بالدال نحو ﴿وَادَّكَرَ﴾ [يوسف: ٤٥]، ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٤) أشبهت تقوى، وتقية، وتقاة. ١١٥ - قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ﴾ قيل (٥) على الصلاة، كقوله ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ] (٦) عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢]، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ

стр. 6564

الْمُحْسِنِينَ﴾، قال ابن عباس (١): يعني المصلين. ١١٦ - قوله تعالى ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، يعني القرون المهلَكة، ومعنى (لولا) هاهنا نفي عند المفسرين، وهو قول ابن عباس (٢): يريد ما كان من القرون من قبلكم، وهذا مثل قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ [يونس: ٩٨] وقد استقصينا الكلام هناك، ونحو هذا قال الفراء (٣) في هذه الآية: لم يكن منهم أحد كذلك. ومن الناس (٤) من يقول: (لولا) هاهنا على ظاهره، بمعنى (هَلَّا كان)، و (لم لا كان)، وهو تعجب وتوبيخ للكفار الذين سلكوا سبيل من قبلهم في (٥) الفساد. وقوله تعالى: ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾، [قال ابن عباس (٦): يريد: أولو دين، قال الزجاج (٧): ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾] (٨) معناه أولو تمييز، ويجوز أولو طاعة، قال: ومعنى البقية إذا قلت (في فلان بقية) فمعناه فيه فضل فيما يمدح به،

стр. 6565

وقال القتبي (١) ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ أي [أولو بقية] (٢) من دين، يقال (قوم لهم بقية) و (فيهم بقية) إذا كانت فيهم مسكة وخير. وقوله تعالى ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس: يريد عن الشرك والاعتداء في حقوق الله والمعصية. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾، قال الفراء (٣) والزجاج (٤): هو استثناء على الانقطاع مما قبله؛ المعنى: لكن قليلاً ممن نجينا منهم نهوا عن الفساد، كما قال: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨] قال المفسرون (٥): وهم أتباع الأنبياء وأهل الحق. وقوله تعالى ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾، الترفة النعمة وصبي مترف (٦) إذا كان منعم البدن، والمترف الذي أبطرته النعمة وسعة العيش (٧). قال الفراء (٨): يقول اتبعوا في دنياهم ما عودوا من النعيم وإيثار اللذات على أمر الآخرة وركنوا إلى الدنيا والأموال وما أعطوا من نعيمها.

стр. 6566

قال عطاء عن ابن عباس (١) يريد: اتبعوا (٢) ما وسعت عليهم وأنعمت، وروي (٣) عنه نعموا وأبطروا أيضًا. ١١٧ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾، قال أبو بكر الأنباري: أراد بالقرى أهلها وسكنها وكان ذكره الأهل بعدها في قوله ﴿وَأَهْلُهَا﴾ تبيينا لما تتضمنه. وذكر المفسرون (٤) وأهل المعاني كلهم في هذه الآية قولين: أحدهما: وما كان الله ليهلك [أهل] (٥) القرى وهم مسلمون [صالحون] (٦)، فيكون ذلك منه ظلمًا لهم. الثاني: وهو قول أهل السنة (٧) (وما كان ربك ليهلك أهل القرى بشركهم وظلمهم لأنفسهم، وهم مصلحون يتعاطون الحق بينهم)، أي ليس من سبيل الكفار -إذا قصدوا الحق في المعاملة وتنكبوا الظلم- أن ينزل الله بهم عذابا يجتاحهم.

стр. 6567

وهذا معنى قول ابن عباس (١)، فقد قال الذي رواية عطاء: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى﴾، يريد الرجال، (بظلم) يريد بشرك، و (أهلها مصلحون): يريد فيما بينهم، كقوم لوط عذبهم الله باللواط، وقال فيهم: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ٧٨] يريد الشرك، وكذلك قوم شعيب عذبوا ببخس الكيل. وهذا التفسير يدل على أن الاجتراء على أنواع المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدنيا من الشرك. ١١٨ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، [قال ابن عباس (٢): يريد على دينك الذي بعثت به. وقال قتادة (٣): لجعل الناس أمة واحدة] (٤): أن يجعلهم مسلمين، وهذا دليل على تكذيب القدرية حيث قالوا: ما بقي في مقدوره من اللطف في أن يجعل الخلق مؤمنين إلا وقد فعل، قالوا: ولو قدر فلم يفعل (٥) لم يجز في الحكمة (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾، قال مجاهد وقتادة وعطاء والأعمش (٧): أي في الأديان من بين يهودي ونصراني ومجوسي وغير ذلك

стр. 6568

من اختلاف (١) الملل. ١١٩ - وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، قال أبو إسحاق (٢) ﴿مَنْ﴾ استثناء على معنى (لكن مَنْ رحم ربك فإنه غير مخالف). وقال الفراء (٣): ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾: يعني أهل الباطل، ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾: أهل الحق، وهذا قول مجاهد (٤) نفسه. وقال ابن عباس (٥): هما فريقان: فريق اختلف فلم يرحم، وفريق رحم فلم يختلف، وهو كقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥]. وقال عكرمة (٦): ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ يعني أهل الأهواء والبدع ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾: أهل السنة والجماعة. وقوله تعالى ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، قال ابن عباس والضحاك ومجاهد وقتادة (٧): وللرحمة خلقهم، يعني الذين رحمهم. قال أبو بكر: وعلى هذا أشير إلى الرحمة بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾؛ لأن تأنيثها ليس تأنيثا حقيقيًا، فحملت على معنى الفضل والغفران، كقوله :

стр. 6569

﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] أي فضل، وقالت الخنساء (١): فذلك يا هند الرزية فاعلمي ... ونيران حرب شب وقودها أرادت فذلك الرزء، قال: ويجوز أن يكون المراد بالرحمة: التوحيد، فأشير إليها بالتذكير لهذا المعنى، وقد بينا جواز تذكير الرحمة بأبلغ (٢) من هذا عند قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). وقال الحسن (٤) ومقاتل بن حيان (٥) ويمان (٦) وعطاء (٧): وللاختلاف خلقهم، يعنون المختلفين. وفي الآية قول ثالث وهو الاختيار، قال ابن عباس (٨) في رواية عطاء في قوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ يريد: خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل

стр. 6570

الاختلاف للاختلاف، وقال الكلبي عن أبي صالح عنه (١): خلق الله أهل الرحمة لئلا يختلفوا، وأهل العذاب لأن يختلفوا، وخلق الجنة وخلق لها أهلا، وخلق النار وخلق لها أهلًا. وروى منصور بن عبد الرحمن الغُدَّاني عن الحسن (٢) ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ قال: الناس مختلفون في الأديان، إلا من رحم ربك فإنه غير مختلف، قال: فقلتُ له: فقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، قال: خلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه، وخلق هؤلاء للجنة، وخلق هؤلاء للنار، فعلى هذا الإشارة بقوله (ولذلك) تعود إلى الاختلاف والرحمة، ثم يعبر عنهما بالشقاء والسعادة، فيقال: ولذلك خلقهم أي خلقهم للسعادة والشقاء، وهو قول الفراء (٣) والزجاج (٤). قال أبو بكر: من ذهب إلى أن ﴿ذَلِكَ﴾ هو إشارة إلى الشقاء والسعادة قال: إنهما يرجعان إلى معنى واحد تقديره: وللامتحان خلقهم، على أنَّا ذكرنا في مواضع أن الإشارة بلفظ (ذلك) إلى شيئين متضادين يجوز، قال أبو عبيد (٥): الذي أختاره في تفسير الآية قول من قال خلق فريقًا لرحمته

стр. 6571

وفريقًا لعذابه لأنه موافق للسُّنة. وقال أبو إسحاق (١): ويدل على صحة هذا القول. قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، قال الكلبي (٢): يريد من كفار الجن وكفار الإنس. وقال الفراء (٣): صار قوله ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ يمينًا، كما تقول: حَلِفي لأضربنك، وبدا لي لأضربنك، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥] ولو كان (أن يسجنوه كان صوابًا). ١٢٠ - قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾، قال الزجاج (٤): ﴿كُلًّا﴾ منصوب بـ (نقص)، المعنى: وكل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل نقص عليك، و ﴿مَاَ﴾ منصوبة بدلا من (كل)، المعنى نقص عليك ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ قال ابن عباس (٥): يريد لنزيدك يقينا، وفسر التثبيت هاهنا بالتشديد (٦) عن ابن عباس (٧)، وبالتقوية عن الضحاك (٨) والتصبير عن ابن جريج (٩)، وهو الأقرب؛ لأن ما يقص عليه من أنباء الرسل إنما هو للاعتبار بها؛ لما فيها من حسن صبرهم على أممهم، واجتهادهم في دعائهم إلى عبادة الله، فإذا سمعها

стр. 6572

النبي ﷺ كان في ذلك تقوية لقلبه على الصبر على أذى قومه. وقال الزجاج (١): وتثبيت الفؤاد وتسكين القلب هاهنا ليس للشك، ولكن كما كانت الدلالة والبرهان أكثر كان القلب أثبت، قال إبراهيم ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وهذا الذي قال الزجاج معنى قول ابن عباس: لنزيدك يقينا. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾، قال ابن عباس (٢) والحسن (٣) ومجاهد (٤) والأكثرون: يعني في هذه السورة. قال أبو إسحاق (٥) وابن الأنباري (٦): وخصّت هذه السورة؛ لأن فيها أقاصيص الأنبياء ومواعظ، وذكر ما في الجنة والنار. وقيل (٧): وجاءك في هذه الآيات التي ذكرت قبل هذا الموضع؛ وهو قوله: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] وقوله: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: ١١١] وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] الآيات، ويعني بالحق ما ذكر من أن الخلق يجازون بأنصبائهم، وأن بعضهم يصير إلى النار بشقائه، وبعضهم يصير إلى الجنة بسعادته، وخصت

стр. 6573

هذه السورة أو هذه الآيات بمجيء الحق فيها -وإن كان جميع ما أنزله الله حقا- تشريفًا للسورة ورفعًا لمنزلتها، وغيرها من السور غير منتقص الفضل بما لحق هذه السورة (١) من الاختصاص (٢)، كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] [فاختصاص الوسطى] (٣) لا يزيل عن غيرها معنى التشريف ووجوب المحافظة عليها، ومثله كثير، وهذا الذي ذكرنا معنى قول أبي إسحاق (٤) وابن الأنباري (٥). وقال الحسن (٦) وقتادة (٧): وجاءك في هذه الحق: في الدنيا. وقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، يريد أنهم يتعظون إذا سمعوا هذه السورة بما نزل بالأمم لما كذبوا أنبياءهم، فتلين قلوبهم لسلوك طريق الحق، ويتذكرون بها الخير والشر، وما يدعو إليه كل واحد منهما من عاقبة النفع والضر، كما دعا إليه الأمم المكذبة الكافرة، والمصدقة المؤمنة. قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ تهديد ووعيد، يقول ما أنتم عاملون ﴿إِنَّا عَامِلُونَ﴾ وستعلمون عاقبة أمركم ﴿وَانْتَظِرُوا﴾ ما يعدكم

стр. 6574

الشيطان ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ما يعدنا ربنا من النصر والعلو، عن ابن جريج (١). وقال ابن إسحاق (٢) ﴿وَانْتَظِرُوا﴾ ما يحل بكم من العذاب ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ لذلك. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال أبو علي (٣): الغيب مصدر مضاف إلى المفعول على الاتساع وحذف حرف الجر؛ لأنك تقول (غبت في الأرض)، و (غبت ببلد كذا) فتعديه بحرف الجر، فحذف وأضيف المصدر إلى المفعول به في المعنى، نحو: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩] و ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾، [ص: ٢٤] ويحتمل وجهين: أحدهما: ذو (٤) غيب السموات والأرض، أي ما غاب فيهما من أولي العلم، والآخر: أن يكون المعنى: ولله علم (٥) غيب السموات والأرض، ويدل على هذا قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٧٣]. قال ابن عباس (٦) في رواية الوالبي: يعني خزائن السموات والأرض، وقال الضحاك (٧): يعني جميع ما غاب عن العباد. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ في المعاد حتى لا يكون

стр. 6575

للخلق أمركما يكون في الدنيا للفقهاء والأمراء، وقرئ ﴿يَرجع﴾ (١)، وذكرنا هذا مستقصى في المعنى والتوجيه عند قوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٢) في سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، أي أنه يجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، والمعنى في قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ ينصرف إلى جميع الناس مؤمنهم وكافرهم، وقرئ (٣) (تعملون) بالتاء على معنى قل لهم: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.

стр. 6576

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي سلسلة الرسائل الجامعية - ١٠٧ , ١٠٨ - التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من أول سورة يوسف إلى آخر سورة الرعد تحقيق د. عبد الله بن إبراهيم الريس من أول سورة إبراهيم إلى آخر سورة الحجر تحقيق د. عبد الرحمن بن عبد الجبار بن صالح هوساوي أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي الجزء الثاني عشر

стр. 6577

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) [١٢]

стр. 6578

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي، علي بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨هـ)./ علي بن أحمد الواحدي، عبد الله بن إبراهيم الريس؛ عبد الرحمن بن عبد الجبار بن صالح هوساوي، الرياض ١٤٣٠ هـ. ٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٧ - ٨٦٩ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج١٢) ١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد أ- العنوان ... ب- السلسلة ديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠ رقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ ردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٧ - ٨٦٩ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٢)

стр. 6579

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي سلسلة الرسائل الجامعيه -١٧٠ , ١٠٨ - التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من أول سورة يوسف إلى آخر سورة الرعد تحقيق د. عبد الله بن إبراهيم الريس من أول سورة إبراهيم إلى آخر سورة الحجر تحقيق د. عبد الرحمن بن عبد الجبار بن صالح هوساوي أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي الجزء الثاني عشر

стр. 6580

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 6581

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من أول سورة يوسف إلى آخر سورة الرعد تحقيق د. عبد الله بن إبراهيم الريس

стр. 6582

تفسير سورة يوسف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - قوله (١) ﴿الر﴾ قال ابن عباس (٢): يريد أنا الله الرحمن. والكلام في الحروف المعجمة قد ذكرناه في مواضع (٣)، وهذه الحروف لا تعد آية كما تعد ﴿طه﴾؛ لأن آخرها لا يشاكل رؤوس الآي. وقوله تعالى ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ قال صاحب النظم وأبو بكر بن الأنباري: [تلك بمعنى (هذه) كما كان (ذلك) (٤)] بمعنى: هذا في قوله تعالى ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (٥) وقد فسرناه مستقصًى في موضعه، إلا أن ﴿ذَلِكَ﴾ مذكر؛ لأنه يومئ به إلى الكتاب، و (تلك) تأنيث ذلك؛ لأنه يومئ بها إلى الآيات. وقال أبو بكر (٦): يجوز أن يكون (تلك) إشارة إلى ما ذكره في

стр. 6583

التوراة والإنجيل، وتلخيصه: هذه الأقاصيص التي تسمعونها ﴿تِلْكَ﴾ الآيات التي وصفت في التوراة، ﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ على هذا هو التوراة، وهذا معنى قول أبي إسحاق (١). قال أبو بكر (٢): ويجوز أن يكون (تلك) إشارة إلى ﴿الر﴾ وأخواتها بين حروف المعجم، أي: تلك الحروف المفتتحة بها السور هي آيات الكتاب المبين؛ لأن الكتاب بها يُتلى عليكم، وألفاظه إليها ترجع، و ﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ القرآن المبين في قول ابن عباس، قال: والمبين الذي بُيّن فيه الحلال والحرام (٣)، وقال قتادة (٤): بَيّن فيه الهدى والرشد، فكان الكتاب (٥) مبيّنًا لهذه الأشياء. ٢ - قوله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قال أبو إسحاق (٦) وأبو بكر (٧): هذه الهاء تصلح لشيئين: أحدهما: أن يكون الكتاب، ويجوز أن يكون ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ خبر يوسف وقصته. قال أبو بكر: وذلك أن اليهود قالوا للمشركين سلوا محمدًا لم انتقل

стр. 6584

ولد يعقوب من الشام إلى مصر؟ وسلوه عن خبر يوسف وإخوته؟ فأنزل الله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (١) يعني أنزلنا (٢) خبر يوسف وإخوته الذي طالب اليهودُ بشرحه (٣) . ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قال: ولا يجوز رجوع الهاء على القرآن المتأخر؛ لأن الكناية لا تصح إلا بسبق ظاهر يوضح تأويلها. وقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ذكرنا معنى العربي والعرب والأعراب في قوله ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قال ابن عباس (٥): يريد كي تفهموا، قال مقاتل (٦): لو لم يكن عربيًا لما فهموا عنه. ٣ - قوله تعالى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ الآية، قد ذكرنا معنى القص والقصص عند قوله ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ (٧) الآية، قال

стр. 6585

الزجاج (١): أي نبين لك أحسنَ البيان، لا إلى القصة، ولو قيل: أحسن القصص، بكسر القاف على جمع قصة، قلنا (٢) نحتاج أن نذكر لم قيل هذه القصة أحسن القصص؟. وقوله تعالى ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ قال الأخفش (٣) والفراء (٤) والكسائي والزجاج (٥): أي بوحينا إليك هذا القرآن، كأنهم جعلوا (ما) (٦) مع الفعل بمنزلة المصدر. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتَ﴾ أي ما كنت من قبله، قال ابن عباس (٧): يريد من قبل أن يوحى إليك، ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ أي: إلا من الغافلين، كقوله ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦] ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨] قال ابن عباس (٨): يريد لا علم لك بحديث يعقوب، ولا حديث ولده، وقال الزجاج (٩): أي من الغافلين عن قصة يوسف وإخوته؛ لأنه ﷺ إنما علم ذلك بالوحي. ٤ - قوله تعالى ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾ قال ابن الأنباري (١٠): (إذ) صلة لفعل مضمر معناه: اذكر إذ قال يوسف لأبيه، واختلفوا في التاء التي في
следующие страницы →