← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من أول سورة يوسف إلى آخر سورة الرعد تحقيق د. عبد الله بن إبراهيم الريس

стр. 6582

تفسير سورة يوسف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - قوله (١) ﴿الر﴾ قال ابن عباس (٢): يريد أنا الله الرحمن. والكلام في الحروف المعجمة قد ذكرناه في مواضع (٣)، وهذه الحروف لا تعد آية كما تعد ﴿طه﴾؛ لأن آخرها لا يشاكل رؤوس الآي. وقوله تعالى ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ قال صاحب النظم وأبو بكر بن الأنباري: [تلك بمعنى (هذه) كما كان (ذلك) (٤)] بمعنى: هذا في قوله تعالى ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (٥) وقد فسرناه مستقصًى في موضعه، إلا أن ﴿ذَلِكَ﴾ مذكر؛ لأنه يومئ به إلى الكتاب، و (تلك) تأنيث ذلك؛ لأنه يومئ بها إلى الآيات. وقال أبو بكر (٦): يجوز أن يكون (تلك) إشارة إلى ما ذكره في

стр. 6583

التوراة والإنجيل، وتلخيصه: هذه الأقاصيص التي تسمعونها ﴿تِلْكَ﴾ الآيات التي وصفت في التوراة، ﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ على هذا هو التوراة، وهذا معنى قول أبي إسحاق (١). قال أبو بكر (٢): ويجوز أن يكون (تلك) إشارة إلى ﴿الر﴾ وأخواتها بين حروف المعجم، أي: تلك الحروف المفتتحة بها السور هي آيات الكتاب المبين؛ لأن الكتاب بها يُتلى عليكم، وألفاظه إليها ترجع، و ﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ القرآن المبين في قول ابن عباس، قال: والمبين الذي بُيّن فيه الحلال والحرام (٣)، وقال قتادة (٤): بَيّن فيه الهدى والرشد، فكان الكتاب (٥) مبيّنًا لهذه الأشياء. ٢ - قوله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قال أبو إسحاق (٦) وأبو بكر (٧): هذه الهاء تصلح لشيئين: أحدهما: أن يكون الكتاب، ويجوز أن يكون ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ خبر يوسف وقصته. قال أبو بكر: وذلك أن اليهود قالوا للمشركين سلوا محمدًا لم انتقل

стр. 6584

ولد يعقوب من الشام إلى مصر؟ وسلوه عن خبر يوسف وإخوته؟ فأنزل الله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (١) يعني أنزلنا (٢) خبر يوسف وإخوته الذي طالب اليهودُ بشرحه (٣) . ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قال: ولا يجوز رجوع الهاء على القرآن المتأخر؛ لأن الكناية لا تصح إلا بسبق ظاهر يوضح تأويلها. وقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ذكرنا معنى العربي والعرب والأعراب في قوله ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قال ابن عباس (٥): يريد كي تفهموا، قال مقاتل (٦): لو لم يكن عربيًا لما فهموا عنه. ٣ - قوله تعالى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ الآية، قد ذكرنا معنى القص والقصص عند قوله ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ (٧) الآية، قال

стр. 6585

الزجاج (١): أي نبين لك أحسنَ البيان، لا إلى القصة، ولو قيل: أحسن القصص، بكسر القاف على جمع قصة، قلنا (٢) نحتاج أن نذكر لم قيل هذه القصة أحسن القصص؟. وقوله تعالى ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ قال الأخفش (٣) والفراء (٤) والكسائي والزجاج (٥): أي بوحينا إليك هذا القرآن، كأنهم جعلوا (ما) (٦) مع الفعل بمنزلة المصدر. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتَ﴾ أي ما كنت من قبله، قال ابن عباس (٧): يريد من قبل أن يوحى إليك، ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ أي: إلا من الغافلين، كقوله ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦] ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨] قال ابن عباس (٨): يريد لا علم لك بحديث يعقوب، ولا حديث ولده، وقال الزجاج (٩): أي من الغافلين عن قصة يوسف وإخوته؛ لأنه ﷺ إنما علم ذلك بالوحي. ٤ - قوله تعالى ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾ قال ابن الأنباري (١٠): (إذ) صلة لفعل مضمر معناه: اذكر إذ قال يوسف لأبيه، واختلفوا في التاء التي في

стр. 6586

(أبت)، فزعم الزجاج (١) -وهو مذهب البصريين- أن التاء علامة التأنيث دخلت على الأب في باب النداء خاصة، لتكون بدلاً من ياء الإضافة، ولأن المذكر قد يدخل عليه علامة التأنيث، فيقال: رجل ربعة ونكحة وهزأة. وقال الفراء (٢) وأصحابه: التاء في (يا أبت) ليست علامة التأنيث (٣) إنما هي هاء أصلاً أدخلوها للسكت، وهو قولهم: يا أباه، ثم سقطت الألف لدلالة فتحة الباء عليها، وانصرف عن الهاء إلى لفظ التاء؛ لكثرة الاستعمال تشبيهًا بتاء التأنيث، وكسرت تقديرًا أن بعدها ياء الإضافة، ولم يستعمل في غير النداء؛ لأن هاء السكت مع الألف لا تدخلان إلا في النداء، وذكرنا مثل هذا (٤) في الأم عند قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٥) في حكاية مذهب ابن الأنباري، وأما قول من قال: يا أبتاه، فإنه زاد الألف والهاء على التاء لما انتقلت عن لفظ الهاء، فأما قول الشاعر (٦): تقولُ ابْنَتِي لمّا رأتْنِي شَاحِبًا ... كأنّك فينا يأ أباتَ (٧) غَرِيبُ

стр. 6587

ففيه وجهان: أحدهما: أن أصله يا أباه فشبهت هاء الموقف بتاء التأنيث، والألف هي التي تزاد للنداء في: يا رباه ويا زيداه، والآخر: أن الألف هي لام الفعل من الأب التي تجدها في قولك: يا با عمرو، والتاء بدل من هاء الوقف، وهذا اختيار أبي علي (١)؛ لأنه قال: القول فيه أنه رد المحذوف من الأب، وزاد عليها التاء كما يزاد فيه إذا كان اللام ساقطًا. قال ابن الأنباري: ونظير قولهم: يا ابته، في إدخال الألف والهاء على تاء أصلها هاء السكت، قولهم: أهرقت الماء، حين أدخلوا ألف أفعلت على هاء مبدلة من (٢) ألف أفعلت لما كان لفظ الهاء يخالف، وساغ لهم باختلاف اللفظين أن يقدروا أن الهاء فاء الفعل. ورد الكوفيون مذهب البصريين في هذا، وقالوا: لو كانت هذه التاء تاء تأنيث لدخلت في النداء وغيره، كما ثبتت هاء نكحة في جميع الأبواب، ولو كانت بدلاً من ياء الإضافة لاستُغْني بها عن الكسرة في التاء في (٣) يا أبت؛ لأنها نائبة عن كل ياء إضافة في قولهم: (يا غلام أقبل) و (يا رب اغفر لي)، فلما وجدنا الكسرة على التاء علمنا أنها هي الكافية من (٤) ياء الإضافة دون التاء، وكان دخول التاء لغير هذه العلة، وأما الهاء في: نكحة وهزأة، فلم يدخل للمعنى الذي ذهب إليه البصريون، لكنهم قصدوا بها قصد المبالغة في الوصف وشبهوا الموصوف بالداهية، فاستحق

стр. 6588

التأنيث لذلك، ولو كان الموصوف بما فيه الهاء مذمومًا، كان مشبهًا بالبهيمة يؤنث (١) نعته لمعناها، والاختيار في القراءة كسر التاء لأنها أجريت مجرى تاء التأنيث، وكسرت على الإضافة إلى نفس المتكلم على معني: يا أبتي، ثم حذف الياء؛ لأن ياء الإضافة تحذف في النداء. فأما من فتح التاء (٢) فقال علي (٣): له وجهان، أحدهما: أن يكون كقولهم: (يا طلحة أقبل)، ووجه قول من قال: يا طلحة، أن هذا النحو من الأسماء التي فيها تاء التأنيث أكثر ما يدعى مُرخَّى (٤) فلما كان كذلك رد التاء المحذوفة في الترخيم إليه، وترك الأخرى تجري على ما كان يجري عليه في الترخيم من الفتح فلم يعتد بالهاء، كما أن من قال: اجتمعت اليمامة، وهو يريد أهل اليمامة، رد الأهل ولم يعتد به، وقال اجتمعت أهل اليمامة، فجعله على ما كان يكون عليه عند حذف الأهل، وعلى هذا ينشد (٥): كِلِيني لهَمٍّ يا أمَيْمَةَ ناصبِ

стр. 6589

بفتح التاء. والوجه الآخر: أن هون اراد بـ يا ابتي، بالياء، ثم أبدل الياء بالألف، كما ذكرنا في قراءة من قرأ يا بني بفتح الياء (١)، فقال: يا أبتا، ثم حذف الألف كما تحذف الياء، فتبقى الفتحة دالة على الألف. كما أن الكسرة تبقى دالة على الياء, والدليل على قوة هذا الوجه كثيرة ما جاء من هذ الكلمة على هذا الوجه، كقوله (٢): وهل جَزعٌ إن قُلتُ وابِأْبَاهُما ولذلك قال رؤبة (٣): وهي تُرَبِّي يابا وابْنَاهَا وقال الأعشى (٤) ويا أبَتَا لا تزلْ عِنْدنا ... فإنَّا نَخَافُ بأن تُخْتَرَم وقال رؤبة (٥): يا أبَتَا عَلَّك أو عَسَاكَا

стр. 6590

وقال آخر (١): يا أبتا ويا أبه ... خَشَنْتَ إلا الرقبة فلما كثرت هذه الكلمة في كلامهم هذه الكثرة ألزموها القلب والحذف، على أن أبا عثمان قَدّر (٢) هذا مطردًا في جميع هذا الباب، فأجازوا وضع الألف مكان الياء في الإضافة في النداء إجازة مطردة، فأجاز: يا زيدًا أقبل، إذا أردت الإضافة، وهذا الوجه الثاني في فتح التاء من (يا أبت) هو اختيار الزجاج (٣) وهو مذهب البصريين. قال ابن الأنباري: وهذا غلط؛ لأن مبناه على لغة شاذة، وهو على لغة مَنْ يقول: قام غلاما، وهذا ثوبَا، يعني غلامي وثوبي، وكقراءة من قرأ: (وأقم الصلاة لذكرا) (٤) أي لذكري، ولا يحمل كتاب الله على هذه اللغة، والعلة في فتح التاء أنهم أرادوا: (يا أبتاه) فأسقطوا الألف والهاء، وأقروا ما قبلها على الفتح، اختصاصًا لما أكثروا استعمال (٥) الحرف، وهذا أيضًا قول قطرب، وأنكر البصريون هذا، قال الزجاج (يا أبتاه) للندبه، والندبة هاهنا لا معنى لها، وقال أبو عثمان: من قال: يا أبتاه، فهو نداء على جهة الندبة، فإذا حذفت الألف والهاء صار نداءً على غير جهة الندبة فلا يجوز فتح التاء، وذكر قطرب قولًا آخر في فتح التاء وهو أنه قال: أراد يا أبةً، ثم حذف التنوين كما قال الطرماح:

стр. 6591

يَا دَارَ أقْوَتْ بعد أحْرَامِها على إرادة التنوين. قال أبو إسحاق (١): وهذا الذي قاله قطرب خطأ؛ لأن التنوين لا يحذف من المنادى المنصوب؛ لأن النصب إعراب المنادى فلا يكون معربًا منصرفًا غير منون في حال النصب، وأما قوله: (يا دار أقوت) بفتح الراء فلم يروه أحد من أصحابنا بالفتح، ولا أعرف له وجهًا، وأنشده الخليل وسيبويه وجميع البصريين بضم الراء، والقول في فتح التاء قول البصريين أن الألف بدل من الياء التي هي للإضافة ثم حذفت وبقيت الفتحة، يدل عليه من يحذف الياء ويجتزئ بالكسرة، وإنكار ابن الأنباري عليهم بأنها لغة شاذة لا يلزم؛ لأنهم أجازوا هذا الإبدال في النداء وهو غير شاذ، وإنما يكون شاذًا في غير النداء، كما ذكر من قولهم: قام غلامًا، وهذا ثوبًا، وأجاز الفراء (٢): يا أبتُ، بضم التاء على أنها آخر المنادى المفرد، من قبل أنهم لم يلحقوها ياء الإضافة (٣) ألا وهي عندهم كالدال من زيد، وأبطل البصريون ضم التاء، قالوا: هي بدل من ياء الإضافة، والمنادى المضاف غير مستحق للرفع، واحتج الكوفيون عليهم بأنها لو كانت بدلاً من ياء الإضافة لما كسرت كما بينا. قال ابن الأنباري: وقراءة من قرأ بالفتح يدل على جواز الرفع؛ لأن الألف والهاء سبيلهما أن يدخلا على آخر حروف الاسم المستحق للرفع، وكان ابن كثير (٤) يقرأ: يا أبتِ، بكسر التاء، فإذا وقف وقف بالهاء؛ لأن

стр. 6592

تاء التأنيث يبدل منها الهاء في الوقف، فيغير الحرف في الوقف بذلك كما غير التنوين في حال النصب بالألف، وتغييرات الوقف كثيرة، ولا يلزم اعتبار الإضافة في قراءته لأنه في الوصل بكسر التاء، وذلك أنه إذا وقف عليها سُكنت للوقف، فإذا سكنت كانت بمنزلة ما لا يراد فيه الإضافة، فيساوي ما يراد به الإضافة ما لا يراد في الوقف. وأما ابن عامر (١) فإنه يفتح التاء في الوصل ويقف بالهاء، فإن قلنا: إنه فتح التاء كنحو قولهم: يا طلحة ويا أميمة، فإنه أبدل التاء هاء في الوقف كما تبدل من سائر تاءات التأنيث، وإن قلنا: إنه أراد: يا أبتا، فحذف الألف في النداء كما يحذف التاء، فوقفه بالهاء كوقف ابن كثير بالهاء، والباقون يقفون بالتاء وهم يكسرون، وذلك أن من كسر التاء كان الاسم في تقدير الإضافة، والمضاف إليه على حرف واحد وقد حذف وتركت الحركة تدل عليه، والحركة لا تكون إلا في تقدير الانفصال من المتحرك على أنه قد حكي أن قومًا يقفون على التاء في الوقف ولا يبدلون منها الهاء. وأنشد أبو الحسن (٢): بل جَوْزِ تَيْهَاء كظَهْرِ الحَجَفَتْ وهذا مما قد مرّ.

стр. 6593

قوله تعالى ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ الآية. قال وهب (١) والمفسرون (٢): رأى يوسف وهو ابن اثنتي عشرة سنة أن أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر سجدن له. قال ابن عباس (٣) وقتادة (٤) ومحمد بن إسحاق (٥) والمفسرون (٦): هم إخوته وأبواه. وقال ابن جريج (٧): الكواكب إخوته، والشمس أمه راحيل، والقمر أبوه. وقال مقاتل (٨): الشمس أبوه والقمر أمه. وقال السدي (٩): الشمس أبوه والقمر خالته، وذلك أن أمه كانت قد ماتت. وقوله تعالى: ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ قال ابن الأنباري: لما تطاول الكلام بين الرؤية والسجود أعيدت الرؤية مع السجود؛ ليكون ذلك أكشف للمعنى وأدل على التوكيد والبيان.

стр. 6594

وهذا معنى قول (١) الفراء (٢) والزجاج (٣). وذكر صاحب النظم أنه يجوز أن يكون أحدهما من الرؤية والآخر من الرؤيا، وقوله ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ وهي مما لا يَفْهم ولا يُفهم وحسن ذلك؛ لأنه لما وصفها بالسجود صارت كأنها تعقل، فأخبر عنها كما يخبر عمن يعقل كما قال في صفة الأصنام ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] وقد مر، وكذلك قوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]، وهذا معنى قول الفراء (٤) والزجاج (٥). وقيل في معنى سجودهم له قولان، أحدهما (٦): أنه السجود المعروف على الحقيقة تكرمة له لا عبادة كسجود الملائكة لآدم، الثاني (٧): أن السجود هاهنا بمعنى الخضوع كقوله (٨):

стр. 6595

تَرَى الأكْمَ مِنْهُ سُجَّدًا للحَوَافِرِ (١) قال ابن عباس (٢): إن ذلك الزمان كان سجود بعضهم لبعض، وقال في رواية الكلبي (٣): رأى يوسف هذه الرؤيا ليلة الجمعة وكانت ليلة القدر، فلما قصَّها على يعقوب أشفق عليه من حسد إخوته له، فقال له: يا بني لا تقصص. ٥ - وهو قوله: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ الآية. قال العلماء وأصحاب الآثار (٤): أشفق يعقوب على يوسف حسد إخوته بهذه الرؤيا؛ لأن يوسف كان نبيًا في علم الله مذ كان، ورؤيا الأنبياء وحي لا يبطل منها شيء. قال ابن عباس (٥): رؤيا الأنبياء وحي، وعَلِمَ يعقوب أن إخوة يوسف يعرفون تأويلها ويشفقون من علو يوسف عليهم على صغر سنه وتقدم أمرهم أمره، وسبقهم من العلم إلى ما تأخر عنه، بهذا جاءت الآثار. وقوله تعالى ﴿رُؤْيَاكَ﴾ الرؤيا (٦) مصدر كالبُشْرى والسُقيا والتقى والشورى، إلا أنه لما صار اسمًا لهذا المتُخيل في المنام جرى مجرى

стр. 6596

الأسماء، وخرج من حكم الأعمال فلا يعمل واحدٌ منها أعمال المصادر، ومما يقوي خروجه عن أحكام المصادر تكسيرهم لها (رؤى) فصار بمنزلة ظلم، والمصادر في أكثر الأمر لا تكسر. وفي الرؤيا أربع لغات: تحقيق الهمز، وتحقيقها بقلبها واوًا من غير إدغامها في التاء وإن كانت ساكنة؛ لأنها في تقدير الهمز فهي ليست بواو، وإذا لم يلزم لم يقع الاعتداد بها فلم يدغم، ومن ثم جاء صنو وشي في تخفيف وشي، وبقي الاسم على حرفين أحدهما حرف لين، وجاز تحرك حرف اللين وتصحيحه مع انفتاح ما قبله؛ لأن الهمزة (١) في تقدير الثبات، وقد أدغم قوم فقالوا: ريًا؛ لأنه لما ترك الهمز سكنت الواو وبعدها ياء فتحولتا ياءً مشددة كما يقال: لويته ليًّا، وكويته كيًا، والأصل كويًا ولويا، وكسروا الفاء كما كسروا من قولهم: قرن ألوى وقرون لي، وإن أشرت إلى الضمة فقلت (رُيًا) فرفعت الراء جاز، وتكون هذه الضمة مثلها في قوله: و (حيل) و (سيق). وأنشد الفراء (٢):

стр. 6597

لَعِرْضٌ (١) من الأعْراضِ تَمْشِي حَمَامُه ... ويُضَحِي على أفْنَانِه الغِينِ يَهْتِفُ أحبُّ إلى قَلْبِي مِنَ الدِّيَك رَنَّة ... وبابٍ إذا ما مَالَ للغَلْقِ يَصرِفُ قال أراد: رؤية، فلما ترك الهمز أدغم على ما ذكرنا، وكل ما ذكرنا في الرؤيا (٢) من كلام الفراء (٣) والزجاج (٤) وأبي علي (٥). وقوله تعالى: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ أي: فيحتالوا في هلاكك؛ لأنهم يعلمون تأويلها فيحسدوك (٦) ، واللام في قوله ﴿لَكَ﴾ تأكيد للصلة، كقوله ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ وقيل هي من صلة الكيد، على معنى: فيكيدوا كيدًا لك. قال أهل المعاني (٧): وهذا يدل على أنه قد كان لهم علم بالرؤيا وتعبيرها، وأن يعقوب قد علم منهم حسدًا له وبغضًا، فخافهم عليه. ٦ - كذلك قوله ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾. قال أبو إسحاق (٨): موضع الكاف في (كذلك) النصب، المعنى: ومثل ما رأيت يجتبيك ربك، وعلى

стр. 6598

هذا قال ابن الأنباري (١): (ذلك) إشارة إلى قول يوسف: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ فقال له يعقوب: ومثل ذلك التفضيل وتلك الرفعة والحال الجليلة (٢) التي شاهدتها في رؤياك يجتبيك ربك، فموضع الكاف نصب بيجتبي [وموضع ذلك خفض بالكاف الزائدة، والمعنى: وكما أراك الله من هذه الرؤيا يجتبيك] (٣). [وقال الفراء (٤): ﴿وَكَذَلِكَ﴾ جواب لقوله ﴿إِنِّي رَأَيْتُ﴾ فقيل له: وهكذا يجتبيك ربك، كذلك وهكذا سواء في المعنى. قال أبو بكر: وعلى هذا (كذلك) حرف واحد معناها هكذا، وموضعه نصب بيجتبيي] (٥). قال الفراء (٦): ومثله في الكلام أن يقول الرجل: قد فعلت اليوم كذا وكذا من الخير، فيقول له القائل: هكذا السعادة والتوفيق، وكذلك السعادة والتوفيق، فيسوي بينهما، وقد ذكرنا قبل هذا أن (كذلك) تحقيق لما مضى من الكلام، ضد كَلّا. وقوله تعالى ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ قال ابن عباس (٧) والمفسرون (٨) وأهل

стр. 6599

اللغة (١): يختارك ويصطفيك. قال الزجاج (٢): وهو مشتق من: جبيت الشيء، إذا خلصته لنفسك، ومنه: جبيت الماء في الحوض. وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قال ابن عباس (٣) ومجاهد (٤) وقتادة (٥): يريد تعبير الأحلام، وعبارة الرؤيا. قال ابن زيد (٦): وكان أعبر الناس للرؤيا، فعلى هذا معنى التأويل: المنتهى الذي يؤول إليه المعنى في الرؤيا، والأحاديث هي أحاديث الناس عما يرونه في منامهم، قال الزجاج (٧): وغير ذلك. وقيل (٨): يعلمك تأويل أحاديث الأنبياء والأمم، يعني الكتب والأحاديث في آيات الله ودلائله على توحيده، وغير ذلك من أمور دينه. وقوله تعالى: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ قال ابن عباس (٩): يريد بالنبوة، ﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾. قال المفسرون (١٠): يعني وعلى النبيين من آل يعقوب،

стр. 6600

بمعنى (١) الخصوص، وإن كان الظاهر ظاهر عموم، كما قال النبي ﷺ : "اللهم (٢) اجعل رزق آل محمد قوتًا" (٣) يريد البعض، فعلى هذا المعنى: ويتم نعمته عليك وعلى المختصين من آل يعقوب بالنبوة، [كما أتمها بالنبوة] (٤)، على أبويك. وقال أبو إسحاق (٥): فسر يعقوب الرؤيا ليوسف بهذه الآية، وذلك أنه لما قال له: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ الآية، تأول الأحد عشر كوكبًا: أحد عشر نفسًا لهم فضل وأنهم يستضاء بهم؛ لأنه لا شيء أضوأ من الكواكب وبها يُهْتدى، فتأويل الكواكب إخوته، وتأويل الشمس والقمر أبواه، تأول له أن يكون نبيًّا، وأن إخوته يكونون أنبياء؛ لأنه أعلمه أن الله جلَّ وعلا يتم نعمته عليه وعلى إخوته، كما أتمها على إبراهيم وإسحاق، فإتمام النعمة عليهم أن يكونوا أنبياء، وعلى هذه الأقوال إتمام النعمة بالنبوة، ﴿آلِ يَعْقُوبَ﴾ الأنبياء منهم أو بنوه. وقال ابن عباس في رواية الكلبي: ويتم نعمته عليك بتوحيده وعبادته، كما أتمها على أبويك بتوحيد الله وعبادته وإيثار طاعته، وقال مقاتل بن

стр. 6601

سليمان (١): ويتم نعمته عليك بإعلانك وتحقيق رؤياك كما أتم النعمة على أبيك إبراهيم، بإنجائه من النار، وعلى أبيك إسحاق بالسلامة من الذبح، والفداء، ونحو هذا قال عكرمة (٢). وقال الكلبي (٣): كما أتمها على أبويك بأن ثبتهما على الإسلام حتى ماتا عليه، وعلى هذا المراد بآل يعقوب، قال أبو بكر: يعني أهل دينه فوقع الآل على أهل الدين كقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] يعني أهل دين فرعون، قال قتادة (٤) في هذه الآية: كل ذلك فعل الله به، اجتباه، واصطفاه، وعلمه من تأويل الأحاديث، وأتم النعمة عليه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ يريد حيث يضع النبوة. قاله عطاء عن ابن عباس (٥)، ﴿حَكِيمٌ﴾ في خلقه. ٧ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ قال المفسرون (٦): يعني في خبر يوسف وإخوته وقصتهم، ﴿آيَاتٌ﴾ أي عبر وعزائم (٧)، وقرأ ابن كثير (٨) ﴿ءَايَةٌ﴾ كأنه (٩) جعل شأنهم كله آية، ويقوي هذا ما روي أن في مصحف أبي (عبرة) (١٠).

стр. 6602

قال أبو إسحاق (١): المعنى أنه بصيرة للذين سألوا النبي ﷺ ، فأنبأهم بقصة يوسف وهو عنها غافل، لم يقرأ كتابًا، وقال ابن الأنباري وأبو علي (٢): ويجوز أن يكون المفرد المنكور بالإيجاب يقع دالًّا على الكثرة، كما يكون ذلك في غير الإيجاب. وقوله تعالى: ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ قال المفسرون (٣): سألت اليهود رسول الله ﷺ عن قصة يوسف فأخبرهم بها كما في التوراة فعجبوا منه، وقالوا: من أين لك هذا يا محمد؟. فقال: علمنيه ربي، فمعنى قوله ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ أي عن خبر يوسف وإخوته. وقال الكلبي عن ابن عباس (٤): ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ لكل من سأل عن خبر يوسف وإخوته ليعلم علمه. قال ابن الأنباري: معنى قوله ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ﴾ إلى آخر الآية، أن قوماً سألوا النبي ﷺ عن هذه القصة مُعنتًا ممتحنًا، فكأن الذي ورد من جوابه يضطر عقول أهل التمييز إلى الانقياد لتصديقه؛ لأنه شرح أخبار قوم لم يشاهدهم، ولم ينظر في الكتب إذ هو معروف بالأمية، وكان في هذا أعجب آية وأوضح دلالة للسائلين وغيرهم على صدق النبي ﷺ ، وخص السائلين بكون الآيات لهم اكتفاء منهم بغيرهم؛ لأنه إذا كان لهم آية, كان

стр. 6603

غيرهم أيضًا يعتبر به اعتبارهم؛ لأنهم (١) وإن لم يسألوا فإن سؤال غيرهم نتج لهم الأعجوبة، وكشف المعنى لهم (٢). ٨ - قوله تعالى ﴿إِذْ قَالُوا﴾ يعني: إخوة يوسف ﴿لَيُوسُفُ﴾ هذه لام التأكيد، وهي التي يتلقى بها القسم هاهنا، ﴿وَأَخُوهُ﴾ قال ابن عباس (٣): ولد راحيل وهي خالتهم ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ قال الفراء (٤): العصبة عشرة فما زاد. وقال أهل اللغة (٥): العصبة من العشرة إلى الأربعين، وقال المبرد (٦): العصبة الجماعة، وتعصب القوم: إذا اجتمعوا على هيئة يشد بعضهم بعضًا، ومنه العصبة في النسب، وهم الذين يجمعهم التعصب، فمعنى العصبة: جماعة متعاونة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قال أبو بكر بن الأنباري (٧): أي ضل بإيثاره يوسف وأخاه علينا (٨) ضلالا خطأ يلحقه ضرره (٩) في دنياه، إذ الذي آثره علينا عناؤنا يزيد على عنائه، ذهب إلى هذا الجواب

стр. 6604

الكلبي (١) وغيره من المفسرين (٢)، وقال مقاتل بن سليمان (٣): الضلال هاهنا يعني الشقاء، وتلخيصه: إن أبانا لفي شقاء واضح، واحتج بقوله ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] يعني في شقاء، قال أبو بكر: فكان مقاتل ذهب إلى أن الضلال عني به شقاء الدنيا؛ لأنه لما آثر ولدين صغيرين على عشرة ذوي أسنان عالية، عاد من ذلك عليه إيغار صدور الجماعة وحملهم على العقوق. وقال أهل المعاني (٤): إن أبانا في ذهاب عن طريق الصواب الذي فيه التعديل بيننا في المحبة، وقيل معناه: إنه في غلط في تدبير (٥) أمر الدنيا، إذ كنا أنفع له في القيام بمواشيه وأمواله من يوسف وأخيه، وهذا هو معنى القول، وليسوا يريدون الضلال في الدين، قال الزجاج (٦): ولو وصفوه بالضلال (٧) في الدين كانوا كفارًا. ٩ - قوله تعالى ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ قال النحويون (٨): انتصاب الأرض بإسقاط الخافض، يراد واطرحوه في أرض، فلما سقط الخافض وصل الفعل إليها فنصبها؛ لأن أرضًا ليست من الظروف المبهمة.

стр. 6605

قال أبو إسحاق (١): أراد أرضًا يبعد فيها عن أبيه؛ لأنه لم يخل من أن يكون في أرض، ودل على هذا المحذوف قوله ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ لأن هذا يدل على أنهم تآمروا في أن يطرحوه في أرض لا يقدر عليه فيها أبوه. قال ابن الأنباري: تلخيصه: أو اطرحوه أرضًا بعيدة عن أبيه، فلما دل على هذا المضمر قوله ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ كان الإضمار سائغًا، ومعنى قوله ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ أي: يقبل بكليته عليكم، ويخلص لكم عن شغله بيوسف، يعنون أن يوسف شغله عنا وصرف وجهه إليه، فإذا فقده أقبل إلينا بالميل والمحبة (٢). وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ قال ابن عباس (٣): يريد تحدثوا (٤) توبة بعد ذلك يقبلها الله منكم، وهذا قول عامة المفسرين (٥)، وعلى هذا المعنى ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ بإحداث التوبة. وقال مقاتل بن سليمان (٦): ليس الصلاح هاهنا مقصودًا به (٧) قصد صلاح الدين، لكن المعني به: ويصلح شأنكم عند أبيكم وتغلبوا على قلبه

стр. 6606

بعد فقده يوسف, والآية بيان عما يوجبه الحسد من قتل المحسود أو تعريضه للقتل بالإلقاء في المهالك. ١٠ - قوله تعالى ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس (١): هو يهودا، وهو أكبر ولد يعقوب وأعقلهم، ونحو هذا قال الكلبي (٢) ومقاتل (٣) والزجاج (٤). وقال قتادة (٥) ومحمد بن إسحاق (٦): هو روبيل. وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ قال أبو عبيدة (٧) وأهل اللغة (٨): الغيابة: كل ما غيب شيئًا وستره، وأنشدوا للمُنَخَّل (٩): فإنْ أنا يَوْمًا غَيّبتني غَيَابتي ... فسِيرُوا بسَيْرِي في العَشِيرَة والأَهل

стр. 6607

أراد بالغيابة حفرة القبر؛ لأنها يغيب المدفون فيها، وأما الجب فهو الركية قبل أن تطوى، يقال: جب هذه الركية صلب، وقال زيد بن كثوه (١): جبّ الركية جَرِابُها، وقال الزجاج (٢): الجب البئر التي ليست بمطوية، سميت جبًّا من أنها قطعت قطعًا ولم يحدث فيها غير القطع من طي ومما أشبهه. الليث (٣): والجميع جباب وأجباب وجببة. قال الحسن (٤): غيابة قعر الجب، قال (٥) قتادة (٦): أسفل الجب. قال ابن الأنباري: وإنما ذكرت الغيابة مع الجب دلالة على أن المشير أشار بطرحه في موضع مظلم من الجب لا يلحقه نظر الناظرين، فأفاد ذكر الغيابة هذا المعنى، إذ كان يحتمل أن يلقى في موضع من الجب لا يحول بينه وبين الناظرين. وقرأ أهل المدينة (٧) ﴿غيابات الجب﴾ بالجمع على معنى أن للجب (٨) أقطارًا ونواحي ويكون فيها غيابات، وأوثر الجمع لذلك، ومن وحد قال: المقصود موضع واحد من الجب يغيمب فيه يوسف فيستره من

стр. 6608

أبصار المتأملين، فالتوحيد أحصر وأدل على المعنى المطلوب، يدل على صحة التوحيد قراءةُ مجاهد (١) ﴿في غيبة الجب﴾، انتهى كلامه. وقال أبو علي (٢): وجه قول من أفرد أن الجب لا يخلو من أن يكون له غيابة واحدة أو غيابات، فغيابة المفرد يجوز أن يعني به الجمع كما يعني به الواحد، ووجه قول من جمع، أنه يجوز أن يكون له غيابة واحدة فجعل كل جزء منه غيابة فجمع لذلك، كقولهم: (شابت مفارقه (٣) وتغير ذو عثانين) ويجوز أن يكون للجب عدة غياب فجمع لذلك، والدليل على جواز الجمع فيه قول ابن أحمر (٤): ألا فالبِثَا شَهْرَيْن أو نِصْفَ ثالث ... إلى ذَاكُما (٥) ما غَيّبتْني غَيَابِيَا يريد جمع غيابة، فجمع مع أن ذا الغيابة واحد، واختلفوا في هذا الجب، فقال قتادة (٦): في بئر بيت المقدس، وقال وهب (٧): هو بأرض

стр. 6609

الأردن، وقال مقاتل (١): هو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب. وقوله تعالى: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ الالتقاط: تناول الشيء من الطريق، ومنه اللقط واللقيط، والسيارة: الذين يسيرون في الطريق للسفر. قال ابن عباس (٢): يريد المارة. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ قال ابن عباس (٣): يريد إن أضمرتم مما تريدون، وهذه الآية بيان عن اختيار أنقص الشرين، كما أشار هذا القائل إذ رأى أنه لابد من أحدهما. ١١ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ قال المفسرون (٤): لما تآمروا بينهم في إيقاع المكروه بيوسف وعزموا على ذلك قالوا (٥) لأبيهم: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ والقراء مجمعون (٦) على إدغام النون الأولى في الثانية، والإشارة إلى إعراب النون المدغمة بالضم، وذلك أن الحرف المدغم بمنزلة الحرف الموقوف عليه من حيث جمعهما السكون، فكما أشموا الحرف الموقوف عليه إذا كان مرفوعًا عند الإدارج، ليعلم أنه كذلك في الوصل، أشموا الحرف المدغم ليعلم أنه لو ظهر كان مرفوعًا، والإشمام ضم الشفتين فقط، وليس بصوت خارج إلى اللفظ، إنما هو تهيئة العضو لإخراج الصوت به، ليعلم بالتهيئة أنه يريد ذلك المهيأ له،

стр. 6610

ولا يجوز رَوْم الحركة مع الإدغام، كما جاز الإشمام؛ لأن روم الحركة حركة، وإن كان الصوت قد أضعف بها, ولا يجوز الإدغام مع الحركة وإن كانت قد أضعفت؛ لأن اللسان لا يرتفع مع روم الحركة في الحرف المدغم عن الحرفين ارتفاعة واحدة، وأما من ترك الإشمام؛ فلأنه أخف على اللفظ، وهو قياس الإدغام. قال أهل المعاني: هذا تلطف منهم مع أبيهم في أمر يوسف، وتشبيب لمساءلتهم إرساله معهم، بدأوا بالإنكار عليه خوفه إياهم على يوسف، وثنوا بإظهار النصح له في قولهم ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾، قال ابن عباس (١): يريد في الرحمة والبر. ١٢ - قوله تعالى (٢): ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾، قرأ ابن كثير (٣) ﴿نرتع﴾ هو بالنون وكسر العين من الارتعاء، و (يلعب) بالياء، والارتعاء: افتعال من رعيت، يقال: رعى الماشيةُ الكلأ يرعاها رعيًا، إذا أكلته، والرعي الكلأ، ومثله ارتعى، قال الأعشى (٤): تَرْتَعِي السَّفْحَ فالكثيب فَذَاقَارٍ ... فُرُوضَ القَطَا فَذَاتَ الرِّئالِ هذا معنى الارتعاء للإبل والمواشي، وقد أضافوه إلى أنفسهم؛ لأن المعنى نرتعي إبلنا، ثم يحذف المضاف فيكون نرتعي، أو يقال حقيقة

стр. 6611

الرعي والارتعاء للماشية وينسب ذلك إلى أصحابها؛ لأنهم السبب في ذلك بإيرادها الكلأ ومواضعه والقيام عليها، فيسند ذلك إليهم، وعلى هذا يقول العرب: رعينا روضة كذا، ومكان كذا، وهو كثير في أشعارهم، ويحمل على ما ذكرنا من أحد الوجهين. وأما فصله بين الارتعاء واللعب بالياء والنون، فحَسَنٌ؛ لأنه جعل الارتعاء والقيام على المال لمن بلغ وجاوز [الصغر، وأسند اللعب إلى يوسف لصغره، ولا لوم] (١) على الصغير في اللعب، وقرأ نافع (٢) كلاهما بالياء وكسر العين من يرتعي، أضاف الارتعاء إلى يوسف على معنى أنه يقوم على ماله في الارتعاء ليتدرب بذلك، فمرة يرتعي ومرة يلعب كفعل الصبيان، وقرأ أبو عمرو (٣) وابن عامر (٤) (نرتعْ) بالنون وجزم العين، ومثله (نلعبْ)، والعرب تقول: رتع المال، إذا رعى ماشيًا، وارتعتها أنا، والرتع لا يكون إلا في الخصب والسعة، وإبل رتاع، وقوم مرتعون وراتعون (٥) إذا كانوا مخاصيب. وقال ابن الأعرابي: الرتع الأكل بشَرَه، يقال رتع يرتع رتعًا ورتاعًا (٦)، ومنه قولهم (٧):القيد والرتعة، ويقال بسكون التاء ومعناها الخصب ونيل ما يراد.

стр. 6612

وقد حصل، للرتع معنيان أحدهما: رعي المال في الخصب، فعلى هذا معني نرتع بالنون كمعنى يرتعي في أنه للمال. ثم يحذف المضاف على ما ذكرنا، الثاني: أن معناه نيل ما يراد، وهذا يوصف به الإنسان كما ذكرنا في المثل، فقرأه أبو عمرو (نرتع) على معنى: نرتع إبلنا، ثم حذف المضاف، أو ينال ما يحتاج إليه. وأما يلعب فقد روي أنه قيل لأبي عمرو: كيف يقولون نلعب وهم أنبياء؟ فقال: لم يكونوا يومئذٍ أنبياء (١)، على أنه يجوز أن يراد باللعب هاهنا الذي هو ضد التشمر من الأخذ باللهو نيالاً، الذي هو ضد الحق، كما روي عن النبي ﷺ أنه قال لجابر: "فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك" (٢) وهذا كأنه تشاغل بمباح وتنفس وجمام. وقرأ أهل الكوفة (٣) كلاهما بالياء وسكون العين والياء ووجهه بيِّن، لأن إسناد الرتع بمعنى النيل من الشيء إلى يوسف لا يبعد، كما لا يمتنع أن

стр. 6613

ينسب إليه اللعب، على أن أبا عبيدة (١) فسَّر نرتع باللهو، فقال نرتع: نلهو، وهذه القراءة أبين من قراءة من قرأ (٢) (نلعبْ) بالنون؛ لأنهم إنما سألوا إرسال يوسف ليتنفس بلعبه لا ليلعبوا هم. وأما قول المفسرين فقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (٣): نرتع: نذهب ونجيء وننشط ونلعب ونلهو. [وقال مقاتل بن سليمان (٤): نرتع نفرح، ونلعب نتلاهى. وقال مجاهد (٥) وقتادة (٦) نسعى وننبسط] (٧) وقال أبو عبيدة (٨): ﴿نرتع ونلعب﴾ معناه نلهو وننعم، قال: هو من القيد والرتعة، وقال غيره: نقم في المرتع، يقول بعضهم: نرتع نرعى إبلنا، وقال قوم: نرتع نأكل، واحتج يقول الشاعر (٩): ويُحَيِّينِي إذا لاقَيْتُه ... وإذا يخلو له لَحْمي رَتَعْ

стр. 6614

أي: أكله، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد (١) في قوله نرتع: نتكالأ ونتحارس بعضنا بعضًا، وعلى هذا فهو افتعال من الرعاية بمعنى الحفظ، لا من رعي الماشية. وقال بعض أهل المعاني: أصل الرتع للمال، ثم يستعمل في الإنسان على معنيين، أحدهما: الاتساع في البلاد بالذهاب في جهاتها من اليمين والشمال، والآخر: التصرف في الشهوات وضروب الملاذ، يقال: رتع فلان في ماله، إذا أنفقه في شهواته. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ قال ابن عباس (٢): يريد من كل ما تخافه عليه. ١٣ - وقوله تعالى ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ خبر عما يوجبه شدة الإشفاق من الحزن عن الفراق، فقال يحزنني ذهابكم، وأخاف أن يأكله الذئب. قال الكلبي وغيره من المفسرين (٣): إن يعقوب ﵇ رأى في النوم ذئبًا عدا على يوسف، فكان حذرًا عليه، خائفًا من تناول الذئب له، لرؤياه التي رآها. وقال آخرون: إنما خاف عليه يعقوب الذئب؛ لأن أرضهم كانت مذأبة، ذكره مقاتل بن سليمان وغيره (٤).

стр. 6615

ويقرأ الذئب (١) مهموزًا ومخففًا، وأصله الهمز (٢)؛ لأنه من قول العرب: تذابت الريح وتذأبت، إذا جاءت من كل جهة كالذيب يحتل بالحيلة من كل جهة، فإذا خففت الهمز منه قلبت ياء، وكذلك البير، ويجمع أذؤبًا وذؤبانًا (٣) كما قالوا: زق وزقان. قال (٤): وازْوَرّ يَمْطُو في بلادٍ بَعِيدَةٍ ... تَعَاوا به ذُئبَانُه وثَعَالِبُه وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ قال ابن عباس (٥) يريد لاهون مشتغلون برعيتكم، وهذا بيان عما توجبه الشفقة من سوء الظن بحوادث الزمان وعوارض الآفات. ١٤ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ أي إن أكله الذئب ونحن جماعة نرى الذئب قد قصده فلا نرده عنه، إنا إذًا [لجاهلون في قول الكلبي، أي] (٦): لجاهلون (٧) بما يُعرفُ

стр. 6616

فضله من إيثار البر وصلة الرحم وتجنب العقوق إن أكله الذئب بحضرتنا ولم نرده عنه. وقال مقاتل (١): معناه لئن أكله الذئب ونحن حضور، وعندنا بأس ودفع، إنا إذًا لعاجزون. قال: فالخسران هاهنا محمول على معنى العجز، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] معناه لعاجزون، ولابد (٢) من إضمار في الآية على تقدير: ونحن عصبةٌ عنده أو بحضرته؛ لأنه يجوز أن يأكله الذئب وهم عصبة غائبون عنه، فلا يُنْسَبون إلى الجهل ولا إلى العجز، وإنما يلزمهم العجز والجهل إن أكله الذئب بحضرتهم فلم يردوه عنه. ١٥ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ ذكرنا معنى الإجماع عند قوله ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ هذه الواو مقحمة زائدة عند الكوفيين، لأنه جواب لما، وجواب لما لا يقتضي واوًا، وعند البصريين لا يجوز إقحام الواو، وجواب لما عندهم محذوف، على تقدير لما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب عظمت فتنتهم، أو كبر ما قصدوا، ثم قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ وحذف الجواب كثير، وهذه المسألة ذكرناها فيما تقدم، قال المفسرون (٣): أوحى الله (٤) إلى يوسف تقويةً لقلبه في البئر:

стр. 6617

لتصدقن رؤياك ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا بعد اليوم ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بأنك يوسف في وقت إخبارك إياهم بأمرهم، وهذا (١) قول ابن عباس (٢) والحسن (٣) وابن جريج (٤). وقال (٥) مجاهد (٦) وقتادة (٧): ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بأنه أوحي (٨) إليه، وأجمعوا على أنه أوحي إلى يوسف في البئر. قال الحسن (٩) أعطاه الله النبوة وهو في الجب. وقال قتادة (١٠): أتاه وحي الله وهو في البئر. وقال الكلبي (١١): ألقي في الجب وهو ابن ثماني عشرة سنة. قال أبو بكر بن الأنباري (١٢): الفائدة في استتار الوحي عنهم، أنهم لو وقفوا على الوحي وعلموا أن مدة يوسف تطول، وأن أمره يقوى جاز أن

стр. 6618

يسبق إلى قلب بعضهم من الحسد ما لعله أن يقدم على إيقاع بلية بيوسف، في وقت إخبارهم بصنيعهم، فإن الله تعالى ألزم يوسف أن لا يطلع أباه ولا أحداً من إخوته على نسبه وموضعه، ليوبخهم على ما سلف من عقوقهم، ويعد عليهم ما فرط من إساءتهم، فهم لا يعرفون عنه، ولا يعرفون أن أخوهم. ولهذه العلة ما كتم يوسف أباه يعقوب نفسه طول تلك المدة مع علمه بوجد أبيه به خوفًا من الخلاف على الله ، فصبر على تجرع المرارة بما يعلمه من قلق أبيه (١) إيثارًا لطاعة ربه واتباعًا لأمره، وكان الله تعالى قد قضى على يعقوب أن يوصله إلى درجة عالية لا يصل إليها إلا بعظيم الحسرة التي كان يكابدها، فلذلك أمر يوسف بكتمان شأنه عن أبيه. والقولان في قوله ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ حكاهما الزجاج (٢) فقال: في قوله ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هذا جائز أن يكون من صلة ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، وجائز أن يكون من صلة ﴿أَوْحَيْنَا﴾، المعنى: وأوحينا إليه (٣) وهم لا يشعرون، أي نبأناه بالوحي وهم لا يشعرون أنه نبي قد أوحي إليه. ١٦ - قوله تعالى ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ﴾ قال ابن عباس (٤): ثم إنهم ذبحوا سَخْلة وجلوا دمها على قميص يوسف، وكانوا (٥) قد ألقوه في الجب عريانًا ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً﴾ ليكونوا أجراً في الظلمة على الاعتذار وترويج

стр. 6619

ما مكروا (١)، ﴿يَبْكُونَ﴾ مكرًا لإيهام براءتهم مما عرض (٢) ليوسف من البلية بأكل الذئب على زعمهم. روى مجالد (٣) عن الشعبي قال: خاصمت امرأة إلى شريح وجعلت تبكي فقيل له: يا أبا أمية، أما تراها تبكي، فقال شريح: قد جاء إخوة يوسف أباهم عشاءً يبكون (٤). ١٧ - قوله تعالى: ﴿يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ قال أكثر المفسرين (٥): نتنصل في الرمي، وهذا اختيار الزجاج (٦) وابن قتيبة (٧)، قال نتنصل: يسابق بعضنا بعضًا في الرمي، وعلى هذا هو من السباق في النصال، وفيه قول النبي ﷺ : "لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر" (٨) يعني بالنصل: الرمي، وأصل السبق في الرمي للسهم، وهو أن يرمي اثنان أيهما يكون أسبق بينهما وأبعد غلوة، ثم يوصف المتراميان بذلك، فيقول: استبقا

стр. 6620

وتسابقا، إذا فعلا ذلك لتبيين أيهما أسبق سهمًا، ويدل على صحة هذا التفسير ما روي أن في قراءة عبد الله ﴿إنا ذهبنا ننتصل﴾ (١). وقال السدي (٢) ومقاتل (٣): نستبق: نشتد ونعَدو لنتبين أينا أسرع عَدْوًا، فإن قيل كيف جاز لهم أن يستبقوا وهم رجال بالغون، وهذا من فعل الصبيان؟ فالجواب ما ذكره صاحب النظم، وهو أن الاستباق فيهم كان مثل السباق في الخيل والنصال عندنا، وكانوا يُحْزنُون بذلك أنفسهم ويدربونها على العَدْو؛ لأنه كالآلة لهم في محاربة العدو، ومدافعة الذئب إذا رام ماشيتهم (٤). وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ قال ابن عباس (٥): يريد ثيابهم ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾، قال عامة المفسرين (٦) وأصحاب المعاني (٧): مصدق لنا، وذكرنا تحقيق هذا في أول سورة البقرة (٨).
следующие страницы →