← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

قال مجاهد (١): كانت العير حميرًا. وقال مقاتل (٢) بن سليمان: العير الرفقة. (قال ابن الأنباري: ولا تكون العير رفقة أبدًا إلا على قيام مقام الرفقة وتأديتها عنها) (٣). قال أبو إسحاق (٤): معناه يا أصحاب العير، ولكن قال: (أيتها العير)، وهو يريد أهلها، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، ويا خيل الله اركبي. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ قال أبو علي: التقدير فقال: إنكم لسارقون. فإن قيل: لم سَرَّق يوسفُ من لم يَسْرِق وهم لم يسرقوا شيئًا؟ قيل (٥) معناه: إنكم لسارقون يوسف من أبيه، حين طرحتموه في الجب. وقيل (٦): إن المنادي نادى وعنده أنهم قد سرقوا السقاية، ولم يعلم أن يوسف أمر بوضعها في رحل أخيه، وإنما كان أمر بذلك على ما أمره الله فلما فقدها الموكلون بها اتهموهم بسرقتها، على أن النداء بالتسريق كان بغير أمر يوسف ولا علمه، فكان الكذب زائلًا عن نبي الله في الحالات كلها.

стр. 6757

٧١ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا﴾ هو يعني أصحاب العير وهم إخوة يوسف ﴿وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس (١): يريد أقبل هذه الرفقة على غلمان يوسف. فعلى هذا المعنى قال إخوة يوسف، وقد أقبلوا على المؤذن ومن معه، والمؤذن كان معه قوم يقولون بقوله ويصححون دعواه. قاله أبو بكر (٢) قال: ويجوز أن يكون المعنى: قال إخوة يوسف وقد أقبل المنادي ومن معه بالدعوى والمطالبة؛ لأنه قد تقدم ذكر الفريقين، وصلح صَرْف الإقبال إلى كل فريق منهما. ٧٢ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ قال أبو إسحاق (٣): الصواع هو الصاع بعينه، وهو يذكر ويؤنث وهو السقاية وكذلك الصاع أيضًا يذكر ويؤنث والدليل على أنهما بمعنًى، قراءة (٤) أبي هريرة ﴿قالوا نفقد صاع الملك﴾ وزاد الفراء (٥) فمن أنثه قال: ثلاث أصوع، مثل ثلاث أدؤر [ومن ذكّره] (٦) قال: أصواع، مثل أثواب. وقال الحسن (٧): الصواع والسقاية شيء واحد، ويجمع الصاع أيضاً صيعانًا.

стр. 6758

وقال بعض أهل التأويل (١): الاسم الحقيقي لهذا الإناء: الصواع، والسقاية وصف، قال: وهذا نحو قولهم: كوز وإناء وسقاء، فالاسم المختص هو الكوز، والوصف هو السقاء إذ كان مشتركًا، وقال جماعة من المفسرين: الصواع كان على [صيغة المكوك أو القفيز يشربون فيه، ويسقون دوابهم] (٢)، ويكيلون به إذا احتاجوا إلى ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي من الطعام ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ قال مجاهد (٣): الزعيم: هو المؤذن الذي أذن، وتفسير زعيم كفيل. وقال الكلبي: الزعيم: الكفيل بلسان أهل اليمن. نحو هذا قال المفسرون وأهل اللغة (٤) في الزعيم أنه الكفيل. أبو عبيدة (٥) عن الكسائي: زعمت به أزعم زعمًا وزعامة، أي: كفلت به، وهذه الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شريعتهم، وقد حكم بها رسول الله ﷺ في قوله: "الزعيم غارم" (٦).

стр. 6759

فإن قيل: (١) هذه كفالة بشيء مجهول، قلنا: حمل (٢) بعير من الطعام كان معلومًا عندهم فصحت الكفالة به، غير أن هذا كفالة مال لرد سرقة، وهو كفالة ما لم يجب؛ لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئًا على رد السرقة، ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم. ٧٣ - وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ﴾ قال الفراء (٣): العرب لا تقول: تالرحمن، ولا يجعلون مكان الواو تاء إلا في الله، وذلك أنها أكثر الأيمان مجرى في الكلام، فتوهموا أن الواو منها لكثرتها في الكلام وأبدلوها تاء، كما قالوا: التراث وتترى، وهو من المواترة والتُّخمة والتُّجاه، وقال البصريون (٤): الواو في (والله) بدل من التاء، والتاء بدل من الواو، فضعفت عن التصريف في سائر الأسماء، وجعلت فيما هو أحق بالقسم وهو اسم الله جل وعز. وإنما جاز إبدال التاء من الواو؛ لأنهما من حروف الزوائد والبدل، والتاء أقرب حروف البدل إلى الواو. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال المفسرون وجميع أهل المعاني (٥): حلفوا على علمهم بذلك؛ لأنهم كانوا معروفين

стр. 6760

بأنهم لا يظلمون أحدًا ولا يرزأون شيئًا لأحد في سفرهم، ولا يعيثون في بستان أحد ولا زرعه، حتى يُرْوَى أنهم قد كمَّموا (١) أفواه إبلهم لئلا تعيث (٢) في زرع، ومن كانت هذه صفته فهو غير قاصد لفساد. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ وذلك أنهم لما وجدوا بضاعتهم (في رحالهم لم يستحلوا أخذها وبادروا بردها، قالوا: فلو كنا سارقين لم نردد بضاعتكم) (٣) حين أصبناها مع أمتعتنا، ومن رد ما وجده كيف يكون سارقًا. ٧٤ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ أي ما جزاء السرق إن كنتم كاذبين في قولكم: (ما كنا سارقين)، وقد سبق من الكلام ما يدل على السرق. ٧٥ - وقوله تعالى: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ قال ابن عباس (٤) والمفسرون (٥): كانوا في ذلك الزمان يستعبدون كل سارق بسرقته، وكان استعباد السراق لهم يجري مجرى القطع لنا، فلذلك قالوا: جزاؤه في وُجد في رحله، أي: جزاء السَّرَق من وجد السرق في رحله ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ أي فالسارق جزاء السرق.

стр. 6761

قال أبو إسحاق (١): جزاؤه ابتداء، و (من وجد في رحله) الخبر والمعنى: حزاء السارق الإنسان الموجود في رحله المسروق، ويكون قوله ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ زيادة في الإبانة [كما تقول: جزاء السارق القطع فهو جزاؤه، فتذكر (فهو جزاؤه) زيادة في الإبانة] (٢). قال: ويجوز أن يكون قوله: ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ جملة في موضع خبر الابتداء والعائد منها إلى الابتداء جزاؤه التي بعد، فهو كأنه قيل: قالوا جزاؤه من وجد في رحله، فهو هو، أي: فهو الجزاء، وهو كناية عن السارق، أي فالسارق جزاؤه، ولكن الإظهار كان أحسن هاهنا لئلا (٣) يقع في الكلام لبس، ولئلا يتوهم أن (هو) إذا (٤) عادت ثانية فليست براجعة على الجزاء، والعرب إذا فَخَّمتْ (٥) أمرًا جعلت العائد عليه إعادة لفظه بعينه. أنشد النحويون (٦):

стр. 6762

لا أَرى المَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شِيْءٌ ... نَغّصَ المَوْتُ ذا الغِنَى والفَقِيرَا ولم يقل: يسبقه شيء. وأنشد ابن الأنباري: ليْتَ الغُرَابَ غَدَاةَ يَنْعَبُ دَائِبًا ... كان الغُرَابُ مُقَطّعَ الأوْدَاجِ (١) فأظهر الغراب لعظيم شره عندهم. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ قال أبو إسحاق (٢): أي مثل هذا الجزاء نجزي الظالمين، قِالِ ابن عباس (٣): يريد إذا سرق واستُرق. ٧٦ - قوله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ قال المفسرون: لما قال إخوة يوسف: ﴿مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. وأقروا بأن من وجد المسروق في رحله فجزاؤه أن يسترق، قال لهم المؤذن: إنه لابد من (تفتيش أمتعتكم (٤) وانصرف بهم إلى) (٥) يوسف فبدأ يوسف بأوعيتهم قبل وعاء أخيه؛ لإزالة التهمة، والأوعية (٦) جمع الوعاء وهو كل (ما استودع شيئًا) فأحاط به، يقال: أوعيت الشيء في الوعاء أوعيه إيعاء.

стр. 6763

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ إن شئت رددت الكناية إلى السقاية، وإن شئت إلى الصواع، على لغة من يؤنث. وإن شئت على السرقة؛ لأن فيما تقدم دليلاً عليها، قاله الفراء (١) والزجاج (٢) وابن الأنباري (٣). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ قال الزجاج (٤): موضع الكاف نصب، المعنى: مثل ذلك الكيد كدنا ليوسف. قال عطاء عن ابن عباس (٥): يريد ألهمنا يوسف هذا الكيد، ونحوه قال الربيع (٦). وقال قتادة (٧): صنعنا ليوسف. وقال ابن إسحاق (٨): كذلك كدنا له إخوته حتى ضممنا أخاه إليه. وقال مجاهد (٩): كاد (١٠) الله له حتى فعل بأخيه ما فعل. هذا قول المفسرين في معنى قوله ﴿كِدْنَا﴾، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي (١١): الكيد التدبير بباطل أو حق، وعلى هذا معنى قوله ﴿كِدْنَا

стр. 6764

لِيُوسُفَ﴾ أي دبرنا له بأن ألهمناه أن يجعل السقاية في رحل أخيه ليتوصل به إلى حبسه، وهذا معنى ما حكينا عن المفسرين. وقال أبو بكر (١): ﴿كِدْنَا﴾ وقع خبرًا عن الله تعالى، على خلاف معناه في أوصاف المخلوقين، فإنه إذا أخبر به عن مخلوق كان تحته احتيال. وهو في وصف فعل الله يُعرّى من المعاني المذمومة، ويخلص أنه وقع بمن يكيده ما يريد من حيث لا يشعر به، ولا يقدر على دفعه، فهو من الله مشبه بالذي يكون من المخلوقين، من أجل أن المخلوق إذا كاد المخلوق ستر عنه ما ينويه ويضمر له، والذي يقع به الكيد من الله تعالى يتستر عنه ما كتم الله عاقبته، والذي وقع بإخوة يوسف من كيد الله تعالى ما انتهى إليه شأن يوسف من ارتفاع المنزلة، وتمام النعمة، فحيث جرى الأمر على غير ما قدروا من إهلاكه، وخلوص أبيهم لهم بعده، بتدبير الله وخفي لطفه، جعل ذلك كيدًا لمَّا أشبه كيد المخلوقين (٢) وعلى ما ذكر أبو بكر: كيد الله ليوسف عائد إلى جميع ما أعطاه على خلاف تقدير إخوته من غير أن علموا بذلك. وعلى ما ذكره المفسرون: كيد الله له في هذه الآية خاص بإلهامه الحيلة في حبس أخيه. وقولى تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ قال ابن عباس (٣) في رواية عطاء: في حكم الملك وقضائه. وهو قول قتادة (٤)، وروى

стр. 6765

عنه (١) أيضًا: في سلطان الملك، وهو اختيار ابن قتيبة (٢). قال أبو بكر: والدين معناه في اللغة: السلطان. وأنشد قول زهير (٣): في دِينِ عَمْرو وحَالَتْ بَيْنَنَا فَدَكُ وقال الزجاج (٤): في سيرة الملك، وقال غيره (٥): في عادة الملك. وأنشد (٦):

стр. 6766

أهَذَا دِينُه أَبَدًا ودَينِي قال أهل التفسير (١): كان حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم ضعفي ما سرق، فلم يكن يتمكن يوسف من حبس أخيه عنده في حكم الملك لولا ما كاد الله له تلطفًا حتى وجد السبيل إلى ذلك، وهو ما أجرى على ألسنة إخوته أن جزاء السارق الاسترقاق، فأقروا به وكان ذلك مراده، وهو معنى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فكان ذلك بمشيئة الله. قال أبو إسحاق (٢): موضع "أن" نصب، لما سقط الباء أفضى الفعل فنصب، المعنى: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا بمشيئة الله. وقال أبو بكر: تأويله: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ويستوجب ضمّه إلا بمشيئة الله ذلك، وتقريبه منه ما لا يوصل إليه إلا بتسهيله وتيسيره. وروي عن الحسن (٣) في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي أنه الآمر له بذلك، والمفسرون على أن ذلك كان إلهامًا. وقوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ قال أهل المعاني أي (٤) بما نريه من وجوه الصواب في بلوغ المراد، وفي هذا إشارة إلى رفع درجة يوسف. وقال أبو بكر (٥): نرفع درجات من نشاء، بضروب عطايانا وكراماتنا وأبواب علومنا، كما رفعنا درجة يوسف على إخوته في كل شيء.

стр. 6767

وقوله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ذكر المفسرون في هذا قولين أحدهما: أن المراد بقوله (عليم) الله تعالى، والمعنى: وفوق كل ذي علم معلّم عليم، وهو الله تعالى الغني بعلمه عن التعليم، وهذا قول ابن عباس (١) والحسن (٢) وسعيد بن جبير (٣). وروي عن سعيد أنه قال: "ذكر ابن عباس آية فقال رجل من القوم: الحمد لله وفوق كل ذي علم عليم، قال ابن عباس: بئسما قلت: الله هو العلم وهو فوق كل شيء (٤). قال أبو بكر: وتأويل الآية على هذا: وفوق كل ذي علم اختص به وانكشف له رب العالمين الذي المِنّة له وكل العلوم منه بدأت وإليه تعود. والقول الثاني: والذي عليه أكثر المفسرين: وفوق كل ذي علم ممن رفعه الله عليم قد رفعه الله بالعلم فهو أعلم منه، وهذا قول ابن عباس (٥) في رواية عكرمة. قال: يكون هذا أعلم من هذا حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى، وفي هذا إشارة إلى أن علم يوسف في ذلك الأمر كان ألطف من علم إخوته.

стр. 6768

قال أبو بكر: قال جماعة من أهل التفسير: إن العالم واجب عليه أن يتهم نفسه ويستشعر التواضع لربه، ولا يطمع نفسه بالغلبة على العلوم؛ لأنه لا يخلو عالم من عالم يفوقه. ٧٧ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ﴾ الآية، قال الكلبي وغيره من المفسرين (١): لما خُرِّج الصواع من رحل أخي يوسف نكس إخوته رؤوسهم، وقالوا: ما رأينا كاليوم قط ولدت راحيل أخوين لصّين، فقال لهم أخوهم: والله ما سرقته ولا علم لي بمن وضعه في متاعي، وقيل إنه قال لهم: إن الذي وضع بضاعتكم في رحالكم هو الذي وضع السرقة في رحلي. والمفسرون مختلفون في أن يوسف هل كان أخبر أخاه بالكيد الذي يريد أن يكيده في حبسه عنده، فمنهم من يقول: كان قد أخبره بذلك، ومنهم من يقول: لم يخبره، وهذا معنى قوله ﴿قَالُوا﴾ أي: الإخوة ليوسف إن يسرق أي الصواع فقد سرق أخ له من قبل. قال عطاء عن ابن عباس (٢): يريدون يوسف، وكان يأخذ الطعام من مائدة أبيه سرًّا منهم فيتصدق به في المجاعة حتى فطن به إخوته، ونحو هذا قال وهب (٣) في معنى السرق الذي وصفوا به يوسف، ومقاتل: عن الضحاك (٤) عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير (٥) وقتادة (٦) سرق صنمًا كان لجده أبي أمه

стр. 6769

وكسره وألقاه على الطريق. وقال محمد بن إسحاق (١) ومجاهد (٢): إن جدته خبأت في ثيابه منطقة كانت لإسحاق يتوارثونها بالكبر لتملكه بالسرق محبة لمقامه عندها. قال ابن الأنباري (٣): وهو في هذه (كلها غير سارق في الحقيقة لكنه أتى) (٤) ما يشبه السرق، فوصفه إخوته بذلك عند الغضب على جهة التشبيه والتمثيل، [وقد يوصف بالشيء على جهة التمثيل] (٥)، ولا يراد به الحقيقة، كما روي عن النبي ﷺ قال: "كذب إبراهيم ثلاث كذبات" (٦). تأويله: قال قولًا يشبه الكذب في الظاهر، وهو صدق عند البحث. وقوله تعالى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ قال الفراء (٧): أسر الكلمة أي: أضمرها في نفسه ولم يظهرها. قال ابن الأنباري (٨): والكلمة التي أسرها في نفسه: أنتم شرٌّ مكانًا، وزاد من عنده: فأسرّ جوابَ الكلمة التي تكلّموا بها، وتلخيصه وأمرّ جوابها في نفسه فحذف المضاف.

стр. 6770

وقال أبو إسحاق (١): الكناية في "فأسرها" إضمار على شريطة التفسير لأن [قوله] (٢) (قال أنتم شر مكانًا) [بدل من الكناية في (فأسرها) المعنى: فأسر يوسف في نفسه قوله أنتم شرٌّ مكانًا] (٣). قال أبو علي (٤) فيما استدرك عليه: اعلم أن الإضمار على شريطة التفسير يكون على ضربين: أحدهما: أن يفسر بمفرد كقولنا: نعم رجلاً زيد، ففي نعم ضمير فاعلها ورجلًا المنصوب تفسير لذلك الفاعل المضمر، وأضمر الفاعل لتفسير هذا المذكور له ودلالته عليه، ومثل هذا قولهم: ربه رجلاً، فرجل تفسير المضمر في رب كما كان تفسير المضمر في نعم، فهذان مفردان مضمران على شريطة التفسير، مفسران بمظهرين منكورين ولم يعلم غيرهما، هذا كلامه هاهنا، وقد قال في "الإيضاح": وقالوا: ربه رجلاً، فأضمروا معه قبل الذكر على شريطة التفسير، كما فعلوا ذلك في: نعم رجلاً، وإنما أدخلت رُبَّ على هذا الضمير، وهي إنما تدخل على النكرات من أجل أن هذا الضمير ليس بمقصود قصده، فلما كان غير معين أشبه النكرة، وهذه الهاء على لفظ واحد، وان وليها المذكر أو الاثنان أو الجماعة فهي موحدة، على كل حال رجعنا في كلامه إلى هذه المسألة. قال: والآخر أن يفسر بجملة، وأصل هذا يقع بالابتداء كقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧]، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾

стр. 6771

[لإخلاص: ١] المعنى القصة (١) الذين كفروا شاخصة، والأمر الله أحد، ثم تدخل عوامل المبتدأ عليه نحو كان وأن، فينتقل هذا المضمر من الابتداء به كما ينتقل سائر المتبدآت كقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: ٧٤]، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] وتفسير المضمر على شريطة التفسير في كلا الموضعين [متصل بالجملة التي فيها الإضمار المشروط تفسيره متعلق بها، وليس يكون في أحد الموضعين] (٢) خارجًا عن الجملة المتضمنة للمضمر الذي يشرط تفسيره، أما في المبتدأ وما دخل عليه فهو في موضع الخبر كما أريتك، وأما في الضرب الذي هو المفرد فمتعلق بما عمل في الاسم المضمر المفرد، ألا ترى أن (رجلا) في قولك: نعم رجلاً منتصب عن الفعل والفاعل، وإذا كان كذلك قد تبين لك أن المضمر على شريطة التفسير لا يكون إلا متعلقًا بالجملة الذي تتضمن (٣)، ولا يكون منقطعًا عنها ولا متعلقًا بجملة غيرها. وإذا كان الأمر على ما وصفنا فالذي ذكره أبو إسحاق (٤) في الآية: أنه إضمار على [شريطة التفسير] (٥)، لا يستقيم لانفصال التفسير عن الجملة التي فيها الضمير الذي زعم أنه إضمار على شريطة التفسير، ووقوعها بعد جمل بعدها وانقطاعها منه، وهذا بين الفساد؛ لأنه لا نظير له ولا نجد شاهدًا عليه إلا دعوى لا دلالة معها، ألا ترى أن تفسير المضمر على

стр. 6772

شريطة التفسير ضربان: إما جملة تفسر مفردًا نحو: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ وإما مفرد يفسر مفردًا من جملة [نحو: نعم رجلاً، وأما جملة تفسر مفردًا من جملة] (١)، فليس في القسمة ولا في الوجود، وإذا كان كذلك فلا اتجاه لهذا التأويل في الآية، فإن قلت: فعلام يحمل هذا الضمير في أسرها؟ قلنا يحتمل أن يكون إضمارًا للإجابة، كأنهم لما قالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أسر يوسف إجابتهم في نفسه في الوقت ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ في الحال إلى وقت ثان، وجاز إضمار ذلك؛ لأنه قد دل على إضمارها ما تقدم من مقالتهم، ويجوز أيضًا أن يكون إضمارًا للمقالة كأنه أسر يوسف مقالتهم، والمقالة والقول واحد في المعنى. فإن قلت: كيف يسر هو مقالتهم؟ قيل: ليس معنى المقالة اللفظ، ولكن المعنى المقول، فيكون المصدر عبارة عن المقول، كما يقول (٢) في الخلق، وضَرْب الأمير، ونَسْج اليمن، ومعنى أسرها: أوعاها ولم يطرحها وأكنها في نفسه، إرادة للتوبيخ عليها والمجازاة بها ونحو ذلك، فعلى هذا توجيه هذا الضمير لفساد ما ذكره أبو إسحاق عندنا (٣)، انتهى كلامه. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ هذا يدل على صحة ما ذكره أبو علي؛ لأنه كيف يصح أن يقول أسَرّ يوسف هذه الكلمة، وقد أخبر الله تعالى أنه قد قال ذلك، إلا أن يحمل على أنه قال ذلك في نفسه من غير إظهار، وفي ذلك عدول عن الظاهر. قال عطاء عن ابن عباس (٤): يريد:

стр. 6773

"أنتم شر" فعلاً، طرحتم أخاكم في الجب (١) وزعمتم (٢) لأبيكم أن الذئب قتله وأنتم كاذبون، ثم بعتموه بعشرين درهما، وهذا الذي ذكره ابن عباس يتضمنه قوله: (أنتم شر مكانا) لا أنه واجه إخوته بكل هذا، وروى الضحاك عنه (٣) في قوله (أنتم شر مكانا) قال: شر صنيعا لما أقدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم. وقال أهل المعاني (٤): أنتم شر منزلًا عند الله ممن رميتموه بالسرقة لأنكم سرقتم من أبيكم أخاكم. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء (٥): أراد أن سرقة يوسف كانت لله رضا، ويروى عنه (٦)، وهو قول الحسن (٧) وقتادة (٨): (والله أعلم بما تصفون) أنه كذب. وقال أبو إسحاق (٩): أي الله يعلم أسرق أخ له أم لا. ٧٨ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أي في السنن ويجوز أن يكون بمعنى: كبير القدر، ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ قال

стр. 6774

ابن عباس (١) والحسن (٢): خذ واحداً منا تستعبده بدله. ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال ابن عباس (٣) وابن إسحاق (٤): إنك إذا فعلت ذلك فقد أحسنت إلينا وفعلت بنا كل خير، قال أبو بكر: تلخيصه: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلينا إن رددت أخانا علينا، وقبلت منا واحداً مكانه، وقال أبو إسحاق (٥): طالبوه بأن يحسن؛ لأنه كان أعطاهم الطعام ورد إليهم بضاعتهم، قال أبو بكر: والتأويل على هذا القول ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلينا في توفيرك علينا الطعام ومسامحتك إيانا في الأثمان. ٧٩ - قوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللهِ﴾ أي اعتصامًا بالله، وقال الزجاج (٦): المعنى أعوذ بالله معاذًا، وذكرنا الكلام في هذا مستقصى في أول السورة. وقوله تعالى: ﴿أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ أي: أستجير بالله من أن آخذ برئيًا بسقيم، وموضع (أن) نصب، والمعنى (٧): أعوذ بالله من أخذ أحدٍ، فلما سقطت (من) أفضى الفعل إلى المفعول فنصب. قاله: أبو إسحاق (٨).

стр. 6775

وقوله تعالىِ: ﴿إنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد لقد تعديتُ وظلمتُ إن استعبدت غير الذي سرقني. ٨٠ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ وروي عن ابن كثير: استايسوا (١)، و (حتى إذا استايس (٢) الرسل) بغير همز (٣)، ويئس واستايس (٤) واحد، مثل: عجيب واستعجب، وسخر واستسخر، وفي يئس لغتان: يئس وييئس مثل حسب يحسب ويحسب، ومن قال: استايس، قلب العين إلى موضع الفاء فصار استفعل، ولفظه: استأئس، ثم خفف الهمزة وأبدلها الفاء مثل: راس وفاس، وقد قلب هذا الحرف في غير هذا الموضع فقالوا: يئس يائس، وهو مقلوب من: يئس ييئس، وهو الأصل بذلك على ذلك، أن المصدر لا نعلمه جاء إلا على تقديم الياء، فأما قولهم: لا يأس، فليس مصدر آس، ولو كان كذلك لكان من باب جذب وجبذ، في أن كل واحد منهما أصل على حدة، وليس أحدهما مقلوبًا عن صاحبه، ولكن: أياسًا مصدر أُسُّهُ آوُسَهُ أوسًا وإياسًا إذا أعطيتهُ، والإياس مثل القيام والعياذ (٥)، وإنما سمي الرجل باياس وَآوس، كما يُسَمى بعطاء وعطية، ومن ذلك قول الجعدي (٦): وكانَ الإله هو المستآسا

стр. 6776

وهو مستفعل من العطاء، أي: يُسأل أن يعطى، هذا قول أبي علي الفارسي (١). وقال غيره: آيس لغة في: يئس وآيسته، أي: أيأسته، وهو اليأس والإياس. قال ابن عباس (٢): يريد يئسوا أن يخلى سبيله معهم. وقوله تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ يقال: خلص الشيء خلوصًا، إذا ذهب عنه الشائب من غيره، ومعنى خلصوا هاهنا: انفردوا من غير أن يكون معهم من ليس منهم، والنجي صفة فعيل بمعنى المناجي، يقع على الكثير كالصديق والرفيق والحميم، ومثله: العري والنجوى مصدر ثم يوصف بهما، فيستوي فيهما الواحد والجمع والمؤنث والمذكر، قال الله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] فوصف به الواحد، وقال في الجمع: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾، وقال ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٥٢] فجعله جمعًا، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧]. والنجوى: الرجال المتناجون هاهنا، وقال في المصدر: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٠] يقال: نجوت فلانًا أنجوه نجوى، إذا ناجيته، هذا الذي ذكرنا قول جميع أهل اللغة (٣) وأنشدوا (٤):

стр. 6777

بُنَيّ بدا خَبُّ نَجْوى الرجالِ ... فكُنْ عند سِرّك خَبَّ النَّجِي والبيت للصلتان العبدي (١)، والنجوى فيه مصدر، والنجي صفة، يقول: بدا غش مناجاة الرجال فكن غاشًّا بنجيك الذي تناجيه، أي: لا تطلعه على سرك، ويجمع على أنجية، ومنه قول لبيد (٢): وشَهِدْتُ أنْجِيةَ الأفاقةِ عاليًا ... كَعْبي وأرْدَافُ الملوك شُهُودُ ويجمع النبي أيضًا أنجيا، وأما تفسير ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ فقال أبو إسحاق (٣): انفردوا وليس معهم أخوهم متناجين فيما يعملون في ذهابهم إلى أبيهم من غير أن يرجعوا بأخيهم إليه، وقال ابن قتيبة (٤): اعتزلوا الناس ليس معهم غيرهم يتناجون ويتناظرون، وقال الأزهري (٥): تميزوا عن (٦)

стр. 6778

الناس يتناجون فيما أهمهم، فأبو إسحاق حمل الخلوص على أنهم خلصوا وانفردوا من أخيهم في المناجاة، ونحوه قال ابن الأنباري، وغيرهما: يحمله على اعتزالهم عن غيرهم من الناس وهو الظاهر. وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قال عطاء عن ابن عباس (١): يعني يهوذا وكان أعقلهم، وهو قول وهب (٢) والكلبي (٣) ومقاتل بن سليمان (٤): لم يكن أكبرهم في السن لكنه كان أكبرهم في صحة الرأي. وقال مجاهد (٥): شمعون، وكان أكبرهم في العلم والعقل لا في السن. وقال قتادة (٦) والسدي (٧) والضحاك (٨) وكعب (٩): هو روبيل وكان أكبرهم سنًّا، وهذا هو الظاهر (١٠).

стр. 6779

[وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ] (١) مَوْثِقًا مِنَ اللهِ﴾ أي في حفظكم الأخ ورده إلى أبيه، وذكرنا الكلام في قوله: ﴿مَوْثِقًا مِنَ اللهِ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ﴾ وذكر الفراء (٣) والزجاج (٤) وابن الأنباري في "ما" ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون المعنى ومن قبل تفريطكم في يوسف أي: وقع وظهر تفريطكم، فـ"ما" يكون موضعها رفعًا، وتكون مع الفعل بمنزلة المصدر. الثاني: أن يكون "ما" في موضع نصب نسق على المعنى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ﴾، ومن قبل تفريطكم في يوسف. الثالث: أن تكون لغوًا لا موضع لها من الإعراب، وتلخيصها: ومن قبل فرطتم في يوسف (٥)، وذكرنا معنى التفريط في قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (٦).

стр. 6780

وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ يقال: برح الرجل براحًا وبروحًا، إذا رام من موضعه، ذكره الفراء (١) في المصادر، وأراد الأرض (٢) موضعه ذلك في قول ابن عباس (٣)، وقال الزجاج (٤): يريد أرض مصر، وإلا فالناس كلهم على الأرض. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ قال ابن عباس (٥): حتى يبعث إلى أبى أن آتيه. وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَحْكُمَ الله لِي﴾ قال: يريد أو يقضي في أمري شيئًا، وقال غيره: أو يحكم الله لي لمحاربة (٦) أو غيرها مما أراد به أخي على أبيه فاحارب مَن حبسه، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: أعدلهم وأفضلهم. ٨١ - قوله تعالى: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ يقوله الأخ المحتبس بمصر لأخوته: ﴿فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ ذكر ابن الأنباري في هذا وجهين: أحدهما: أن معناه سرق عند الملك، وفيما يقدره الملك وحاضروه، فأما في تقديرنا وما نعلمه من أمره فلا، ومثل هذا كثير كقوله: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] أي: عند نفسك، و ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩] أي: عند نفسك، فأما عندنا فلا، قال: وقد قال بعض الناس: تأويله أن ابنك فعل فعلًا يشبه السرق، فسُمي بما يشبه فعله

стр. 6781

على المجاز، قال: والأول هو الأثبت، لموافقته مذاهب العرب، ومشاكلته ألفاظًا من القرآن، وأكثر المفسرين على أنهم ما عرفوا حقيقة الحال فنسبوا إليه السرق، على ما رأوه من ظاهر الأمر، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾، قال ابن عباس (١): يريد بما ظهر. قال ابن إسحاق (٢): معناه: ما قلنا أنه سرق إلا بما علمنا؛ لأنه وجدت السرقة في رحله ونحن ننظر. قال أبو علي الفارسي (٣): شهد الذي يراد به علم هو ضرب من العلم مخصوص، وكل شهادة علم، وليس كل علم شهادة، ومما يدل على اختصاصه أنه لو قال عند الحاكم: أعلم أن لزيد على عمرو عشرة، لم يحكم به حتى يقول: أشهد، فالشهادة مثل التيقن في أنه ضرب من العلم مخصوص، فليس كل علم تيقنًا، وإن كان كل تيقن علمًا. وذكرنا حقيقة التيقن عند قوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٤) فمعنى أشهد على كذا: أعلمه علمًا بحصري، وقد تذلل لي التوقف عنه ولا أثبت لوضوحه عندي، ويدل على أن الشهادة يراد بها المعنى الزائد على العلم قوله: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ وليس يتجه حمله على هذا، فعلم أن معناه ما ذكرناه، وشهد في هذا الوجه يتعدَّى بحرف جر، فتارةً يكون بالباء

стр. 6782

كهذه الآية، وكقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦]،، وأخرى يكون بعلى كقوله: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١]. وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ [فصلت: ٢٠]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ قال ابن عباس (١): لم نعلم ما كان يصنع في ليله ونهاره ومجيئه وذهابه، وتلخيص هذا القول (٢) أنهم قالوا: ما كنا لغيب ابنك حافظين، أي: كنا نحفظه في محضره، فإذا غاب عنا في الأحوال التي ينفرد فيها، استترت عنا أموره وخفيت علينا حالاته. وقال مجاهد (٣) وقتادة (٤) والحسن (٥): ما كنا نشعر أن ابنك سيسرق ويصير أمرنا إلى هذا، ولو علمنا ذلك ما ذهبنا به، وإنما ضمنا حفظه مما لنا إلى حفظه منه سبيل. وقال ابن كيسان (٦): لم نعلم أنك تُصاب به كما أصبت بيوسف، ولو علمنا ذلك لم نحرق قلبك ولم نذهب به. وقال عطاء فيما رواه عن ابن عباس: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ أي: لعله قد غاب عنا أمر ليس هو كما ظهر، وشرح هذا ما ذكره عكرمة (٧)

стр. 6783

وابن إسحاق (١). قال عكرمة: لعلها دُسّت بالليل في رحله. قال ابن إسحاق: معناه قد أخذت السرقة من رحله ونحن ننظر ولا علم لنا بالغيب فلعلهم سرقوه. وقال أهل المعاني: معنى الآية: أنه يقول لإخوته ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ واشرحوا له كيف كانت الحال. ٨٢ - وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ قال ابن عباس (٢): يريد أهل مصر، وهذا قول عامة المفسرين وأهل التأويل (٣) أن المراد: واسأل أهل القرية، فحذف المضاف للإيجاز من غير إخلال، وقد تقدم لهذا شواهد كثيرة ونظائر عدة من الكتاب. قال أبو علي (٤): ودافع جواز هذا في اللغة كدافع الضرورات، وجاحد المحسوسات في غير اللغة، وإثبات الكتاب في هذا المعنى لاشتهارها يستغنى عن ذكرها، وأنشد أبو زيد والكوفيون (٥):

стр. 6784

حَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا ... وما هِيَ وْيبَ غَيْركِ بالعَنَاقِ أي: بغام عناق. وقد اتسع هذا في كلام، حتى إن الشعراء قد أقاموا المضاف في بعض ما يدخله الناس، من ذلك أنشده النحويون: يَحْمِلْنَ عَبَّاسَ بنَ عَبْدَ المُطَّلِبْ (١) يريد ابن عباس، وقول آخر (٢): أرَى الخُطَفيَّ بزَّ الفَرَزْدَقَ شِعْرَه ... ولَكِن خَيْرًا من كُليبٍ مُجَاشِعُ أراد جرير بن الخطفي. ومثله كثير، فإذا جاز إقامة المضاف مقام المضاف إليه في هذا النحو مع أن (٣) الإشكال قد يدخل في بعض الأحوال على كثير من السامعين، كان في غير هذا أجدر وأجود. وذكر أبو بكر (٤) في هذا وجهًا آخر وهو: أن يكون المعنى واسأل القرية والعير فإنها تعقل عنك، وتجيبك الجدران والبعران والأبنية والأخبية والعروش والسقوف، إذ كنت نبيًّا يخصك إلهك بالآيات المعجزات، وعلى هذا الآية سليمة من الإضمار والمجاز.

стр. 6785

وابن عباس (١) والحسن (٢) وقتادة (٣): على أن المراد بالقرية مصر، وروى الكلبي عنه (٤) قال: هي قرية من قرى مصر. وقوله تعالى: ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾، قال ابن عباس (٥): يريد أهل الرفقة التي كنا فيها: أي التي امتاروا معنا، قال المفسرون (٦): وكان قد صحبهم قوم من الكنعانيين. قال ابن إسحاق (٧): عرف الأخ المحتبس أن إخوته أهل تهمة عند أبيهم لما كان من صنيعهم في أمر يوسف، فأمرهم أن يقولوا لأبيهم هذا نفيًا للظنة (٨) عنهم. ٨٣ - قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ مضى الكلام في هذا أول السورة (٩)، قال ابن عباس في هذه الآية: لما قدموا على أبيهم وأخبروه اشتد حزنه فقال: يا بني تذهبون وأنتم اثنا عشر وترجعون وأنتم أحد عشر، ثم تذهبون أحد عشر وترجعون عشرة، ثم تذهبون عشرة وترجعون تسعة، سبحان الله كيف هذا؟

стр. 6786

ثم قال: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، قال المفسرون (١) وأهل المعاني: هاهنا إيجاز وإضمار، والمعنى: فرجعوا فقالوا ليعقوب ما لَقَّنهم يهوذا، فقال يعقوب: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، قال ابن الأنباري (٢): لم ينسبهم يعقوب في هذا إلى الكذب والاحتيال كما نسبهم في أمر يوسف حين قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾ في ابتداء السورة لكنه عني ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾ إخراج بنيامين عني والمصير به إلى مصر، تقديرًا لمنفعة، فعاد من ذلك شر وضرر، وألححتم عليّ في إرساله معكم، ولم تعلموا أن قضاء الله ربما يأتي من فوقكم ويقبض على يدكم. وقال غيره (٣): معنى قوله هاهنا ﴿سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ خيلت لكم أنه سرق وما سرق، ومعنى قول ابن عباس: تذهبون وأنتم اثنا (٤) عشر، يعني حين ذهبوا بيوسف معهم وألقوه في الجب، ورجعوا أحد عشر، ثم ذهبوا أحد عشر حين أرسل معهم بنيامين إلى مصر، فعادوا تسعة؛ لأن بنيامين حبسه يوسف عنده، واحتبس بمصر الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ فعادوا تسعة. وقوله تعالى: ﴿عَسَى الله أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ يعني يوسف وبنيامين، والذي قال: فلن أبرح الأرض.

стр. 6787

وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ قال ابن عباس (١): بشدة حزني ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما حكم عليّ بهذا الحزن وعظم المصيبة بابن بعد ابن. وقال غيره: ﴿الْعَلِيمُ﴾ بصدق ما يقولونه من كذبه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره لخلقه. ٨٤ - قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ قال المفسرون (٢): لما بلغ يعقوب خبر حبس بنيامين، تتام حزنه، وبلغ الجهد، وهاج ذلك وجده بيوسف؛ لأنه كان يتسلى بأخيه منه، فعند ذلك تولى عنهم. قال ابن عباس (٣) وغيره: أعرض عنهم. ﴿وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾، الأسف: الحزن على ما فات، قال الليث (٤): إذا جاءك أمر فحزنت له ولم تطقه فأنت آسف، أي: حزين ومتأسف أيضاً، قال الزجاج (٥): والأصل يا أسفي، إلا أن ياء الإضافة يجوز أن تبدل ألفاً، لخفة الألف والفتحة، ومضى الكلام في هذا وفي نداء غير ما يعقل، ومعنى ذلك في مواضع. وقوله تعالى: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ مما يدل على تجدد وجده بيوسف لفقد بنيامين (٦)، وكذلك الحزن يجر الحزن ونكاء القرح بالقرح أوجع، وقد قال متمم بن نويرة (٧):

стр. 6788

فقال أتبكى كلَّ قَبْرٍ رَأيْتَه ... لقَبْرٍ ثَوَى بَيْنَ اللّوَى والدَّكَادِك فقلتُ له إنَّ الأسَى يَبْعَثُ الأسَى .... فَدَعْني (١) فهذا كله قَبْرُ مَالِكِ وذلك أنه رأى قبرًا فتجدد حزنه على أخيه مالك، وليم على ذلك، فأجاب بأن الأسى يبعث الأسى، عامة أهل العلم (٢): على أن قول يعقوب ﵇: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ ليس منه جزعًا مذمومًا يوجب الإثم؛ لأن الحزن مع حفظ اللسان من الشكوى من الله تعالى كاسب أجرًا وموجب مثوبة، يدل على هذا ما روي (٣): أن يوسف قال لجبريل: هل لك علم بيعقوب، قال: نعم، قال: فكيف حزنه، قال: حزن سبعين ثكلى، قال: فهل له في ذلك من أجر؟ قال: نعم أجر مائة شهيد. قال ابن عباس (٤) في قوله: ﴿يَا أَسَفَى﴾: يا طول حزني على يوسف. قال الحسن (٥): كان بين خروج يوسف من حجر يعقوب إلى يوم التقى معه ثمانون عامًا، لا تجف عينا يعقوب، وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب.

стр. 6789

وقال قتادة (١): يا حزني على يوسف، وقال مجاهد (٢): يا جزعى على يوسف، قال أبو بكر: فمن بني على هذا المذهب، وجعل الأسف جزعًا وضدًا للصبر، زعم أن هذا خطيئة من يعقوب، كما روي أنه كان يرفع حاجبيه بخرقة من الكبر، فقال له رجل: ما هذا الذي أراه بك، قال: طول الزمان وكثرة الأحزان، فأوحى الله إليه: أتشكوني يا يعقوب، فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي (٣). وقوله تعالى: (﴿وَابْيَضَّتْ) (٤) عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ أي انقلبت إلى حال البياض، قال مقاتل (٥): لم يبصر بهما ست سنين حتى كشفه الله تعالى بقميص يوسف. وفسر ابن عباس (٦) الحزن هاهنا: بالبكاء يريد: أن عيناه ابيضتا لكثرة بكائه، والحزن لما كان سببًا للبكاء جاز أن يسمى به، وذلك أن العين لا تبيض وإن اشتد الحزن حتى يكثر البكاء، واختلفوا في: الحُزْن وَالحَزَن، فقال قوم: الحُزْن: البكاء، والحَزَن: ضد الفَرَح.

стр. 6790

وقال قوم: هما لغتان، يقال: أصابه حُزْنٌ شديد وحَزَنٌ شديد، وهذا مذهب أكثر أهل اللغة (١)، وروى يونس عن أبي عمرو (٢) قال: إذا كان في موضع النصب فتحوا الحاء والزاء كقوله: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التربة:٩٢]، وإذا كان في موضع الخفض أو الرفع فهو بضم الحاء كقوله ﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾. ٨٦ - وقوله تعالى (٣): ﴿أَشْكُو (٤) بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ قال: هو في موضع رفع بالابتداء. وقوله تعالى: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ذكرنا الكلام في الكظم عند قوله ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] مستقصى، والكظم هاهنا يجوز أن يكون بمعنى الكاظم، وهو الممسك على حزنه فلا يظهره ولا يشكوه. قال ابن قتيبة (٥): يدل عليه قول قتادة (٦) قال: كظيم على الحزن، لا يقول بأسًا، قد شد فاه على الحزن في قلبه، فليس يتكلم بسوء، وفي ذلك يقول الشاعر (٧):

стр. 6791

فإنْ أكُ كَاظِمًا لمُصَابِ شَاس ... فإني اليَوْمَ منْطَلِقٌ لِسَاني ويجوز أن يكون بمعنى المكظوم، وهو المسدود عليه طريق حزنه فلا، يتكلم بنفثة مصدور، يدل عليه قوله : ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ (١) [القلم: ٤٨]، قال ابن عباس (٢) في هذه الآية: فهو مغموم مكروب، وقال الزجاج (٣): محزون. ٨٥ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ الآية يقال: لمَ أقسموا على هذا وهم على غير يقين منه أن ينقلب فيترك ذكره؟ قال أبو بكر (٤): لم يقسموا إلا على ما كان صحيحًا في نفوسهم، وتلخيصه: تالله تفعل ذلك عندنا، وفي تقديرنا: فحلفوا على ما تقرر عندهم بالاستدلال، على ما يجوز في معلوم الله أن يتغير. وقوله تعالى: ﴿تَفْتَؤُاْ﴾ قال ابن السكيت (٥): يقال: ما زلت أفعله، وما برحت أفعله، وما فتئت أفعله، ولا يتكلم بهن إلا مع الجحد، وقال أبو زيد: يقال: ما فتأت أذكره، أي: ما زلت، وهما لغتان: ما فتئت وما فتأت، يقال: فتئت عن الأمر فَتَأ، إذا نسيته وانْقَدَعْت عنه. وروى (٦) ابن هاني عن أبي زيد: ما أفتأت أذكره إفتاءً، وما فتئت

стр. 6792

أذكره أفتأ فتأ (١). وذكر ذلك أبو إسحاق في باب الوفاق (٢) (٣) وحكى الكسائي (٤): فتئت، وفتأت، فتأ، وفتوءًا، وأنشدوا لأوس بن حجر: فما فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وتَدَّعِي ... ويَلحقُ منها لاحِقٌ وتَقَطَّعُ (٥) وقال القاسم بن معن (٦): هي بلغة أهل اليمن، وأنشد قول الأعرج المَعْنى (٧): فما فِتَئَتْ منها رِعَالٌ كأنها ... رِعَالُ القطا حتى احْتَوَيْنَ بني صَخْرِ قال النحويون (٨): حرف النفي هاهنا مضمر على معنى: ما تفتؤ ولا تفتؤ، وجاز حذفه لأنه لو أريد الإثبات لكان باللام والنون نحو:

стр. 6793

والله ليفعلن، فلما كان بغير اللام والنون، عرف أن لا مضمر، وأنشدوا قول امرئ القيس (١): فقلتُ يَمِينُ اللهِ أبْرَحُ قَاعِدًا وقول الخنساء (٢): فأقْسَمْتُ آسَى على هَالِكٍ ... أو أسأل نَائِحَةً مَالهَا ومثله كثير، وهذا قول الفراء (٣) والزجاج (٤) وابن الأنباري وجميع النحويين. وأما المفسرون فقال ابن عباس (٥) والحسن (٦) ومجاهد (٧) وقتادة (٨)

стр. 6794

والسدي (١) والكلبي (٢): لا تزال تذكر، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد (٣) قال: لا يفتر من ذكره. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قال الفراء (٤): يقال: رجل حرض وحارض، وهو: الفاسد في جسمه وعقله، فمن قال: حرض، لم يثن ولم يجمع ولم يؤنث؛ لأنه بمنزلة: دفن وضنى، في أنه مصدر، قال: ولو ثنى وجمع لكان صوابًا، كما قالوا: ضيف وأضياف، ومن قال: حارض، ثنى وجمع. وقال أبو زيد: الحرض المدنف، ومثله المحرض، وقال الأصمعي: الحرض الهالك، والمحرض المهلك (٥). وقال أبو الهيثم: الحرض والمحرض: الهالك من ضنى (٦)، الذي لا حي فيرجى ولا ميت فيوئس منه، وقال الليث: رجل حرض، لا خير فيه، وجمعه أحراض، والفعل حرُض يحْرُض حُرُوضًا (٧). وحكى الكسائي: حَرض بالفتح وحُرض بالضم حراضة وحروضًا، وهو حارض، وهم حارضون، وحرضة، وحرض.

стр. 6795

قال أهل المعاني (١): أصل الحرض فساد الجسم والعقل للحزن والحب، وأنشدوا للعرجي (٢): إني امْرُؤ لَجَّ بي حُبٌّ فأحَرَضَنِي ... حَتَّى بَلِيت (٣) وحَتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ وقال الزجاج (٤): الحرض الفاسد في جسمه، والحرض الفاسد في أخلاقه، وقولهم: حرَّضت فلانًا على فلان، تأويله: أفسدته. وقال أبو عبيدة (٥): الحرض الذي قد أذابه الحزن، هذا كلام أهل اللغة في الحرض. وأما المفسرون فقال ابن عباس في رواية عطاء: حتى تكون كالشيخ الفاني الذي تغير، وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن الحرض فقال (٦): الفاسد الدنف.
следующие страницы →