← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

فإنْ أكُ كَاظِمًا لمُصَابِ شَاس ... فإني اليَوْمَ منْطَلِقٌ لِسَاني ويجوز أن يكون بمعنى المكظوم، وهو المسدود عليه طريق حزنه فلا، يتكلم بنفثة مصدور، يدل عليه قوله : ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ (١) [القلم: ٤٨]، قال ابن عباس (٢) في هذه الآية: فهو مغموم مكروب، وقال الزجاج (٣): محزون. ٨٥ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ الآية يقال: لمَ أقسموا على هذا وهم على غير يقين منه أن ينقلب فيترك ذكره؟ قال أبو بكر (٤): لم يقسموا إلا على ما كان صحيحًا في نفوسهم، وتلخيصه: تالله تفعل ذلك عندنا، وفي تقديرنا: فحلفوا على ما تقرر عندهم بالاستدلال، على ما يجوز في معلوم الله أن يتغير. وقوله تعالى: ﴿تَفْتَؤُاْ﴾ قال ابن السكيت (٥): يقال: ما زلت أفعله، وما برحت أفعله، وما فتئت أفعله، ولا يتكلم بهن إلا مع الجحد، وقال أبو زيد: يقال: ما فتأت أذكره، أي: ما زلت، وهما لغتان: ما فتئت وما فتأت، يقال: فتئت عن الأمر فَتَأ، إذا نسيته وانْقَدَعْت عنه. وروى (٦) ابن هاني عن أبي زيد: ما أفتأت أذكره إفتاءً، وما فتئت

стр. 6792

أذكره أفتأ فتأ (١). وذكر ذلك أبو إسحاق في باب الوفاق (٢) (٣) وحكى الكسائي (٤): فتئت، وفتأت، فتأ، وفتوءًا، وأنشدوا لأوس بن حجر: فما فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وتَدَّعِي ... ويَلحقُ منها لاحِقٌ وتَقَطَّعُ (٥) وقال القاسم بن معن (٦): هي بلغة أهل اليمن، وأنشد قول الأعرج المَعْنى (٧): فما فِتَئَتْ منها رِعَالٌ كأنها ... رِعَالُ القطا حتى احْتَوَيْنَ بني صَخْرِ قال النحويون (٨): حرف النفي هاهنا مضمر على معنى: ما تفتؤ ولا تفتؤ، وجاز حذفه لأنه لو أريد الإثبات لكان باللام والنون نحو:

стр. 6793

والله ليفعلن، فلما كان بغير اللام والنون، عرف أن لا مضمر، وأنشدوا قول امرئ القيس (١): فقلتُ يَمِينُ اللهِ أبْرَحُ قَاعِدًا وقول الخنساء (٢): فأقْسَمْتُ آسَى على هَالِكٍ ... أو أسأل نَائِحَةً مَالهَا ومثله كثير، وهذا قول الفراء (٣) والزجاج (٤) وابن الأنباري وجميع النحويين. وأما المفسرون فقال ابن عباس (٥) والحسن (٦) ومجاهد (٧) وقتادة (٨)

стр. 6794

والسدي (١) والكلبي (٢): لا تزال تذكر، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد (٣) قال: لا يفتر من ذكره. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قال الفراء (٤): يقال: رجل حرض وحارض، وهو: الفاسد في جسمه وعقله، فمن قال: حرض، لم يثن ولم يجمع ولم يؤنث؛ لأنه بمنزلة: دفن وضنى، في أنه مصدر، قال: ولو ثنى وجمع لكان صوابًا، كما قالوا: ضيف وأضياف، ومن قال: حارض، ثنى وجمع. وقال أبو زيد: الحرض المدنف، ومثله المحرض، وقال الأصمعي: الحرض الهالك، والمحرض المهلك (٥). وقال أبو الهيثم: الحرض والمحرض: الهالك من ضنى (٦)، الذي لا حي فيرجى ولا ميت فيوئس منه، وقال الليث: رجل حرض، لا خير فيه، وجمعه أحراض، والفعل حرُض يحْرُض حُرُوضًا (٧). وحكى الكسائي: حَرض بالفتح وحُرض بالضم حراضة وحروضًا، وهو حارض، وهم حارضون، وحرضة، وحرض.

стр. 6795

قال أهل المعاني (١): أصل الحرض فساد الجسم والعقل للحزن والحب، وأنشدوا للعرجي (٢): إني امْرُؤ لَجَّ بي حُبٌّ فأحَرَضَنِي ... حَتَّى بَلِيت (٣) وحَتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ وقال الزجاج (٤): الحرض الفاسد في جسمه، والحرض الفاسد في أخلاقه، وقولهم: حرَّضت فلانًا على فلان، تأويله: أفسدته. وقال أبو عبيدة (٥): الحرض الذي قد أذابه الحزن، هذا كلام أهل اللغة في الحرض. وأما المفسرون فقال ابن عباس في رواية عطاء: حتى تكون كالشيخ الفاني الذي تغير، وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن الحرض فقال (٦): الفاسد الدنف.

стр. 6796

وقال مجاهد (١): ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قال: مرضًا دون الموت، وقال جويبر عن الضحاك (٢): كالشيء البالي، وقال قتادة (٣): هرمًا، وقال مقاتل (٤): مدنفًا، وذكر أبو روق أن أنس بن مالك قرأ: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ بضم الحاء وتسكين الراء، قال: يعني مثل عود الأشنان، ذكره ابن الأنباري بإسناده عن أبي روق (٥). وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ أي: من الميتين، قاله قتادة (٦)، ومعنى الآية: أنهم قالوا لأبيهم: لا تزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه، حتى تصير بذلك إلى مرض لا ينتفع بنفسك معه، أو تموت بالغم، وأرادوا بهذا القول كفه عن البكاء والحزن إشفاقًا عليه. قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ قال المفسرون (٧): لما رأى غلظتهم وعنفهم به في قولهم ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ قال لهم: إنما أشكو ما بي إلى الله تعالى لا إليكم.

стр. 6797

قال أهل اللغة (١): البث: الهم الذي تفضي به إلى صاحبك. وأصله من البث وهو النشر والتفريق، يقال: بثوا الخيل في الغارة، وبث الله الخلق، وأبثثتُ فلانًا بسري إبثاثًا، أي: أطلعته عليه. وقال أبو عبيدة (٢): البث: أشد الحزن، والحزن أشد الهم، وقال غيره: الهم ما يستره الإنسان ويكتمه، والبث ما يبديه ويظهره؛ لأنه إذا اشتد لم يصبر على كتمانه حتى يبثه، يقال: قد أبثثتك ما في قلبي، وبثتك، إذا أطلعتك عليه، قال الشاعر (٣): أبثّكَ ما ألْقَى وفي النَّفْسِ حَاجَةٌ ... لها بَيْنَ لَحْمِي والعِظَامِ دَبِيبُ وقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي أعلم من خبر سلامة يوسف ما لا تعلمون أنتم، قال الكلبي عن ابن عباس (٤): وذلك أن ملك الموت أتاه فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف فيما قبضت من الأرواح؟ قال لا يا نبي الله، وقال ابن عباس (٥): وأعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأني (٦) وأنتم سنسجد له.

стр. 6798

قال ابن الأنباري: وهذا يدل على أن يعقوب كان يزيد عليهم في علم العبارة ويصل من حقائقها إلى حيث لا يبلغون ولا يصلون، هذا قول مقاتل ابن سليمان (١). وقال عطاء عن ابن عباس (٢): وأعلم من رحمة الله وقدرته ورأفته على أوليائه ما لا تعلمون. وقال قتادة (٣): أعلم من اختيار الله لي ما يوجب حسن ظني. ٨٧ - قوله تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ الآية، قال السدي (٤): لما أخبره بنوه بسيرة الملك وقوله، طمع يعقوب أن يكون يوسف، فلذلك قال لبنيه: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾، (وقيل: (٥) إنه رأى ملك الموت في المنام، فأقسم والله ما قبضت روح يوسف) (٦)، فاطلبه من هاهنا، وأشار إلى ناحية مصر، فلذلك قال: تحسسوا من يوسف، والتحسس: تطلب الشيء بالحاسة. قال أبو معاذ (٧): التحسس: شبه التسمع والتبصر.

стр. 6799

وقال أبو عبيد (١): تحسست الخبر: بحثته وطلبته لأخذه، ومن هذا يقال: أحس الخبر أي: علمه ووجده، قال ابن عباس (٢): يريد يبحثوا عن يوسف. قال أبو بكر (٣): يقال: تحسست عن فلان، ولا يقال: من فلان، وقيل هاهنا "من يوسف" لأنه أقيم مقام "عن"، كما قال العرب: حدثني فلان من فلان، يعنون: عن فلان، ويجوز أن "من" أوثرت للتبعيض، والمعنى: تحسسوا خبرًا من أخبار يوسف، واستعملوا بعض أخبار يوسف فأوثرت "من" لما فيها من الدلالة على التبعيض. وقوله تعالى: ﴿لَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ قال الأصمعي (٤): الروح الاستراحة من غم القلب، وقال أبو عمرو (٥): الروح الفرج، والروح ما يجده الإنسان من نسيم الهوى فيسكن إليه. وقيل في قوله تعالى: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ الواقعة: ٨٩، الروح: الرحمة، وقال أهل اللغة (٦) ما يتركب (٧) من الراء، والواو والحاء كثير، والأصل في ذلك كله الحركة والاهتزاز، فكل ما يهتز الإنسان له ويلتذ بوجوده فهو روح.

стр. 6800

قال ابن عباس في رواية عطاء (١): ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ يريد من رحمة الله، وهو قول قتادة (٢) والضحاك (٣) والكلبي (٤). وروى معمر عن قتادة (٥): من فضل الله. وقال ابن زيد (٦): من فرج الله، ولا تيأسوا من الروح الذي يأتي به الله. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال ابن عباس (٧): يريد أن المؤمن من الله على خير يرجوه في الشدائد، ويشكره ويحمده في الرخاء، وأن الكافر ليس كذلك. ٨٨ - وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ قال أهل اللغة (٨): التأويل في الكلام متروك يستدل عليه، والتقدير: فخرجوا إلى مصر فلما دخلوا عليه، أي: على يوسف ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرّ﴾ أي: أصابنا ومن يختص بنا الجوع والحاجة، ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ

стр. 6801

مُزجَنةٍ﴾ معني الإزجاء في اللغة (١): السَّوْق (٢) والدفع قليلاً قليلا، ومثله: التزجية، يقال: الريح يزجي السحاب، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ [النور: ٤٣]، والبقرة تُزَجّى ولدها: اى تسوقه، قال وأمّ عَيْنَاء تُزَجِّي معها إِزْجَاء (٣) وزجيت فلانًا، بالقول أي (٤): دافعته. وقال (٥): وصَاحِبٍ ذِي غِمْرةٍ زاجَيْتُه ... زَجَّيْتُه بالقَوْلِ وازدَجَيْته وفلان يزجِّي العيش، أي: يدفع بالقليل ويكتفي به، يقال (٦): زاجيت أيامي وزجّيتها أي: دافعتها بقوت قليل، وفلان يتزَجَّى باليسير، أي: يقنع، وأنشد الليث (٧): تَزَجَّ من دُنْيَاكَ بالبَلَاغِ

стр. 6802

بكسْرَةٍ لينةِ المِضَاغِ بالمِلْحِ أو ما جَفَّ في الصِّبَاغِ هذا معنى الإزجاء في اللغة، قال ابن عباس (١): كانت دراهم رديئة زيوفًا لا تنفق في ثمن الطعام، هذا قوله في رواية عكرمة وباذان، وفسر في رواية عطاء كيف كانت الدراهم فقال (٢): وذلك أن دراهم مصر كانت يضرب فيها صورة يوسف، والتي جاءوا بها ليست فيها صورة يوسف، فهي أدنى لا تجوز مجاز تلك، وهذا قول سعيد بن جبير (٣): أنها كانت دراهم فُسُولا، واختيار الفراء (٤): قال قدموا مصر ببضاعة فباعوها بدراهم لا تنفق في الطعام بسعر الجياد. وروى سعيد عن قتادة (٥): ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاة﴾ قال يسيرة، وقال عبد الله بن الحارث (٦): قليلة، وهو قول الحسن (٧) والكلبي (٨)

стр. 6803

ومجاهد (١) في رواية عبد الوهاب، وابن عباس (٢) في رواية ابن جريج، عن محمد بن المرتفع قال: قليلة خلف الغرارة (٣) والحبل، ونحو هذا قال إبراهيم (٤) وابن زيد (٥). ثم اختلفوا في هذه البضاعة الرديئة القليلة أيش كانت، وذكرنا قول ابن عباس فيها في رواية ابن جريج ومثله روى عنه ابن أبي مليكة (٦) وهو قول ابن زيد. وقال الحسن (٧): كانت إقطًا، وقال عبد الله بن الحارث (٨): السمن والصوف كمتاع الأعراب، وقال جويبر عن الضحاك (٩): النعال والأدم. وقال مقاتل بن حيان (١٠): حبة الخضراء (١١)، والضوبر، وهو قول الكلبي (١٢).

стр. 6804

واختلف أهل المعاني: لِمَ سميت البضاعة القليلة الرديئة مزجاة؟ فقال أبو إسحاق (١): من قولهم: فلان يزجي العيش، أي: يدفع بالقليل ويكتفى به، والمعنى على هذا: أنا جئنا ببضاعة إنما يُدافع بها ويتقوت ليست مما يتسع به، وعلى ما ذكر يجب أن يكون التقدير ببضاعة مزجاة بها الأيام. وقال أبو عبيد (٢): إنما قيل للدراهم الرديئة مزجاة؛ لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة ممن ينفقها، قال: وهي من الإزجاء، والإزجاء عند العرب: السَّوْق والدَّفْع، وأنشد (٣): ليَبْكِ على مِلْحَانَ ضَيْفٌ مُدَفَعٌ ... وأرْمَلة تُزْجِي مع اللَّيلِ أرْمَلا أي: تدفع وتسوق، وقال غيره (٤) (بضاعة مزجاة) مؤخرة مدفوعة عن الإنفاق، لا ينفق (٥) مثلها إلا من اضطر واحتاج إليها، لفقد غيرها مما هو أجود منها.

стр. 6805

وقال الكلبي (١): مزجاة لغة العجم. قال الهيثم بن عدي (٢): هي من لغة القبط. قال الأنباري (٣): لا ينبغي أن يجعل حرف عربي معروف المباني والاشتقاق والتصرف منسوبًا إلى القبط ودونهم؛ إذ كلام أولئك يدور (٤) على ألسنة العرب، ولا يتصرف على مباني كلامهم. وقوله تعالى: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ قال المفسرون (٥): سألوه مساهلتهم في النقد وإعطائهم بدراهمهم مثل ما يعطى بغيرها من الجياد، إذ كانوا قد باعوا بها متاعهم في مدينته، فسألوه أن يأخذها منهم ولا ينقصهم. وقوله تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ أكثر المفسرين (٦) على أن هذا التصدق معناه: المسامحة بما بين الثمنين، وأن يسعر لهم بالرديء كما يسعر بالجيد، وعلى هذا سمي ذلك تصدقًا؛ لأن الذي سألوه كان مُشْبهًا للتصدق، وليس هو تصدقًا على ما يسبق إليه الظن، قاله أبو بكر (٧)، وعلى هذا لا تدل الآية على أن الصدقة كانت تحل لهم، واستدل سفيان بن عيينة (٨) على أن الصدقة كانت حلًّا للأنبياء قبل نبينا محمد ﵇ بهذه الآية، وعلى قول سفيان: سألوه أن يتصدق عليهم بشيء زيادة على ما يستحقونه ببضاعتهم المزجاة، وقول العامة: أشبه بحال الأنبياء وأولاد الأنبياء؛

стр. 6806

إذ هم يأنفون عن الخضوع للمخلوقين، ويغلب عليهم الانقطاع إلى الله تعالى والاستغناء بأقسامه (١)، وروي عن الحسن (٢) ومجاهد (٣): أنهما كرها أن يقول الرجل في دعائه: اللهم تصدق عليّ؛ لأن الصدقة ممن يبتغي الثواب. والتصدق إعطاء الصدقة، فالمتصدق المعطي، وأجاز الليث (٤) أن يقال: للسائل متصدق، وأبى ذلك أهل اللغة (٥). ٨٩ - قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ قال ابن عباس (٦): كان يعقوب قد كتب إلى يوسف كتابًا برد ابنه عليه لما حبسه عنده بعلة السَّرق، وذكر فيه قصته ومحبتهن، فلما قرأ الكتاب ارتعدت مفاصله، واقشعر جلده، ولسان قلبه، وأرخى عينيه بالبكاء، وعيل صبره، ولم يتمالك نفسه فباح بما كان يكتم. وقال السدي (٧) وابن إسحاق (٨): لما قالوا له ما قالوا في الآية الأولى، رحمهم وأدركته الرقة فدمعت عينه فقال لهم: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا

стр. 6807

فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ وهذا استفهام يتضمن التذكير بحال يقتضي توبيخهم عليه، قال ابن الأنباري (١): هذا الاستفهام يعني به تعظيم القصة، وتلخيصه: ما أعظم ما ارتكبتم من يوسف، وما أسمج ما أتيتم من قطيعة رحمه وتضييع حقه، كما تقول: هل تدري من عصيت؟ هل تعرف من عاديت؟ قال صاحب النظم: هذه الآية تصديق قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ في غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥]. وقوله تعالى: ﴿وَأَخِيهِ﴾ يعني: ما فعلوا به من تعريضه للغم وإدخالهم الجزع والحزن عليه بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه، ولم يذكر أباه يعقوب مع عظيم ما دخل عليه من الهم بفراقه، كما ذكر أخاه، تعظيمًا للأب ورفعًا من قدره، وعلمًا بأن ذلك كان بلاءً من الله له ليزيد في درجته عنده. وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ قال ابن عباس: آثمون، قال أبو بكر (٢): أراد أنتم تعقون أباكم، وتقطعون رحم أخيكم، جهلًا منكم، وروي عنه (٣): إذ أنتم صبيان، وعن الحسن (٤): شبان، وعلى هذا يعني جهالة الصِّبا والشباب (٥). وقال أهل المعاني: هذا يقتضي أنهم الآن على خلاف تلك الحال، لأنه أخبر عما كانوا عليه في ذلك الوقت من الجهالة.

стр. 6808

٩٠ - قول تعالى: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قرأه أكثر (١) القراء بالاستفهام، في قراءة (٢) أبي: أو أنت يوسف، وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس (٣): أن يوسف قال لهم: (هل علمتم) الآية، ثم تبسم فلما أبصروا ثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم شبهوه بيوسف فقالوا له استفهامًا: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ ويدل على صحة الاستفهام قوله تعالى: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾ وإنما أجابهم عما استفهموا عنه، وقرأ ابن كثير: إنك على الخبر، وحجته ما روى عطاء عن ابن عباس (٣): أن إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عنه، وكان له في قرنه علامة، وكان ليعقوب وإسحاق مثلها شبه الشامة، فلما رفع التاج عرفوه بتلك العلامة، فقالوا: إنك لأنت يوسف، (وقال ابن إسحاق (٤): رفع الحجاب فعرفوه فقالوا: إنك لأنت يوسف) (٥)، ويجوز (٦) أن يكون ابن كثير أراد: الاستفهام ثم حذفه، كما قال أبو الحسن في قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ (٧) أنه على الاستفهام كأنه أو تلك؛ لأن حرف الاستفهام قلَّ ما يحذف (٨) في غير الشعر.

стр. 6809

قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ قال ابن الأنباري (١): أظهر الاسم وترك الكناية، فلم يقل: أنا هو، تعظيمًا لما وقع به من ظلم إخوته وما عوضه الله من الظفر وبلوغ المحبّة، فكان بمعنى: أنا المظلوم المستحل منه المحرم المراد قتله، فكفى ظهور الاسم من (٢) هذه المعاني ولهذا قال: وهذا أخي، وهم يعرفونه؛ لأن قصده وهذا المظلوم كظلمي، والمنعم عليه كإنعامي، وقد ذكرنا قبل هذا أن العرب إذا عظمت الشيء أعادته ولم تُكَنَّ عنه كقوله (٣): لا أَرَى المَوْتَ يسبق المَوْت شَيء وقوله تعالى: ﴿قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا﴾ قال ابن عباس (٤): يريد بكل خير في الدنيا والآخرة، وقال آخرون (٥): بالجمع بيننا بعد التفرقة، وذكرنا معنى المن عند قوله: ﴿مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ قال ابن عباس (٦): يريد: من يتق الله ويصبر على المصائب وعن المعاصي، قال ابن الأنباري: تلخيصه: من يراقب الله ويصبر على الأذى في ذاته، وقال مقاتل بن سليمان (٧): من يَتَّقِ الزنا ويصبر على الأذى، وقال إبراهيم (٨): من يتق الزنا ويصبر على

стр. 6810

العزوبة فإن الله لا يضيع أجر المحسنين. قال ابن عباس (١): يريد أجر من كان هذا حاله، وتأويله: فإن الله لا يضيع أجره وأجور الفاعلين مثل فعله، وروي عن ابن كثير في طريق قنبل (٢): أن (من يتقي) بإثبات الياء. قال أبو علي (٣): وله وجهان أحدهما: أن تقدر الحركة في الياء، ثم تحذفها، فتبقى ساكنة للجزم كقوله (٤): ألَمْ يَأتِك والأنْبَاءُ تَنْمِي ولا يحمل على هذا لأنه مما يجيء في الشعر دون الكلام، والآخر: أن يجعل بمنزلة الذي لا يوجب الجزم، ويحمل المعطوف على المعنى؛ لأن الذي يتقي بمعنى الجزاء الجازم كأنه من يتق، والحمل على المعنى كثير، وقد ذكرنا نظائره، ويجوز على هذا الوجه أن يكون: (ويصبر) في موضع الرفع إلا أنه حذفت الضمة للاستحقاق كما حذف نحو: عَضُد وسجُع، وجاز هذا في حركة الإعراب جوازه في حركة البناء، كما زعم أبو الحسن أنه سمع: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ﴾ (٥) [الزخرف: ٨٥]، وكقراءة من قرأ: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ (٦) [النور: ٥٢] بجزم القاف (٧)، وذكر ابن الأنباري وجهًا آخر

стр. 6811

وهو: أن الياء في (يتقي) ليست لام الفعل، بل هي ياء مزيدة مختلسة تدغم بها كسرة القاف، ونظير هذه القراءة قراءة حمزة (١) ﴿لا تَخَفْ دركا﴾ بالجزم و ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] بالرفع، وهناك تشرح المسألة إن شاء الله. ٩١ - وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ الأصمعي (٢): آثرتك إيثارًا، أي: فضلتك، وفلان أثير عند (٣) فلان وذو أثره، إذا كان خاصًا به، قال الليث: وهو الذي يؤثره بفضله وصلته. قال ابن عباس (٤): لقد فضلك الله علينا. قال المفسرون (٥): أي بالعلم والحلم والعقل والفضل والحسن والملك، ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ قال ابن عباس (٦): لمذنبين، وقال غيره: لآثمين في أمرك، والمعنى: وما كنا إلا خاطئين. وقال ابن الأنباري (٧): ويجوز أن يكون (خاطئين) بمعنى: مخطئين، وهو اختيار الزجاج (٨)، وأنشد (٩): يالَهْفَ هند إذْ خَطِئْنَ كاهِلا بمعنى: أخطأن، وذكرنا الكلام في: خطئ وأخطأ، عند قوله:

стр. 6812

﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١]، وقوله: ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقر ة: ٢٨٦]. ٩٢ - قوله تعالى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ الآية، روى ثعلب عن ابن الأعرابي (١): الثارب الموبخ، يقال: ثرب، وثرّب، وأثرب إذا وبخ. ومنه الحديث (٢): "إذا زنت أمة أحدكم فليضربها الحد ولا يثربها" أي: ولا يعيرها بالزنا، وقال الزجاج (٣): معناه: لا إفساد عليكم، وقال أبو عبيدة (٤): معناه: لا شغب ولا معاقبة ولا إفساد، وأنشد (٥):

стр. 6813

فَعَفَوْتُ عنهم عَفْوَ غَيْرِ مُثَرَّبِ ... وتركْتُهُم لعِقَابِ يومٍ سَرْمدِ وروى ابن الأنباري عن أبي العباس (١): ثرب فلان على فلان، إذا عَدَّد عليه ذنوبه. قال ابن عباس: يريد لا لوم عليكم، وقال محمد بن إسحاق (٢): لا (٣) تأنيبَ عليكم، وقال سفيان (٤): لا تعيير عليكم. وقال الكلبي (٥): يقول لا أعيركم بعد اليوم بهذا أبدًا. فإن قيل: لِمَ خص اليوم ونيته العفو وترك التوبيخ أبدًا؟. قال أبو بكر (٦): إن يوسف لما قدم توبيخهم، وعدَّدَ عليهم قبيح ما فعلوا، وهو يستر عنهم نفسه، قال لهم عند تبين أمره لهم: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: قد إنقطع عنكم توبيخي عند اعترافكم بالذنب، فكان ذكر اليوم دلالة على انقطاع التأنيب، وعلى أن ما بعده من الأيام يجري مجراه، واليوم قد يذكر ويراد به: الحين والزمان، كقول امرئ القيس: فاليوم أشربْ غيرَ مُسْتَحْقِب ... إثمًا مِنَ اللهِ ولا واغِلِ ليس يريد يومًا بعينه، قال (٧): ويجوز أن يكون المعنى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ ألبتة ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فتعلق اليوم بالغفران وتناول: غفر الله لكم اليوم، قال: وفيه ضعف، إذ الدعاء لا ينصب قبله، وهو على ما فيه

стр. 6814

محتمل، من قبل أن لفظ (يغفر) لفظ الخبر إذ عرى من الجزم وعوامله فينصرف منصوبه عليه كما ينصرف على الأفعال المرفوعة في الأخبار، وهذا الذي ذكره أبو بكر مذهب الأخفش (١)، فإن عنده يجوز الوقف على قوله: ﴿عَلَيْكُمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ قال ابن عباس (٢): جعلهم في كل حل، وسأل الله لهم المغفرة، وأخبر أن الله أرحم بأوليائه من الوالدين بولدهما. ٩٣ - قوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾ الآية، قال المفسرون (٣): لما عرفهم يوسف نفسه، سألهم عن أبيه فقال: ما فعل أبي بعدي؟ فقالوا: ذهبت عيناه، فأعطاهم قميصه، فقال لهم: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾. وكان من شأن ذلك القميص ما أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن بن أبي حامد العدل (٤) ﵀، أخبرنا أبو علي بن أبي بكر الفقيه (٥)، أخبرنا أبو

стр. 6815

لبابة محمد بن المهدي (١)، حدثنا عمار بن الحسن (٢)، حدثنا شجاع بن أبي نصر (٣)، عن عباد بن كثير (٤) عن إسحاق (٥) بن عبد الله بن أبي طحة، عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: "أما قوله ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾، فإن نمرود الجبار لما ألقى إبراهيم في النار، نزل إليه جبريل بقميص من الجنة وطنفسة من الجنة فألبسه القميص وأقعده علي الطنفسة وقعد معه يحدثه، فكسا إبراهيم ذلك القميص إسحاق، وكساه

стр. 6816

إسحاق يعقوب، وكساه يعقوب يوسف، فجعله في قصبة من فضة وعلقها في عنقه، وألقي في الجب والقميص في عنقه"، فذلك قوله: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ الآية (١). ونحو هذا قال عامة المفسرين، قال ابن عباس (٢): أخرجه لهم قصبة من فضة كانت في عنقه لم يعلم بها إخوته فيها قميص، وهو الذي نزل به جبريل من الجنة على إبراهيم، وذكر القصة، وقال مجاهد (٣): أمره جبريل أن أرسل إليه بقميصك، فإن ريح الجنة لا يقع على مبتلى ولا سقيم إلا صح وعوفي، وقال الحسن (٤): لولا أن الله أعلمه لم يدر أنه يرجع إليه بصره. قال أهل المعاني (٥): ويجوز أن يكون قد أوحي إليه أن إلقاء قميصه على وجه أبيه يكون سببًا لإبصاره، وزوال العمى عن عينه، فأرسل إليه بقميص له، وقال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ قال ابن عباس (٦): يريد بصيرًا ويذهب البياض الذي على عينيه، وقال السدي (٧): يعد بصيرًا، وقال الفراء (٨): يرجع بصيرًا، وقيل (٩): أراد يأتني

стр. 6817

بصيرًا، وكان قد دعاه: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال الكلبي (١): وكان أهله نحوًا من سبعين إنسانًا، وقال مسروق (٢): دخل أهل يوسف مصر وهم ثلاثة وتسعون بين رجل وامرأة. ٩٤ - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ قال الأزهري (٣): يقال. فصل فلان من عند فلان فصولاً، إذا خرج من عنده، وفصل مني إليه كتاب، إذا نفذ، وفصل يكون لازمًا وواقعًا، فإذا كان واقعًا فمصدره الفصل، وإذا كان لازمًا فمصدره الفصول، قال المفسرون (٤): لما خرجت العير من مصر متوجهة إلى كنعان قال أبوهم لمن حضره من أهله وقرابته وولد ولده؛ لأن ولده كانوا غيبًا عنه: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾، قال ابن عباس (٥) في رواية بن أبي الهذيل (٦): هاجت ريح فحملت ريح قميص يوسف إلى يعقوب، وبينهما مسيرة ثمان ليال. وعن الحسن (٧) قال: وجد يعقوب ريح يوسف من مسيرة عشرة أيام،

стр. 6818

وقال قتادة (١): ذكر لنا أنه كان بينهما ثمانون فرسخًا. وذكر مجاهد (٢) السبب في ذلك فقال: هبت ريح فصفقت القميص، ففاحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب، فوجد ريح الجنة فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص فمن ثم قال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ وقال أهل المعاني: إن الله تعالى أوجده ريح يوسف عند تقضّي الامتحان، ومجيء الروح والفرج من المكان النازح، ومنعه ذلك على القرب منه حين ألقي في الجب، وبيع من مالك بن ذعر، للمحنة والبلية التي جعلت سببًا لكمال أجره، ومعنى: (أجد ريح يوسف): أشم، وعبر عنه بالوجود؛ لأنه وجود بحاسة الأنف. وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال أبو بكر بن الأنباري (٣): أفند الرجل إذا خرّف وتغير عقله، وأفند (٤) إذا جهل، ونسب إلى ذلك، الليث (٥): الفند إنكار العقل من الهرم، يقال: شيخ مفند. وروى أبو عبيد عن الأصمعي (٦): إذا كثر كلام الرجل من خرف فهو المفْنِدُ، والمُفَنَّد، ابن الأعرابي (٥): فنَّد رأيه إذا ضعَّفه، وقال الفراء (٧) في هذه الآية: لولا أن تكذبوني وتعجزوني وتضعفوني.

стр. 6819

وقال أبو عبيد (١): لولا أن تسفهوني، وقال الزجاج (٢): لولا أن تجهلوني، قال ابن عباس (٣): لولا أن تكذبون. وقال مجاهد (٤): لولا أن تسفهوني، وتقولوا: ذهب عقلك. وقال محمد بن إسحاق (٥): لولا أن تضعفوني، وأصل هذا (٦) كله من الفند وهو: السفه والجهل ومنه قول النابغة (٧): إلا سليمانَ إذ قَالَ المَلِيكُ له ... قم في البرية فاحْدُدها عن الفَنَدِ ولي في نظم هذه الآية نظر بعد. ٩٥ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ قال الكلبي (٨) والسدي (٩) والمفسرون (١٠): هذا من قول بني بنيه له، قال مقاتل (١١) بن سليمان وغيره: معنى الضلال هاهنا الشقاء، يعنون شقاء

стр. 6820

الدنيا، وتلخيصه: إنك لفي شقائك القديم بما تكابد من الأحزان على يوسف، واحتج مقاتل بقوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤]: يعنون لفي شقاء في دنيانا، وقال قتادة (١) وابن إسحاق (٢): في حبك ليوسف ما تنساه ولا تسلاه، وهذا كقول بنيه: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨]، وقد مضى الكلام فيه. وقال الحسن (٣): إنما قالوا له هذا لأنه كان عندهم أن يوسف قد مات، وكان في ولوعه بذكره ذاهبًا عن الصواب في أمره عندهم. وروي عن قتادة (٤) أنه قال: قالوا كلمة غليظة لم يكن يجوز أن يقولوها لنبي الله ﵇. ٩٦ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾: (أن) هاهنا لا موضع لها من الإعراب، وهي تزاد مع لمَّا توكيدًا على جهة الصلة (٥)، قال أبو بكر (٦): دخولها لتوكيد مضي الفعل ولا موضع لها، وسقوطها للاستغناء عنها كقوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ [هود: ٧٤]، والمذهبان جميعًا موجودان في أشعار العرب. وقال البصريون: موضع (أن) رفع بفعل مضمر تلخيصه: فلما ظهر أن جاء البشير، أي: ظهر مجيء البشير فأضمر الرافع.

стр. 6821

قال ابن عباس (١) ومجاهد (٢) والضحاك (٣) والسدي (٤) ومقاتل (٥): البشير هو يهوذا قال: أنا ذهبت بالقميص ملطخًا بالدم فأخبرته أن يوسف أكله الذئب، وأنا أذهب اليوم بالقميص فأخبره أنه حي فأفرحه كما أحزنته، فألقاه على وجهه. قال ابن عباس: ألقي القميص على وجه يعقوب فارتد بصيرًا، يريد: انجلى البياض وذهبت الظلمة. وقال المفسرون (٦): فعاد ورجع بصيرًا، ومعنى الارتداد: انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها. قال ابن الأنباري (٧): وهذا من الأفعال المنسوبة إلى المفعولين كقولهم: طالت النخلة، والله أطالها. ٩٧ - وقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذكرنا معناه فيما تقدم.

стр. 6822

٩٨ - قوله تعالى: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ قال ابن عباس (١) في رواية عطاء: أخر دعاءه إلى السَّحَر (٢)، وهو قول ابن مسعود (٣) وقتادة (٤) والسدي (٥)، وقال (٦) في رواية الكلبي وعكرمة يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة. قال (٧) أبو إسحاق (٨): أراد يعقوب أن يستغفر لهم في وجه السَّحَر في الوقت الذي هو أخلق لإجابة (٩) الدعاء، لا أنه ضنَّ عليهم بالاستغفار. ٩٩ - وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ [قال المفسرون (١٠): إن يوسف] (١١) بعث مع البشير إلى يعقوب جهازًا ومائتي راحلة، وسأل يعقوب أن يأتيه وولده أجمعين، فتهيأ يعقوب وخرج مع أهله وولده إلى مصر فذلك قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ قال

стр. 6823

ابن عباس وعامة المفسرين (١): يعني: أباه وخالته، وذلك أن أمه كانت قد ماتت في نفاسها بنيامين (٢). قال ابن إسحاق (٣): يعني أباه وأمه، وهو قول الحسن (٤): قال أنشر الله راحيل أم يوسف تحقيقًا للرؤيا حتى سجدت له. وقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ قال لهم هذا القول قبل دخولهم إلى مصر؛ لأنه كان قد استقبلهم، هذا قول السدي (٥) وفرقد السبخي (٦)، وقال عطاء عن ابن عباس (٧): يريد انزلوها آمنين، وعلى هذا سمى النزول دخولاً؛ لاقتران أحدهما بالاخر. وأما معنى الاستثناء في قوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ فإنه يقول إلى الأمن لا إلى الدخول، والمعنى: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله؛ لأنه (٨) لا

стр. 6824

يتقن الأمن، فتقدم الاستثناء وهو منوي به التأخير (١)، ذكره أبو بكر (٢) وغيره، قال ابن عباس (٣): وإنما قال آمنين؛ لأنهم كانوا فيما خلا يخافون ملوك مصر، ولا يدخلونها إلا بجوارهم، ويجوز أن يعود الاستثناء إلى الدخول على القول الذي يقول إنه قال لهم: ﴿ادْخُلُوا مِصْر﴾، قيل: أن ادخلوها، وقال ابن جريج (٤): ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ مقدم إلى قوله: سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله، قال: وهذا من التقديم والتأخير في القرآن وهو كثير. ١٠٠ - قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن عباس (٥) والمفسرون (٦): على السرير، قال أهل اللغة (٧): العرش السرير الرفيع: وهو سرير الملك، قال الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]. قال أهل التفسير (٨): أجلسهما عليه. وقوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ وقال ابن عباس (٩) في رواية عطاء: يريد خروا لله عند ذلك سجودًا، ونحو هذا روى الضحاك عنه.

стр. 6825

وقال عامة المفسرين (١): وخروا ليوسف سجدًا على جهة التحية، لا على معنى العبادة، وكان أهل ذلك الدهر يحييَّ بعضهم بعضًا بالسجود والانحناء، فحظر رسول الله ﷺ هذا ونهى عنه (٢)، والسجود معناه في اللغة (٣): الانحناء مع الخضوع والتذلل، ذكرنا ذلك فيما تقدم، وعلى هذا كان ذلك سجودًا من غير سقوط على الأرض كما يقال: قد سجد القف (٤) من الأرض للحوافر، إذا خضع لها فذل ومنه (٥): تَرَى الأُكْمَ منه سُجَّدًا للحَوَافِرِ قال ابن الأنباري (٦): والخرور في هذا القول لا يُعْنى به السقوط والوقوع، لكن المراد به: المرور، سمعت أبا العباس يحكي هذا، واحتج

стр. 6826

بقوله: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] يعني: لم يمروا، قال ابن عباس (١) في رواية الكلبي: السجود هاهنا مما كانت الأعاجم تستعمله في تعظيمها رؤساءها، ليس سقوط على الأرض، لكنه كالركوع. قال الأزهري (٢): والأشبه بظاهر الكتاب أنهم سجدوا ليوسف دل عليه رؤياه الأولى حين قال: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] فظاهر التلاوة أنهم سجدوا ليوسف تعظيمًا له، من غير أن أشركوا بالله، وكأنهم لم يكونوا نهوا عن السجود لغير الله في شريعتهم، قال (٣): وفيه وجه آخر لأهل العربية وهو: أن يجعل اللام لام أجل، المعنى: وخروا من أجله سجدًا، شكرًا للذي أنعم عليهم فجمع شملهم. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ أي إليَّ، (يقال) (٤): أحسن به وإليه، قال كثير (٥): أسِيئي بِنَا أو أحْسِنِي لا مَلُومةً ... لدَيْنَا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ قال أهل المعاني (٦): ذكر إخراجه من السجن ولم يذكر إخراجه من البئر كرمًا، لئلا يذكر إخوته صنيعهم به، ولأن

стр. 6827

النعمة في إخراجه من السجن كانت أعظم، إذ كان دخوله السجن سبب ذنب هم به. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ والبدو (١): بسيط الأرض يظهر فيه الشخص من بعيد، وأصله من بدا يبدو بدوًا، إذا خرج إلى المراعي في الصحاري، ثم سمي المكان باسم المصدر فيقال: بدو وحضر، قال قتادة (٢): كان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مَوَاشٍ وبريَّة. وقال ابن عباس (٣) في رواية عطاء والضحاك: كان يعقوب قد تحول إلى بدا وسكنها، ومنها قدم على يوسف، وله بها مسجد تحت جبلها. قال ابن الأنباري (٤): بدا اسم موضع معروف يقال: هو بين شعب وبدا، وهما موضعان ذكرهما جميل أوكثير فقال (٥): وأنتِ التي حَبّبْتِ شَغْبًا إلى ... بدا إليَّ وأوْطَانِي بلادٌ سِواهُمَا والبدو على هذا القول معناه قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا،

стр. 6828

يقال بدا القوم يبدون بدوًا، إذا أتوا بدًا، كما يقال: غار القوم غورًا، إذا أتوا الغور، فكان تلخيص الحرف: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ﴾ من قصد بدا، وعلى هذا القول كان يعقوب وولده (١) حضريين؛ لأن البدو لم يرد به البادية، لكنه عني به قَصْدُ بدا. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ قال أبو عبيدة (٢) معناه: أفسد وحمل بعضنا على بعض، قال ابن عباس (٣): دخل بيننا بالحسد، ومضى الكلام في نزغ الشيطان في آخر سورة الأعراف (٤). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ قال الأزهري (٥): اللطيف من أسماء الله معناه: الرفيق بعباده، عمرو بن أبي عمرو: اللطيف الذي يوصَّلُ إليك أربك في رفق. ثعلب عن ابن الأعرابي (٦): يقال: لطف فلان لفلان يلطف، إذا رفق لطفًا. قال أهل التفسير (٧): إن ربي عالم بدقائق الأمور وحقائقها، إنه هو العليم بخلقه الحكيم فيهم بما يشاء.

стр. 6829

١٠١ - قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ الآية، قال ابن عباس (١): ثم دعا ربه وحمده وشكره فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾، وذكر أبو إسحاق (٢) وأبو بكر في (من) هاهنا قولين: أحدهما: أنها للتبعيض، وكذلك هي في قوله: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾؛ لأنه كان قد ملك مصر ومُلْك مصر قطعة من الملك، وعبارة الرؤيا جزء من علم تأويل الأحاديث. الثاني: أن (من) دخلت للتجنيس، وتلخيصها: آتيتني من جنصر الملك ومن جنس تأويل الأحاديث كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] أي: اجتنبوا الرجس الذي هو وثن، ولم يؤمروا باجتناب بعض الأوثان. قال أبو بكر: والقول هو الأول؛ لأن (٣) (من) تأتي مجنسة عند تمام الكلام نحو قولهم: قطعت ثوبًا من الخز، وعليه جبة من الوشي، ولا يكاد يقال: قطعت من الوشي، ولبست من الخز، إلا والمفعول مقدر في النية، و (ءاتيتني) في الآية غير مستغنى عما بعده، فيكون (من) مفسرة في موضع النقص بفتح، وقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ أتت فيه من مفسرة مجنسة بعد كلام لو اقتصرت عليه عقل، قال: ويجوز أن يكون المعنى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ الملك، وعلمتني تأويل الأحاديث، فأكد الكلام بمن كما أُكِّد بها في قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد: ١٥].

стр. 6830

وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قال ابن عباس (١): يريد تفسير الأحلام وقد مر. وقوله تعالى: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس (٢): كنت بما أدري ما (فاطر السموات والأرض)، حتى احتكم إليَّ أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، وأنا ابتدأت حفرها، وقال ابن الأعرابي (٣): يقول أنا أول من فطر هذا، أي: ابتدأه، ثم فسر ابن عباس ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ﴾ يريد: خالق السموات، ومن هذا قوله: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [هود: ٥١] أي: خلقني. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] و"كل مولد يولد على الفطرة" (٤) أي: الخلقة التي فطر عليها في الرحم من سعادة أو شقاوة. وقال أهل المعاني (٥): أجل الفطر في اللغة: الشق، يقال: فطر ناب البعير، أي: بزل، وفطرت الشيء فانفطر، أي: شققته فانشق، وتفطرت الأرض بالنبات، والشجر بالورق، إذا تصدعت، هذا أصله ثم صار عبارة عن الشق عن الأمر باختراعه، فكل من أظهر أمرًا اخترعه على
следующие страницы →