← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

في (زاد) بإمالة الألف نحوها (١) يدلك على ذلك: أن الذين أمالوا نحو: (زاد) (٢) و (زاغ) و (خاب) و (طاب) (٣) لم يميلوا نحو (عاذ، وعاد) ولا (بابا) ولا (مالا) ولا ما أشبه ذلك مما العين منه (واو) حيث لم تكن في الكلمة (٤) (ياء) ولا (كسرة) فتنحى الألف بالإمالة نحوهما. ومما يقوي الإمالة في (زاد) ونحوه: أنه اجتمع فيه أمران كل واحد يوجب الإمالة: أحدهما: ما ذكرنا (٥) والثاني: لحَاقُ الكسرة أول فَعَلْتَ (٦)، وكل واحدة من هاتين الحالتين توجب الإمالة بانفرادها (٧). ومعنى قوله. ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أى: شكًّا على شكٍّ وفسادَا على فساد (٨). وهذا يدل على أن كفرهم كان مخلوقًا لله تعالى (٩)؛ لأنه لو لم

стр. 702

يخلق مرض (١) قلوبهم ما زادهم المرض ثانياً، وهو كقوله: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]. قال أبو إسحاق (٢): المرض (٣) في القلب يصلح لكل ما خرج به الإنسان عن الصحة في الدين (٤). وقوله تعالى ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (٥) أي بما أنزل من القرآن، فشكّوا فيه كما شكّوا في الذي قبله كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٤]. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾. أصل العذاب في كلام العرب: من العذب، وهو المنع؛ يقال: عَذَبتَه عَذْبًا أي منعتَه مَنْعَا، فعَذَبَ عُذوبًا أي امتنع (٦)، ومنه يقال للفرس إذا قام في المِعْلف ولم يتناول العلف وامتنع عنه: عَذُوبٌ وعَاذِبٌ، ومنه الماء العَذْب؛ لأنه يمنع العطش (٧). فسمي العذاب عذابًا؛ لأنه يَعْذُبُ المعاقب عن معاودة ما عوقب عليه، ويعذب

стр. 703

غيره (١) من أرتكاب مثله (٢). وقوله تعالى: ﴿أَلِيمٌ﴾ الأليم بمعنى المؤلم (٣) كالسميع: بمعنى المسمع (٤)، وقال ذو الرمة (٥): وترفع (٦) من صدور شَمَرْدَلاتٍ ... يصُكُّ وجوهَها وَهَجٌ (٧) أليمُ (٨) وقال عمرو (٩):

стр. 704

أَمِنْ ريحانة الدَّاعي السَّميع (١) أي: المسمع. ومعنى العذاب الأليم (٢): الذي يخلص وجعه إلى قلوبهم. "قوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. (ما) في تأويل المصدر (٣) كأنه قيل: بكونهم مكذبين وبتكذيبهم. وسنذكر القول في ذلك عند قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة:٢٨]، إن شاء الله. وحقيقة الكذب: الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو به، وقد يستعار لفظ الكذب فيما ليس بكذب في الحقيقة (٤)، كقول الأخطل (٥):

стр. 705

كَذَبتكَ عينُك أَمْ رَأَيتَ بواسطٍ (١) كأنها لما أوهمته خلاف الحقيقة كانت بمنزلة ما كذبته (٢). وقرأ أهل الكوفة (٣) ﴿يَكْذِبُونَ﴾ بالتخفيف من الكذب، وهو أشبه بما قبله وبما بعده؛ لأن قبله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] وهذا كذب منهم، وبعده قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] وهذا يدل على كذبهم في دعوى الإيمان. وأيضا فإن قوله تعالى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ لا يخلو إما أن يراد به المنافقون، أو المشركون، أو الفريقان جميعاً. فإن أراد المنافقين فقد (٤) قال فيهم: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١]. وإن كانوا المشركين فقد قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: ٩٠ - ٩١]. وإن كانوا الفريقين فقد أخبر عنهم جميعا بالكذب الذي يلزم (٥) أن يكون فعله (يكذبون) بالتخفيف.

стр. 706

ومن شدد (١) فلكثرة ما في القرآن مما يدل على التثقيل (٢) كقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [الأنعام: ٣٤] وقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩]، ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ [يونس: ٤١] ونحوها من الآيات (٣). ١١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. موضع (إذا) من الإعراب نصب لأنه اسم للوقت كأنك قلت: (وحين قيل لهم) أو (ويوم قيل لهم) إلا أنها تشبه حرف الجزاء (٤) وسيأتي الكلام في (إذ) و (إذا) بعد هذا إن شاء الله. وكان الكسائي يُشِمّ ﴿قِيلَ﴾ (٥) وأخواتها (٦) (الضم)، ليدل بذلك على أنه كان في الأصل (فُعِل) (٧)، كما أنهم قالوا: أنت تغزُين، فألزموا الزاي إشمام الضمة، و (زين) من (تغزين) بمنزلة: (قيل). ومن قال (قُيل) بإشمام

стр. 707

الضم قال: (بُيع) أو (اختُير) و (انقُيد) (١) بالإشمام؛ لأنها بمنزلة واحدة. وأما من (٢) حرك الفاء بالكسر ولم يشم الضمة، قال (٣): هذا كان في الأصل (قُوِلَ) فنقلت كسرة الواو إلى القاف، فسكنت الواو وانكسر ما قبلها، فصارت (ياء) فلزم كسر القاف وصار الأصل هذا (٤). قال المفسرون: ومعنى الآية: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: لا تفسدوا في الأرض بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ (٥). ويقال: أفسد الشيء يفسده إفساداً، ومفعول الإفساد محذوف (٦) على معنى: (لا تفسدوا أنفسكم بالكفر، أو (٧) الناس بالتعويق عن الإيمان)، على ما ذكره المفسرون. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. (٨) (نحن) تدل على جماعة.

стр. 708

وجماعة المضمرين تدل عليهم (الميم أو (١) الواو)، نحو (٢): فعلوا وأنتم، [فـ (الواو)] (٣) من جنس الضمة. وحركت نحن (بالضم)؛ لأن الضم من الواو (٤). وهو جمع (أنا) (٥) من غير لفظها (٦). وقال بعضهم. ضم آخرها تشبيهاً بالغاية، نحو: قبلُ وبعدُ (٧)، ووجه الشبه بينهما (٨) ذكرنا في قوله: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥]. وقال قوم: كان أصلها (نَحُنْ) (٩) ثم فعل بها ما فعل بـ (قط) لتشبه أخواتها (١٠)، وأصل (قط): (قطط)، والقياس عند الإدغام يوجب نقل ضمة العين إلى اللام، دلالة على حركة العين في الأصل.

стр. 709

ومعنى الآية: يظهرون أنهم مصلحون، كما أنهم يقولون: آمنا، وهم كاذبون. ويحتمل أنهم قالوا: إنما نحن مصلحون، أي: الذي نحن عليه هو صلاح عند أنفسنا (١). والتأويل: إنما نحن مصلحون أنفسنا أو الناس، على ما ذكرنا في قوله: ﴿لَا تُفْسِدُوا﴾ لأن الإصلاح واقع، ولا بد له من مفعول، وقولهم: فلان مصلح، يراد أنه مصلح لأعماله وأموره. ١٢ - وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. رد الله عليهم قولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ و (ألا) كلمة يستفتح (٢) بها الخطاب (٣). قال الكسائي: وهي تنبيه، ويكون بعدها أمر أو نهي أو إخبار، نحو قولك: ألا قم، ألا لا تقم، ألا إن زيدا قد قام (٤). وقال النحاة: أصلها (لا) دخلت عليها ألف (٥) الاستفهام (٦) والألف إذا دخلت على الجحد (٧)

стр. 710

أخرجته إلى معنى التقرير (١) والتحقيق (٢) نحو: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ﴾ [القيامة: ٤٠]، ثم كثر (ألا) في الكلام فصار تنبيها ليتحقق السامع ما بعده، فمعنى الأصل فيه موجود وهو التحقيق كما بينا. وقد يكون للعرض والتحضيض (٣)، كقولهم: ألا تنزل عندنا. وقال الزجاج: (ألا) كلمة يبتدأ بها، ينبه بها المخاطب توكيدا، يدل على صحة ما بعدها. ذكر هذا في آخر سورة: (حم السجدة) (٤). وقوله تعالى: ﴿هُمُ﴾ إن شئت جعلته تأكيدا (٥)، وإن شئت جعلته ابتداء، و (المفسدون) خبره، وجعلتهما خبر (إن) (٦). ودخلت الألف واللام في (المفسدين) للجنس، كأنه جعلهم جنس المفسدين تعظيماً لفسادهم، كأنه لا يعتد بفساد غيرهم مع فسادهم، وكل فساد يصغر في جنب فسادهم،

стр. 711

حتى كان المفسد في الحقيقة هم دون غيرهم، وإن كان غيرهم قد يفسد (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. أصل ﴿لكن﴾، (لا، ك، إن)، (لا) للنفي و (الكاف) للخطاب و (إن) للإثبات. فحذفت الهمزة استخفافا (٢). ومعناها: استدراك (٣) بإيجاب بعد نفي (٤)، أو نفي بعد إيجاب (٥)، فإذا قيل: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ (٦) الْمُفْسِدُونَ﴾ سبق إلى الوهم أنهم يفعلون (٧) ذلك من حيث يشعرون. فقال: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٨). وكذلك (٩) إذا قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] أوهم ذلك استبهام صفاته، فقال: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾، [والمعنى:

стр. 712

ولكن كان (١) رسول الله] (٢)، فهذا استدراك (٣) لا يجاب بعد نفي. وقال المبرد: (لكن) من حروف العطف، وهي للاستدراك (٤) بعد النفي، ولا يجوز أن يدخل بعد واجب (٥)، إلا لترك قصة إلى قصة تامة [نحو قولك: جاءني زيد لكن عبد الله لم يأت، وما جاءني زيد لكن عمرو (٦). وفي الآية أتت بعد الإيجاب لترك قصة إلى قصة (٧) تامة] (٨)، وهو قوله: ﴿إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. فأما التشديد والتخفيف في ﴿لكن﴾ استعماله (٩) بالواو وبغير الواو، فقد ذكرناها عند قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢]. ومعنى قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: لا يعلمون أنهم مفسدون، بل يحسبون أنهم مصلحون. وقيل: ولكن لا يعلمون ما عقوبة فعلهم وما يحل بهم، وذلك أن مفعول العلم محذوف فيحتمل القولين (١٠).

стр. 713

١٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾. المراد بالناس في هذه الآية أصحاب محمد ﷺ والذين آمنوا به، في قول الجميع (١). و (الألف واللام) فيه للمعرفة (٢)؛ لأن أولئك كانوا معروفين عند المخاطبين بهذا (٣). وقوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾. (الألف) في أنؤمن استفهام [معناه: الجحد والإنكار (٤)، لا نفعل كما فعلوا، وسيأتي وقوع الاستفهام، (٥) موقع الجحد مشروحاً بعد هذا. والسفهاء: الجهال (٦) الذين قلت عقولهم، جمع (السفيه) ومصدره: (السَّفَه والسَّفَاه والسَّفَاهَةُ) (٧).

стр. 714

قال أهل اللغة (١): معنى السفه: الخفة، والسفيه: الخفيف العقل، ومن هذا قيل: تسفهت (٢) الرياح الشيء، إذا حركته واستخفته. وقال: مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ ... أَعَالِيهَا (٣) مَرُّ الرِّيَاحِ النَّوَاسِمِ (٤) ويقال: ناقة سفيهة الزمام، إذا كانت خفيفة السير، ومنه قول ذي الرمة: ........ سفيهٍ جديلُها (٥) ولهذا المعنى سمى الله تعالى الصبيان والنساء: السفهاء في قوله ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] لجهلهم وخفة عقلهم (٦).

стр. 715

وعنوا بالسفهاء أصحاب محمد (١) ﷺ و (الألف واللام) فيها (٢) مثلهما في (الناس) (٣). فإن قيل: كيف يصح النفاق مع المجاهرة (٤) بقولهم: أنؤمن كما آمن السفهاء؟ قيل: إنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم، لا عند المؤمنين؛ لأن الله تعالى قد قال: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤] . أو (٥) أنهم لم يفصحوا بهذا القول، وإنما أتوا بما يفهم عنهم به هذا المعنى، ولا يقوم به حجة توجب الحكم من جهة المشاهدة، كقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، وهو خلاف الإفصاح (٦). ١٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال المفسرون: يعني: أبا بكر ﵁ وأصحابه (٧). و (لقوا) في الأصل (لقيوا) فاستثقلت الضمة على

стр. 716

(الياء)، فحذفت ونقلت ضمتها إلى القاف (١). الحراني عن ابن السكيت: لَقِيتُه لقَاءً ولِقْيَاناً ولُقِيًّا (٢) ولُقًى (٣). الليث: وكل شيء استقبل شيئا أو صادفه فقد لقيه من الأشياء كلها (٤). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. يقال: خَلاَ المكان يَخْلُو (٥) خَلَاءً وهو خَلاَء (٦) وخَالٍ (٧)، وخَلَوْتُ بفلان، أَخْلُو به خَلْوَةً وَخَلاَءً (٨)،

стр. 717

ويقال: خَلَا به وخَلَا معه وخَلَا إليه بمعنى واحد (١). وقال النضر (٢): (إلى) هاهنا بمعنى: (مع) (٣) كقوله: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] و ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٤) [آل عمران: ٥٢، الصف: ١٤]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء:٢] (٥). وقال النحويون: معنى الآية: إذا انصرفوا من لقاء المؤمنين إلى شياطينهم، فدخلت (إلى) لدلالة (٦) الكلام على معنى الابتداء (٧) والانتهاء؛ لأن أول لقائهم للمؤمنين ثم للشياطين، فكأنه (٨) قال: وإذا خلوا من المؤمنين وانصرفوا (٩) إلى شياطينهم. وهذا أحسن من إخراج

стр. 718

(إلى) عن حدها (١). والشيطان كل متمرد عات من الجن والإنس (٢)، قال الله تعالى. ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]. واختلفوا في اشتقاقه: فقال الليث: الشيطان فَيْعَال من شَطَن أي: بعد، يقال: نَوى شَطُون (٣) وشَطَنَت (٤) الدار، أي: بعدت، ويقال: شَيْطَن (٥) الرجل وتَشَيْطَن (٦) إذا صار (٧) كالشيطان وفعل فعله. وقال رؤبة:

стр. 719

شَافٍ لِبَغْي الكَلْبِ المُشَيْطِنِ (١) فمعنى الشيطان: البعيد من الجنة. وقال قوم: الشيطان فعلان من شاط يشيط إذا هلك واحترق، بوزن: هَيْمَان وعَيْمَان (٢)، من هام وعام (٣) وقال الأعشى: وقد يشيط على أرماحنا البطل (٤) قال أبو علي: هو (فَيْعَال) من شَطَن (٥) مثل: البَيْطَار والغَيْدَاق (٦). وليس بفَعْلَان من قوله: وقد يَشِيُط البيت.

стр. 720

لأن سيبويه قد حكى: (شيطن) (١) وهو (فَيْعَل) لا (فَعْلَن)، لأنا لا نعلم أن (٢) هذا الوزن جاء في كلامهم (٣). ومثل (فَيْعَل) بَيْطَر وَهَيْنَم (٤)، والحجة القاطعة قول أمية: أيُّمَا شاطنٍ عصاهُ عكاهُ ... ثُمَّ يُلْقَى في السِّجْنِ والأكْبَالِ (٥) فكما أن (شاطناً) فاعل، والنون لام، كذلك (شَيْطان) فَيْعَال، ولا بكون (فَعْلَان) من يَشِيط (٦).

стр. 721

قال أبو إسحاق: ومعنى الشيطان: الغالي في الكفر المتبعد فيه من الجن والإنس (١). قال ابن عباس: أراد بشياطينهم كبراءهم وقادتهم (٢). وقوله تعالى ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾. (مع) كلمة تضم الشيء إلى الشيء، ونصبها كنصب الظروف؛ لأن تأويل قولك: (أنا معك): أنا مستقر معك، كما تقول: أنا خلفك (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. (الهُزْءُ): السخرية، يقول: هَزِئَ به يَهْزَأُ (٤) وتَهَزَّأ به واسْتَهْزَأَ به (٥)، وهو أن يظهر غير ما يضمر استصغارا وعبثا (٦). ١٥ - قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. قال ابن عباس: (هو (٧) أنهم

стр. 722

كلما أحدثوا خطيئة جدد الله لهم نعمة) (١). فشبه هذا من الله بالاستهزاء والمكر؛ لأنه غيب عنهم غير ما أظهر لهم، كالمستهزئ منا يظهر أمرا يضمر غيره. (٢). وقال ابن الأنباري: الاستهزاء من الله جل وعز مخالف الاستهزاء من المخلوقين؛ لأن استهزاءه أن يستدرجهم من حيث لا يعلمون (٣). وقال جماعة أهل المعاني: معنى الله يستهزئ بهم: يجازيهم (٤) جزاء استهزائهم، فسمى الجزاء باسم المجازى عليه، كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠] وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] ومنه قول عمرو: فنجهل فوق جهل الجاهلينا (٥) وهذا هو الاختيار (٦)؛

стр. 723

لأنه (١) حمل الكلام على المزاوجة، ولأنه أظهر وأشكل بما جاء من نظائره في القرآن، وكل ذلك على المجاز الذي يحسن في الاستعمال للمبالغة في البيان والتصرف في الكلام. وقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. أصل (المد) في اللغة: الزيادة، والمد: الجذب (٢): لأنه سبب الزيادة في الطول.

стр. 724

قال الفراء: والشيء إذا مَدَّ الشَّيءَ كان زيادة فيه. تقول: دجلة تَمُدُّ بئارنا (١) وأنهارنا، أي: يزيد فيها (٢). (والمادة) كل شيء يكون مددا (٣) لغيره (٤). و (المُدَّةُ) (٥) الأوقات المتزايدة إلى غاية، ومنه مد الله في عمرك (٦). الأصمعي: امتد النهر ومد إذا امتلأ بالزيادة، ومده نهر آخر (٧). ابن المظفر (٨): وادي كذا يمد في نهر كذا. أي: يزيد فيه (٩) وأنشد (١٠): سَيْلٌ أَتِيٌّ مَدَّهُ أَتيُّ (١١)

стр. 725

والمدّ: أن (١) يمُدّ الرجلُ الرجلَ (٢) في غيّه (٣). قال أهل التفسير في قوله ﴿يَمُدُّهُمْ﴾: أي يمهلهم (٤) ويطول في أعمارهم ومدتهم (٥). و (الطغيان): مصدر كالرجحان والكفران والعدوان (٦). قال الليث: [والطُّغْوَان لغة فيه] (٧) والفعل: طَغَوْت وطَغَيْتُ، ومعناه مجاوزة القدر، وكل شيء جاوز القدر فقد طغى، كما طغى الماء على قوم نوح. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة: ١٢] وطغت الصيحة على ثمود (٨)،

стр. 726

فقيل فيهم: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ (١). وقيل لفرعون: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات: ١٧] (٢) أي أسرف حيث ادعى الربوبية (٣). فأما الطغوى والطاغية والطاغوت فهي مذكورة في مواضعها مشروحة. وكان الكسائي يميل ﴿طُغْيَانِهِمْ﴾ في رواية أبي عمر (٤) ونصير (٥) (٦). وذلك لأن (٧) الألف قد اكتنفها شيئان كل واحد منهما يجلب الإمالة [وهما، الياء التي قبلها، والكسرة التي بعدها. فإن قلت: إن أول الكلمة حرف [مستعل] (٨) مضموم، وكل واحد من هذين يمنع الإمالة] (٩). قيل: إن المستعلي تراخى عن الألف بحرفين فلم يمنع الإمالة.

стр. 727

وقوله تعالى: ﴿يَعْمَهُونَ﴾. قال أهل اللغة: (الْعَمِه والعَامِه) الذي يتردد متحيراً لا يهتدي لطريقه ومذهبه، ومعنى (١) ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يتحيرون، وقد عَمِه يَعْمَه عَمَهاً فهو عَمِه إذا حار عن الحق (٢). قال أهل المعاني: قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ كالتفسير لقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ لأن معناه يطول أعمارهم ومدتهم ليتحيروا في طغيانهم وكفرهم، مكراً (٣) بهم، وهم يحسبون أن ذلك مسارعة لهم في الخيرات، ولا يشعرون أنه عقوبة لهم في الحقيقة (٤). ١٦ - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ الآية. حقيقة الاشتراء: الاستبدال، وكل اشتراء استبدال، وليس كل استبدال اشتراء، ووضع الاشتراء موضع الاستبدال هاهنا، لأنه أدل على الرغبة (٥)، وذلك أن المشتري للشيء (٦) محتاج إليه راغب فيه، فهو أبلغ من لفظ الأصل مع ما فيه من حسن التصرف في الكلام، والرب تجعل من آثر شيئاً على شيء مشترياً له وبائعاً للآخر، وإن لم يكن ثم شراء ولا بيع ظاهر (٧).

стр. 728

قال ابن عباس في هذه الآية: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى (١). قال أهل المعاني: هؤلاء المنافقون لم يكونوا على الهدى قط، لكنهم (٢) لما تركوا الواجب عليهم من الهدى، واستبدلوا به الضلالة قيل في صفتهم: اشتروا الضلالة بالهدى (٣). وأصل ﴿اشْتَرَوُا﴾ اشتريوا، فلما تحركت (الياء) وانفتح ما قبلها صارت (ألفا)، فاجتمع ساكنان، فحذفت (الألف) (٤) فصار (اشتروا) ساكنة

стр. 729

(الواو) (١). وسقطت همزة الوصل من الضلالة للدرج، فالتقت الواو الساكنة مع الساكن المبدل من لام المعرفة، فحركت الأولى بالضم (٢). واختلفوا في العلة الموجبة لضم الواو (٣) في ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ فقال أكثر النحويين: إن واوات الجمع كلها (٤) تحرك بالضم نحو: ﴿لَتُبلَوُنَّ﴾ [آل عمران: ١٨٦] و ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ [التكاثر: ٦]. وقالوا: مُصْطَفَوُ الله؛ لأن الضم أدل على الجمع وأشكل به، وهذه الواو للجمع فحرك بما هو أدل على الجمع (٥). ألا ترى أن (٦) الواو في (أو) أو (لو) لما لم تكن للجمع لم تحرك بالضم، بل حركت بالكسر، فقرئ (٧) ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ [الجن: ١٦] (٨).

стр. 730

وقد أجازوا الكسر (١) في ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ تشبيهاً بمثل: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ [التوبة: ٤٢] و ﴿أَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾. وأجازوا (٢) الضم (٣) في ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ تشبيها بواو الجمع (٤). وقال ناس: إن (٥) (الواو) ضمت ههنا لأنه فاعل في المعنى (٦) فجعلت حركة التقاء الساكنين فيه كحركة الإعراب. وهذا لا يستقيم، لأنهم كسرو (الياء) في قولهم: (أخْشَيِ الله يا امرأة) والياء فاعلة في المعنى (٧). وقوم كسروا الواو في مسألتنا (٨) وفي قوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] (٩) فلو كان كما ذكروا (١٠)، لم يجز الاختلاف (١١)

стр. 731

فيه كما لم يجز (١) في حركة الإعراب (٢). وقال الفراء: إنهم إنما حركوا (الواو) هاهنا بالحركة التي كانت تجب للام الفعل من الضمة (٣). قال أبو علي (٤): الذي ذهب إليه الفراء هو أن الحركة في (الواو) ليست لالتقاء الساكنين كما يذهب إليه سيبويه وأصحابه (٥). ولا يستقيم ما ذهب إليه؛ لأنا رأينا الحركات إنما تلقى على الحروف التي تكون قبل الحرف الذي ينقل منه، ولا ينقل إلى ما بعد الحروف المنقولة منها الحركة، كما تقول في: (بِعت)، و (قُلت)، و (خِفت)، و (مِست) (٦)، و (ظِلْت)، و (أَحَسْت) (٧)، و (أَصَمّ) (٨)، و (أَعَدّ)، و (أَخِلَة). وكذلك نقل

стр. 732

حركات الهمز في التخفيف نحو: (جَيَل) (١) و (المرَة) (٢). وكذلك قولهم: (قَاضُون)، و (غَازُون)، و (مُشْتَرُون)، ونحو ذلك، فإذا كان الأمر على ما وصفنا، ولم نجد في هذه الأصول شيئا على ما (٣) ادعاه، ثبت (٤) فساد ما ذهب إليه لدفع (٥) الأصول ذلك، وقوله (٦) يوجب أن ضمة الياء في (اشتريوا) نقل إلى الواو (٧) بعد الياء، وإنما ينقل حيث ينقل إلى ما قبل المنقول منه لا إلى ما بعده كما بينا (٨). وأيضا فإنه لو كان كما ذكر، لوجب أن يتحرك الحرف الذي نقلت إليه (٩)، التقى مع الساكن أو لم يلتق (١٠)، ألا ترى أن سائر ما نقلت إليه الحركة مما ذكرنا، يتحرك (١١) بالحركة

стр. 733

المنقولة إليه، فلما لم تتحرك الواو في ﴿اشْتَرَوُا﴾ إلا عند التقاء ساكن، ثبت أن حركتها حركة الحروف الساكنة الملتقية (١) مع سواكن أخر (٢). قال أبو أسحاق: من أبدل واو (٣) ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ همزة، غالط؛ لأن الواو المضمومة إنما تبدل همزة إذا لزمت ضمتها، نحو: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ (٤) [المرسلات: ١١] وكذلك: (أَدْؤُرٌ) (٥) فيمن همزها، والضمة هاهنا إنما هي لالتقاء الساكنين فلا يلزم (٦). وقوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾. (الربح) الزيادة على أصل المال (٧). و (التجارة) تقليب الأموال وتصريفها لطلب النماء (٨). يقال: تَجَرَ الرجل يَتْجُر تِجَارَة فهو تَاجِر (٩).

стр. 734

قال الشاعر: قَدْ تَجَرَتْ في سُوقِنَا عَقْرَبٌ ... لا مَرْحَبًا بالعَقْرَبِ التَّاجِرَه (١) ومعنى قوله ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ أي ما ربحوا في تجارتهم، وأضاف الربح إلى التجارة، لأن الربح يكون فيها، وهذا كلام العرب يقولون: ربح بيعك وخسر بيعك (٢)، ونام ليلك، وخاب سعيك، قال الله تعالى ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] أي مكرهم فيهما. وقال: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١] وإنما العزيمة للرجال في الأمر (٣). وقال جرير: وأعْوَر مِنْ نَبْهَان أمَّا نَهاره ... فَأعْمَى وأمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ (٤) فأضاف العمى والإبصار إلى الليل والنهار، ومراده بهما الموصوف

стр. 735

من نبهان (١). قال الفراء: وهذا إنما يجوز إذا عرف الكلام ولم يشكل، فإذا أشكل لم يجز، كما لو قال: خسر عبدك، وأراد أن يجعل العبد تجارة يربح فيه، أو يوضع (٢)، لأنه قد يكون العبد تاجرا فيربح، فلا يعرف معناه إذا ربح (٣) من معناه إذا كان مَتْجُورًا (٤) فيه (٥). ١٧ - قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ الآية. قال أبو عبيد عن الفراء: يقال (٦): مَثَل ومِثْل وشَبَه وشِبْه بمعنى واحد (٧). وقال الليث: المثل: الشيء الذي يضرب (٨) مثلا لشيء، فيجعل مثله (٩). وقال المبرد (١٠): (المثل): مأخوذ من المثال، والمثل من الكلام: قول سائر نشبه (١١) به حال الثاني بالأول، والأصل فيه التشبيه، فمعنى قولهم: (مثل بين يديه) إذا انتصب، معناه: أشبه الصورة المنتصبة بين يديه،

стр. 736

والأماثل: الأفاضل. و (هذا أمثل من ذاك) (١)، أي: أشبه بما له (٢) الفضل. والِمثَال: القصاص لتسوية (٣) الحالتين، وتشبيه حال المقتص منه بحال الأول، والامتثال: الاقتصاص من هذا. و (الأمثال) (٤): أصل كبير في بيان الأشياء، لأن الشيء يعرف بشبهه ونظيره. [و (الأمثال): يخرج ما يخفى تصوره إلى ما يظهر تصوره، و (المثل): بيان ظاهر على أن الثاني مثل الأول] (٥). و (الأمثال): متداولة سائرة في البلاد، وفيها حكم عجيبة وفوائد كثيرة، وقد ذكر الله تعالى الأمثال في غير موضع من كتابه، لما (٦) فيها من حسن البيان وقرب الاستدلال. والمقصود بالمثل: البيان عن حال الممثل (٧). وحقيقته: ما جعل من القول كالعلم للتشبيه بحال الأول، مثال ذلك قول كعب بن زهير (٨):

стр. 737

كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَنا (١) مَثَلاً ... وَمَا مَوَاعِيدُهُ إلاَّ الأَبَاطِيلُ (٢) فمواعيد عرقوب علم (٣) في كل ما لا يصح من المواعيد (٤). وورد المثل في معان كثيرة في التنزيل، فَذِكْرُ كل واحد في موضعه، إن شاء الله. وذُكِر لفظ (المثل) لأن المراد تشبيه الحالة بالحالة، وذكرنا أن لفظ المثل (٥) قد صار كالعلم للتشبيه بحال الأول، ولو قيل ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ لم يُعرف ما الغرض من التشبيه، فإذا ذكر لفظ المثل عُلم أن المراد تشبيه الحال بالحال (٦). و ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ بمعنى: أوقد (٧) في قول أكثر أهل اللغة (٨). وقال بعضهم: استوقد، معناه: استدعى بالنار الضياء (٩)، والأول

стр. 738

الصحيح (١). و (النار) من النور (٢)، وجمعها نيران (٣)، والنار تستعار لكل شدة، فيقال: أوقد نار الفتنة، وألقى بينهم نارا: إذا ألقى عداوة. و (أضاء) يكون واقعا ومطاوعا (٤)، يقال: أَضَاءَ الشيء بنفسه، وأضاءه غيره (٥). وقال أبو عبيد: أَضَاءَت النار، وأَضَاءَها غيرها (٦). والنار تضيء في نفسها، وتضيء غيرها من الأشياء، قال الشاعر: أَضاءتْ لهم أَحَسابُهُم وَوُجُوههم ... دُجَى الليْلِ حتَّى نَظَّم الجَزْعَ ثَاقِبُهْ (٧)

стр. 739

ويقال: ضَاءَت النار، وأضاءت، لغتان (١)، وأضاء السبيل إذا وضح، وكل ما وضح فقد أضاء، وأضاءت الشمس وأضاء القمر (٢). والذي في الآية واقع (٣). وقوله تعالى: ﴿مَا حَوْلَهُ﴾. محل (ما) منصوب بوقوع الإضاءة عليه، و (حوله) نصب على الظرف (٤). والعرب تقول: رأيت الناس حَوْلَه، وحَوْلَيْه، وحَوَالَهُ، وحَوَالَيْهِ. فَحَوَالَهُ وُحْدَان حَوَالَيْه، وَحَوْلَيْه تَثْنِيةُ حَوْلَه وينشد: مَاءٌ رَوَاهٌ ونَصيٌّ حَوْلَيَه (٥) ومما ينشد على لسان البهائم أن الضب

стр. 740

قال لِلْحِسْل (١): أهَدَمُوا بَيْتَكَ لا أبَالَكا ... وأنا أمْشِي (٢) الدَّأَلَى حَوَالَكَا (٣) و (النور) ضد الظلمة، ويقال: نار الشيء وأنار واستنار بمعنى واحد، وأنار الشيء (٤) أي أوضحه (٥) ومنه الحديث: (فرض عمر بن الخطاب (٦) ﵁ فريضة فأنارها زيد بن ثابت) (٧). فأما التفسير: فقال ابن عباس وقتادة والضحاك ومقاتل والسدي: يقول: مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد ناراً في ليلة (٨) مظلمة في مفازة فاستضاء بها واستدفأ، ورأى ما حوله فاتقى ما يحذر ويخاف وأمن، فبينما
следующие страницы →