← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

لا تثنى ولا تجمع، [لأن المصدر ينبئ عن الفعل، فهو بمنزلة الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع (١)] (٢). وقال ابن الأنباري: أراد (٣): وعلى مواضع سمعهم، فحذف المضاف، كما تقول العرب: تكلم المجلس، وهم يريدون أهله، وحذف المضاف كثير في التنزيل والكلام (٤). وقيل: اكتفى من الجمع بالواحد (٥)، كما قال الراعي (٦): بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب (٧)

стр. 667

وقال الله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، وهو كثير جدًّا. وقال سيبويه (١): توحيد السمع يدل على الجمع، لأنه توسط جمعين، كقوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨]. وتم الكلام (٢) ههنا (٣). ثم قال: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ الأبصار جمع البصر، والبصر العين، إلا أنه مذكر، ويقال: تبصرت الشيء بمعنى رمقته (٤)، ومنه قول زهير: تبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... ............. البيت (٥)

стр. 668

والغشاوة الغطاء (١)، ويقال للجلدة التي على الولد: غشاوة، ومنه غشى على المريض إذا دير به، لأنه لبسةٌ من حال المرض، ومنه غاشية السرج (٢). وفيه ثلاث لغات: ضم الغين وفتحها وكسرها (٣). والأفصح الكسر، لأن كل ما كان مشتملاً على شيء فهو مبني على (فعالة) كالعمامة والقلادة والعصابة. وكذلك أسماء الصناعات، لأن معنى الصناعة الاشتمال على (٤) كل ما فيها، نحو: الخياطة والقصارة، وكذلك كل من استولى، فاسم ما استولى عليه الفعالة نحو: الخلافة والإمارة (٥). قال أبو علي الفارسي: ولم أسمع منه فعلاً متصرفا بالواو، ولامه (ياء) لأنك تقول: غشي يغشى، والغشيان وغشيته أي: ألبسته وسترته، والغشاوة من الغشيان كالجباوة من جبيت، في أن (الواو) كأنها بدل من (الياء) إذ (٦) لم يصرف منه فعل بالواو كما لم يصرف من الجباوة (٧).

стр. 669

والأشهر في القراءة رفع الغشاوة (١)، لأنها لم تحمل على (ختم)، ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]، فلما (٢) لم تحمل في هذه على (ختم) كذلك لا تحمل هاهنا (٣)، وبقطعها عن ختم فتكون مرفوعة (٤) بعلى (٥). وقرأ المفضل (٦) ﴿غِشَاوَةٌ﴾ بالنصب (٧). وله وجهان:

стр. 670

أحدهما (١): أن تحمل على الفعل، كأنه قال: وختم على قلبه غشاوة، أي: بغشاوة فلما حذف الحرف وصل الفعل، ومعنى ختم عليه بغشاوة: مثل جعل على بصره غشاوة. ألا ترى أنه إذا ختمها بالغشاوة فقد جعلها فيها، والدليل على جواز حمل غشاوة على ختم هذا الظاهر قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨]، وطبع في المعنى كختم، وقد حملت الأبصار على (طبع)، فكذلك (٢) تحمل (٣) على (ختم) (٤). والوجه الثاني: ما قاله الفراء (٥)، وهو أنه نصبها بإضمار (وجعل)، كقوله في الجاثية: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]. والكلام إذا اجتمع ودل أوله على آخره حسن الإضمار، كقولك: أصاب فلان المال، فبنى الدور والعبيد والإماء واللباس، فـ (بنى) لا يقع على العبيد (٦) وإلاماء، واللباس فبنى لا يقع على العبيد والإماء ولكنه (٧)، صفات اليسار، فحسن الإضمار لما عرف، ومثله كثير. والذي لا يحسن من الإضمار (٨) ما يشتبه ولا يعرف المعنى، كقولك: ضربت فلانًا وفلانًا،

стр. 671

وأنت تريد بالثاني: قتلت، لأنه ليس هاهنا دليل، وكذلك قولك: قد أعتقت يساراً أمس وآخر اليوم، وأنت تريد: واشتريت آخر اليوم، فهذا لا يجوز، لأنه مختلف (١). قال الزجاج في هذه الآية: إنهم كانوا يسمعون ويبصرون ويعقلون، ولكن لم يستعملوا (٢) هذه الحواس استعمالاً يجدي عليهم، فصاروا كمن لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. (العذاب): كل ما يُعَنَي الإنسان ويشق عليه، وذكرت اشتقاقه عند قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]. و (العظيم) فعيل من العظم، ومعنى العظم: هو كثرة المقدار في الجثة (٤)، ثم استعير ذلك في الصفات، فقيل: كلام عظيم، [وأمر عظيم، أي: عظيم (٥)] القدر، يريدون به المبالغة في وصفه، ومن هذا الباب العظام، لأنها من (٦) أكبر ما ركب منه البدن، فالعظم في الأصل الزيادة على المقدار (٧)، ثم ينقسم إلى عظم الأجسام، وعظم الشأن (٨)، وهو

стр. 672

منقول إلى عظم الشأن (١) من عظم الجثة، وكثر استعماله حتى صار حقيقة في الموضعين (٢). ومعنى وصف العذاب بالعظم، هو المواصلة بين أجزاء الآلام بحيث لا تتخللها (٣) فرجة، أو إحداث ألم في كل جزء، أو (٤) يخلق ألما أشد من ألم. ٨ - قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية. روى ثعلب عن سلمه (٥) عن الفراء (٦) قال: يكون (٧) (من) ابتداء غاية، ويكون بعضًا، ويكون صلة، قال الله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس: ٦١]. المعنى: مثقال ذرة (٨). قال أبو عبيد (٩): والعرب تضع (من) مواضع (مذ) يقال: ما رأيته من [سنة، أي:] (١٠) مذ سنة. قال زهير:

стр. 673

أقوين من حجج ومن شهر (١) أي: مذ حجج (٢). ويكون (٣) (من) بمعنى البدل، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠]. معناه: بدلكم (٤)، وسنذكره في موضعه. (٥) وأما الأصل [في (الناس) (٦)] فقد أقرأني العروضي قال: أقرأني الأزهري قال (٧): (أخبرني المنذري عن أبي الهيثم (٨) أنه سأله (٩) عن (الناس) (١٠) ما أصله؟

стр. 674

قال: أصله أناس (١)، والألف فيه أصلية، ثم زيدت عليه اللام التي نزاد مع الألف للتعريف (٢)، وأصل تلك اللام سكون أبدا (٣)، فصار (الأناس) ثم كثر في الكلام، وكانت الهمزة واسطة فاستثقلوها (٤) فتركوها (٥)، ثم أدغموا اللام في النون فقالوا: الناس، فلما طرحوا الألف واللام قالوا: (ناس) (٦). وقد استعمله الشاعر على الأصل فقال: إن المنايا يَطّلعـ ... ـنَ على الأناس الآمنينا (٧) قال الأزهري: وهذا قول حذاق (٨) النحويين (٩). و (الناس) لفظ وضع

стр. 675

للجمع، ولا واحد له من لفظه (١)، كالقوم والرهط والجيش، واختلفوا في تصغيره، فقيل: (أنيس) و (نويس). فمن قال: (أنيس) وهو قول أكثر النحويين (٢)، دل على (٣) أن أصله (أناس) لثبوت الهمزة في التصغير. ومن قال: نويس، جعل اشتقاق الناس من (النوس) وهو الاضطراب والحركة (٤) يقال ناس ينوس إذا تذبذب وتحرك، وأناس إذا حرك (٥). ومنه قول المرأة في حديث أم زرع: (أناس من حلي أذني) (٦).

стр. 676

قال (١): وسمي الناس ناسًا، لأن من (٢) شأنهم الحركة على الاختيار العقلي، والواو في التصغير يدل على هذا الاشتقاق، وواحد الناس: إنسان، لا من لفظه. وكان في الأصل (إنسيان)، وهو فعليان، والألف فيه (فاء) الفعل، ومثله في الكلام (حرصيان) وهو الجلد الذي يلي الجلد الأعلى من (٣) الحيوان، ورجل حذريان، إذا كان حذرا، وإنما قلنا: إن أصله إنسيان، لأن العرب لم تختلف في تصغيره على أنيسيان (٤). قال الأزهري (٥): وأصل الإنس، والإنسان، والناس، من آنس يؤنس (٦) إذا أبصر، لأنهم يؤنسون، أي: يبصرون، كما قيل للجن: جن، لأنهم مجتنّون، لا يؤنسون أي: لا يبصرون (٧). وقد روي عن ابن عباس أنه

стр. 677

قال: عهد الله سبحانه إلى آدم فنسي فسمي إنساناً (١) وإن صح هذا فالهمزة تكون زائدة (٢). وذكر أبو علي في "المسائل الحلبية" (٣): أن الكسائي قال: إن الأناس (٤) لغة، والناس لغة أخرى (٥)، كأنه يذهب إلى أن (الفاء) محذوف من الناس، كما يذهب إليه سيبويه (٦)، والدلالة على أنهما من لفظ واحد، وليسا من كلمتين مختلفتين أنهم قالوا: (الأناس) في المعنى الذي قالوا فيه (الناس) وقالوا: الإنس والأنس والإنسي والأناسي (٧)، وإذا كان كذلك ثبت أن الهمزة (فاء) الفعل، وأن الألف من (أناس) زائدة (٨)، وأن (فاء) الفعل من الناس هي الهمزة المحذوفة، وهذا من مبادئ التصريف وأوائله (٩).

стр. 678

ولو جاز لقائل أن (١) يقول: إن (ناسا) لسقوط الهمزة منه ليس من لفظ أناس، للزمه أن يقول: [قولهم (ويل أمه (٢)) إذا حذفت الهمزة منه: ليست التي في (أمه) وأن يقول (٣)]: (عدة) ليس من الوعد، لسقوط الواو منه التي هي (فاء) (٤). وقوله تعالى: ﴿مَن يَقُولُ﴾. روى سلمة، عن الفراء، عن الكسائي (٥) قال: ﴿مِنَ﴾ يكون اسماً، ويكون شرطاً ويكون معرفة، ويكون نكرة، ويكون للواحد والاثنين (٦) وللجميع، ويكون (٧) للإنس (٨) والملائكة والجن (٩)، وهذه الوجوه كلها موجودة في التنزيل (١٠)، ستمر بك مشروحة

стр. 679

إن شاء الله. وإعرابها: الوقف (١)، لأنها لا تتم إلا بصلة، فلا يكون الإعراب في (٢) بعض الاسم (٣). وقوله تعالى: ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (اليوم) مقداره من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، وجمعه: أيام، وكان الأصل (أيوام) واجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما الأخرى بالسكون، فأدغمت (٤). والآخر: نقيض المتقدم (٥)، يعني باليوم الآخر: يوم القيامة، ويسمى (٦) آخراً، لأنه (٧) بعد أيام الدنيا، وقيل: لأنه (٨) آخر يوم ليس بعده ليلة، والأيام إنما تتميز بالليالي (٩)، فإذا لم يكن بعده ليل لم يكن بعده يوم على الحقيقة (١٠). وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. دخلت (الباء) مؤكدة لمعنى النفي، لأنك إذا قلت: (ما زيد أخوك) فلم يسمع السامع (ما) ظن أنك موجب،

стр. 680

فإذا قلت: (ما زيد بأخيك) (١)، علم السامع أنك تنفي، وإن لم يسمع (ما) (٢). وجمع في قوله: ﴿وَمَا هُمْ﴾ بعد التوحيد في ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ لأن لفظ (٣) (من) يصلح للواحد وللجميع (٤). قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في المنافقين (٥) حين أظهروا كلمة الإيمان وأسرّوا الكفر (٦). فأخبر الله سبحانه أنهم يقولون: إنا مؤمنون، ويظهرون كلمة الإيمان، ثم نفى عنهم الإيمان فقال ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ فدل أن حقيقة الإيمان ليس الإقرار فقط (٧). ٩ - قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. ﴿يُخَادِعُونَ﴾: يفاعلون من الخدع والخداع. واختلف أهل اللغة في أصل الخداع، فقال قوم: (٨) أصله من إخفاء

стр. 681

الشيء (١)، قال الليث (٢): أخدعت الشيء، أي أخفيته، قال: (٣) ومن أمثال العرب (أخدَعُ من ضبِّ حرشتَه) (٤)، وهو من قولك: خدع مني (٥) فلان، إذا توارى ولم يظهر (٦). والضبّ (٧) إذا أروَحَ ريحَ الإنسان خَدَع (٨) في جحره (٩) فلم يخرج. وقال أبو العميثل (١٠): خدع (١١) الضب إذا (١٢) دخل في

стр. 682

وجاره (١). ومنه قول الأعرابي لعمر ﵁ يصف قحوط المطر: خدعت الضباب وجاعت الأعراب (٢). ويقال: خدع خير (٣) الرجل، أي: قل وخفي. وخدعت الضبع في وجارها، وخدع الثعلب إذا أخذ في الروغان (٤). قال (٥) الليث: والأخدعان: عرقان في صفحتي العنق قد خفيا وبطنا (٦). وطريق خدوع وخادع، إذا كان يبين (٧) مرة ويخفى أخرى (٨)، ومنه قول الطرماح (٩):

стр. 683

خَادِعَةُ المسلَكِ أرْصَادُهَا ... تُمسي (١) وُكُوَنًا فَوْقَ آرَامِهَا (٢) قال أبو عبيد: قال أبو زيد: خدعته خِدْعا بكسر الخاء وخديعة، وأنشد قول رؤبة (٣): فَقَدْ أُدَاهى (٤) خِدْعَ من تَخَدَّعَا (٥) وأجاز غيره (خَدْعا) بالفتح (٦). وعلى هذا الأصل (٧) معنى قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ أي: يظهرون غير ما في نفوسهم، ليدرؤوا عنهم أحكام الكفار في ظاهر الشريعة من القتل والجزية وغيرهما. ولما كان القوم عملوا (٨) عمل المخادع [قال الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ

стр. 684

اللَّهَ﴾ أي: يعملون عمل المخادع، ليس أن خداعهم يخفى على الله (١). وقال آخرون: أصل الخداع والخدع من الفساد (٢) روى ثعلب عن ابن الأعرابي (٣) قال: الخادع (٤):] الفاسد من الطعام وغيره، وأنشد قوله: ................. .... إذا الرِّيقُ خَدَعْ (٥) قال ابن الأعرابي: خدع الريق أي: فسد (٦) ومنه الحديث: "يكون قبل خروج الدجال سنون خداعة" (٧).

стр. 685

قال شمر: هي الفواسد، قال: ويقال: السوق خادعة، إذا لم يقدر على الشيء إلا بغلاء فهي فاسدة (١). وعلى هذا الأصل (٢)، قال [ابن] (٣) الأنباري: معنى قوله ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ وتأويله (٤): يفسدون (٥) ما يظهرون من الإيمان بما يضمرون من الكفر. فإن قيل: المفاعلة تكون بين اثنين، والله تعالى يجل عن أن يشاركهم في الخدع، فما وجه قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾؟ والجواب عن هذا من وجوه: قال محمد بن القاسم (٦): إن الخداع منهم يقع بالاختيال (٧) والمكر، ومن الله تعالى بأن يظهر ويعجل لهم من الأموال والأولاد ما يدخر (٨)، ويؤخر (٩) خلافه، فأشبه هذا فعلهم (١٠)،

стр. 686

إذ (١) كانوا يظهرون الإيمان بالله (٢) ورسوله، ويضمرون خلاف (٣) ما يظهرون، والله يظهر لهم من الإحسان في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم ويستر من عذاب الآخرة، فجمع الفعلان لتشابههما من هذه الجهة (٤). وهذا الذي قاله محمد بن القاسم مطرد (٥) على الأصلين (٦)، أما الإخفاء فقد ذكره (٧)، وأما الفساد، فكما أنهم يفسدون ما يظهرون من الإيماد بما يضمرون، كذلك الله تعالى أفسد عليهم نعيمهم في الدنيا بما

стр. 687

أصارهم إليه من عذاب الآخرة (١). وقيل: يخادعون الله، أي: (يخدعون)، قال اللحياني (٢) وأبو عبيدة: خادعت الرجل بمعنى خدعته، والمفاعلة كثيرًا ما تقع من الواحد، كالمعافاة والمعاقبة وطارقت النعل، ومعناه على هذا: يقدرون في أنفسهم أنهم يخدعون الله (٣). وقال الحسن: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ أي: نبيه، لأن الله بعث نبيه (٤) بدينه، فمن أطاعه فقد أطاع الله، كما قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] فعلى هذا من خادعه فقد خادع الله، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٥٧] أي أولياءه، وعلى (٥) هذا التأويل (المخادعة) أيضًا من الواحد (٦).

стр. 688

وقيل: إن ذكر الله ههنا تحسين وتزيين لافتتاح الكلام، والقصد (١) بالمخادعة الذين آمنوا (٢)، فصار كقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. قرئ بوجهين (٣). فمن قرأ بالألف قال: هو من المفاعلة التي تقع (٤) من الواحد كقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ فلما وقع الاتفاق على الألف في قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ أجري الثاني

стр. 689

على (١) الأول طلبا للتشاكل، وقد أجري على التشاكل ما لا يصح (٢) في المعنى كقوله: فَنَجْهَلَ فوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا (٣) وقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٤) [البقرة: ١٩٤] فلأن يجرى للتشاكل ما يصح في المعنى أولى (٥). وأيضا فإنهم كانوا يخادعون أنفسهم بالتسويف والتشكيك إذ (٦) نازعتهم دواعي الإيمان، ودعتهم خواطر الحق، كانوا يقابلون (٧) ذلك بالجحد والتكذيب وترك النظر، والخاطران في قلب واحد إذا كانا يتعارضان جعلا بمنزلة نفسين (٨)

стр. 690

ألا ترى الكميت (١) قال (٢) في ذكر حمار أراد الورود (٣): تذكر من أنّى ومن أين شربه ... يؤامر نفسَيه كذي الهَجْمة الأَبِلْ (٤) فجعل ما يكون من ورود الماء (٥) أو ترك الورود والتمييل (٦) بينهما بمنزلة نفسين، وعلى هذا يتوجه قراءة من قرأ: ﴿قَالَ اعْلَمْ أَنَ اَللَّهَ عَلىَ كلِّ شئٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] بالجزم (٧)، فنزل نفسه عند الخاطر الذي يخطر له عند نظره منزلة مناظر له (٨).

стр. 691

ومن قرأ ﴿يَخْدَعُونَ﴾ قال: إن فَعَلَ [أولى بفعل] (١) الواحد من (فاعَلَ) من حيث كان أخص به، وكان أليق من (فاعَل) الذي هو لأكثر الأمر (٢) أن يكون لفاعلين (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٤). معناه أنهم راموا الخداع فلم يخدعوا الله ولا المؤمنين، وما خدعوا إلا أنفسهم؛ لأن وبال خداعهم عاد عليهم، وهذا كقولك: قاتل فلان فلانا فما قتل إلا نفسه، أي: رام قتل صاحبه فلم يتمكن وعاد وبال فعله إليه، كذلك المنافقون في الحقيقة إنما يخدعون أنفسهم (٥)، لأن الله سبحانه يطلع نبيه ﵊ على أسرارهم ونفاقهم (٦)، فيفتضحون في الدنيا، ويستوجبون العقاب (٧) في العقبى (٨).

стр. 692

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. النفس: تستعمل (١) في اللغة على معان: النفس: عين الشيء وذاته (٢). والنفس: بمعنى الروح، يقولون: خرجت نفسه، إذا فارقه الروح (٣). والنفس: بمعنى الدم، يقال: هذا ليس له نفس سائلة، وذلك أنه لما كان قوام البدن بالدم سمي الدم باسم الروح الذي هو النفس (٤)، ومنه يقال: نفست المرأة (٥): إذا حاضت (٦). وقال ابن الأنباري: سميت النفس نفسا لتولد النفس منها، كما سموا الروح روحا؛ لأن الروح موجود به (٧). وسنذكر (٨) معاني النفس بأبلغ من هذا عند قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (٩) [الزمر: ٤٢]. إن شاء الله. وفي قوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ (١٠) تحقيق أن المخادعة وقعت بهم لا بغيرهم، كما تقول: رأيت نفس الشيء، أخبرت أن الرؤية وقعت عليه لا على مثاله (١١).

стр. 693

وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي ما يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم، وأن وبال خداعهم يعود إليهم، وفي هذا دليل على أنهم كانوا جهالاً بالله سبحانه وبدينه. و (الشِّعْر): العلم، وهو في الأصل (شِعْرَة) (١) كالفطنة والدِّرية (٢)، وقالوا: ليت شعري، فحذفوا (التاء) مع الإضافة للكثرة، وقد قالوا: ذهب بعذرتها، [وهو أبو عذرها (٣)] (٤) وكأن شعرت من الشعار، وهو ما يلي الجسد، وكأن شعرت به، علمت علم حسّ (٥). قال الفرزدق (٦):

стр. 694

لَبِسْنَ (١) الفِرِنْدَ الخُسْرُوَانِي فَوْقَهُ ... مَشَاعِرَ مِنْ خَزِّ العِرَاقِ المُفَوَّفُ (٢) أراد: لبسن الفرند الخسرواني مشاعر فوقه المفوف من خز العراق، أي جعلنها الشعار. فالشعر ضرب من العلم مخصوص، وكل مشعور به معلوم، وليس كل معلوم مشعورا (٣) به، ولهذا لم يجز في وصف الله تعالى (٤). وقوله في وصف الكافرين ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ أبلغ في الذم من وصفهم بأنهم لا يعلمون؛ لأن البهيمة قد تشعر من حيث تحس (٥)، فكأنهم وصفوا بنهاية الذهاب عن الفهم، وعلى هذا قال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤] ولم يقل: (ولكن لا تعلمون) لأن المؤمنين إذا أخبرهم الله تعالى بأنهم أحياء علموا أنهم أحياء،

стр. 695

فلا يجوز أن ينفي الله العلم عنهم بحياتهم، إذ (١) كانوا [قد علموا ذلك بإخباره إياهم. ولكن يجوز أن يقال: [(ولكن لا)] (٢) تشعرون (٣)، لأنه ليس كل ما علموه يشعرونه، كما أنه ليس كل ما علموه يحسونه بحواسهم، فلما كانوا لا يعلمون بحواسهم حياته (٤)، وإن كانوا قد علموه بإخبار الله إياهم وجب أن يقال: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٥). ١٠ - قوله تعالى ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: قال أبو بكر بن الأنباري (٦): أصل المرض في اللغة: الفساد، ومرض فلان، فسد جسمه، وتغيرت حالته، وكذلك مرضت الأرض معناه (٧) تغيرت وفسدت (٨).

стр. 696

قالت ليلى الأخيلية (١): إذا هبط الحَجَّاج أرضًا مريضةً ... تتبَّع أقصى (٢) دائها فشفاها (٣) أرادت: أرضا فاسدة. وقال آخر: ألم تر أن الأرض أضحت مريضة ... لفقد الحسين والبلاد اقشعرت (٤) وقال غيره: أصل المرض الضعف، يقال (٥): مرَّض الرجل في الأمر إذا ضعف فيه، ولم يبالغ، و [عين] (٦) مريضة النظر أي (٧): فاترة ضعيفة، وريح مريضة إذا ضعف هبوبها، وعلى هذا تفسير (٨) قول المحدث: رَاحَتْ لأربعك الرياح مريضة (٩)

стр. 697

أي: لينة ضعيفة حتى لا تعفوها. ثعلب عن ابن الأعرابي (١): أصل المرض: النقصان. بدن مريض: ناقص القوة. و (٢) قلب مريض: ناقص الدين، ومَرَّض (٣) في حاجتي إذا نقصت حركته فيها. وقال الأزهري: أخبرني المنذري، عن بعض أصحابه قال: المرض إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها، قال: والمرض: الظلمة، وأنشد (٤): ولَيْلَةٍ مَرِضَتْ مِنْ كُلِّ ناحيةٍ ... فما يُضيءُ لها شَمْسٌ ولا قَمَرُ (٥) هذا (٦) هو الكلام في أصل المرض ومعناه في اللغة، ثم الشك والجهل (٧) والحيرة في القلب كلها تعود إلى هذه الأصول.

стр. 698

قال ابن عباس في قلوبهم مرض: أي شك ونفاق (١)، وهو قول ابن مسعود والحسن وقتادة (٢) وجميع أهل التأويل. وقال ابن جرير (٣): معناه في اعتقاداتهم مرض، أي: شك وشبه، فاستغنى بذكر القلوب عن ذكر الاعتقادات؛ لأن محلها القلوب كقولهم: (يا خيل الله اركبي) (٤). وليس الأمر على ما قال؛ لأن الشك في القلب على الحقيقة، فأي فائدة لتقدير الاعتقاد ههنا؛ ولأن الشك ينافي الاعتقاد، وهم ليسوا

стр. 699

معتقدين (١) إذا كانوا شاكّين (٢). وقوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ اَللَّهُ مَرَضًا﴾. يقال: زاد يزيد زيادة وزيدا (٣)، أنشد أبو زيد: كذلك زَيْدُ المَرْءِ بعدَ انتِقَاصِه (٤) وقال ذو الإصبع (٥): وأنتمُ معشرٌ زَيْدٌ على مائة ... فأجمِعُوا أمركم طُرًّا فكيدوني (٦) كأنه (٧) قال: معشر زيادة على مائة (٨). وهو (٩) فعل يتعدى إلى

стр. 700

مفعولين كما قال: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (١) [الكهف: ١٣] وقال: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا﴾ (٢) [النحل: ٨٨]. وكان حمزة يميل (زاد) في جميع القرآن (٣) كأنه أراد أن يدل بالإمالة على أن العين (٤) (ياء) [ليحافظ] (٥) على الحرف الذي هو أصل، كما أنهم قالوا في جمع أبيض وأعين: بيض وعين، فأبدلوا (٦) من الضمة كسرة، لأن جمع (أَفْعَل) (٧) (فُعْل) لتصح (٨) (الياء) ولا تنقلب إلى (الواو) (٩) فكما حوفظ على تصحيح (١٠) (الياء) في هذه الحروف كذلك حوفظ على (الياء)

стр. 701

في (زاد) بإمالة الألف نحوها (١) يدلك على ذلك: أن الذين أمالوا نحو: (زاد) (٢) و (زاغ) و (خاب) و (طاب) (٣) لم يميلوا نحو (عاذ، وعاد) ولا (بابا) ولا (مالا) ولا ما أشبه ذلك مما العين منه (واو) حيث لم تكن في الكلمة (٤) (ياء) ولا (كسرة) فتنحى الألف بالإمالة نحوهما. ومما يقوي الإمالة في (زاد) ونحوه: أنه اجتمع فيه أمران كل واحد يوجب الإمالة: أحدهما: ما ذكرنا (٥) والثاني: لحَاقُ الكسرة أول فَعَلْتَ (٦)، وكل واحدة من هاتين الحالتين توجب الإمالة بانفرادها (٧). ومعنى قوله. ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أى: شكًّا على شكٍّ وفسادَا على فساد (٨). وهذا يدل على أن كفرهم كان مخلوقًا لله تعالى (٩)؛ لأنه لو لم

стр. 702

يخلق مرض (١) قلوبهم ما زادهم المرض ثانياً، وهو كقوله: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]. قال أبو إسحاق (٢): المرض (٣) في القلب يصلح لكل ما خرج به الإنسان عن الصحة في الدين (٤). وقوله تعالى ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (٥) أي بما أنزل من القرآن، فشكّوا فيه كما شكّوا في الذي قبله كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٤]. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾. أصل العذاب في كلام العرب: من العذب، وهو المنع؛ يقال: عَذَبتَه عَذْبًا أي منعتَه مَنْعَا، فعَذَبَ عُذوبًا أي امتنع (٦)، ومنه يقال للفرس إذا قام في المِعْلف ولم يتناول العلف وامتنع عنه: عَذُوبٌ وعَاذِبٌ، ومنه الماء العَذْب؛ لأنه يمنع العطش (٧). فسمي العذاب عذابًا؛ لأنه يَعْذُبُ المعاقب عن معاودة ما عوقب عليه، ويعذب

стр. 703

غيره (١) من أرتكاب مثله (٢). وقوله تعالى: ﴿أَلِيمٌ﴾ الأليم بمعنى المؤلم (٣) كالسميع: بمعنى المسمع (٤)، وقال ذو الرمة (٥): وترفع (٦) من صدور شَمَرْدَلاتٍ ... يصُكُّ وجوهَها وَهَجٌ (٧) أليمُ (٨) وقال عمرو (٩):

стр. 704

أَمِنْ ريحانة الدَّاعي السَّميع (١) أي: المسمع. ومعنى العذاب الأليم (٢): الذي يخلص وجعه إلى قلوبهم. "قوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. (ما) في تأويل المصدر (٣) كأنه قيل: بكونهم مكذبين وبتكذيبهم. وسنذكر القول في ذلك عند قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة:٢٨]، إن شاء الله. وحقيقة الكذب: الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو به، وقد يستعار لفظ الكذب فيما ليس بكذب في الحقيقة (٤)، كقول الأخطل (٥):

стр. 705

كَذَبتكَ عينُك أَمْ رَأَيتَ بواسطٍ (١) كأنها لما أوهمته خلاف الحقيقة كانت بمنزلة ما كذبته (٢). وقرأ أهل الكوفة (٣) ﴿يَكْذِبُونَ﴾ بالتخفيف من الكذب، وهو أشبه بما قبله وبما بعده؛ لأن قبله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] وهذا كذب منهم، وبعده قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] وهذا يدل على كذبهم في دعوى الإيمان. وأيضا فإن قوله تعالى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ لا يخلو إما أن يراد به المنافقون، أو المشركون، أو الفريقان جميعاً. فإن أراد المنافقين فقد (٤) قال فيهم: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١]. وإن كانوا المشركين فقد قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: ٩٠ - ٩١]. وإن كانوا الفريقين فقد أخبر عنهم جميعا بالكذب الذي يلزم (٥) أن يكون فعله (يكذبون) بالتخفيف.
следующие страницы →