← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.

стр. 7141

﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] ويقال الرجل يُنَبِّتُ الجارية، أي يَغْذُوها ويُحسنُ القيامَ عليها، حكاه الليث (١)، فأما الجواهر فقد دخلت تحت قوله: ﴿وَالْأَرْضَ﴾ ولا تدخل في الإنبات. وذهب آخرون في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ إلى حقيقة الوزن، وقال عطاء: يريد الثمار مما يكال أو يوزن (٢). وقال الكلبي: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾: في الجبال، ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والكحل والزرنيخ، وكل شيء يوزن وزنًا (٣)، وهذا قول ابن زيد والحسن واختيار الفراء. قال ابن زيد: هي الأشياء التي توزن (٤)، وقال الحسن: الزعفران وما أشبهه (٥). وقال الفراء: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾، يقول من الذهب والفضة والرَّصاص والنحاس، فذلك الموزون (٦)، فذهب بعض هؤلاء الذين ذكرنا

стр. 7142

إلى ما يتحقق الإنبات فيه، وهو الحسن وعطاء، وعَمَّمَ ابنُ زيد: كل ما يوزن، فدخل فيه ما يتحقق الإنبات فيه كالحبوب والثمار وما لا يتحقق كالذهب والفضة، إلا أنه لا يجوز إطلاق الإنبات عليها [إلا] (١) إذا اجتمعت؛ لأن بعضها يتحقق الإنبات فيه، فاستعمل في غيره إذا اجتمع معه لاشتراكهما في الوزن، والجمع بينهما في اللفظ، والكلبي والفراء خصا جواهر المعادن، ولا يليق لفظ الإنبات بها ولا يحسن، قال أبو بكر: والقول الأول أثبت؛ لأنه يحمل الآية فيه على العموم، والقول الثاني يوجب اختصاصًا لم يأت به برهان، على أنه على بُعْدِه غير خارج عن الصواب، والله أعلم. ٢٠ - قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ قال ابن عباس: يريد من الثمار والحبوب (٢)، وذكرنا الكلام في المعايش في سورة الأعراف (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد مما مَلَّكْتُكم وما أنتم له برازقين، إنما رِزْقهم عليّ وأنا خالقهم، وهذا قول مجاهد واختيار الزجاج وأبي بكر، روى ابن جريج عن مجاهد في قوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ قال: الدواب والأنعام (٤).

стр. 7143

وقال الزجاج: الأجود والله أعلم أن يكون (من) هاهنا أعني في قوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ يراد بها العبيد والدواب والأنعام، أي: وكُفِيتُمْ مؤنة أرزاقها (١). وقال أبو بكر: تقديره وجعلنا لكم فيها معايش وعبيدًا وإماءً يرزقهم ولا ترزقونهم. قال أبو إسحاق: وموضع (مَنْ) نصبٌ من جهتين؛ أحديهما: العطف على ﴿مَعَايِشَ﴾: وجعلنا لكم من لستم له برازقين، وجائز أن يكون عطفًا على تأويل (لكم)؛ لأن معنى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾: أعشناكم، المعنى: أعشناكم ومن لستم له برازقين (٢)، أي رزقناكم ومن لستم له برازقين. (وعلى هذا الوجه يجوز أن يدخل الطير والوحش في قوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ (٣) لأن الله تعالى أعاشهم كما أعاشنا، وهو قول الكلبي في قوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ قال: يعني الوحش والطير (٤)، ونحوه قال منصور، ولا يجوز أن يفرد الوحش والطير والدواب عن الإماء والعبيد في هذه الآية؛ لأن (من) لا يكاد يكون لغير ما يعقل، فإذا جمع مع من يعقل، غلب من يعقل بفضيلة العقل، فجاز إيقاع (من) عليهم، وهذا هو الاختيار

стр. 7144

عند جميع النحويين (١). ووجه قول الكلبي، حيث أفرد الوحش والطير والدواب والأنعام: أن (من) لمّا (٢) وصفت بالمعاش الذي الغالب عليه أن يُوصفَ الناس به، فيقال: الآدمي يتعيش، ولا يقال: الفرس يتعيش، جرت الهَوَامُ والوَحشُ -لمَّا وُصفت بوصف الناس- مجرى الناس في التسمية، ألا ترى أن علامة جمعها جعلت كعلامة جمع الناس في قوله: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] و ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، و ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وكان وقوع (من) على غير الناس في هذا الموضع كتصيير الواو و (٣) الياء لجمع (٤) غير الناس حين وصفه بأوصاف الناس. هذا كلام أبي بكر، ومعنى قول أبي إسحاق (٥)، وذكر الفراء أن (من) يجوز أن تكون في محل خفض على تقدير: وجعلنا لكم فيها معايش ولمن، ثم قال: وقلما تَردُّ العربُ حرفًا مخفوضًا على مخفوض قد كُنِّيَ عنه (٦)، وهو جائز على قراءة من قرأ:

стр. 7145

﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، خفضًا (١)، وقد ذكرنا ذلك. ٢١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾، الخزائن جمع الخزانة، وهي اسم المكان الذي يُخزن (٢) فيه الشيء أي يحفظ، والخزانة أيضًا عمل الخازن (٣)، ويقال خَزَنَ الشيءَ يَخْزِنه إذا أحرزه في خِزَانةٍ (٤)، وعامة المفسرين على أن المراد بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي من المطر (٥)؛ وذلك أنه سبب الرزق ومعايش بني آدم وغيرهم من الطيور والوحوش، فلما ذكر أنه يعطيهم المعاش بيَّن أن خزائن المطر الذي هو سبب المعاش عنده، أي: في أمره وحكمه وتدبيره.

стр. 7146

وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾، قال ابن عباس: يريد ما يكفي خلقي، وقال الحكم: ما من عام بأكثرَ مطرٍ من عام، ولكنه يُمْطَرُ قومٌ ويُحْرَمُ آخرون، وربما كان البحر (١)؛ يعني أن الله تعالى ينزل المطر كل عام قدر معلوم لا ينقصه ولا يزيده، غير أنه يصرفه إلى من شاء حيث شاء كما شاء، وقال أهل المعاني في هذه الآية: خزائن الله جل وعز مَقْدُوراته (٢)؛ لأنه يُقِّدر أن يوجد ما يشاء من جميع أجناس المعاني، وهذا معنى قول ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ قال: يريد أَمْلِكُ خزائنه، وأقول كن فيكون (٣)، يعني أنه تعالى ذِكْرُه لما قَدَرَ على إنشاء ما يريد كما يريد، صارت الأشياءُ كأنها عنده في خزائنها مُعَدَّةٌ، وعلى هذا معنى قوله: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أي ما ننشئه وما نحدثه، والإنزال يكون بمعنى الإنشاء والإحداث كقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] وقد مر (٤)،

стр. 7147

والمعنى أنّا ما نخلقه إلا بقدر معلوم لنا، ولو شئنا أن نخلق أضعاف ذلك قدرنا عليه. ٢٢ - قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾، قال ابن عباس: يريد للشجر وللسحاب (١)، وهو قول الحسن وإبراهيم وقتادة والضحاك، وأصل هذا من قولهم: لَقِحَتْ الناقةُ، وأَلْقَحَها الفحلُ إذا ألقى إليها الماءَ فحملته (٢)، فكذلك الرياح هي كالفحل للسحاب، ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود في هذه الآية؛ قال: يبعث الله الرياح لتُلقحَ السحابَ فتحمل الماءَ

стр. 7148

وتَمُجُّه في السحاب ثم تَمْريه (١) فيدُرُّ كما تَدُرُّ اللِّقحةُ (٢). وقال عبيد بن عمير: يرسل الله المبُشَّرة فَتَقُمّ الأرضَ قَمُّا، ثم يرسل المُثيرة فتثير السحاب، ثم يرسل المؤلِّفة فتؤلفه، ثم يرسل اللواقح فَتُلقِح الشجر (٣)، والأظهر في هذه الآية إلقاحها السحاب لقوله بعده: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، ولأن إلقاحها للسحاب ظاهر كما ذكرنا، وإلقاحها للشجر لم يذكر كيف هو (٤)، فإن قيل كيف قال (لواقح) وهي مُلْقِحة؟ والجواب ما ذهب إليه أبو عبيدة: أن لواقح هاهنا بمعنى مَلاقِح جمع مُلْقِحَة، فحذفت

стр. 7149

الميم منه وردت إلى الأصل، وأنشد لنهشل بن حَرِّيّ (١) يرثي أخاه: لِيُبْك يزيدُ بائسٌ ذو ضَرَاعةٍ ... وأشْعَثُ ممن طَوَّحتْه الطَّوائحُ (٢) أراد: المطوحات، فرد الحرف إلى أجل الثلاثي، واحتج أيضًا بقول رؤبة: يَخْرُجْنَ من أَجْوَازِ (٣) لَيْلٍ غاضِ (٤)

стр. 7150

يريد: مُغضٍ، وبقوله: تَكْشِفُ عن جَمَّاتِهِ دَلْوُ الدَّالي (١) (٢) يريد: المُدْلِي، قال أبو بكر وقد قال العرب: أَبْقَلَ النبت فهو بَاقْلٌ، يجعلون باقلًا بدلاً من مُبْقِل، ففي هذا دليل على تعيين لاقح عن مُلْقِح، وإلى قريب من هذا ذهب الفراء؛ فقال: يجوز فاعل لِمَفْعَل، كما جاء

стр. 7151

لمفعول؛ نحو: ماءٍ دافقٍ، وسرًّ كاتمٍ، وليلٍ نائمٍ، وكما قيل: المَبْرُوز في معنى المُبْرَز في قوله (١): النَّاطِقُ المَبْرُوزُ والمَخْتُومُ وذلك أن هذه الأشياء لم يُرَدَّ البناءُ فيها إلى الفعل (٢)، واختار أبو علي أيضًا قول أبي عبيدة فقال: لواقح بمعنى مَلاقِح، على حذف الزيادة، قال: وكما حذفت الزيادة من الجمع هاهنا حذفت من المصدر في شعر أبي دُؤَاد يذكر سحابًا: لَقِحْنَ ضُحَيُّا لِلَقْحِ الجَنُوبِ ... وأصبَحْنَ يُنْتَجْنَ ماءَ الحَيَاءِ (٣) فقوله: (لِلَقْحِ الجنوب)، تقديره: لإلقاحِ الجنوب، فحذف الزيادة من المصدر (٤). وقال الزجاج: يجوز أن يقال لها لواقح، وإن ألقحت غيرها؛ لأن معناها النسب (٥)، وشرح أبو بكر هذا القول فقال: واحد اللواقح لاقح، ومعنى لاقح ذاتُ لَقْح، كما قالوا: تأمر ولابن ونابل، وأبو الهيثم اختار أيضًا هذا، وقال هذا كما يقال: دِرْهَم وازِنٌ، أي ذو وزن، ورامحٌ وسائفٌ، ولا يقال رَمحَ ولا سافَ (٦)، وهذا الذي ذكرنا قول هؤلاء وليس هذا بمعنى؛ لأنه كان يجب أن يصح اللاقح بمعنى ذات اللقاح حتى يوافق

стр. 7152

قول المفسرين، فإن أرادوا بقولهم (ذات لقح) أن الريح في الحامل نفسها لم يحتج فيها إلى القول بالنسب، ويكون معناه ما ذكره الفراء فقال: جعل الريح هي التي تَلْقَح بمرورها على السحاب [و] (١) التراب والماء، فيكون هذا اللَّقَاح، فيقال: ريح لاقح، كما يقال: ناقة لاقح (٢)، واختار ابن قتيبة هذا القول، وكَرِه قولَ أبي عبيدة وقال: العرب تسمى الرياح لواقح، والريح لاقحًا، قال الطَّرِمَّاح: قَلِقٌ لأَفْنَانِ الرِّيَاحِ ... لِلاَقِحٍ مِنْها وحَائِلْ (٣) فاللاقحُ: الجنوب، والحائلُ: الشمال، يذكر بُرْدًا مَدَّه (٤) على أصحابه في الشمس يستظلون به، وُيسمّون الشمال أيضًا عقيمًا؛ لأنها لا تحمل، وإنما جعلوا الريح لاقحًا، أي حاملًا؛ لأنها تحمل السحاب وتقلبه وتُصَرِّفه، وهذا في قول أبي وَجْزَةَ (٥): حتى سَلَكْنَ الشَّوَى مِنْهُنّ في مَسَكٍ ... مِنْ نَسْلِ جَوَّابَةِ الآفَاقِ مِهْدَاجِ (٦)

стр. 7153

يعني الماء من نسل ريح جوابة للبلاد، فجعل الماء للريح كالولد؛ لأنها حملته في السحاب ثم مَرَت (١) السحاب حتى ألقته، قال: ومما يوضح هذا قوله جل ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ [الأعراف: ٥٧] أي حملت (٢). وهذا القول اختيار الأزهري، وقال بعد ما حكى قول ابن قتيبة: فهذا على هذا المعنى لا يحتاج أن يكون لاقِحٌ بمعنى ذات لَقْح، ولكنها حامل تحمِلُ السحاب والماء (٣)، والله أعلم. ويؤكد هذا الوجه أن المفسرين ذكروا في إلقاحها السحاب أنها تحمل الماء، قال أبو إسحاق: وجائز أن يقال للريح لقحت إذا أتت بالخير؛ كما قيل لها عقيم إذا لم تأت بخير (٤)، قال ابن الأنباري: الريح اللاقح؛ الذي يحمل الماء والسحاب على جهة التشبيه والتمثيل بالناقة التي تشتمل على ماء الفحل، والذي يتولد عن الريح من السحاب، والمطر

стр. 7154

بمنزلة الولد الذي تنتجه الناقة، وهذا كما تقول العرب: قد لقحت الحرب وقد نتجت ولدًا أنكدًا (١)، يُشبِّهون ما تشتمك عليه من (٢) ضروب الشر بما تحمله الناقة، ويُشبِّهون بما يتولد منها من القتل والنهب بما تضعه الناقة (٣)، يشهد لصحة هذا قول الشاعر (٤): لَقَحَتْ حُرْبُ وائلٍ عن حِيالِ (٥) والرياحُ العقيمُ غيرُ لاقح، إذا لم تحمل ما يتولد منه مطر ويصدر عنه روح وفرح (٦).

стр. 7155

وقوله تعالى: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾، قال الأزهري: العرب تقول لكل ما كان من بطون الأنعام ومن السماء أو نهر يجري: أسْقيْتُ، أي جعلته شُرْبًا له، وجعلت له منها مسقى، فإذا كانت السقيا لشفته قالوا: (سقاه، ولم يقولوا: أسقاه) (١)، الذي يؤكد ويبين هذا اختلاف القُراء في قوله: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦] فقرأوا باللغتين، ولم يختلفوا في قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] وفي قوله: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩]. وقال أبو زيد: اللهم اسقنا إسقاءً رِوَاءً، وأسقيت فلانًا رَكِيَّتي (٢)، إذا

стр. 7156

جعلت له منها مَسْقًى (١). وقال أبو علي: تقول: سقيته حتى روى، وأسقيته: نهرًا، جعلته شِرْبًا له، وقوله: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾: جعلناه سُقيا لكم، وربما قالوا في: أسقى سقى؛ كقول لبيد يصف سحابًا: أَقُولُ وصَوْبُهُ مِنِّي بَعِيدٌ ... يَحُطُّ الشَثَّ من قُلَلِ الجِبَالِ سَقَى قَومِي بَني مَجْدِ وأَسْقَى ... نُمَيْرًا والقبائلَ مِن هِلالِ (٢) فـ (سقى قومي) ليس يريد به ما يُروي عِطَاشهم، ولكن يريد رزقَهم سَقْيًا لبلادهم يُخْصِبُون بها، وبعيدٌ أن يسألَ لقومه ما يُروي العطاش، ولغيرهم ما يُخْصِبون منه (٣)، فأما سَقْيَا السَقِيَّة، فلا يقال فيها أسقَاهُ، وأما قول ذي الرُّمَّة: وأُسْقِيهِ حتى كادَ بما أَبُثُّهُ ... تُكَلِّمُني أَحْجَارُهُ ومَلاعِبُه (٤)

стр. 7157

فمعنى (أسقيه) أدعو له بالسُقيا، وأقول: سَقاه الله. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ﴾ يعني لذلك الماء المنزل من السماء، ﴿بِخَازِنِينَ﴾ أي بحافظين، يقول ليست خزائنه بيدكم. ٢٣ - قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ يعني إذا مات جميع الخلائق لم يتبق سواه؛ كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ﴾ [مريم: ٤٠]. قال أهل المعاني: لمّا كان يزول مُلْكُ كلِّ مَلِكٍ بموته -ويكون اللهُ المالكَ الحيَ وَحْدَه- كان هو الوارث لجميع (١) الأملاك (٢). ومعنى ورث: تَمَلَّك ما كان يملكه الميت قبله، وأملاك الخلائق تبطل وتزول بموتهم، ويبقى المُلك خالصًا لله وحده، فكان وارثًا من هذا الوجه. ٢٤ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ قال الليث: تقول: استقدم، أي: تقدم، وضده استأخر، أي: تأخر (٣)، واختلف المفسرون في هذه الآية، فقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾ يريد أهلَ طاعةِ الله، و ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ يريد عن طاعة الله (٤)، وهذا قول الحسن قال: المستقدمون في الطاعة، والمستأخرون

стр. 7158

عنها (١). وقال في رواية مِقْسَم: المستقدمون الصف المستقدم، والمستأخرون الصف المستأخر (٢)، وهذا قول الربيع، قال: حض رسول ﷺ على الصف الأول في الصلاة، فازدحم الناس عليه فأنزل الله هذه الآية (٣)، واختار الفراء هذا القول، وقال: معنى ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا﴾ أي: إنَّا نجزيهم على نيّاتهم (٤)، فإنا نعلم جميعهم. وقال الضحاك ومقاتل: في صف القتال (٥).

стр. 7159

وقال في رواية أبي الجوزاء: (كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله ﷺ فكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها، وآخرون يتأخرون ليروها -إذا ركعوا وجافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم- فأنزل الله هذه الآية) (١).

стр. 7160

وعلى هذا القول معنى ﴿عَلِمْنَا﴾: الوعيد والمحاسبة، وروي عنه أيضًا أنه قال: المستقدمون الأموات، والمستأخرون الأحياء (١)، وهذا قول قتادة، ومجاهد قال: من مضى من الأمم السالفة ومن بقي؛ وهم أمة محمد ﷺ (٢)، وقال عكرمة: المستقدمون من خلق، والمستأخرون "من يخلقه بعد" (٣) (٤)، وعلى قول هؤلاء معنى ﴿عَلِمْنَا﴾ والتمدح بالعلم؛ لأن علمه شامل لأعداد من مضى ومن بقي، ومن خلقه ومن سيخلقه فيما بقي.

стр. 7161

٢٦ - قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ قال ابن عباس وغيره: يعني آدم (١)، والكلام في وزن الإنسان واشتقاقه قد تقدم في أول الكتاب؛ عند قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ [البقرة: ٨]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾، اختلفوا في معناه، فقال قوم: هو طين حر يصلصل إذا نقر؛ لِيُبْسِه، يقال: صلَّ الحديدُ وغيرُه يَصِلُّ صليلاً، وصلصل إذا صَوَّت، ومنه قول لبيد: كلَّ حِرباءٍ إذا أُكْرِهَ (٢) صلّ (٣)

стр. 7162

وأنشد ابن الأنباري (١): عَنْتَرِيسٌ تَعْدو إذا مَسَّها السَّوْطُ ... كَعَدْوِ المُصَلْصِلِ الجوَّالِ (٢) قال يريد بالمصلصل الحمار المصوت، وهذا قول الفراء (٣) والزجاج (٤) وأبي عبيدة (٥)، ونحوه قال الأخفش، قال: وكل شيء له صوتٌ فهو صلْصالٌ من غير الطين (٦)، وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي، قال: الصلصال: الطين اليابس (٧)، وفي رواية إسرائيل (٨):

стр. 7163

ّالصلصال الذي إذا قُرعَ صوَّت (١) وروى عنه أبو صالح أنه الطين الحر الذي إذا نَضَب عنه الماء تشقق، فإذا حُرك تقعقع (٢)، وهذا قول الحسن وقتادة في الصلصال. قال المفسرون: خلق الله آدم من طين فصوَّره ومكث في الشمس أربعين سنة حتى صار صلصالًا كالخزف لا يدري أحد ما يُراد به، ولم يروا شيئًا من الصورة يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح (٣).

стр. 7164

وقال آخرون الصلصال المنتن، من قولهم: صلَّ اللحمُ وأصلَّ، إذا (١) أنْتَن وتغيَّر، ومنه قول الشاعر (٢): رأيْتُكمُ بَنِي الْخَذْوَاءِ لمّا دَنَى ... الأضْحَى وصَلَّلَتِ اللِّحَامُ (٣)

стр. 7165

وقال زهير: تُلَجْلِجُ مُضْغَةً فيها أَنِيضٌ ... أَصَلَّتْ فهي تَحْتَ الكَشْحِ داءُ (١) قال ابن الأنباري: والأصل في صَلْصَال صَلاَل، فأبدلت الصاد من اللام الثانية، ومنه كثير، وهو قول مجاهد، قال: الصلصال المنتن (٢)، واختاره الكسائي (٣).

стр. 7166

وقوله تعالى: ﴿مِنْ حَمَإٍ﴾، قال ابن الأنباري: (من) هاهنا مفسرة لجنس الصلصال؛ كما تقول: أخذت هذا من رجل من العرب. وأما: الحَمَأُ، فقال الليث: الحَمَأةُ بوزن فَعَلة والجميع الحَمَأُ (١)، وهو الطين الأسود المنتن (٢). وقال أبو عبيدة والأكثرون: حَمَأ (٣) تقديرها: حَمْأة (٤)، وأنشد لأبي الأسود (٥):

стр. 7167

لَعَمْرُكَ ما المَعِيْشَةُ بالتّمَنّي ... ولكنْ ألْق دَلْوَكَ في الدِّلاءِ تَجِيْءُ بِمِلاَها طَوْرًا وطَوْرًا ... تَجِيْءُ بِحَمْأَةٍ وقليلِ ماءِ (١) والجمع حَمَأ، كما يقال تَمْرة وتَمْر، ونَخْلة ونَخْل، والحَمَأُ أصله المصدر، نحو الجَزَع والهَلَع، ثم يُسَمّى به، ولا يعرف في كلام العرب الحَمْأَة إلا ساكنة الميم (٢)، وهذا هو الصحيح، وقول الليث وهْم، ويُذْكر الفعل من هذا الحرف عند قوله: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿مَسْنُونٍ﴾ قال ابن السَّكِّيت: سمعت أبا عمرو يقول في قوله: ﴿مَسْنُونٍ﴾ أي متغيِّر (٣)، قال أبو الهيثم يقال: سُنَّ الماء فهو مَسْنُون،

стр. 7168

أي: تغيِّر (١)، وقال ابن قتيبة: المسنون المتغير الرائحة (٢)، وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] قال أبو عمرو الشيباني: أي لم يتغير، من وقوله: ﴿حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٣) ذكرنا ذلك في سورة البقرة [: ٢٥٩]. قال الفراء: المسنون المتغيِّر؛ كأنه أخذ من: سَنَنْتُ الحَجَر على الحَجَر، إذا حككته عليه، والذي يخرج من بينهما يقال له: السَّنِين (٤)، وسُمِّي المِسَنُّ مِسَنًّا؛ لأن الحديد يتغير بِحَكِّكَ عليه (٥)، وعلى قوله يجب أن يكونَ المسنونُ المحكوكَ لا المتغيرَ، وهذا القول في الحمأ المسنون يقوي قول مجاهد في الصلصال؛ أنه المنتن، ومن قال: الصلصال الذي له صوت، قال: صُوِّرَ آدمُ من حمأ مسنون ثم جف فصار صلصالاً، هذا الذي ذكرنا أحد الأقوال في المسنون، واختار الزجاج هذا القول؛ مسنون: مُتَغَيِّر، وإنما أخذ من أنه على سُنَّةِ الطريق؛ لأنه إنما يتغير إذا قام بغير ماءٍ جارٍ (٦). وقال أبو عبيدة: المَسْنُون المصبوب (٧)، والسَّنُّ الصبُّ يقال: سنّ الماءَ على وجهه سنًا (٨)، وقال سيبويه: المسنون المصوَّر على صورة

стр. 7169

ومثال، من سُنّة الوَجْه، وهي صورته (١). وروي عن ابن عباس أنه قال: المسنون الطين الرطب (٢)، وهذا يعود إلى قول أبي عبيدة؛ لأنه إذا كان رطبًا يسيل وينبسط على الأرض فيكون مسنونًا؛ كأنه مصبوب. ٢٧ - قوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ﴾ الآية. اختلفوا في الجآن مَنْ هو؟ فقال عطاء عن ابن عباس: يريد إبليس (٣)، وهو قول الحسن وقتادة ومقاتل، وقال ابن عباس: الجآن هو أبو الجن (٤)، وهو قول عامة المفسرين، وسُمِّي جانًا لتواريه عن الأعين، كما سُمِّي الجِن جنًّا لأنهم

стр. 7170

يتوارون عن أعين الناس، والجنين متوار في بطن أمه، ومعنى الجان في اللغة: الساتر، من قولك جنّ الشيء إذا ستره (١). فالجان الذي ذكر هاهنا يحتمل أنه سُمِّي جانًّا لأنه يستر نفسه عن أعين بني آدم، أو يكون من باب الفاعل الذي يراد به المفعول، كما يقول في: لابن وتامر، وماءٍ دافق، وعِيشة راضية، وقد ذكرنا في مواضع (٢). وقوله تعالى: ﴿خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ﴾ قال ابن عباس: يريد من قبل خلق آدم (٣). وقوله تعالى: ﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ اختلفوا في معنى (السموم)، فقال ابن عباس في رواية الكلبي: هي نارٌ لا دخان لها، والصواعق تكون منها، وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمرًا خرقت الحجاب فهوت إلى ما أُمرت، والهدَّة التي تسمعون خرق ذلك الحجاب (٤)، ونحو هذا القول سواء رَوَى الفراء عن الحسن (٥). وقال آخرون: من نار الريح الحارة، وهو قول ابن مسعود، قال: هذه السموم جزء من سبعين جزءًا من السموم التي خلق منها الجان، وتلا هذه

стр. 7171

الآية (١). وعلى هذا فالريح الحارة فيها نار، ولها لفح وأُوار (٢)، على ما ورد في الخبر أنها من لفح جهنم، ومعنى السموم في اللغة: الريح الحارة تكون بالنهار وقد تكون بالليل، قيل: سُميت سمومًا لدخولها بلطف في مسام البدن، وهي الخروق الخفية التي تكون في جلد الإنسان، يبرزُ منها عَرقُهُ وبُخار باطنه (٣). قال الفراء: يقال أَسَمَّ يومنا هذا، إذا كانت فيه السموم، وإنه ليوم مُسِمٌّ، والعرب تقول: مَسْمُوْمٌ، ولا يُقَال: قد سُمّ، قال: وسمعت من يقول: قد سُمّ يومنا (٤).

стр. 7172

٢٩ - (١) قوله تعالى ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ قال الكلبي: يقول جصعت خلقه يعني عدلت صورته وسويته بالصورة الإنسانية (٢). وقوله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ النفخ إجراء الريح في الشيء، والروح جسم رقيق يحيا به البدن، ونذكر الكلام فيها عند قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] إن شاء الله، ولمَّا أجرى الله الروح في بدن آدم على صفة إجراء الريح؛ كأن قد نفخ فيه الروح، وأضاف روح آدم إليه تكرمةً لِما كَرَّمه وشَرَّفه، وهي إضافة الملك. وقوله تعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ﴾ أمر من الوقوع، قال الكلبي: فَخروا له ساجدين سجدة تحية ولم تكن سجدة طاعة، ونحو هذا قال جميع المفسرين (٣)، وذكرناه وجه كيفية سجود الملائكة لآدم في سورة البقرة (٤)، ومعنى سجود التحية قد ذكرناه في قوله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] ٣٠ - قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ قال الخليل وسيبويه: (أجمعون) توكيد بعد توكيد (٥).

стр. 7173

وسُئل أحمد بن يحيى عن التوكيد بكلهم ثم بأجمعين في هذه الآية، فقال: لمَّا كانت كلهم تحتمل شيئين تكون مرة اسمًا ومرة توكيدًا، جاء بالتوكيد الذي لا يكون إلا توكيدًا (١). وسُئل المبرد عنها فقال: لو جاء: فسجد الملائكة، احتمل أن يكون سجد بعضهم، فجاء بقوله: ﴿كُلُّهُمْ﴾ لإحاطة الأجزاء، ولو جاء (كلهم) من غير ذكر أجمعين، لاحتمل أن يكونوا سجدوا كلهم في أوقات مختلفة، فجاءت (أجمعون) ليدل أن السجود كان منهم كلهم في وقت واحد، فدخلت (كلهم) للإحاطة ودخلت (أجمعون) لسرعة الطاعة (٢). وهذا معنى ما حكاه الزجاج عنه، فقال: وقال محمد بن يزيد: (أجمعون) يدل على اجتماعهم (٣) بالسجود، فسجدوا كلهم في حال واحد، ثم قال: وقول سيبويه والخليل أجود؛ لأن أجمعين معرفة، فلا تكون حالاً (٤).

стр. 7174

قال النحويون: (كل) و (أجمعون) إذا أُكِّدَ بهما وجب تقديم (كل) على (أجمعين) (١)؛ لأن كلًا قد تستعمل مبتدأة كقولك: كلهم منطلقون، ولا يجوز أن يقول: أجمعون (منطلقون، فلما كانت (كل) قد استعملت مبتدأة ليس قبلها ما تتبعه، وكان أجمعون) (٢) لا تستعمل إلا تابعًا، وجب أن تتقدم الأقوى؛ أعني كل، وأجمعون من ظَرِيْفِ المعرفة؛ لأن أجمع بمنزلة زيد؛ في أن كل واحد منهما تعريفه بالوضع دون الألف واللام، ودون الإضافة ودون الإشارة، فإذا جمعته كان أيضًا معرفة؛ لأن جمعه أقيم مقام إضافته، وكان الأصل أن يقول: مررت بالقوم بأجمعهم، فحذف لفظ الضمير وأقيم الجميع (٣) بالواو والنون مقامه؛ وذلك أن أجمع على وزن أفعل، ومن شرط أفعل إذا أضيف إلى شيء أن يكون بعضه، فلو قالوا: مررت بالقوم أجمعهم، لتُوِهَّم أن (٤) أجمع بعض القوم، وإنما غرضهم أن يخبروا عن جميع القوم، فلذلك عدلوا عن إضافة أجمع في اللفظ، فأتوا بالواو والنون ليدلوا بذلك على استغراق المذكورين. ٣١ - وقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ أجمعوا على أن إبليس كان مأمورًا بالسجود لآدم، واختلفوا في أنه هل كان من الملائكة أم لا؟ على ما ذكرنا في سورة البقرة، فمن قال: كان من الملائكة، جعل هذا الاستثناء من الجنس، ومن قال: لم يكن، جعله من الاستثناء المنقطع كما ذكرنا في

стр. 7175

سورة البقرة، ومن جنس هذا يأتي الكلام عند قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] إن شاء الله. ٣٢ - قوله تعالى: ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ﴾ قال أبو إسحاق: موضع (أن) نصب بإسقاط (في) وإفضاء الناصب إلى (أن)، المعنى: أيّ شيءٍ يقع لك في أن لا تكون (١). ٣٣ - وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ﴾ قال ابن عباس: يريد لحمًا ودمًا، وإبليس رُوحاني لا لحم ولا دم. ٣٤ - وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد من جنة عدن، وقيل من السموات (٢)، وذكرنا هذا في سورة الأعراف (٣)، ومعنى الرجيم قد مضى ذكره في هذه السورة (٤). ٣٥ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال ابن عباس: بريد يوم الجزاء، حيث يجازى العباد بأعمالهم (٥)؛ مثل قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وقال الكلبي: يلعنك أهل السماء وأهل الأرض إلى يوم الحساب (٦)؛ لأنه أول من عصى الله، وقال أهل المعاني:

стр. 7176

إن الله قد لعنه والمؤمنون، لعنة لازمة إلى يوم الدين، ثم يحصل حينئذ على الجزاء بعذاب النار، فمعنى التوقيت بيوم الدين، أنه يكون ملعونًا مبعدًا عن رحمة الله من غير عذاب النار إلى يوم الدين، ثم يضم له عذاب النار مع اللعنة يوم الدين. ٣٨ - قوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ قال ابن عباس: يريد النفخة الأولى حين تموت الخلائق (١)، قال الكلبي: إذا نفخ النفخة الأولى مات الخلائق كلهم ومات إبليس معهم (٢)، وإنما سمي الوقت المعلوم؛ لأنه (٣) تموت (فيه الخلائق وإبليس، واسْتَنْظر إبليس) (٤) إلى (٥) يوم القيامة لئلا يموت؛ إذ يوم القيامة لا يموت فيه أحد، فلم يُجَبْ إلى ذلك، وقيل له: (إلى يوم الوقت المعلوم)، وهو آخر أيام التكليف. ٣٩ - قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ قال أبو عبيدة: معنى الباء هاهنا القَسَم (٦)، وقال غيره: هي بمعنى السبب (٧)، أي: بكوني غاويًا

стр. 7177

لأزينن لقولك؛ بمعصيتة لَيَدْخُلُنَّ النار، وبطاعته ليدخلنّ الجنة، والكلام في الإغواء وفي هذه الباء، وأكثر هذه القصة مذكور في سورة الأعراف (١) وقوله تعالى: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ في الْأَرْضِ﴾ يعني: لأولاد آدم، ومفعول التزيين محذوف على تقدير: لأزينن لهم الباطل حتى يقعوا فيه. ٤٠ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ أي الذين أخلصوا دينهم وعبادتهم لك عن كل شائب يناقض الإيمان والتوحيد، ومن فتح اللام (٢) فمعناه: الذين أخلصهم الله بالهداية والتوفيق والعصمة، قال ابن عباس في هذه الآية: يريد الذين عصمتَهم وأخلصتَهم وأخلصوا لك (٣)، قال المفسرون: يعني المؤمنين (٤)؛ وذلك أنه لا سلطان لإبليس على المؤمن بالإغواء، وإنما يكون سلطانه على من عدل عن الهدى، كقوله: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠] فكأن إبليس قال: لأزشن لهم ولأغوينهم أجمعين، إلا من عصمته بالإخلاص فإني لا أقدر على إغوائه. ٤١ - فقال الله تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ يعني: الإخلاص والإيمان طريق عليّ واليّ، أي: أنه يؤدي إلى جزائي وكرامتي فهو طريق عليّ، وهذا معنى قول مجاهد قال: الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه لا

стр. 7178

يُعَرِّج على شيء (١)، ونحو هذا قال الحسن: يقول هذا صراط إليّ مستقيم (٢)، فعلى هذا الإشارة في قوله تعود إلى ذكر الإخلاص، وقال الفراء: يقول مرجعهم إليّ فأجازيهم، لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] قال: وهذا كما يقول في الكلام: طريقك، عليّ فأنا على طريقك، لمن أوعدته (٣)، فهذا معنى قول الكلبي (٤)، والكسائي قال: فكان معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إليّ فأجازي كلًا بأعمالهم (٥)، وعلى هذا

стр. 7179

الإشارة في قوله: ﴿هَذَا﴾ يعود إلى طريق العبودية. وقال بعض أهل المعاني: لمَّا ذَكر إبليسُ أنه يغوي بني آدم إلا من عصمه الله بتوفيقه، تضمن هذا الكلام تفويض الأمر إلى الله تعالى وإلى إرادته (١)، فقال الله تعالى: ﴿هَذَا﴾ أي تفويض الأمر إلى إرادتي ومشيئتي طريق عَليَّ مستقيم، ويؤكد هذا التأويل قراءة مَنْ قرأ: ﴿عُليَّ﴾ بضم الياء (٢)، وهو مدح لذلك الطريق؛ أي: أن طريق التفويض والإيمان بالقَدَر طريق رفيع مستقيم (٣). ٤٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ قال ابن عباس: استأثر الله عبادًا واصطنعهم لنفسه، فأخبر إبليسَ باصطناعه إيّاهم، وققال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أي: قوة وحجة في إغوائهم ودعائهم إلى الشرك والضلال. وقال سفيان بن عيينة: هؤلاء ثنية (٤) الذين هداهم

стр. 7180

واجتباهم (١)، وقال الكلبي: هؤلاء هم الذين استثنى إبليس (٢). ٤٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد إبليس وأشياعه ومن تبعه من الغاوين (٣). ٤٤ - ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ قال: يريد لها سبعة أطباق؛ طبق فوق طبق، وقال الفراء: السبعة الأبواب أطباقٌ بعضها فوق بعض (٤)، وهذا قول الحسن وقتادة وابن جريج (٥)، قال علي بن أبي طالب: إن الله تعالى وضع النيران بعضها فوق بعض، فأبوابها كإطباق اليد على اليد (٦)، ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ﴾ أي من أتباع إبليس جزء مقسوم، الجزء بعض الشيء، والجميع
следующие страницы →