← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

إن الله قد لعنه والمؤمنون، لعنة لازمة إلى يوم الدين، ثم يحصل حينئذ على الجزاء بعذاب النار، فمعنى التوقيت بيوم الدين، أنه يكون ملعونًا مبعدًا عن رحمة الله من غير عذاب النار إلى يوم الدين، ثم يضم له عذاب النار مع اللعنة يوم الدين. ٣٨ - قوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ قال ابن عباس: يريد النفخة الأولى حين تموت الخلائق (١)، قال الكلبي: إذا نفخ النفخة الأولى مات الخلائق كلهم ومات إبليس معهم (٢)، وإنما سمي الوقت المعلوم؛ لأنه (٣) تموت (فيه الخلائق وإبليس، واسْتَنْظر إبليس) (٤) إلى (٥) يوم القيامة لئلا يموت؛ إذ يوم القيامة لا يموت فيه أحد، فلم يُجَبْ إلى ذلك، وقيل له: (إلى يوم الوقت المعلوم)، وهو آخر أيام التكليف. ٣٩ - قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ قال أبو عبيدة: معنى الباء هاهنا القَسَم (٦)، وقال غيره: هي بمعنى السبب (٧)، أي: بكوني غاويًا

стр. 7177

لأزينن لقولك؛ بمعصيتة لَيَدْخُلُنَّ النار، وبطاعته ليدخلنّ الجنة، والكلام في الإغواء وفي هذه الباء، وأكثر هذه القصة مذكور في سورة الأعراف (١) وقوله تعالى: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ في الْأَرْضِ﴾ يعني: لأولاد آدم، ومفعول التزيين محذوف على تقدير: لأزينن لهم الباطل حتى يقعوا فيه. ٤٠ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ أي الذين أخلصوا دينهم وعبادتهم لك عن كل شائب يناقض الإيمان والتوحيد، ومن فتح اللام (٢) فمعناه: الذين أخلصهم الله بالهداية والتوفيق والعصمة، قال ابن عباس في هذه الآية: يريد الذين عصمتَهم وأخلصتَهم وأخلصوا لك (٣)، قال المفسرون: يعني المؤمنين (٤)؛ وذلك أنه لا سلطان لإبليس على المؤمن بالإغواء، وإنما يكون سلطانه على من عدل عن الهدى، كقوله: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠] فكأن إبليس قال: لأزشن لهم ولأغوينهم أجمعين، إلا من عصمته بالإخلاص فإني لا أقدر على إغوائه. ٤١ - فقال الله تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ يعني: الإخلاص والإيمان طريق عليّ واليّ، أي: أنه يؤدي إلى جزائي وكرامتي فهو طريق عليّ، وهذا معنى قول مجاهد قال: الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه لا

стр. 7178

يُعَرِّج على شيء (١)، ونحو هذا قال الحسن: يقول هذا صراط إليّ مستقيم (٢)، فعلى هذا الإشارة في قوله تعود إلى ذكر الإخلاص، وقال الفراء: يقول مرجعهم إليّ فأجازيهم، لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] قال: وهذا كما يقول في الكلام: طريقك، عليّ فأنا على طريقك، لمن أوعدته (٣)، فهذا معنى قول الكلبي (٤)، والكسائي قال: فكان معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إليّ فأجازي كلًا بأعمالهم (٥)، وعلى هذا

стр. 7179

الإشارة في قوله: ﴿هَذَا﴾ يعود إلى طريق العبودية. وقال بعض أهل المعاني: لمَّا ذَكر إبليسُ أنه يغوي بني آدم إلا من عصمه الله بتوفيقه، تضمن هذا الكلام تفويض الأمر إلى الله تعالى وإلى إرادته (١)، فقال الله تعالى: ﴿هَذَا﴾ أي تفويض الأمر إلى إرادتي ومشيئتي طريق عَليَّ مستقيم، ويؤكد هذا التأويل قراءة مَنْ قرأ: ﴿عُليَّ﴾ بضم الياء (٢)، وهو مدح لذلك الطريق؛ أي: أن طريق التفويض والإيمان بالقَدَر طريق رفيع مستقيم (٣). ٤٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ قال ابن عباس: استأثر الله عبادًا واصطنعهم لنفسه، فأخبر إبليسَ باصطناعه إيّاهم، وققال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أي: قوة وحجة في إغوائهم ودعائهم إلى الشرك والضلال. وقال سفيان بن عيينة: هؤلاء ثنية (٤) الذين هداهم

стр. 7180

واجتباهم (١)، وقال الكلبي: هؤلاء هم الذين استثنى إبليس (٢). ٤٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد إبليس وأشياعه ومن تبعه من الغاوين (٣). ٤٤ - ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ قال: يريد لها سبعة أطباق؛ طبق فوق طبق، وقال الفراء: السبعة الأبواب أطباقٌ بعضها فوق بعض (٤)، وهذا قول الحسن وقتادة وابن جريج (٥)، قال علي بن أبي طالب: إن الله تعالى وضع النيران بعضها فوق بعض، فأبوابها كإطباق اليد على اليد (٦)، ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ﴾ أي من أتباع إبليس جزء مقسوم، الجزء بعض الشيء، والجميع

стр. 7181

الأجزاء، وجزأته: جعلته أجزاء (١)، وهذا وعيد لأتباع الشيطان بالعذاب في جهنم بين أطباق النيران، قال الضحاك في هذه الآية: هي سبعة أدراك بعضها فوق بعض؛ فأعلاها فيه أهل التوحيد يعذبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون، والثاني فيه اليهود، والثالث فيه النصارى، والرابع فيه الصابئون، والخامس فيه المجوس، والسادس فيه مشركو العرب، والسابع فيه المنافقون (٢). ٤٥ - (قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد الخائفين من الله الموحدين الذين لم يتخذوا له شريكًا، وقال الكلبي عنه: إن المتقين للفواحش والكبائر (٣)، ﴿في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ يعني: عيون الماء والخمر) (٤) (٥).

стр. 7182

٤٦ - قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ أي: يقال لهم ادخلوها بسلام، أي بسلامة، قال ابن عباس: سلموا من سخط الله وأَمِنُوا عذاب جهنم والموت (١). ٤٧ - قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا في صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ يُروى أن المؤمنين يُحبَسون على باب الجنة فيقتص لبعضهم، ثم يؤمر بهم إلى الجنة وقد نُقُّوا وهُذِّبوا (٢)، فخلصت نياتُهُم من الأحقاد، وهذا مما سبق تفسيره في سورة الأعراف (٣). وقوله تعالى: ﴿إِخْوَانًا﴾ قال الزجاج: منصوب على الحال (٤)، والكلام في الإخوان ذكرناه في قوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾، السَّريرُ معروف، والعدد أسِرة، والجميع السُّرُر (٥)، قال أبو عبيدهَ: يقال سُرُر وسَرر بفتح الراء، وكل فعيل من المضاعف فإن جمعه فُعُل وفُعَل؛ نحو: سُرُر وجُرُر، وسُرَر وجُرَر (٦)، قال

стр. 7183

المفضل: بعض تميم وكلب (١) يفتحون؛ لأنهم يستثقلون ضمتين متواليتين في حرفين من جنس واحد، وقال بعض أهل المعاني: السرير مجلسُ سُرُوُر، قال الليث: وسَريرُ العيش: مستقرُّه الذي اطمأنَّ عليه خَفْضُه ودَعَتُه (٢)، وأنشد: وفارَقَ منها عِيشَةً غَيْدَقِيّةً ... ولمْ يَخْشَ يومًا أنْ يَزُولَ سِريرُها (٣) قال ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والياقوت والدُر؛ السرير مثل ما بين صنعاء إلى الجابية (٤)، وما بين

стр. 7184

عدن إلى أيْلَة (١) (٢). وقوله تعالى: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ التقابل: التواجه، وهو نقيض التدابر، قال ابن عباس: لا يرى (٣) بعضهم قفا بعض (٤)، حيث ما التفت رأى وجهًا يُحبُّه (٥) يقابله، وقال مجاهد: لا يرى الرجل من أهل الجنة قفا زوجته ولا زوجته قفاه (٦)؛ لأن الأسرة تدور بهم كيفما شاؤا حتى يكونوا في جميع أحوالهم متقابلين.

стр. 7185

٤٨ - قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ النّصَبُ: الإعياءُ والتعب، يقال نَصِبَ يَنْصَب، وأنْصَبَنِي هذا الأمرُ (١)، أي لا ينالهم فيها تعب، قال ابن عباس: مِثْلُ نصب الدنيا، إذا مشى نصب، وإذا جامع نصب (٢)، ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ قال: يريد خلودًا لا زوال فيه. ٤٩ - قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾ أثبت الهمزة الساكنة في ﴿نَبِّئْ﴾ سورة ولم يثبت في ﴿دِفْءٌ﴾ (٣) و ﴿جُزْءٌ﴾ (٤)؛ لأن ما قبلها ساكن فهي تحذف كثيرًا وتلغى حركتها على الساكن قبلها (٥)، فـ ﴿نبِّيْ﴾ في الخط على تخفيف الهمزة، وليس قبل همزة ﴿نَبِّئْ﴾ هو ساكن، فأخروها على قياس الأصل. وقوله تعالى ﴿أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ﴾ قال ابن عباس: يريد لأوليائي، ﴿الرَّحِيمُ﴾: بهم. ٥٠ - ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ يريد لأعدائي. ٥١ - قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ هذه القصة قد مضى ذكرها في سورة هود (٦) والضيف في الأصل مصدر ضاف يَضِيف؛ إذا أتى

стр. 7186

إنسانًا لطلب القِرى، ثم يسمى به، ولذلك وحد اللفظ وهم جماعة (١). ٥٢ - ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا﴾ أي: سلموا سلامًا، فقال إبراهيم: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ مختصر، وشرحه في قوله: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ﴾ [هود: ٦٩] إلى قوله: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقد مر، والوجل: الفزع، قال الكسائي: ومثله الواجل (٢). ٥٤ - قوله تعالى: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ معنى (على) هاهنا الحال؛ أي: على حالة الكبر، كقول النابغة: على حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا (٣) أي: في ذلك الوقت، ومعنى: ﴿مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ أي: بتغييره إيّاي عن حال الشباب التي أطمع فيها الولد إلى حال الهَرَمِ.

стр. 7187

وقوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ استفهام تعجب؛ كأنه عجيب من الولد على كبره، هذا معنى قول مجاهد (١)، وفَتْحُ النون في (تُبَشِّرُونَ) قرأه العامة (٢)، وهذه النون علامة للرفع، والفعل غير معدى إلى مفعول، وقرأ نافع بكسر النون (٣)، وذلك أنه عُدِّي إلى المضمر المنصوب؛ لأن المعنى عليه، فاجتمع نونان (٤)؛ إحداهما التي هي علامة للرفع، والثانية المتصلة بالياء التي المضمر المنصوب المتكلم، فاستثقل النونين فحذف أحدهما وأبقى الكسرة التي تدل على الياء المفعولة (٥)، وأنشد أبو عبيدة لأبي حَيّة النُّمَيريّ: أبِالمَوْتِ الذي لا بُدّ أنّي ... مُلاقٍ لا أبَاكِ تُخَوِّفِينِي (٦)

стр. 7188

فأسقط النون التي هي علامة التأنيث في المخاطبة (١)، وأنشد الفراء والزجاج (٢): تراه كالثَّغَامِ يُعَلُّ مِسْكًا ... يَسُوءُ الفَالِياتِ إذا فَلَيْنِي (٣) أراد فلينني، فحذف إحدى النونين، قالا: والحذف بعد إدغام إحدى النونين (في الأخرى) (٤) كقراءة ابن كثير: (تُبْشِرُون)، ثم حذفت إحداهما لثقل التضعيف كما قالوا: رُبمَّا ورُبَمَا (٥)، وكما قالوا: إنْك في إنَّك، أنشد الفراء (٦):

стр. 7189

لقد عَلِمَ الضَّيْفُ والمُرْمِلونَ ... إذا اغْبرَّ أُفْقٌ وهبَّتْ شَمَالا بأنْكَ الرَّبِيعُ وغَيْثٌ مَرِيعٌ ... وقِدْمًا هُنَاكَ تَكونُ الثِّمَالا (١) قال أبو علي: المحذوف النون الثانية؛ لأن التكرير بها وقع، ولم تحذف الأولى التي هي علامة للرفع، وقد حذفوا هذه النونَ في كلامهم لأنها زائدة، ولأن علامةَ الضمير الياءُ دونها، ونظيرُ حذفهم لها من المنصوب حذفهم لها من المجرور في قولهم (٢): قَدْنِي مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبَين قَدِي (٣)

стр. 7190

فحذف وأثبت في بيت، وقال الأعشى في حذف هذه النون اللاحقة مع الياء: فهل يَمْنَعنّي ارْتِيَادِي البلادَ .... من حَذَرِ المَوْتِ أنْ يأتيَنْ (١) وإنّما هو يمنعَنّني (٢)، وأما ابن كثير فإنه أدغم ولم يحذف (٣). ٥٥ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: يريد بما قضاه الله (٤)؛ يريد أن الله تعالى قضى أن يخرج من ذريته مثل ما أخرج من صلب آدم وأكثر، وذلك أن إسحاق كان هو الذي بُشّر به إبراهيم، ومن

стр. 7191

نسله جميعُ بني إسرائيل على كثرتهم. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ أي من الآيسين، والقنوط: الإياس من الخير، وهذا يدل على يأس إبراهيم من الولد واستبعاده ذلك على الكبر. ٥٦ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ﴾ وقُرئ ﴿يَقْنَطُ﴾ بفتح النون (١)، قال أبو علي: قنط يَقْنَطُ أعلى اللغات يدل على ذلك اجتماعهم في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ (٢) [الشورى: ٢٨]، وحكاية أبي عبيدة تدل أيضًا على أن قَنَطَ أكثر (٣)؛ لأن مضارع فَعَل (يجيء على يَفعِل ويَفعُل؛ مثل: فَسَق يَفْسِقُ يَفْسُقُ، ولا يجيء مضارع فَعِل) (٤) على يَفْعُلُ (٥). قال ابن عباس: يريد: ومن ييئس (٦) من رحمة ربه إلا المكذبون (٧)،

стр. 7192

وهذا يدل على أن إبراهيم لم يكن قانطًا، ولكنه استبعد ذلك، فظنت الملائكةُ به قنوطًا، فنفى ذلك عن نفسه، وأخبر أن القانط من رحمة الله ضال. ٥٧ - قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ قال الكلبي: فما بالكم وما الذي جئتم له (١). ٥٨ - ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ يعنون: قوم لوط. ٥٩ - ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ استثنى ليس من الأول (٢)، وآلُ لوط: أتباعه والذين كانوا على دينه. ٦٠ - وقوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ استثناء من الضمير في

стр. 7193

﴿لَمُنَجُّوهُمْ﴾ فعادت إلى القوم المجرمين؛ لأنه استثناء بعد استثناء، فتعود إلى المستثنى منه أولاً؛ كما تقول: لفلان عليّ خمسة إلا درهمين إلا درهمًا، فيصير هذا إقرارًا بأربعة (١). وقوله تعالى: ﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ معنى التقدير في الغة: جعل الشيء على مقدار غيره، يقال: قَدِّر هذا الشيء بهذا، أي: اجعله على مقداره (٢)، وقدَّر الإلهُ الأقواتَ، أي: جعلها على مقدار الكفاية، ثم يفسر التقدير بالقضاء؛ فيقال: قضى الله عليه كذا، وقدَّره عليه؛ أي: جعله على مقدار ما يكفي في الخير والشر، وقيل في معنى قدّرنا هاهنا: كتبنا (٣)، وحكى الزجاج: دبَّرنا (٤)، وقيل: قضينا (٥)، وقرأ عا صم في رواية

стр. 7194

أبى بكر (١): ﴿قَدَّرْنَا﴾ مخففًا (٢)، يقال: قدَّرت الشيء وقدْرته، قال الهذلي: ومفْوِهَةِ عَنْسٍ قَدَرْتُ لساقِها ... فخرَّتْ كما تَتَّايَعُ الرِّيحُ بالقَفْلِ (٣) المعنى: قَدَّرْتُ ضربتي لساقها فضربتها (٤) فخرت، ومن هذا قراءة ابن كثير ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠]، خفيفًا (٥)، وقراءة الكسائي

стр. 7195

﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (١) [الأعلى: ٣]، والمشددة في هذا المعنى أكثر استعمالاً، كقوله ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: ١٠]، وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ في موضع مفعول التقرير، والمعنى: قضينا أنها تتخلف وتبقى مع من يبقى حتى تهلك كما يهلكون، ولا تكون ممن يسري مع لوط فينجو. ٦١ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾ قال أهل المعاني: يعني جاء لوطًا؛ كما قال في سورة هود؛ في ذكر هذه القصة: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ [هود: ٧٧] وآل الرجل يُذْكَر والمراد به الرجل، كما ذكرنا في قوله ﴿مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨] ٦٢ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أي: غير معروفين؛ لأنهم أتوه على صورة رجال مرد حِسان (٢) الوجوه فلم يعرفوهم، فلم يعرفهم لوط، وذكرنا معنى الإنكار عند قوله: ﴿نَكِرَهُمْ﴾ [هود: ٧٠]. ٦٣ - وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي: بالعذاب الذي كانوا فيه يَشُكّون في نزوله على من كَذَّبك، أن المعذب بهذا العذاب الذي جئتنا به هم لا أنت، ومعنى (بل) هاهنا نفي؛ لإنكار لوط إيَّاهم، أي: دع ذلك فإنا رسل ربك جئناك (٣) بعذابهم، فلما بَيَّنُوا له الأمر عرفهم.

стр. 7196

٦٤ - وقوله تعالى: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ قال الكلبي: بالعذاب (١)، وقيل باليقين (٢)، والمعنى: بالأمر الثابت الذي لا شك فيه من عذاب قومك. ٦٥ - قوله تعالى ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ مفسَّر في سورة هود (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يقول للوط أَتبع آثار بناتك وأهلك لئلا يتخلف منهم أحد فينالَه العذاب (٤)، وكذلك قيل: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ قال الكلبي: يعني لا يتخلف منكم أحد (٥)، وقال الزجاج: لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم من النبلاء (٦)، وقال غيره: معناه الإسراع وترك الاهتمام لِمَا خَلَّفَ وراءه (٧)، كما يقول: امض لشأنك

стр. 7197

ولا تُعرِّج على شيء، وهذا مما تقدَّم في سورة هود (١). وقوله تعالى: ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ قال ابن عباس: يعني الشام (٢)، وقال المفضل: حيث يقول لكم جبريل (٣)، قال الكلبي: أمرهم جبريل امضوا إلى صُغَر (٤)؛ وهي إحدى قريات لوط (٥)، ولم يكونوا يعملون مثل عمل سدوم، وهذا قول مقاتل (٦).

стр. 7198

٦٦ - قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ﴾ قال المفضل: أي: أوحينا إليه وألهمناه (١)، وقال بعضهم: وفرغنا إلى لوط من ذلك الأمر (٢)، يقال. قضيت الأمر، إذا فرغت منه وأتممته، وقد ذكرنا ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ في سورة البقرة (٣)، وقال ابن قتيبة: أي أخبرناه (٤). وقال صاحب النظم: أي فرغنا منه (٥)، كقوله ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ [يونس: ٧١] وقد مرّ، ويقال: إن معنى ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ﴾: من الخبر؛ كقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ في الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] أي: أخبرناهم به. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ أي: الأمر الذي أعلمناه إبراهيم أنّا نهلكهم، في قوله: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾، فأومأ في قصة لوط إلى ما أخبر به إبراهيم من إهلاك قوم لوط، ثم ترجم قوله: ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ بقوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ قال الزجاج: موضع (أن) نصب، وهو بدل من قوله: ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ لأنه فَسّر الأمر بقوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ﴾ (٦) المعنى: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع، ونحو هذا قال الفراء والكسائي (٧).

стр. 7199

قال ابن عباس: يريد أن هلاكهم في الصبح (١)، ومضى الكلام في الدابر (٢). ٦٧ - قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾ يعني مدينة لوط؛ وهي سدوم، ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ قال الكلبي وغيره: بعملهم الخبيث طمعًا منهم في ركوبهم الفاحشة (٣). قال ابن عباس: قالوا نزل بلوط ثلاثة مرد ما رأينا قط أصبح منهم، فقال لهم لوط لما قصدوا أضيافه: ٦٨ - ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ﴾ يقال: فضحه يفضحه فضحًا وفضيحة، إذا أبان من أمره ما يلزمه به العار، (يقال: فضحه فافْتَضَحَ (٤)، قال الفراء) (٥): ويقال فَضَحَك الصبح، أي: بَيّنك للناس (٦)، قال المفسرون: أراد أن من حق الضيف إكرامُه، فلا تفضحوني بقصدكم إيّاه

стр. 7200

بالسوء (١)، والكريم يحافظ على ضيفه ويحامي عنه، وقال المفضل: لما دَقُّوا على لوط بابَه (٢) أشرف عليهم وقال: هؤلاء ضيفي فلا تفضحوني عندهم، فيعلموا أنه ليس لي عندكم قَدْر (٣). ٦٩ - وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ مذكور وفي سورة هود (٤). ٧٠ - فقالوا له: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ قال الكلبي وأكثر المفسرين: المعنى: أولم ننهك أن تَضِيف أحدًا من العالمين (٥)، قال الزجاج: معناه: أولم ننهك عن ضيافة العالمين (٦)، قال المفضل: أولم ننهك أن تُدخل أحدًا بيتك؛ لأنّا نريد منهم الفاحشة (٧)، والتفسير ذكره الكلبي، وتوجيه الكلام ذكره الزجاج، والمعنى ذكره المفضل، وقال ابن عباس في رواية عطاء: لا تتعرض لنا في شيء مما نريد؛ يعني أنهم قالوا

стр. 7201

نهيناك أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة، فيكون التقدير على هذا المعنى: أولم ننهك عن منع العالمين أو حفظهم أو حمايتهم، فقال لهم لوط: ٧١ - ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ قال أبو إسحاق معناه: إن كنتم مريدين لهذا الشَّأن (١)؛ يعني اللذة وقضاء الوطر فعليكم بالتزويج ببناتي (٢)، قال قتادة: أراد أن يقي أضيافه ببناته (٣)، وذكرنا الكلام في هذا مستقصى في سورة هود (٤). قال الحسن وقتادة: هؤلاء بناتي تزوجوهن (٥)، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ كناية عن الجماع. ٧٢ - قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ العَمْر والعُمْر واحد، وسمي الرجل عمر إيغالًا أن يبقى (٦)، ومنه قول ابن أحمر:

стр. 7202

ذَهبَ الشَبَابُ وأَخْلَفَ العَمْرُ (١) وعُمّر الرجلُ يَعْمُر عَمْرًا وعُمُرًا وعُمُرًا، فإذا أقسموا قالوا: لعَمْرُك وعَمْرِك، ففتحوا العين لا غير (٢). قال أبو إسحاق: لأن الفتح أخف عليهم، وهم يكثرون القسم بِلَعَمْري ولعَمْرك، فلزموا الأخَفَّ عليهم (٣). قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد وعيشك يا محمد (٤). وقال في رواية أبي الجوزاء يقول: بحياتك، وما حلف الله تعالى

стр. 7203

بحياة أحد إلا بحياة النبيّ ﷺ (١)، وهذا قول أكثر أهل التأويل من المفسرين وأصحاب المعاني، قال الزجاج: وفي هذا آية عظيمة في تفضيل النبيّ ﷺ ، جاء في التفسير أنه أقسم بحياة محمد ﷺ (٢). وقال بعض أهل المعاني: إذا قيل: لعَمْرك، فكأنه قيل ومدة بقائك حيًّا (٣)، وقال النحويون: ارتفع (لعمرك) بالابتداء والخبر محذوف، المعنى لعمرك قَسَمي، ولَعَمْرُك ما أُقْسِمُ به، وحُذِف الخبرُ لأن في الكلام دليلًا عليه، وباب القَسَم يحذف من الفعل نحو: باللهِ لأفعلن، والمعنى: أحلف بالله؛ فيحذف (أحلف) لعلم المخاطب بأنك حالف، فكذلك يحذف خبر الابتداء (٤).

стр. 7204

وقال قتادة في قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ كلمة من كلام العرب (١)، (يقولون في الإكرام والتبجيل، قال أبو إسحاق: ولستُ أُحِبُ هذا التفسير؛ لأن قوله: كلمة من كلام العرب) (٢) لا فائدة فيه؛ لأن القرآن كله من كلام العرب فلابد أن يقال ما معناها (٣)، وحكى أبو الهيثم أن النحويين يقولون في قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾: لَدِينُك الذي تعمر، وأنشد (٤): أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ........... عَمْرَكَ اللهَ كيفَ يَلْتَقِيَانِ (٥) قال عَمْرك اللهَ، أي عبادتك الله (٦). وقال ابن الأعرابي: عَمَرتُ ربي، أي: عبدته، وفلان عامر لربه، أي: عابد، قال: ويقال تركت فلانا يَعْمُر ربه، أي: يعبده (٧)، فعلى هذا

стр. 7205

القول: العَمْرُ كالعمارة، والعابد اللهَ عامرٌ لدينه، فسُمِّيَ العابدُ عامرًا، ومعنى قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ أي لَعِبَادَتُك، والمفسرون على القول الأول (١) وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد: أن قومك في ضلالهم يتمادون (٢)، ثم رجع إلى ذكر قوم لوط في الآية الثانية، وقال الكلبي وعامة المفسرين: ﴿إِنَّهُمْ﴾ يعني: قوم لوط (٣)، ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: في جهلهم وعماهم يمضون ولا يرجعون منه.

стр. 7206

وقال مجاهد: في غفلتهم يضطربون (١)، ومعنى السَّكرة هاهنا: غمور السهو والغفلة للنفس (٢)، وذكرنا أصله في اللغة عند قوله: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٥]، ومعنى العمه مذكور في سورة البقرة (٣)، وقول ابن عباس: إن قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ إخبار عن مشركي قريش، أليق بظاهر الآية (٤)؛ لأن (٥) قول العامة نحتاج فيه أن نحمل الآية على حكاية حال ماضية (٦)؛ كقول الشاعر (٧): جاريةٌ في رَمَضَانَ الماضي ......... تُقَطِّعُ الحَدِيثَ بالإيمَاضِ (٨) وقد ذكرنا لهذا نظائر.

стр. 7207

٧٣ - قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ يعني صيحة العذاب، قال المفسرون: صاح بهم جبريل صيحة أهلكتهم (١)، وقال أهل المعاني: ويجوز أن يكون جاءهم صوت عظيم من فعل الله (٢). وقوله تعالى: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ يقال: شَرَق الشَّارقُ يُشْرِق شُروقًا، لكل ما طلع من جانب الشَّرق، ومنه قولهم: ما ذَرَّ شارقٌ (٣)، أي طلع طالع، فيدخل في هذا: الفجر والكواكب والشمس والقمر، وأشرق له معان: أشرقت الشمس؛ إذا أضاءت بعد طلوعها، وأشرقت الأرض بضوء الشمس، أضاءت، ومنه أَشْرِقْ ثَبِيْرُ (٤)، وأشرق القوم: دخلوا في وقت شروق الشمس (٥)؛ مثل صَبَّحوا وأَمْسَوا، والمفسرون على هذا في قوله:

стр. 7208

﴿مُشْرِقِينَ﴾ قالوا: داخلين في الإشراق (١). وقال الزجاج: مصادفين لطلوع الشمس (٢). فإن قيل: أليس قد قال: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ فوعدهم العذاب في وقت الصبح، وهاهنا قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾؟ قيل إن جماعة من أهل المعاني قالوا في معنى ﴿مُشْرِقِينَ﴾: مصبحين؛ لأنهم داخلون في شروق الفجر، وهو شارق، وأما على قول المفسرين فيقال: إن أول العذاب كان مع طلوع الفجر، ثم امتد ذلك إلى وقت شروق الشمس، فكان تمام الهلاك مع الإشراق. ٧٤ - قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا﴾ آخر الآية، مفسَّر في سورة هود [آية: ٨٢]. ٧٥ - قوله تعالى: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ يقال: توسمت في فلان خيرًا، إذا رأيت فيه أثرًا منه، وتوسمت فيه الخير أي تَفَرَّست (٣). واختلفت عبارة المفسرين وأهل المعاني في تفسير المتوسمين، فقال ابن عباس في رواية عطاء: للمتفرسين (٤)، وهو قول مجاهد (٥)

стр. 7209

والفراء (١) والزجاج (٢) وابن قتيبة (٣). وقال الضحاك: للناظرين (٤)، وقال مقاتل وابن زيد: للمتفكرين (٥). وقال قتادة: للمعتبرين (٦)، وقال أبو عبيدة: للمتبصرين (٧) ,

стр. 7210

وأنشد لزهير: وفيهنّ مَلْهًى للَّطِيفِ ومنظَرٌ ... أنيقٌ لعَيْنِ النَّاظرِ المُتَوسِّمِ (١) قال أبو إسحاق: وحقيقته في اللغة؛ المتوسمون النُظَّارُ المُتَثبِّتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء، فالمتوسم: الناظر في السمة الدالة، تقول توَسَّمْتُ في فلان، أي: عرفت ذلك فيه بالنظر (٢). ٧٦ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا﴾ يعني مدينة قوم لوط، وقد سبق ذكرها في قوله: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾ [الحجر: ٦٧]. وقوله تعالى: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ قال ابن عباس: على طريق قومك إلى الشام (٣)، يريد لبسبيل معروف، وقال قتادة ومجاهد والضحاك: بطريق واضح (٤)، ومعناه: طريق لا يَنْدَّرس ولا يخفى، فهو طريق مقيم

стр. 7211

للسابلة (١) والمارة، ومعنى الآية: أن الاعتبار بها ممكن لأن الآثار التي يُسْتَدل بها مقيمة ثابتة بها. ٧٧ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: لعبرةً للمصدقين (٢)، يريد أن أصحاب النَّبيّ ﷺ اعتبروا وصدقوا. ٧٨ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾ قال المفسرون: هم قوم شعيب (٣) كانوا أصحابَ غِيَاض (٤) فكذبوا شعيبًا فأهلكوا بعذاب يوم الظلة، وقد ذُكرتْ قصتهم في سورة الشعراء (٥)، والأيْك الشجر الملتف، يقال: أيْكة وأيْك، كشجرة وشجر (٦). قال ابن عباس: الأيك هو شجر المُقْل، وهي التي يقال لها الدَّوْم (٧).

стр. 7212

وقال الكلبي: الأيكة الغَيْضَة (١). وقال أبو إسحاق: هؤلاء أهل موضع كان ذا شجر (٢)، ومعنى (إن) و (اللام) التوكيد، و (إن) هاهنا هي المخففة من الثقيلة. ٧٩ - قوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ قال المفسرون: أخذها الحَرّ أيامًا، ثم اضطرم عليهم المكان نارًا فهَلَكوا عن آخرهم (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا﴾ يعني الأيكة ومدينة قوم لوط (٤). ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾: لبطريق واضح في قول عامة المفسرين (٥). قال الفراء والزجاج: إنما جعل الطريق إمامًا؛ لأنه يُؤَمُّ ويُتَّبع (٦).

стр. 7213

وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يَأتَمُّ به حتى يصير إلى الموضع الذي يريد (١). وقال أبو عبيدة: الإمام كل ما ائتممت (٢) به واهتديت به (٣)، ومن هذا [قيل] (٤) للحبل الذي يَمُدُّه البَنَّاء: الإمام (٥). قوله تعالى: (مُبِينٍ) يحتمل أنه مبين في نفسه، ويحتمل أنه بَيِّنٌ لغيره؛ لأن الطريق يهدي إلى المقصد. ٨٠ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾ قال المفسرون: الحِجْر اسم وادٍ (٦) كان يسكنه ثمود (٧). وقوله تعالى: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ قال ابن عباس والكلبي وعامة المفسرين: يعني صالحًا وحده (٨)، وقال أهل المعاني: من كذَّب نبيه الذي بُعث إليه،

стр. 7214

فكأنه كذَّب جميع الأنبياء؛ لأنهم مبعوثون بدين واحد، ولا يجوز التفريق بينهم بالتصديق، فعلى هذا يحسن وصفهم بتكذيب المرسلين (١). ٨١ - قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا﴾ قال ابن عباس: يريد الناقة، فكأن في الناقة آيات؛ لخروجها من الصخرة، ودُنُوِّ نِتَاجِها عند خروجها، وعِظَم خلقها؛ حتى لم تشبها ناقة أخرى، وكثرة لبنها؛ حتى كان يكفيهم جميعًا، إلى غير ذلك مما فيها من الآيات (٢)، وأضاف الإيتاء إليهم وإن كانت الناقة آية لصالح؛ لأنها آيات رسولهم، فلو صدقوا بها كانت آيات لهم على من خالفهم. ٨٢ - وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ قد ذكرنا نحتهم للجبال في سورة الأعراف (٣). وقوله تعالى: ﴿آمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد من عذاب الله (٤)، وقال الفراء وابن قتيبة: آمنين أن يقع عليهم (٥).

стр. 7215

٨٤ - وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾ أي ما دفع عنهم الضر، ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من الأموال والأنعام والثمار (١). وقال الكلبي: ما كانوا يعملون (٢). قال المفسرون: أي من أعمالهم القبيحة (٣). ٨٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: يريد الثواب والعقاب، وقال في قوله: ﴿مَا خَلَقَ الله ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥] يريد بالعدل والثواب والعقاب، يفسر ذلك العدل الذي ذكره. قال أهل المعاني: يعني أن الأمم التي ذكرها كفروا بالله وكذبوا رسله فأهلكهم؛ لأنه خلق السموات والأرض بالحق، أي بالعدل، وهو أن يثيب المصدق ويعذب المكذب (٤). ثم قال لنبيه: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ﴾ قال ابن عباس: يريد عن المشركين. ﴿الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾، قال الكلبي: يقول أعرض إعراضًا جميلًا بغير فحش ولا جزع (٥)، كأنه يقول: إن القيامة تأتي فَيُجازَوْنَ بقبيح أعمالهم فاصفح الآن.
следующие страницы →