← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

٤٧ - قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ الآية. قال المفسرون: أمر رسولُ الله ﷺ عليًّا ﵁ أن يتخذ طعامًا ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين ففعل ذلك علي، ودخل عليهم رسول الله ﷺ وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التوحيد، وقال: "قولوا: لا إله إلا الله، لتطيعكم العرب وتدين لكم العجم، فأبوا ذلك عليه" (١). وكانوا يسمعون من النبيّ ﷺ ويقولون -بينهم متناجين-: هو ساحرٌ، وهو مسحور، وما أشبه ذلك من القول (٢)، فأخبر الله نبيه ﵇ بذلك، وأنزل عليه: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ (٣) يحتمل أن تكون التاء زائدة.

стр. 7597

والمعنى: نحن أعلم بما يسمعون إذ يسمعون إليك، وأنت تقرأ القرآن وتدعوهم إلى الإسلام، أخبر الله تعالى أنه عالمٌ بتلك الحالة، وبذلك الذي كانوا يسمعونه إذ يستمعون إلى الرسول. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ قال ابن عباس: يريد يتناجون بينهم بالتكذيب والاستهزاء (١) قال أبو عبيدة: نجوى مصدر ناجيت (٢)، وذكرنا هذا الحرف عند قوله: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]، قال أبو إسحاق: النجوى اسم المصدر، والمعنى: وإذ هم ذَوُو (٣) نجوى (٤)؛ أي يتناجون ويُسَارّ (٥) بعضهم بعضًا. ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾، قالوا: يعني الوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأبا جهل وحويطبًا، وقرناءهم من المشركين (٦).

стр. 7598

﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾: ما تتبعون، ﴿إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، كلام المفسرين في هذه الآية يدل على أنهم قالوا هذا القول فيما بينهم مُسَارِّين، فأطلع الله نبيه على ذلك، وعلى هذا يحتاج إلى تقدير محذوف في الآية؛ لأن هؤلاء لم يتبعوا رسول الله ﷺ فيصحَّ أن يقال لهم: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾، ولكن التقدير: إذ يقول الظالمون، إذا تبعتموه لم تتبعوا إلا رجلاً مسحروًا, وإن كان هذا القول منهم للمسلمين فهو ظاهر ولا يحتاجون إلى إضمار، والمسحور (١): الذي قد سُحِرَ فاختلط عليه أمرُه، وأُزيل عن حدّ الاستواء، هذا قول أكثر أهل اللغة (٢). وقال ابن الأعرابي: المسحور: الذَاهبُ العَقْلِ المُفْسد، وأنشد (٣): فقالتْ: يَمينُ اللهِ أفعَلُ إنّني. . .رأيتُكَ مَسْحورًا يمينُكَ فاجرَهْ (٤) قال: وطعامٌ مَسْحورٌ إذا أُفْسِدَ عَمَلُه، وأرضٌ مسحورة: أصابها من المطر أكثرُ مما ينبغي فأفْسَدَها (٥). وقال أبو عبيدة: يريد بشرًا ذا رِئَةٍ (٦).

стр. 7599

قال ابن قتيبة: ولست أدري ما الذي اضطره إلى هذا التفسير المُسْتَكْرَه، وقد سبق التفسير من السلف بما لا استكراه فيه. قال مجاهد في قوله: ﴿رَجُلًا مَسْحُورًا﴾: أي مخدوعًا (١)؛ لأن السحر حيلة وخديعة (٢). وروى عطاء عن ابن عباس، في قوله: ﴿مَسْحُورًا﴾ قال: يريد مخلوقًا (٣). وهذا يؤكد قول أبي عبيدة: ذو سحْر (٤)، ويجوز أن يكون من السَّحْر بمعنى: الغذاء (٥)، ومنه قول امرئ القيس: ونُسْحَرُ بالطَّعام وبالشرابِ (٦)

стр. 7600

والاختيار هو القول الأول؛ لقوله تعالى إخبارًا عن فرعون: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] لا يجوز أن يكون أراد مخلوقًا، وذاسحْر، وإنما أراد: مخدوعًا، والمشركون كانوا يذهبون إلى أن النبيّ ﷺ يُعَلَّم ما يأتي به ويُخْدع بذلك، يدلّ على هذا قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، فلذلك قالوا له: ﴿مَسْحُورًا﴾. ٤٨ - قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾، أي: بينوا لك الأشباه؛ حين شبهوك بالكاهن والساحر والشاعر والمعلَّم والمجنون. قال ابن قتيبة: وهذه الآية تدل على أن المسحور في الآية الأولى بمعنى المخدوع؛ لأنهم لو أرادوا رجلاً ذا رِئَةٍ لم (١) يكن في ذلك مَثَلٌ ضربوه، ولكنهم لما أرادوا رجلاً مخدوعًا -كأنه بالخديعة سُحِر- كان مثلًا ضربوه وتشبيهًا شبهوه (٢). وقوله تعالى: ﴿فَضَلُّوا﴾: أي عن الحق والطريق المستقيم، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾، قال مجاهد: مخرجًا (٣)، وقال ابن عباس: يريد سبيل الهدى (٤).

стр. 7601

٤٩ - وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾، الرَّفَتُ: كَسْرُ الشيء بيدك، يقال: رَفَتُّه، أرْفِتُه بالكسر، كما تَرْفِتُ المدَرَ والعَظمَ البالي، والرُّفاتُ: الحُطامُ من كل شيء تَكَسَّر، ويقال: رَفَتَ عظامَ الجَزُور رَفْتًا إذا كسَرَها ليطْبُخَها، ومن هذا يقال للتِّبْن: الرُّفَتُ (١)؛ لأنه دُقَاقُ (٢) الزرع. وقال الأخفش: يقال: رُفِتَ رَفْتًا فهو مرفوت؛ نحو حُطِم حطمًا فهو محطوم (٣)، والرُّفات والحُطام الاسم؛ كالجُذاذ والرُّضاض (٤). وقال الفراء: الرفات لا واحد له؛ نحو الدُّقاق والحُطام (٥). وقال ابن قتيبة: الرفات مثل الفُتَات (٦)، هذا كلام أهل اللغة. قال ابن عباس في رواية عطاء: أي إذا ذهب اللحم والعروق والدم و (٧)

стр. 7602

بقيت عظام قد رَثَّتْ (١) وبَلِيَتْ ورَمَّت (٢)، فإذا مسسته وجعلته بين إصبعيك انسحق (٣). وقال في رواية الوالبي في قوله: ﴿وَرُفَاتًا﴾ قال: غبارًا (٤). وقال مجاهد: ترابًا (٥)، وهو قول الزجاج (٦) والفراء (٧). وقوله تعالى: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ انتصب خلقًا على المصدر؛ لأنه بمعنى: بعثًا جديدًا، أي: أنُبْعثُ إذا صرنا ترابًا؟!. ٥٠، ٥١ - قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ الآية. اختلفوا في معنى قوله: ﴿خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي

стр. 7603

صُدُورِكُمْ﴾ فقال ابن عباس في رواية عطاء: يعني الموت (١)، وهو قول مجاهد في رواية خُصَيف وعكرمة والحسن وابن جريج وسفيان وأبي صالح وابن عمر والكلبي، قالوا: ليس شيء أكبر في صدور بني آدم من الموت، يقول: لو كنتم الموت لأماتكم الله ثم أحياكم (٢). قال الكلبي: قالوا: يا محمد، أرأيت لو كنا الموت، من يميتنا؟ فأنزل الله تعالى ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ (٣): يعني الموت.

стр. 7604

وروي عن مجاهد أيضًا أنه قال: يعني السماء والأرض والجبال (١). وروي عن ابن [أبي] (٢) نجيح عنه قال: ما شئتم فكونوا، سيعيدكم الله كما كنتم (٣). قال أبو إسحاق: ومعنى هذه الآية فيه غموض؛ لأن القائل يقول: كيف يقال لهم: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ وهم لا يستطيعون ذلك، فالجواب في ذلك أنهم كانوا يُقِرُّون أن الله خالقهم وينكرون أن الله يعيدهم (٤)، فقيل لهم: إن تستشعروا أنكم لو خلقتم من حجارة أو حديد أو كنتم الموت -الذي هو أكبر الأشياء في صدوركم- لأماتكم الله ثم أحياكم؛ لأن القدرة التي بها أنشأكم (٥) بها يعيدكم (٦)، وهذا معنى قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ

стр. 7605

يُعِيدُنَاَ﴾، فقل: ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ قال الفراء: نَغَض فلان رأسَه يَنْغُضه إنغاضًا؛ إذا حَرّكه إلى فوق وإلى أسفل، ونَغَض رأسُه إذا تَحَرَّك، ونَغَضَتْ سِنُّهُ، تَنْغَضُ وتَنْغُضُ وتَنْغِضُ، نَغْضًا ونَغَضَانًا ونُغُوضًا، وسُمِّيَ الظَّلِيمُ (١) نَغْضًا لأنه يُحَرِّك رأسه (٢)، وأنشد (٣) للعَجّاج: أَسَكَّ نَغْضًا لا يَنِي مُسْتَهْدَجًا ... مُسْتهرِجٌ يحمل على أن يَهْرِجَ هَرْجَانًا (٤)

стр. 7606

وهو (١) ضرب من العَدْو. وقال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا أُخْبِر بشيء فحَرَّك رأسَه إنكارًا له: قد أَنْغَضَ رأسه (٢). قال ابن عباس في رواية الوالبي، في قوله: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ قال: يهزون (٣). وقال مجا هد: [فسيحركونها (٤). وقال عطاء عن ابن عباس: يحركون رؤوسهم تكذيبًا لهذا القول (٥). وقال الزجاج] (٦): فسيحركون رؤوسهم تحريك من يبطل الشيء ويسْتبطئه (٧)، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾. وقال ابن قتيبة: أي يحركونها تحريك المستبعدِ رأسَه (٨). وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾، أي: البعث أو الإعادة، وقد

стр. 7607

تَقدّم الفعل منهما (١)، والفعل يدل على المصدر، ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ قال المفسرون: يعني هو قريب (٢)، قال ابن عباس: وعسى من الله واجب (٣)، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. ٥٢ - قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ انتصب يومَ على البدل من قوله: ﴿قَرِيبًا﴾ على معنى: قل عسى أن يكون يوم يدعوكم، ويكون تأويله: عسى أن يكون البعث قريبًا يوم يدعوكم، وهذا معنى قول أبي إسحاق: أي يعيدكم يوم القيامة (٤)، ومعنى يدعوكم: أي بالنداء الذي يُسْمِعكم، وهو النفخة الأخيرة؛ كما قال: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١]. وقوله تعالى: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾، أىِ: تجيبون، والاستجابة: موافقة الداعي فيما دَعا إليه؛ وهي الإجابة، إلا أن الاستجابة تقتضي طلب الموافقة، فهي أوكد من الإجابة (٥). وقوله تعالى: ﴿بِحَمْدِهِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، يقول: بأمره (٦)، وهو قول سفيان (٧)، ولا أدري وجه هذا القول من

стр. 7608

اللغة، وقال سعيد بن جبير: يخرجون من قبورهم يقولون: سبحانك وبحمدك، فهو قوله: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ (١)، وقال قتادة: يقول: بمعرفته وطاعته يوم القيامة (٢)، ومعنى هذا أنهم إذا أجابوا بالتسبيح والتحميد كان ذلك معرفة منهم وطاعة، ولكنه لا ينفعهم الحمد. وقال أبو إسحاق: يستجيبون مقرّين بأنه خالقهم (٣)، وهذا معنى قول قتادة. قال أهل المعاني: تستجيبون بحمده: تستجيبون حامدين (٤)، كما تقول: جاء بغضبه، أي: جاء غضبان، وخرج زيد بثيابه، وركب الأمير بسيفه، أي: وسيفه معه (٥). وقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال ابن عباس في رواية

стр. 7609

عطاء: يريد بين النفختين الأولى والثانية يُكَفُّ عنهم العذاب فينامون (١)، مثل قوله في سورة يس: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [آية:٥٢] وهم يعذبون من حين يموتون إلى النفخة الأولى، فعلى هذا القول ظنهم اللَّبْثَ القليل يعود إلى لُبْثهم بين النفختين، وقيل: معنى هذا: تقريب وقت البعث؛ كما قال الحسن: كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تَزَل (٢)، فهؤلاء إذا رأوا يوم القيامة وشاهدوا البعث، استقصروا مدة لُبْثِهم مع ما يعلمون من طول لَبْثِهم في الآخرة، وعند الحسن وقتادة: هذا اللَّبْثُ يعود إلى لَبْثهم في الدنيا لا إلى لَبْث البرزخ. قال قتادة في قوله: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ , ذاكم والله لَمّا تحاقرت الدنيا في أنفسهم وقَلَّت؛ حين عاينوا يوم القيامة (٣). وقال الحسن: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾: في الدنيا بطول لُبْثِكم في الآخرة (٤)، وهذه ثلاثة أقوال في معنى استقصارهم اللَّبْث (٥).

стр. 7610

ومن المفسرين من ذهب إلى أن هذا الخطاب للمؤمنين دون الكافرين، قال: وهذا أظهر في المؤمنين؛ لأنهم يستجيبون (١) الله بحمده، ويحمدونه على إحسانه إليهم، ويستقلون مدة لَبْثِهم في البرزخ؛ لأنهم كانوا غير معذبين (٢)، والمفسرون على الأول. ٥٣ - قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قال الأخفش: جعل ﴿يَقُولُوا﴾ جوابًا للأمر (٣) -في اللفظ- كما قال: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] قال الكلبي: كان المشركون يؤذون أصحاب النبيّ ﷺ بمكة (٤) بالقول والفعل، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله، ائذن لنا في قتالهم، فيقول لهم رسول الله ﷺ : "لم أؤمر فيهم بشيء"، فأنزل الله هذه الآية (٥).

стр. 7611

ومعنى الآية: قل لعبادي المؤمنين يقولوا للكافرين الكلمة التي هي أحسن. قال الحسن: يقول له: يهديك الله (١)، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ﴾: هو الذي يفسد بينهم. (٢) ٥٤ - قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ الآية. فيها قولان؛ أحدهما: أن هذا الخطاب للمشركين، يقول: ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾: يوفقكم فتؤمنوا، ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾: بأن يميتكم على الكفر فيعذبكم، هذا قول ابن جريج (٣). القول الثاني: أن الخطاب للمؤمنين يقول: ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾: بالإنجاء من كفار مكة وأذاهم، ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾: بتسليطهم عليكم، وهذا قول الكلبي (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ أي حافظًا وكفيلاً، يعني

стр. 7612

لا شيء عليك من كفرهم، فإن عليك التبليغ، وما وُكل إليك إيمانهم، والله أعلم بهم إن شاء هَدْيَهم (١) وإن شاء خَذْلَهم. ٥٥ - وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: هو أعلم بهم؛ لأنه خلقهم، فهدى بعفبهم، وأضل بعضهم؛ كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]. وقال أهل المعاني: إنما ذكر أنه أعلم بهم بعد قوله: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾؛ ليدل به على أن تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض وقع موقع الحكمة؛ لأنه من عالم بباطن الأمر (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ كلام المفسرين في هذا يدل على أن المعنى فيه: أن كل واحد منهم خُصّ بفضيلة؛ فقال قتادة: نعم فضّل الله بعض النبيين على بعض؛ فاتخذ إبراهيم خليلاً، وكلّم موسى تكْليمًا، وجعل عيسى كلمته وروحه، وآتى سليمان ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وآتى داود زبورًا، وغفر لمحمد ما تقدم من ذنبه وما تأخر (٣). وقال الكلبي: فضّل موسى بالكلام، وإبراهيم بالخُلَّة، واصطفى محمد ﷺ ، وآتى داود زبورًا (٤). وقال ابن عباس في هذه الآية: يريد لذلك فَضَّلت ولد آدم؛ فمنهم من

стр. 7613

عَصَمْتُ، ومنهم من خَذَلْتُ، وفَضَّلتُ داود حيث أعطيته الزبور، يعني أن ذكر تفضيل النبيين هاهنا يكون (١) يدلّ على تفضيل ولد آدم. وقال أبو إسحاق: معنى ذكر داود هاهنا، أن الله أعْلَمَ أنه فضَّل بعض النبيين على بعض، أي فلا تُنْكِروا تفْضِيلَ محمد، وإعطاءه القرآن، فقد أعطى الله داود الزبور (٢)، وقرأ حمزة ﴿زُبُوًا﴾ بضم الزاي (٣)، وذكرنا وجه ذلك في أواخر سورة النساء (٤). ٥٦ - قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ قال المفسرون: ابتلى الله قريشًا وأهلَ مكة بالقحط سنين، فشكوا إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ (٥) قال ابن عباس: كل شيء (زَعَمَ) في كتاب الله فهو كَذَبَ (٦)، فعلى هذا نظم الآية: الذين ادّعيتم كذبًا من دونه، أي ادّعَيتم أنهم آلهة. وقال أبو إسحاق: أي ادْعُوا الذين زعمتم أنهم آلهتكم (٧)، ثم أخبر

стр. 7614

عن الآلهة فقال: ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ﴾، أي: فهم لا يملكون، ﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾، يعني البؤس والشدة. ﴿وَلَا تَحْوِيلًا﴾ قال ابن عباس: يريد من السقم والفقر إلى الصحة والمغنى (١)، وفي هذا احتجاج عليهم وبيان أنهم في عبادتهم على الباطل، والتَّحْويل: النقل من حال إلى حال، ومكان إلى مكان، يقال: حَوَّلَه فتحوَّل، ويُذكر تمام هذا الحرف عند قوله: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٨] , إن شاء الله. ٥٧ - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾، أي: أولئك الذين يدعونهم المشركون، واختلفوا فيهم؛ من هم؟ فرُوي بطرق مختلفة عن ابن مسعود أنه قال: كان نفر من الإنس -قال المفسرون: وهم خزاعة (٢) - يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم النفر من الجنّ، واستمسك الإنس بعبادتهم، فنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الآية (٣). روى هذا قتادة عن عبد الله بن معبد

стр. 7615

الزِّمَّاني (١) عن ابن مسعود. وقال أبوصالح عن ابن عباس في هذه الآية: هم عيسى وعزير والملائكة، وما كان عُبِدَ من دون الله وهو لله مطيع (٢)، ونحو هذا قال مجاهد والسدي والحسن (٣)، قال الفراء: قوله: ﴿يَدْعُونَ﴾ فِعلُ الآدميين العابدين، وقوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ فِعلٌ للمعبودين الذين عبدوهم (٤). ومعنى ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قال ابن عباس: يتضرعون إلى الله في طلب الجنة (٥)، والوسيلة: الدرجة العليا (٦).

стр. 7616

وقال الزجاج: الوسيلة والسؤال والطِّلْبَةُ في معنى واحد (١)، وقد مرَّ ذكرى الوسيلة (٢)، و ﴿أُولَئِكَ﴾ رُفع بالابتداء، و ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لهم، و ﴿يَدْعُونَ﴾ صلة، و ﴿يَبْتَغُونَ﴾ خبر الابتداء. وقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ قال الزجاج: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ لأنه بدل من الواو في ﴿يَبْتَغُونَ﴾، والمعنى: يبتغي أيّهم هو أقرب الوسيلة إلى الله؛ أي يتقرب إليه بالعمل الصالح (٣)، ونحو هذا قال ابن عباس في قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ قال: يتقربون إلى الله بصالح الأعمال؛ فيرجون رحمته، ويريدون جنته، ويخافون عذابه. قال أبو إسحاق: أي الذين يزعمون أنهم آلهة يرجون ويخافون (٤). وقرأ ابن مسعود: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ بالتاء (٥)، ﴿يَبْتَغُونَ﴾ بالياء،

стр. 7617

قال أبو عبيد: ولولا كراهة الخلاف كانت هذه القراءة آثر عندي؛ للخطاب الذي قبلها (١)، وذهب بعضُ المفسرين إلى أن هذه الآية من صفة الأنبياء الذين تقدم ذكرهم (٢). وروى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية، قال: ثم ذكر أولياءه، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الآية. وعلى هذا القول الآية صفة المؤمنين. ٥٨ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾ الآية. قال مجاهد: كل قرية في الأرض سيصيبها بعضُ هذا (٣)؛ هلاكٌ أو عذابٌ بالقتل والبلاء، وقال قتادة: قضاء من الله كما تسمعون، ليس منه بُدّ؛ إما أن يهلكها بموت، فقد قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وإما أن يهلكها بعذاب مُستأصِل إذا تركوا أمره وكذبوا رسله (٤). وقال ابن مسعود: إذا ظهر الزنا والربا في أهل قرية أذن الله في هلاكها (٥).

стр. 7618

وقال مقاتل: أما الصالحة فبالموت، وأما الطالحة فبالعذاب (١). وقال ابن عباس في هذه الآية: فَهَلْكُ أهلها قبل يوم القيامة أو يعذبهم مثل ما فعل بأهل مكة؛ عذبهم بالجوع حتى أكلوا العلهز (٢). ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ قال: يريد مكتوبًا في اللوح المحفوظ. وقال أبو إسحاق: أي ما من أهل قرية إلا سَيُهلك (٣)؛ إما بموت وإما بعذاب يستأصلهم (٤). ٥٩ - قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ قال ابن عباس وقتادة والمفسرون: "سأل أهل مكة النبيّ ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبًا وأن يُنَحِّي الجبال عنهم فيزْدرعوا (٥) فأتاه جبريل فقال: إن شئت كان ما سأل قومك، ولكنهم إن لم يؤمنوا لم يناظروا، وإن شئت استأنيت بهم، قال: لا بل أستأن بهم، فأنزل الله هذه الآية" (٦).

стр. 7619

قال أبو إسحاق: (أن) الأولى نصب والثانية رفع، المعنى: ما منعنا الإرسالَ إلا تكذيبُ الأولين، والتأويل: أنهم سألوا الآيات التي استوجب بها الأولون العذاب لما كذبوا بها (١)، وحقيقة المعنى: إنّا لم نرسل بالآيات؛ لئلا يكذب بها هؤلاء كما كذب مَنْ قبلهم، فيستحقوا المعاجلة بالعقوبة. فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا﴾ والله تعالى لا يجوز أن يكون ممنوعًا عن شيء؟! قلنا: معناه هاهنا المبالغة في أنه لا يفعل ذلك، فكأنه قد مُنع منه؛ وذلك أن الإرادة الأزلية قد سبقت بتدبير الأمور وإمضائها؛ لا يؤخرُ منها مَقَدّم ولا يُقَدمُ مؤخّر، فإذا منعت الإرادة والمشيئة أمرًا جاز إطلاق لفظ المنع على الوجه الذي ذكرنا، والباء في قوله: ﴿بِالْآيَاتِ﴾ زيادة (٢)، والمعنى: أن نرسل الآيات، والآية مختصرة؛ لأن التقدير: ﴿إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ فأهلكناهم، قال المفسرون: وسنة الله في الأمم إذا سألوا الآيات فأتتهم ثم لم يؤمنوا أن يعذبهم ولا يمهلهم (٣).

стр. 7620

وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ قال ابن عباس: يريد كانت لهم عيانًا، وقال قتادة؛: بينة (١)، وقال مجاهد: آية مبصرة (٢). قال الأخفش: المُبْصِرةُ: البَيِّنَة، كما تقول: المُوضِحَة والمُبَيِّنَة (٣)، فعلى هذا أبصر واقع بمعنى بصر (٤). وقال الفراء: جعل الفعل لها، ومعنى ﴿مُبْصِرَةً﴾: مضيئة، كما قال تعالى: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]، أي: مضيئًا (٥). قال الأزهري: والقول ما قال الفراء؛ أراد: آتينا ثمود الناقة آية مبصرة، أي مضيئة (٦)، وقد ذكرنا هذا في سورة يونس (٧) وفي هذه السورة عند قوله: ﴿آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [آية: ١٢]. وقوله تعالى: ﴿ظَلَمُوا بِهَا﴾ قال الزجاج: أي فظلموا بتكذيبها (٨)، وعلى هذا المعنى: ظلموا أنفسهم بتكذيب تلك الآية، ويكون المضاف محذوفًا، وقال المفسرون: كذبوا وجحدوا بها (٩).

стр. 7621

قال ابن قتيبة: ويكون الظلم: الجَحْد؛ كقوله: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾، أي: جحدوا بأنها من الله، وكقوله: ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩] , أي: يجحدون (١)، وذكرنا معاني الظلم في سورة البقرة (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ﴾، أي: العبر والدلالات، ﴿إِلَّا تَخْوِيفًا﴾: للعباد؛ ليتعظوا ويخافوا، قال قتادة: إن الله يخوف الناس بما يشاء من آياته، لعلهم يعتبرون (٣) أو يتذكرون أو يرجعون (٤). ٦٠ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ قال مجاهد: أحاط بالناس فهم في قبضته (٥)، وقال قتادة: يقول: يمنعك من الناس حتى تبلغ رسالة ربك (٦)، وقالا الحسن: أي حال بينهم وبين أن يقتلوك (٧)؛ كما

стр. 7622

قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. فعلى هذه الأقوال: معنى الآية: أن الخلق في قبضة الله وأنه محيط بهم بالعلم والقدرة، فهو مانعك منهم وحافظك، فامض لما أمرك من تبليغ الرسالة ولا تهتم. وروي عن ابن عباس من طريق عطاء أن المراد بالناس هاهنا: أهل مكة (١)، وإحاطته بهم إهلاكه إيّاهم عن قريب؛ إمّا موتًا وإمّا قتلاً، وإلى هذا القول ذهب مقاتل والفراء وقالا: أي أنها ستفتح لك (٢)، وعلى هذا القول معنى الإحاطة بهم: الإهلاك؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف:٦٦] وقوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] وقد مرّ، والمعنى: أن الله أهلكهم، أي سيهلكهم، ولكن ذُكر بلفظ الماضي لتحقق كونه، وفي إهلاكه إياهم فتحها لمحمد ﷺ ثم أهلكهم يوم بدر قتلًا بالسيف، وأكثر ما يُذْكر أهلُ مكة في القرآن بلفظ الناس. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ اختلفوا في معنى هذه الرؤيا؛ فأكثر المفسرين على أن المراد بها: ما أراه الله تعالى ليلة الإسراء (٣). قال عكرمة: أمَا إنه ليس برؤيا ولكنّه رَأْيُ عَين، وهي رؤيا يقظة

стр. 7623

ليست رؤيا (١) في المنام (٢)، وهو قول سعيد بن جبير وأبي مالك وإبراهيم والسدي ومجاهد وقتادة والحسن والضحاك وابن زيد وابن جريج (٣)، وابن عباس في رواية عكرمة: قال: هي رؤيا عين أُرِيَهَا النبيّ ﷺ ليلة أُسري به إلى بيت المقدس (٤)، وهذا القول اختيار الفراء وابن قتيبة (٥)، وعلى هذا يصح أن يقال: رأيت بعيني رؤية ورؤيا (٦). ومعنى قوله: ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ هو أنه ارتد بعضهم حين أعلمهم قصة الإسراء، وأنكروا وكذبوا، وازداد المؤمنون المخلصون إيمانًا. وقال ابن عباس في رواية الوالبي: هي رؤياه التي رأى أنه يدخل مكة وأخبر بذلك أصحابه، فلما صُدّ عن البيت عام الحُدَيْبِيَة (٧) كان ذلك فتنة

стр. 7624

لهم، فلما كان العام المقبل دخلها وأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ (١) [الفتح: ٢٧]، غير أن هذا القول يَضْعُف من حيث إن هذه الرؤيا كانت بالمدينة، وهذه السورة مكية، والله أعلم. وقال سعيد بن المسيب: أُري بني أمية يَنْزُون (٢) على منابرهم فساءه ذلك، فقيل له: إنما هي الدنيا أُعْطُوها فسُرِّي عنه (٣)، ونحو هذا روي عن سهل بن سعد قال: "رأى رسول الله ﷺ بني أمية يَنْزُون على منبره نَزْوَ القِرَدةِ فساءه ذلك" (٤).

стр. 7625

وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء قال: رأى رسول الله ﷺ في المنام أن ولد مروان يتداولون منبره كما يتداول الصبيان الكرة (١)، وهذه الآية مكية، ولم يكن للنبيّ ﷺ بمكة منبر، غير أنه لا يبعد أن يرى بمكة رؤيا المنبر بالمدينة، كأنه رأى أن له بالمدينة منبرًا يتداوله بنو أمية. قوله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ هذا على التقديم والتأخير، ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾، ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ , ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ واختلفوا في هذه الشجرة؛ فالأكثرون أنها شجرة الزقوم التي ذَكر في قوله: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣، ٤٤] وهذا قول مسروق وسعيد بن جبير وأبي مالك وإبراهيم ومجاهد وقتادة والكلبي وعكرمة والضحاك، وقول ابن عباس في رواية عكرمة من طريق سفيان عن عمرو بن دينار عنه (٢)، وكانت فتنتهم في هذه الشجرة ما ذكر

стр. 7626

قتادة قال: خَوَّفَ الله بها عباده ففتنوا (١) بذلك، حتى قال أبو جهل: زعم صاحبكم أن في النار شجرًا، والنار تأكل الشجر، وقال ابن الزِّبَعْري (٢): ما نعلم الزقوم إلا التَّمْر والزُّبْد، فتزقموا منه، فأنزل الله حين عجبوا أن يكون في النار شجرًا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ الآيات. (٣) [الصافات: ٦٣ - ٦٦]. وروى السدي عن أبي مالك عن ابن عباس قال: الشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية (٤). وقال في رواية عطاء: يعني الحكم بن أبي العاص (٥)، قال: "وكان

стр. 7627

رأى رسول الله ﷺ في المنام ولد مروان يتداولون منبره، فقصّ رؤياه على أبي بكر وعمر وقد خلا في بيته معهما، فلما تفرقا سمع رسول الله ﷺ ، فاشتد ذلك عليه، واتهم عمر في إفشاء سره، ثم ظهر أن الحكم كان يَتسمَّعُ إليهم، فنفاه رسولُ الله ﷺ " (١)، وهذه القصة كانت بالمدينة والسورة مكية, فيبعد هذا التفسير، إلا أن تكون هذه الآية مدنية، ولم يقل ذلك أحد، والله أعلم. ويؤكد أن يكون المراد بالشجرة الملعونة: الحكم، قول عائشة لمروان: لعن الله أباك وأنت في صلبه، فأنت فَضَضٌ (٢) من لعنة الله (٣). والأكثرون على القول الأول، وهو الظاهر (٤). قال أبو إسحاق: فإن قال: قائل ليس في القرآن ذكر لعنها، فالجواب في ذلك أنه لُعِنَ الكفارُ وهم آكلوها -فعلى هذا يكون التقدير: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾: آكلوها- قال: وجواب آخر: وهو أن العرب تقول لكل طعام مكروه ضَارّ: ملعون (٥).

стр. 7628

وقال بعضهم: يعنى الشجرة الملعونة التي ذُكرت في القرآن؛ وهي شجرة الزقوم (١)، وعلى هذا (في) هاهنا ظَرَفٌ للذِّكر لا لِلَّعن. وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ قال: المذمومة (٢)، ويدل أن المراد بالشجرة هاهنا شجرة الزقوم: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾، أي: نخوفهم بالزَّقوم فما يزدادون إلا كفرًا وعتوًا، وهو ما زادوا من التكذيب والإنكار حين سمعوا بذكر هذه الشجرة في القرآن، وقد روي عن ابن عباس: أنه فسر الشجرة الملعونة بالكَشُوث (٣)، وهو قول ضعيف وتفسير لا يليق بالآية. ٦١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ الآية. ذكر أهل المعاني في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها وجهين؛ أحدهما: أنه على معنى ما يزيدهم إلا طغيانًا كبيرًا، محققين لظن (٤) إبليس فيهم، مخالفين موجب نعمة ربهم على أبيهم وعليهم (٥)، والثاني: أن المعنى: واذكر بتمادي هؤلاء المشركين وازديادهم عتوًّا قصة إبليس حين عصى وأبى السجود (٦)، وذكرنا معنى هذه الآية وهذه القصة في سورة البقرة (٧).

стр. 7629

وقوله تعالى: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ قال المفسرون وأهل المعنى: امتنع إبليس من السجود لآدم وأنكر أن يسجد له وقال: أنا ناري، وهذا طيني (١)، (وذلك أن الفروع ترجع إلى الأصول؛ فتكون على قدرها في التكبير أو التصغير، فلما اعتقد إبليس لعنه الله أن النار أكرم أصلاً من الطين خامنه أنه أكرم ممن خلق من طين، وذهب عليه بجهله أن الجواهر كلها من جنس واحد، وأن الله يُعرِّفُها بالأعراض كيف شاء، مع كرم جوهر الطين بكثرة ما فيه من المنافع التي تقاوم منافع النار أو تُوفِي عليها) (٢)، وقال أبو إسحاق: المعنى: لمن خلقته طينًا، وطينًا منصوب على الحال، المعنى: أنك أنشأته في حال كونه من طين (٣). ٦٢ - قوله تعالى: ﴿قَالَ﴾ يعني إبليس، ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ قال الزجاج: هو في معنى أخبرني، والكاف لا موضح لها؛ لأنها ذكرت في المخاطبة توكيدًا (٤)، وذكرنا الكلام في هذا الحرف مستقصى في سورة الأنعام (٥)، ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾: لِمَ كرمته عليّ؟! قال: موضح هذا نصب بأَرَأَيْتَ، والجواب محذوف، والمعنى أخبرني عن هذا الذي كرمت عليّ لم كَرَّمْتَه عَليَّ، وقد خلقتني من نار وخلقته من طين؟! فَحُذف هذا؛ لأن في الكلام دليلًا عليه (٦)، ومعنى ﴿كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾: أي فَضَّلت، قال

стр. 7630

ابن عباس: والكرم اسم جامع لكل ما يحمد (١). وقوله تعالى: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي: لأستولين (٢). وقال الحسن: لأغوينَّ (٣)، وقال مجاهد: لأحتوينَّ (٤)، وروي عنه أنه قال مثل الزِّيَاق (٥)، هذا قول المفسرين. وقال ابن زيد: لأضلنهم (٦)، وقيل: لأستأصلنَّهم بالإغواء (٧). فأما كلام أهل اللغة في هذا الحرف، فروى محمد بن سَلاَّم أنه سأل يونس عن هذه الآية فقال: يقال: كأن في الأرض كلأً فاحتنكه الجراد؛ أي

стр. 7631

أتى عليه، ويقول أحدُهُم: لم أجد لِجاماً فاحْتَنَكْتُ دَابَّتي، أي ألقيتُ في حَنَكها حبلًا قُدْتُها به (١). وتفسير هذا الحرف لا يخرج عن هذين الأصلين الذين ذكرهما يونس، فمن قال: لأستأصلنهم ولأستولين عليهم، فأصله من احتِناكِ الجرادِ الزرعَ، وهو أن يأكلها ويستأصلها باحتناكها فيفسدها، ومن هذا يقال للجماعة المنتجعين: الحنك، يقال: ما تركَ الأحْنَاكُ في أرضنا شيئًا، يعنون: الجماعات المارة، ومنه قول أبي نُخَيْلَة (٢): إنا وكُنَّا حَنَكًا نَجْدِيًّا (٣) (٤) هذا هو الأصل، ثم يُسمى الاستيلاء على الشيء وأخذ كله احتناكًا، حتى يقال: احتَنَكَ ما عند فلان، أي أخذه كله من علم أو مال أو غير ذلك (٥)، واحتنكت السَّنَةُ [أموالنا] (٦) إذا استأصلتها، وأنشد أهل اللغة:

стр. 7632

نَشْكو إليْك سَنَةً قد أجْحَفَتْ واحْتَنَكَتْ أموالَنَا وجلَّفَتْ (١) ومن قال: لأغوينّهم ولأقودنّهم إلى المعاصي؛ كما روي عن مجاهد أنه قال: مثل الزِّياق، فأصله من قولهم: حَنَكَ الدابةَ يَحْنُكُها، إذا ربط في حنكِها الأسفل حَبْلًا يقودها به (٢)، ومثله: احتنك، وأنشد ابن الأعرابي (٣): فإنَّ لدَينا مُلْجِمِينَ وحانِكًا (٤) والمعنى على هذا الأصل: لأقودنّهم حيث شئت، كمن يُربط في حَنَكه الزياق فيقاد. قال الأخفش في قوله: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾: لأستأصلَنَّهم ولأستميلَنَّهم (٥)،

стр. 7633

فذكر القولين، ونحوه قال أبو عبيدة سواءً (١)، واختار الفراء والزجاج وابن قتيبة الأول (٢)، وهو أنه مأخوذ من احتناك الجراد الزرع، وكلا القولين مأخوذ من الْحَنَك على ما بَيَّنَا. وقوله تعالى ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني المعصومين، قال ابن عباس: يريد بالقليل أولياء الله الذين عصمهم (٣)، وهم الذين استثناهم الله في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] فإن قيل: كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم؟ فالجواب عن هذا: أن الله تعالى كان قد أخبر الملائكة أنه سيجعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك (٤) الدماء، على قول بعض المفسرين (٥)، وكان إبليس قد علم بذلك، وقيل: إنما قال ذلك لأنه وسوس إلى آدم فلم يجد له عزمًا، فقال بَنُو هذا مِثلُه في ضعف العزيمة، وهذا معنى قول الحسن (٦).

стр. 7634

٦٣ - قوله تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ﴾ أي قال الله تعالى لإبليس: اذهب، وهذا اللفظ يتضمن معنى إنظاره وتأخير أجله، ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ﴾ أي أطاعك وتبع أمرك وتسويلك ﴿مِنْهُمْ﴾: أي من ذرية آدم، ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ﴾ الفاء تتضمن ها هنا جواب الشرط، وهذه المسألة قد مضت في مواضع، ﴿جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ من وَفَرْته أفِره وَفْرًا وفِرَةً، وهذا مُتعد، واللازم قولك: وَفر المالُ يَفر وُفُورًا فهو وافر (١)، قال الزجاج: ﴿جَزَاءً مَوْفُورًا﴾، أي: مُوَفَّرًا، يقال: وَفَرْته أَفِرُهُ وهو مَوْفُورٌ، وأنشد لزهير: ومن يَجْعَلِ المعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ ... يَفِرْهُ ومَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ (٢) (٣) وانتصب جزآءً على المصدر. ٦٤ - قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ قال الفراء: اسْتَخِف (٤). وقال أبو إسحاق: معناه: استدعه استدعاءً تستخفه به إلى جانبك (٥)، ويقال له: فَزَّه (٦) الخوف واستفزه، أي أزعجه واستخفه، قال أبو ذؤيب:

стр. 7635

شَبَبٌ أفزَّتْهُ الكلابُ مُرَوَّعُ (١) ومعنى صيغة الأمر هاهنا: التهدد، كما يقال للإنسان: اجتهد جهدك فسترى ما ينزل بك (٢). وقال الزجاج: الأمر إذا تقدمه نهي عما يؤمر به، كان المعنى في الأمر: الوعيد؛ لأنك قد تقول: لا تدخل هذه الدار، فإذا حاول أن يدخلها قلت: ادخلها، فَلَسْتَ تأمره بدخلولها، ولكنك تُوعِده، وهذا في الاستعمال كثير، ومثله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقد نهوا أن يتبعوا أهواءهم (٣). ومعنى الآية: يقول: ازعج واستخفف من استطعت من بني آدم. ﴿بِصَوْتِكَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: صوته كلّ داعٍ دعا (٤) إلى معصية الله تعالى (٥)، وقال عطاء عنه: كل متكلم في غير ذات
следующие страницы →