أتى عليه، ويقول أحدُهُم: لم أجد لِجاماً فاحْتَنَكْتُ دَابَّتي، أي ألقيتُ في حَنَكها حبلًا قُدْتُها به (١).
وتفسير هذا الحرف لا يخرج عن هذين الأصلين الذين ذكرهما يونس، فمن قال: لأستأصلنهم ولأستولين عليهم، فأصله من احتِناكِ الجرادِ الزرعَ، وهو أن يأكلها ويستأصلها باحتناكها فيفسدها، ومن هذا يقال للجماعة المنتجعين: الحنك، يقال: ما تركَ الأحْنَاكُ في أرضنا شيئًا، يعنون: الجماعات المارة، ومنه قول أبي نُخَيْلَة (٢):
إنا وكُنَّا حَنَكًا نَجْدِيًّا (٣)(٤)
هذا هو الأصل، ثم يُسمى الاستيلاء على الشيء وأخذ كله احتناكًا، حتى يقال: احتَنَكَ ما عند فلان، أي أخذه كله من علم أو مال أو غير ذلك (٥)، واحتنكت السَّنَةُ [أموالنا] (٦) إذا استأصلتها، وأنشد أهل اللغة:
стр. 7632
نَشْكو إليْك سَنَةً قد أجْحَفَتْ
واحْتَنَكَتْ أموالَنَا وجلَّفَتْ (١)
ومن قال: لأغوينّهم ولأقودنّهم إلى المعاصي؛ كما روي عن مجاهد أنه قال: مثل الزِّياق، فأصله من قولهم: حَنَكَ الدابةَ يَحْنُكُها، إذا ربط في حنكِها الأسفل حَبْلًا يقودها به (٢)، ومثله: احتنك، وأنشد ابن الأعرابي (٣):
فإنَّ لدَينا مُلْجِمِينَ وحانِكًا (٤)
والمعنى على هذا الأصل: لأقودنّهم حيث شئت، كمن يُربط في حَنَكه الزياق فيقاد.
قال الأخفش في قوله: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾: لأستأصلَنَّهم ولأستميلَنَّهم (٥)،
стр. 7633
فذكر القولين، ونحوه قال أبو عبيدة سواءً (١)، واختار الفراء والزجاج وابن قتيبة الأول (٢)، وهو أنه مأخوذ من احتناك الجراد الزرع، وكلا القولين مأخوذ من الْحَنَك على ما بَيَّنَا.
وقوله تعالى ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني المعصومين، قال ابن عباس: يريد بالقليل أولياء الله الذين عصمهم (٣)، وهم الذين استثناهم الله في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]
فإن قيل: كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم؟ فالجواب عن هذا: أن الله تعالى كان قد أخبر الملائكة أنه سيجعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك (٤) الدماء، على قول بعض المفسرين (٥)، وكان إبليس قد علم بذلك، وقيل: إنما قال ذلك لأنه وسوس إلى آدم فلم يجد له عزمًا، فقال بَنُو هذا مِثلُه في ضعف العزيمة، وهذا معنى قول الحسن (٦).
стр. 7634
٦٣ - قوله تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ﴾ أي قال الله تعالى لإبليس: اذهب، وهذا اللفظ يتضمن معنى إنظاره وتأخير أجله، ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ﴾ أي أطاعك وتبع أمرك وتسويلك ﴿مِنْهُمْ﴾: أي من ذرية آدم، ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ﴾ الفاء تتضمن ها هنا جواب الشرط، وهذه المسألة قد مضت في مواضع، ﴿جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ من وَفَرْته أفِره وَفْرًا وفِرَةً، وهذا مُتعد، واللازم قولك: وَفر المالُ يَفر وُفُورًا فهو وافر (١)، قال الزجاج: ﴿جَزَاءً مَوْفُورًا﴾، أي: مُوَفَّرًا، يقال: وَفَرْته أَفِرُهُ وهو مَوْفُورٌ، وأنشد لزهير:
ومن يَجْعَلِ المعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ ... يَفِرْهُ ومَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ (٢)(٣)
وانتصب جزآءً على المصدر.
٦٤ - قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ قال الفراء: اسْتَخِف (٤).
وقال أبو إسحاق: معناه: استدعه استدعاءً تستخفه به إلى جانبك (٥)، ويقال له: فَزَّه (٦) الخوف واستفزه، أي أزعجه واستخفه، قال أبو ذؤيب:
стр. 7635
شَبَبٌ أفزَّتْهُ الكلابُ مُرَوَّعُ (١)
ومعنى صيغة الأمر هاهنا: التهدد، كما يقال للإنسان: اجتهد جهدك فسترى ما ينزل بك (٢).
وقال الزجاج: الأمر إذا تقدمه نهي عما يؤمر به، كان المعنى في الأمر: الوعيد؛ لأنك قد تقول: لا تدخل هذه الدار، فإذا حاول أن يدخلها قلت: ادخلها، فَلَسْتَ تأمره بدخلولها، ولكنك تُوعِده، وهذا في الاستعمال كثير، ومثله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقد نهوا أن يتبعوا أهواءهم (٣).
ومعنى الآية: يقول: ازعج واستخفف من استطعت من بني آدم.
﴿بِصَوْتِكَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: صوته كلّ داعٍ دعا (٤) إلى معصية الله تعالى (٥)، وقال عطاء عنه: كل متكلم في غير ذات
стр. 7636
الله فهو صوت الشيطان (١)
وقال مجاهد: هو الغناء والمزامير (٢)، وهو قول عكرمة (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾ قال الفراء في كتاب المصادر، يقال: أجلب إجلابًا، والجلَبة: الصوت، وربما قالوا: الجَلَبُ، كما قالوا: الغَلَبَةُ والغَلَبُ، والشَّفَقَةُ والشَّفَقُ (٤).
وقال الليث: أجْلَبُوا وجَلَّبوا من الصّياح (٥)، ونحوه قال أبو عبيدة (٦).
وقال أبو إسحاق في (فعل وأفعل): وأجلب على العدو إجلابًا إذا جمع عليه الخيول (٧).
وقال ابن السكيت: يقال: هم يُحْلِبون عليه، وُيجْلِبون عليه بمعنى؛ أي يُعينون عليه (٨).
وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: أجْلَبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، إذا تَوَعَّدَه الشر وجَمَعَ عليه الجمع، بالجيم (٩)، هذا قول أهل اللغة في معنى
стр. 7637
الإجلاب، ومعنى الآية على قول الفراء وأبي عبيدة: (صِح عليهم بخيلك ورجلك) (١)، وأخْبِثهم (٢) عليهم بالإغواء، وعلى قول أبي إسحاق، معناه. ما ذُكِر؛ أي اجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكائدك (٣)، وتكون الباء في: ﴿بِخَيْلِكَ﴾ زائدة في هذا القول، وعلى قول ابن السكيت، معنى الآية: أعن عليهم بخيلك ورجلك؛ أي أعن نفسك عليهم بخيلك، ومفعول الإجلاب على هذا القول محذوف؛ كأنه يستعين على إغوائهم بخيله ورجله، وهذا معنى قول مقاتل في هذه الآية (٤).
واختلفوا في تفسير الخيل والرجل، فروى أبو الضحى عن ابن عباس قال: كل راكب أو راجل في معصية الله فهو من خيل إبليس وجنوده (٥)، ونحو هذا القول روى مجاهد عنه، والوالبي وعطاء (٦)، وروى ليث عن مجاهد قال: خيله: من استخف منهم معه على الخيل في المعاصي، ورجله: من استخف منهم معه على رجليه في المعاصي (٧).
وقال الفراء: يعني خيل المشركين ورجالهم (٨)، ويدخل في هذا كل
стр. 7638
راكب وماش في معصية الله، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٥] والجند يَعُمُّ الفارسَ والراجلَ، هذا قول جماعة أهل التفسير وعامتهم، ومن أهل التأويل من يقول: يجوز أن يكون هذا مَثَلاً؛ كما تقول للرجل المجدّ في الأمر: جئت بِخيلك ورجْلك (١)، والرَّجْلُ جمع رَاجِل، كما قالوا: تَاجرٌ وتَجْرٌ، وصاحِبٌ وصَحْبٌ، وراكبٌ ورَكْبٌ (٢)، ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]
وروى حفص عن عاصم ﴿وَرَجِلِك﴾ مكسورة الجيم (٣)، قال أبو زيد: يقال: رَجْلٌ ورَجِلٌ بمعنى واحد، ومثله: حَذْرٌ وحَذِرٌ، ونَدْسٌ ونَدِسٌ (٤)، وأنشد (٥):
أما أُقَاتِلُ عن دِيني على فَرسٍ ... ولا كذا رَجُلًا إلا بأصْحَابِ (٦)
стр. 7639
كأنه قال: أمَا أقاتل فارسًا ورَاجِلًا (١)، وعلى هذه القراءة: ﴿وَرَجِلِكَ﴾ واحدٌ يعني به الكثرة، وقال ابن الأنباري: أخبرنا ثعلب عن سلمة عن الفراء قال: يقال هو رَاجِلٌ ورَجِلٌ ورَجْلٌ ورَجْلان بمعنى (٢) , وأنشد (٣):
عَلَيَّ إذا أبْصَرتُ ليلى بخَلْوَةٍ. . . أن ازدار بيتَ اللهِ رَجْلانَ حافياً (٤)
وقوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ اختلفت الروايات في تفسير مشاركة الشيطان بني آدم في الأموال والأولاد عن ابن عباس؛ فقال في رواية الوالبي: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾ وهو كل مال أصيب من حرام أو أنفق في حرام، ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ ما قَتَلوا منهم وأتوا فيهم الحرام (٥)، ونحو هذا
стр. 7640
روى عنه مجاهد؛ فقال: كل مال أُخذ بغير حقه، وكل ولد زنا (١)، وهو معنى ما روى عنه عطاء، ويدخل في هذا: الزنا والغصوب والمعاملات الفاسدة والربا وقتل الأولاد والوأد، وروى عنه عكرمة في مشاركته في المال: بتبتكهم آذان الأنعام (٢).
وقال في رواية العوفي: هو ما كانوا يحرمونه من الأنعام (٣)، وهو قول قتادة قال: أما في الأموال: فأمرهم أن يجعلوا بحيرة وسائبة، وأما في أولادهم: فإنهم هودوهم ونصّروهم ومجّسوهم (٤).
وقال في رواية أبي صالح: مشاركته إياهم في الأولاد: تسميتهم أولادهم [عبد] (٥) الحارث وعبد شمس وعبد فلان (٦).
стр. 7641
قال أبو إسحاق: أي أمرهم بأن يجعلوا من أموالهم شيئًا لغير الله، كما قال الله: ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦] , والشركة في الأولاد: قولهم: عبد العزى وعبد الحارث (١).
وقوله تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ﴾ قال الفراء: أي قل لا جنة ولا نار (٢)، قال الزجاج: ﴿وَعِدْهُمْ﴾: بأنهم لا يبعثون (٣)، ثم قال الله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾
٦٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. قال عطاء عن ابن عباس والكلبي: يريد أوليائي ليس لك عليهم حجة في الشرك (٤).
وقال قتادة: عباده الذين لا سلطان له عليهم المؤمنون، وقال في آية أخرى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ (٥) [النحل: ١٠٠].
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ قال أبو إسحاق: وكيلًا لأوليائه يعصمهم من القبول من إبليس (٦)، وهذا يدل على أن المعصوم من عصمة الله.
٦٦ - قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ الإزجاء: سوق الشيء حالاً بعد حال، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف:
стр. 7642
٨٨]، قال السدي: يُسَيِّر (١)، ونحوه قال الزجاج (٢)، ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: في طلب التجارة.
﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ قال ابن عباس: يريد بأوليائه وأهل طاعته (٣)، والخطاب في قوله: ﴿رَبَّكُمُ﴾ عام، وفي آخر الآية خاص.
٦٧ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ قال ابن عباس: يريد يا معشر المشركين، يعني أن الخطاب للمشركين، وفَسَّرَ الضر هاهنا نجوف الغرق.
وقوله تعالى: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ﴾، أي: زال وبطل من تدعون من الآلهة، ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾: إلا الله تعالى، و ﴿إِيَّاهُ﴾: استثناء بعد الإيجاب، فيكون موضعه نصبًا كما تقول: بطلت الآلهة إلا الله، قال ابن عباس: نسيتم اتخاذ الأنداد والشركاء وتركتموهم وأخلصتم لله (٤)، ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ﴾: من الغرق والبحر وأخرجكم ﴿إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾: عن الإيمان والإخلاص، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة (٥).
وقال أبو إسحاق: الإنسان هاهنا يعني به الكفار خاصة (٦)، وفي هذا احتجاج على الكفار حيثُ لمَّا وقعوا في الشدة التي لا يُطْمَع في قدرة أحد على كشفها أخلصوا الدعاء لله بكشف ذلك البلاء، فلما نَجَّاهم بطروا
стр. 7643
النعمة وكفروا به.
٦٨ - ثم بَيَّن أنه قادر أن يهلكهم في البر بمثل ما يهلك في البحر، فقال: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ﴾ قال الليث: الخسف سُؤوخُ الأرض بما عليها (١)، يقال: خسف الله به الأرض، أي غاب به فيها، ومعني الخسف والخسوف: الدخول في الشيء، يقال: عين خاسفة؛ وهي التي غابت حدقتها في الرأس، وعين من الماء خاسفة، أي: غائرة الماء، والشمسُ تُخْسَفُ خُسُوفًا، وهو دخولها في السماء كأنها تكون في جُحْرٍ (٢)، فمعنى قوله: ﴿يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ﴾: يُغَيِّبُكم ويُذْهِبُكم في جانب البر، وهو الأرض، وإنما قال: ﴿جَانِبَ الْبَرِّ﴾ لأنه ذكر البحر في الآية الأولى، فهو جانب، والبر جانب، أخبر الله تعالى أنه (٣) كما قدر أن يغيبهم في الماء قادر أن يغيبهم في الأرض، قال ابن عباس في قوله: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ يريد: حيث أعرضتم حين سلمتم من هول البحر.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ معنى الحَصْبِ في اللغة الرمي، يقال: حَصَبَ أحْصُبُ حَصْبًا إذا رميت، والحَصْبُ: الرمي (٤)، ومنه قوله تعالى: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] أي تلقون فيها، ومعنى قوله: ﴿حَاصِبًا﴾ عذابًا يحصبهم، أي: يرميهم بحجارة، ويقال للريح التي
стр. 7644
تحمل الترب والحصباء: حاصب، وللسحاب يرمي بالثلج والبرد: حاصب؛ لأنه يرمي بهما رميًا، ومنه قول الفرزدق:
مُسْتَقْلِينَ شَمالَ الشَّأْمِ تَضْرِبُنا ... بِحاصبٍ كَندِيفِ القُطْنِ مَنْثُورِ (١)
أي سحاب حاصب ثلجًا كنديف القطن، فحذف الموصوف والمشبه وأقام المشبه به، وهو قوله: كنديف القطن، وقال أبو إسحاق: الحاصب: التراب الذي فيه حصباء (٢)، والحاصب على هذا ذو الحصباء، مثل: اللابن والتامر، وعلى هذا فُسِّرَ بيتُ الأخطل:
تَرْمي الخصال (٣) بِحَاصِبٍ مِنْ ثَلْجها ... حتى يَبِيتَ على العِضَاهِ جِفالا (٤)
أي ترميها بذي حصباء من ثلجها، يعني: سحابًا فيه ثلج، فهو يرمي بها.
стр. 7645
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ قال قتادة: يقول: مانعًا ولا ناصرًا (١)، والمعنى: لا تجدوا أحدًا وكلتم إليه أموركم أو تكلون إليه أموركم فهو يمنعكم وينصركم.
٦٩ - قوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾، أي: في البحر، ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾، أي: مرة أخرى، قال الليث: ﴿تَارَةً﴾ ألفها واو وجمعها تِيَرٌ، وتجمع تارات أيضًا (٢)، قال الفراء: والفعل منها: أترت، أي: أعدت تارة وتارتين وتِيَرًا، مثل: قَامَة وقِيَم (٣)، وقال لبيد يصف عِيرًا:
يُديم سَحِيلَهُ وَيُتِيرُ فيه ... وَيُتْبِعُها خِنَافًا في زِمَالِ (٤)
أي يديم نهيقه ويعيده مرة أخرى.
وقوله تعالى: ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾، القاصف: الكاسر، يقال: قَصفَ الشيءَ يقصفه قصفًا، إذا كسر (٥) كسرًا بشدّة، والقاصف من الريح التي (٦) تكسر الشجر وتدق كل شيء وتحطمه (٧)، وأراد هاهنا ريحًا
стр. 7646
شديدة تقصف الفلك وتغرقهم.
وقوله تعالى: ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾، أي: بكفركم، حيث سَلِمتم ونجوتم في المرة الأولى، ويُقرأ قوله: ﴿أَنْ يَخْسِفَ﴾ وأخواته من الأفعال (١) بالياء والنون، فمن قرأ بالياء (٢) لأن ما قبله على الواحد الغائب، وهو قوله: ﴿إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ﴾، ومن قرأ بالنون (٣) فلأن هذا النحو قد ينقطع بعضه من بعض، وهو سهل؛ لأن المعنى واحد، ألا ترى أول قد جاء: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢] , فانتقل من الجمع إلى الإفراد، كذلك ها هنا يجوز أن ينتقل من الغيبة إلى الخطاب، والمعنى واحدٌ، وكلٌّ حَسَنٌ (٤)، ويؤكد النون:
٧٠ - قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ قال ابن عباس: يريد فضلنا (٥)، وهو كقوله: ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] روى ميمون بن مهران عنه في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ قال ابن عباس: كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم يأكل بيديه (٦).
стр. 7647
وروى عنه أيضًا أنه قال: بالعقل (١).
وقال الضحاك: بالنطق والتميز (٢).
وقال عطاء: بامتداد القامة وتعديلها (٣).
وقال يمان: بحسن الصورة (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد في البحر على السفن، وفي البر على الإبل والخيل والبغال والحمير (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ قال: يريد الثمار والحبوب والمواشي.
وقال مقاتل: السمن والزُّبْدُ والحلاوى، وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى عليكم (٦).
стр. 7648
﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾؛ روى مكحول عن ابن عباس في هذا، قال: البهائم تأكل بأفواهها، وابن آدم يأكل بيده (١)، ونحو هذا قال عكرمة (٢).
وقال محمد بن جرير: فضلناهم بتسليطهم على البهائم والوحوش، وكثيرٌ من خلق الله سخرناها لهم (٣). وقال السدي: فُضِّلوا على البهائم والدواب والوحوش، وهم الكثير (٤).
وقال الكلبي: فضلوا على الخلائق كلهم إلا (٥) عن طائفة من الملائكة؛ جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وأشباههم (٦).
وقال أبو إسحاق: قال ﴿عَلَى كَثِيرٍ﴾، ولم يقل: على كل من خلقنا؛ لأن الله فضل (٧) الملائكة (٨)، ولكن ابن آدم مفضل على سائر الحيوانات التي لا تعقل ولا يتميز.
стр. 7649
ونحو هذا روى عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا﴾، قال: يريد غير (١) الملائكة في هذا الموضع، لم يُفَضَّل ولدُ آدم عليهم.
وذهب قوم إلى تفضيل ولد آدم على الملائكة، واحتجوا بما روي عن زيد بن أسلم في هذه الآية، قال: قالت الملائكة: ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا؛ يأكلون فيها ويتمتعون، ولم تعطنا ذلك، فأعطناه في (٢) الآخرة فقال: "وعزتي وجلالي، لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان" (٣).
стр. 7650
قال أبو هريرة: المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده (١)، وهذا الخلاف في التفضيل إنما يجري بين الناس في تفضيل صالحي المؤمنين على الملائكة -ما عدا الرسل والأنبياء من بني آدم (وجبريل وميكائيل وإسرافيل (٢) وعزرائيل (٣) من الملائكة، فإن هؤلاء في الملائكة كالرسل من بني آدم) (٤) - وأصحابنا أيضًا مختلفون في هذه المسألة؛ فمنهم من قال بتفضيل المؤمنين على الملائكة، ومنهم من يأبى ذلك، كما ذكرنا عن ابن عباس والسدي، وهو اختيار أبي إسحاق.
قال العلماء من أصحابنا: هذه من المسائل التي لا يستحب الخوض فيها والإبلاغ، وكذلك الكلام في تفضيل الأنبياء على مشاهير الملائكة (٥)،
стр. 7651
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 7652
كما لا يستحب الكلام في المخايرة بين الأنبياء؛ لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "لا تخايروا بين الأنبياء و (١) لا تفضلوني على يونس بن متى"،
стр. 7653
وحديث اليهودي الذي قال: لا والذي اصطفى موسى على البشر فَلُطم، ثم أتى النبيّ ﷺ ، مشهور في الصحيح (١)، فالأحسن التأدب بأدب رسول الله
стр. 7654
- ﷺ ، ومِثلُ هذه الطريقة حَسَنٌ في الصحابة، بترك الخوض في تفضيل بعضهم على بعض (١)، وإن كنت تعلم بالدليل والاعتقاد ما تعلم (٢)، فالأحسن ترك الخوض والإبلاغ، والجري على مثل عادة بعضهم مع بعض.
٧١ - قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ قال أبو إسحاق: يعني به يوم القيامة، وهو منصوب على معنى: اذكر يوم ندعو, قال: وجوز أن يكون منصوبًا بمعنى يعيدكم الذي فطركم يوم يدعو (٣).
قال أبو علي الفارسي: الظرف ها هنا بمنزلة إذا؛ لأنه لا يجوز أن
стр. 7655
يكون العامل فيه ما قبله من قوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾؛ لأنه فعل ماض، وليس العامل أيضًا يدعو؛ لأنه فعل مستقبل، فإذا لم يكن في هذا الكلام فعل ظاهر يتعلق به الظرف تعلق بما دلّ عليه قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (١)؛كما أن قوله: ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢] على تقدير: أإذا متنا بعثنا، كذلك هاهنا يُجعل الظرفُ بمنزلة إذا، فيصير التقدير: إذا دُعي كل أناس لم يُظْلموا، ومثل هذا سُوّي قوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ الآية [فصلت: ١٩].
وقوله تعالى: ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾ الإمام في اللغة معناه: كل من ائتَمَّ به قوم كانوا على هدى أو ضلالة، والنبيّ إمام أُمّته، والخليفة إمام رعيته، والقرآن إمام المسلمين، وإمام الغلام في المكتب: ما يتعلمه كل يوم (٢)، واختلفوا في معنى الإمام هاهنا، فروى معمر عن قتادة، وشبل عن أبي نجيح عن مجاهد: بنبيهم (٣)، ورُوي ذلك مرفوعًا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (٤).
ويكون المعنى على هذا: أن ينادي يوم القيامة فيقول: هاتوا متبعي
стр. 7656
إبراهيم، هاتوا متبعي في موسى، هاتوا متبعي محمد ﷺ ، فيقوم أهلُ الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم يقال: هاتوا متبعي الشيطان، هاتوا متبعي الطغاة في عبادة الأوثان، هاتوا متبعي رؤساء الضلالة في اعتقاد الجهالة، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: إمام هدى أو إمام ضلالة (١)، ونحو هذا روى علي بن أبي طلحة فقال: بأئمتهم في الخير والشر (٢).
وقال في رواية أبي صالح: برئيسهم (٣)، ويدخل في هذا كل من كانوا يأتمون به في الدنيا، وعلى هذا التفسير قال أبو علي: الباء في بإمامهم تكون على ضربين؛ أحدهما: أن تكون متعلقة بالفعل الذي هو ندعو في موضع المفعول الثاني؛ كأنه قيل: ندعو كل أناس بكونهم تبعة وشيعة لإمامهم؛ كما تقول: أدعوك باسمك، فيكون كقولك: أدعوك زيدًا، ويجوز أن تتعلق بمحذوف، ذلك المحذوف في موضع الحال؛ كأنه ندعو كل أناس مُخَلَّطين بإمامهم، أي يُدعون وإمامهم فيهم (٤)؛ نحو: ركب شأنه (٥)، وجاء في جنوده (٦)، فيكون الدعاء على هذا الوجه متعديًا إلى
стр. 7657
مفعول واحد خلاف الوجه الأول.
وقال الضحاك وابن زيد: يعني بكتابهم الذي أنزل عليهم (١).
وهو رواية وَرْقَاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد (٢)، ونحوه قال أبو صالح (٣).
ويكون المعنى على هذا: أن ينادى يا أهل القرآن، يا أهل التوراة، يا أهل الإنجيل، وتقدير الباء على ما ذكرنا.
وقال الحسن: بكتابهم الذي فيه أعمالهم (٤)، وهو قول الربيع وأبي العالية (٥)، وابن عباس في رواية عطية قال: إمَامُه ما عمل وأملى فكُتب
стр. 7658
عليه (١)، وعلى هذا سُمِّي الكتاب إممامًا [لأنه يؤتم بما أحصاه، قاله ابن قتيبة (٢)، وهذا كقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] فسمى الكتاب إمامًا) (٣)، وأما تقدير الباء على هذا القول، فهو بمعنى مع، أي يدعى كل أناس ومعهم كتابهم، كقولك: ادفعه إليه برُمَّته (٤)، أي ومعه رُمَّته، قاله أبو علي (٥)، وهذا القول اختيار أبي إسحاق، قال: ويدل عليه سياق الآية (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، الفتيل: القشرة التي في شق النواة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء وعكرمة (٧)، وهو قول أكثر المفسرين (٨).
стр. 7659
وأهل اللغة قالوا: وهذا يضرب مثلًا للشيء الحقير التافه (١)، ومثله: القطمير والنقير في ضرب المثل به، والمعنى: لا يُنْقَصون من الثواب بمقدار فتيل. قال عطاء عن ابن عباس: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، يريد. لا يُنقصون فتيلًا من الثواب، وروى مجاهد عن ابن عباس قال: الفتيل: ما خرج بين إصبعك فتفتله؛ كالشيء الحقير (٢)، وهو فعيل، من الفتل.
٧٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ الآية. قال عكرمة: جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسأله رجل عن هذه الآية، فقال: اقرأ ما قبلها: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي﴾ إلى قوله: ﴿تَفْضِيلًا﴾ فقال ابن عباس: من كان أعمى في هذه النِّعَم -التي قد رأى وعاين- فهو في أمر الآخرة -التي لم ير ولم يعاين- أعمى وأضل سبيلًا (٣).
وروى أبو رَوْق عن الضحاك عن ابن عباس قال: من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرتي في خلق السماء والأرض والبحار والجبال والناس والدواب، فهو عما وصفت لك في الآخرة ولم تره أعمى وأضل سبيلا (٤)،
стр. 7660
يقول: وأبعد حجة، قال قتادة: من عاين الشمس والقمر فلم يؤمن فهو أعمى عما يغيب عنه أن يؤمن به (١)؛ هذا قول المفسرين في هذه الآية.
وقوله تعالى: ﴿في هَذِهِ﴾ الإشارة إلى النِّعَم التي ذكرها على رواية عكرمة، وبه قال السدي (٢)، وعلى قول الآخرين: الإشارة إلى الدنيا (٣)، وبه قال مجاهد (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ﴾، أي: في أمرها على تقدير المضاف، وقال الحسن: من كان في الدنيا ضالًّا كافرًا فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً؛ لأنه (٥) في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل توبته (٦).
واختار أبو إسحاق هذا القول، فقال: تأويله أنه إذا عَمِيَ في الدنيا وقد عَرَّفَه الله الهدى وجعل له إلى التوبة وُصْلَةً، وفَسَحَ له في ذلك إلى وقت
стр. 7661
مماته، فعمي عن رشده ولم يَتُبْ، ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ , أي: أشد عمى، ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾؛ لأنه لا (١) يجد طريقًا إلى الهداية (٢).
وقال أبو علي: معنى قوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾، أي: أشد عمى، إنه في الدنيا كان مُمَكَّنًا من الخروج عن عَمَاه بالاستدلال، ولا سبيل له في الآخرة إلى الخروج من عماه؛ لأنه قد حصل على عمله، ولذلك قوله: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾؛ لأن ضلاله في الآخرة لا سبيل له إلى الخروج منه (٣).
وعلى هذا القول: لا يُحتاج إلى تقدير المضاف في قوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾، وهذا قول الحسن وقتادة؛ روينا ذلك عنه في مسند التفسير، والعمى في الآية المراد منه: عمى القلب، ولذلك جاز ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ بمعنى أشد عمى، ولو كان من عمى العين لم يجز أعمى بمعنى أشَدَّ عمى.
قال الفراء: [العرب إذا قالوا: هو أفعل منك، قالوه فيما كان فعله على ثلاثة أحرف، فإذا زاد على ثلاثة أحرف لم يقولوا: هو أفعل منك، حتى يقولوا: هو أشدّ حمرة منك؛ لأنه يقال في الفعل منه: أحمر، وأما في العمى فإنه يقال: فلان أعمى من فلان في القلب، ولا يقال: هو أعمى منه في العين؛ وذلك أنه لما جاء على مذهب أحمر وحمراء تُرك فيه أفعل منه كما ترك] (٤) في كثير من أشباهه.
قال: وبعض النحويين يقول: أجيزه في الأعمى والأعشى والأعرج
стр. 7662
والأزرق (١)؛ لأنا نقول: عَمِي وزَرِق وعَرِج وعَشِي، ولا نقول: حَمِر ولا بَيِض ولا صَفِر.
قال الفراء: وليس ذلك بشيء؛ إنما يُنظر في هذا إلى ما يجوز أن يكون أقل أو أكثر، فيكون أفعل دليلًا على قلة الشيء وكثرته، ألا ترى أنك تقول: فلان أجمل من فلان؛ لأن جماله يزيد على جماله، ولا تقول للأعشى: هذا أعمى من ذلك، ولا لميتين هذا أموت من ذا، فأمّا قول الشاعر (٢):
أمَّا الملوكُ فأنتَ اليومَ ألأَمُهُم ... لُؤمًا وأبيضُهُم سِرْبالَ طبَّاخِ (٣)
فهو شاذ؛ هذا كلامه (٤)، وعلى هذا التحديد إنما يجوز أن يقال: أفعل منك فيما يكون فعله على ثلاثة أحرف، وذلك الشيء مما يقل ويكثر، وما عدا هذا فإنما يقال فيه: أفعل منه، شاذًّا.
стр. 7663
وقرأ أبو عمرو ﴿فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ بكسر الميم، ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ بفتح الميم (١)، قال أبو علي الفارسي: أمال الألف من الكلمة الأولى ولم يملها من الثانية؛ لأنها بمعنى أفعل من كذا، مثل أَبْلَه من فلان، وليست عبارة عن الموؤفِ (٢) الجارحةِ المصاب ببصره، فإذا كان كذلك لم تقع الألف في آخر الكلمة؛ لأن آخرها إنما هو من كذا، وإنما تحسنُ الإمالةُ في الأواخر؛ لأنها موضع الوقف، والألف تخفى في الوقف، فإذا أمالها نحا بها نحو الياء ليكون أظهر لها وأبين، ومما يقوِّي ذلك أن من العرب من يقلب هذه الألفات ياءات في الوقف فيقول: أَفعي، بإظهار الياء في اللفظ، وحُبْلي، وقد حذف في الآية من أفعل -الذي هو للتفضيل- الجار والمجرور، وهما مرادان في المعنى مع الحذف، وذلك نحو قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، المعنى: وأخفى من السر، فلذلك قوله: ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾، أي: منه في الدنيا.
ومعنى العمى في الآخرة: أنه لا يهتدي إلى طرق الثواب، ويدل على أن المراد بقوله: ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾: أشد عمى، قوله: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ فكما أن هذا لا يكون إلا على أفعل من كذا، كذلك المعطوف عليه، انتهى كلامه. (٣) فأراد أبو عمرو أن يفرق بين ما هو اسم وبين ما هو بمعنى أفعل منه، فغاير بينهما بالإمالة وتركهما.
стр. 7664
٧٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآية. قال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في وفد ثقيف، أتوا رسول الله ﷺ فسألوه شططًا، وقالوا: متعنا باللات سنة وحرّم وادينا كما حَرَّمت مكة، شجرها وطيرها ووحشها، فأبى ذلك رسول الله ﷺ ولم يجبهم، فأقبلوا يردون على النبيّ ﷺ مسألتهم ويكررون، وقالوا: إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم، فإن كرهت ما نقول وخشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا فقل: الله أمرني بذلك، فأمسك رسول الله ﷺ عنهم وداخلهم الطمع، فصاح عليهم عمر ﵁: أما ترون رسول الله قد أمسك عن جوابكم كراهية لما تجيئون (١) به، وقد هَمّ رسول الله ﷺ ليعطيهم ذلك فأنزل الله هذه الآية. (٢)
قال أبو إسحاق: معنى الكلام: كادوا يفتنونك، ودخلت (إن) واللام للتوكيد (٣)، وذكرنا معنى (إن) إذا دخل على الفعل أنها مخففة من الثقيلة في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦]، وقيل: إنه بمعنى قد، وقد مرّ هذا في مواضع (٤)، ومعنى كادوا: هَمّوا وقاربوا ذلك.
وقوله تعالى: ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾، أي: ليستزلونك عن الذي أوحينا إليك، أي: يزيلونك ويصرفونك عن الذي أوحينا إليك، يعني القرآن، والمعنى
стр. 7665
عن حكمه، وذلك في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن.
وقوله تعالى: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾، أي: لتختلق علينا غير ما أوحينا إليك، وهو قولهم: قل: الله أمرني بذلك، ﴿وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾، قال أبو إسحاق: أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك (١) (خليلاً.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾، أي: على الحق بعصمتنا إياك، ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ) (٢) إِلَيْهِمْ﴾، أي: تميل، ﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾، شيئًا: عبارة عن المصدر، أي ركونًا قليلاً.
قال ابن عباس: يريد: حيث سكت عن جوابهم، والله أعلم بنيته (٣).
وروي عن قتادة: أن النبيّ ﷺ قال -لما نزلت هذه الآية-: "اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين" (٤).
٧٥ - ثم توعده في ذلك أشدّ التوعد لو فعله، فقال: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ
стр. 7666
ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾، أي: ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، يريد عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، قال ابن عباس والمفسرون كلهم (١)، ومعنى ضِعفِ العذاب: ضِعفُ ما يعذب غيره.
قال أبو إسحاق: لأنه نبيّ يضاعف له العذاب على عذاب غيره لو جنى هذه الجناية؛ كما قال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] لأن درجة النبيّ ﷺ ودرجة آله الذين وصفهم الله فوق في درجة غيرهم (٢)، قال ابن عباس: ورسول الله معصوم، ولكن هذه مخاطبة لأمته لئلا يركن أحد من المؤمنين إلى أحد من المشركين في شيء من أحكام الله وشرائعه (٣).
٧٦ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية. قال قتادة: هَمَّ أهلُ مكة بإخراج نبي الله ﷺ من مكة، ولو فعلوا ذلك ما نوظروا؛ ولكن الله كَفَّهم عن إخراجه (٤) حتى أمره الله بالخروج، ولَقَلَّ ما
стр. 7667
لبثوا بعد خروج النبيّ ﷺ من مكة حتي بعث الله عليهم القتل يوم بدر (١)، وهذا قول مجاهد (٢).
وقال ابن عباس في رواية عطاء: حسدت اليهود مقام النبيّ ﷺ بالمدينة فقالوا: إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام فإن كنت نبيًا فالحق بها، وإن خرجت إليها صدقناك وآمنا بك، فوقع ذلك في قلبه لما يحب من إسلامهم، فرحل من المدينة على مرحلة، فأنزل الله هذه الآية (٣)، وهذا قول الكلبي وعبد الرحمن بن غنم، واختيار الفراء (٤).
стр. 7668
والقول الأول اختيار أبي إسحاق (١)، وهو الوجه؛ لأن السورة مكية؛ (٢)، فإن صح القول الثاني كانت الآية مدنية، وقد قال عبد الرحمن بن غنم: هذه الآية أنزلت بعد ما ختمت السورة (٣)، والأرض في قوله: ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ على القول الأول: مكة، وعلى القول الثاني: المدينة، وكثر في التنزيل ذكر الأرض، والمراد منها مكان مخصوص؛
стр. 7669
كقوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] يعني: من حيث كانوا يتصرفون فيه لمعاشهم، وقوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ [يوسف: ٨٠] يعني: الأرض التي كان قَصَدَها للامتيار (١) منها، ومثله كثير (٢).
فإن قيل: أليس قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣] يعني مكة، والمراد أهلها فذكر أنهم أخرجوه، وقال في هذه الآية: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ فكيف الجمع بينهما، على قول من قال: الأرض في هذه الآية: مكة؟! قلنا هَمُّوا وقصدوا إخراجه، كما قال الله : ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوك﴾ [الأنفال: ٣٠]، ثم قبل أن يُتِمُّوا ذلك أمر الله تعالى نبيه ﵇ بالخروج، فخرج منها بأمر الله خائفًا منهم ومن مكرهم، وكان خروجه بأمر الله سببًا لسلامته مما كانوا يدبرونه فيما بينهم، ألا ترى أن قتادة قال: هموا بإخراجه ولو فعلوا ذلك ما نوظروا على ما حكينا عنه في هذه الآية، وجاز إضافة الإخراج إليهم في قوله: ﴿أَخْرَجَتْكَ﴾؛ لأنهم هموا بذلك وأُمر بالخروج منها لقصدهم إخراجه، فلما كانوا سببًا في خروجه أضيف ذلك إليهم.
﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، أعلم الله أنهم لو فعلوا ذلك لم يلبثوا بعده إلا قليلاً، أي لو أخرجوك لاستأصلناهم كسنتنا فيمن قبلهم،
стр. 7670
وقرئ ﴿خَلَفكَ﴾ (١)، و ﴿خَلَفكَ﴾ (٢)، وهو في القراءتين جميعًا على تقدير حذف المضاف كأنه؛ لا يلبثون بعد خروجك.
وزعم الأخفش: أن خلافك في معنى خلفك، وروى ذلك يونس عن عيسى (٣)، وهذا كقوله: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١]، وقد مرّ.
قال أبو علي الفارسي: الآية على تقدير حذف المضاف؛ كقول ذي الرُّمَّة:
له واحفٌ فالصُّلْبُ حتى تَقَطَّعَتْ ... خِلَافَ الثُّرَيَّا من أرِيكٍ مآرِبُه (٤)
المعني: خلاف طلوع الثريا (٥) ,وذكرنا الكلام في إذا وإلغائها في سورة النساء (٦).