← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 7806–7845 · переход к 7811.

стр. 7806

بالعتبة [إذا أغلقته، والكهف لم يكن له باب ولا عتبة، وإنما أراد أن الكلب منه بموضع العتبة من البيت] (١)، قال: وقد يكون الوصيد الباب نفسه) (٢)، وأنشد (٣): بأرض فضاءٍ لا يسدُّ وصيدها ... عليَّ ومعروفي بها غير منكرِ ويقال: أصدت الباب، وأوصدته إذا أطبقته، وباللغتين قرئ: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨] (٤). فمن قال: أَصَدت بالهمزة، قال: الأصيد، ومن قال: أوصدت، قال: الوصيد، ويقال للمطبق: الأصاد والوصاد، وهذا الاشتقاق يوجب أن يكون معنى الوصيد: الباب المطبق المجافى، فالذين قالوا: إنه الباب، وافق قولهم أصل اللفظ في اللغة، ويكون معنى الوصيد في الكهف: بأنه المسدود، كما روي في القصة: أن باب الكهف سدَّ عليهم، والذين قالوا: إنه الفناء؛ فلأن الكلب إذا كان داخل الكهف وراء بابه المسدود كان بالفناء؛ لأن ما جاوز فم الكهف كان من جملة الفناء، والكلب كان في آخر الفناء عند الباب. والقولان صحيحان على ما

стр. 7807

بينا (١)؛ وأما ما روي عن سعيد بن جبير أنه فسر الوصيد: (الصعيد، والتراب) (٢)؛ فإنه أراد الفناء، ولكنه عبر بالصعيد. وقوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾، أي: أشرفت عليهم، يقال: أطلعت فلانًا على الشيء فاطلع هو، قال الله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ﴾ [الصافات: ٥٥]. ﴿لوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾، أي: لأدبرت وانقلبت منهم فرارًا. قال الزجاج: (منصوب على المصدر؛ لأن معنى وليت منهم: فررت منهم) (٣). ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ أي: فزعًا وخوفًا، قال المفسرون: (هو أن الله تعالى منعهم بالرعب لئلا يراهم أحد) (٤). وقال أبو إسحاق: (قيل في التفسير: إنهم طالت شعورهم جدًا، وأظفارهم، فلذلك كان الرائي لو رآهم لهرب مرعوبًا) (٥).

стр. 7808

وفي قوله: ﴿وَلَمُلِئْتَ﴾ قراءتان: التخفيف، والتشديد (١)، والاختيار التخفيف. قال أبو الحسن: (الخفيفة أجود في كلام العرب، يقولون: ملأتني رعبًا، ولا يكادون يعرفون (٢) ملأتني) (٣). ويدل على هذا كثرة استعمالهم الملء كقوله (٤): فيملأ بيتنا أقطًا وسمنًا وقول الآخر (٥): ومن مالئ من شيء غيره إذا ... راح نحو الحمرة البيض بالدُّمى وقول الآخر (٦):

стр. 7809

لا تملأ الدَّلو وعرِّق فيها وقول الآخر (١): امتلأ الحوض وقال قطني وامتلأ يدل على ملأ؛ لأنه مطاوعه، وقد جاء الثقيل أيضًا، أنشدوا للمُخبَّل السعدي (٢): وإذا فتك النعمان بالنَّاس محرمًا ... فملئ من كعب بن عوفٍ سلاسله قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أشار إلى ما تقدم من قوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١]، وقوله: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ أي: كما فعلنا بهم هذه الأشياء بعثناهم، قال ابن قتيبة: (أجسامهم من تلك النومة التي تشبه الموت) (٣). ١٩ - وقوله تعالى: ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ قال أبو علي الجرجاني: (ليكون بينهم تساؤل وتنازع واختلاف في مدة لبثهم) (٤).

стр. 7810

﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد كم لنا منذ دخلنا الكهف) (١). ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قال المفسرون: (إنهم دخلوا الكهف غدوة، وبعثهم الله في آخر النهار، لذلك قالوا: ﴿يَوْمًا﴾ فلما رأوا الشمس قالوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، وكان قد بقيت من النهار بقية) (٢). ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ قال ابن عباس: (يرد تمليخا رئيسهم رد علم ذلك إلى الله) (٣)، ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾، الورق: اسم للدراهم. وقال أبو عبيدة: (الفضة كانت مضروبة دراهم أو لا) (٤)؛ يدل على هذا ما روي: (أن عرفجة (٥) اتخذ أنفًا من ورق) (٦). وفيه لغات: وَرِق،

стр. 7811

وَوَرْق، وَوِرْق، مثل كَبِد، وكَبْد، وكِبْد، ذكر ذلك الفراء والزجاج (١). وكسر الواو أردؤها. ويقال أيضًا: للورق: الرِّقَة، قال الأزهري: (أصله: وِرْقَة، مثل: صِلَة وعِدَة) (٢). وإنما قال هذه؛ لأنه عني بالورق الدراهم أو الفضة. قال ابن عباس: (وكانت معهم دراهم عليها صورة الملك الذي كان في زمانهم، فهربوا منه) (٣). ويعني بالمدينة: دقسوس، وهي مدينتهم، ويقال: هي اليوم طرسوس (٤). وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: أحل الذبائح) (٥).

стр. 7812

وهو قول سعيد بن جبير (١)، واختيار الفراء (٢). قالوا: لأن عامة بلدهم كانوا مجوسًا، وفيهم قوم يخفون إيمانهم. وقال مجاهد: (أيها أحل، وكان لهم ملك غشوم يظلم الناس في طعامهم وأسواقهم، فقالوا لصاحبهم: لا تبتع طعامًا فيه ظلم ولا غصبًا) (٣). وذكر أبو إسحاق القولين جميعًا وقال: (الآية من باب حذف المضاف؛ لأن المعنى: أي أهلها أزكى طعامًا، أي: أحل، إما من جهة أنه ذبيحة مؤمن، وإما من جهة أنه لا غصب فيه، هذا معنى قوله. قال: و ﴿أَيُّهَا﴾ رفع بالابتداء، و ﴿أَزْكَى﴾ خبره، و ﴿طَعَامًا﴾ منصوب على التمييز) (٤). وقوله تعالى: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ قال ابن عباس: (يريد يكون ذلك في ستر وكتمان) (٥)، يعني دخول المدينة وشراؤه الطعام، ومعنى ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾: وليدقق النظر وليحتل حتى لا يطلع عليه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ قال ابن عباس: (يريد لا يخبرن بكم، ولا بمكانكم أحدًا من أهل المدينة) (٦).

стр. 7813

وقال أبو إسحاق: (أي إن ظهر عليه فلا يوقعن إخوانه فيما يقع فيه) (١). وهذا خلاف ما ورد في التفسير، فقد ذكر السدي وغيره: (أن الرسول خرج من عندهم وقد أخذ عليه المواثيق، لئن أخذت لتدلن علينا ولا تستأثر بالشهادة) (٢)؛ وهذا أليق بحالهم مما ذكره أبو إسحاق. والمعنى ما قاله ابن عباس، أنه لا يتولى إعلام أحد، ثم إن عرف واحد دل على أصحابه ليشاركوه في الشهادة. ٢٠ - قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾، أي: يطلعوا ويشرفوا على مكانكم أو على أنفسكم، من قولهم: ظهرت على فلان إذا علوته، وظهرت على السطح إذا صرت فوقه، ومنه قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]، أي: عالين (٣) غالبين، وكذلك قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، أي: ليعليه، وقد مر. وقوله تعالى: ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ قال ابن عباس: (يقتلوكم) (٤). والرجم بمعنى القتل قد ورد كثيرًا في التنزيل كقوله: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١] وقوله: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦] وقوله: ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠]، وأصله: الرمي. قال أبو إسحاق: (أي يقتلوكم بالرجم، والرجم من أخبث القتل) (٥).

стр. 7814

ولما كانوا بالرجم سمي القتل: رجما، وقد يسمى السب والشتم: رجما، وهو قول ابن جريج في هذه الآية (١)، وذلك لأنه رمي بالقبيح من القول. وقوله تعالى: ﴿يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ قال ابن عباس: (يردوكم إلى دينهم) (٢)، ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ أي: إن رجعتم إلى دينهم لن تسعدوا في الدنيا ولا في الآخرة. قال الزجاج: ("إذ" يدل على الشرط، أي: ولن تفلحوا إن رجعتم إلى ملتهم أبدًا) (٣). ٢١ - وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية. قال العلماء بأخبار القدماء: (إن الفتية لما هربوا من ملكهم دقيانوس ودخلوا الكهف، أمر دقيانوس بالكهف أن يسد عليهم، ويدعوهم كما هم في الكهف يموتوا عطشًا وجوعًا، وليكن كهفهم الذي اختاروا قبرًا لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ، وقد توفي الله تعالى أرواحهم وفاة النوم، ثم إن رجلين مؤمنين كتبا شأن الفتية وأنسابهم وأسماءهم وخبرهم في لوح من رصاص، وجعلاه في تابوت من نحاس، وجعلا التابوت في البنيان الذي بنوا على باب الكهف، وقالا: لعل الله يظهر على هؤلاء قومًا مؤمنين قبل يوم القيامة، فيعلم خبرهم حين يقرأ هذا الكتاب. ثم انقرض أهل ذلك الزمان وخلفت بعدهم قرون وملوك كثيرة، وملك أهل تلك

стр. 7815

البلاد رجل صالح يقال له: تندوسيس، وتحزب الناس في ملكه أحزابًا منهم من يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذب، فكبر ذلك على الملك الصالح وبكى إلى الله وتضرع إليه، وقال: أي رب، قد ترى اختلاف هؤلاء فأبعث لهم آية تبين لهم أن البعث حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها. فألقى الله تعالى في نفس رجل (١) من أهل ذلك البلد الذي هو به الكهف أن يهدم البنيان الذي على فم الكهف فيبني (٢) به حظيرة لغنمه ففعل ذلك، وحجب الله الفتية عن الناس بالرعب، فلم يتجاسر أن يدخل عليهم أحد، وبعث الله الفتية من نومهم فجلسوا فرحين، وأرسلوا أحدهم ليطلب لهم طعامًا، فاطلع الناس على أمرهم كما ذكر في القصة، وبعثوا إلى الملك الصالح تندوسيس ليعلمونه الخبر، ليعجل القدوم عليهم وينظر إلى آية من آيات الله جعلها الله في ملكه آية للعالمين، فتية بعثهم الله وقد كان توفاهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنة، فلما بلغه الخبر حمد الله تعالى، وركب معه أهل مدينته حتى أتوا مدينة أصحاب الكهف، ثم صعدوا نحو الكهف حتى أتوه. فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾، أي: أطلعنا وأظهرنا عليهم)، كذا قال المفسرون (٣). وذكرنا هذا عند قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ [المائدة: ١٠٧]. وقوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ قال ابن عباس: (يريد الملك

стр. 7816

ورعيته) (١)، أن البعث والثواب والعقاب حق، والقيامة لا شك فيها. وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ اختلفوا في هذا التنازع، فالأشبه ما قال عكرمة: (أن أهل ذلك الزمان تنازعوا بالبعث) (٢). كما ذكرنا في القصة. والمراد بقوله: ﴿أَمْرَهُمْ﴾ ما تنازعوا فيه من أمر البعث. و ﴿إِذْ﴾ منصوب بقوله: ﴿أَعْثَرْنَا﴾، والمعنى: أطلعنا عليهم إذ وقعت المنازعة في أمرهم (٣). قال أبو إسحاق: (ويجوز أن يكون منصوبًا بقوله: ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ أي: ليعلموا في وقت منازعتهم) (٤). وقال ابن عباس في رواية عطاء في قوله: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ (وذلك أن الرجل إذ خرج ليشتري لهم الطعام لما وقف يتنازع، نظروا إلى درهمه، فإذا عليه صورة دقيانوس)، وذكر القصة (٥). فعلى هذا التنازع: هو تنازع القوم مع هذا الواحد الذي كان يطلب لهم الطعام وتكذيبهم إياه فيما كان يخبر به. وقال قوم: (يعني تنازعوا في قدر مكثهم ولبثهم) (٦). وقيل: (تنازعوا

стр. 7817

في عددهم) (١)، وهذا لا يتجه؛ لأن قوله: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ﴾ إما أن يتعلق بقوله: ﴿أَعْثَرْنَا﴾، أو بقوله: ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ على ما بينا. وإذا جعلنا التنازع في قدر المكث أو في العدد لم يصح المعنى، إلا أن يجعل تمام الكلام عند قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾، ثم يقول: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ﴾، أي: اذكر يا محمد ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾: مدة مكثهم، أو في عددهم فلا يتعلق بما قبله. ومنهم من قال: (هذا التنازع يعود إلى التنازع في البنيان، والمسجد)، يروى هذا عن ابن عباس (٢). يدل على هذا سياق الآية، وهو قوله: ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾، يعني استروهم من الناس، قال ذلك المفسرون (٣). وقوله تعالى: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ يدل على أنه وقع تنازع في عدتهم، فمعنى: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾، أي: بعددهم كما قال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، ويحتمل أن هذا من قول الله ابتداء، ويحتمل أنه من قول بعض الناس الذين تكلموا في عددهم (٤). وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد المؤمنين الذين لم يشكوا في البعث). قال المفسرون: (هم تندوسيس الملك وأصحابه) (٥).

стр. 7818

﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ قال أبو إسحاق: (هذا يدل على أنه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث والنشور؛ لأن المساجد للمؤمنين) (١). ومعنى: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ هاهنا وفي قوله: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ أنهم يجعلون وراء ذلك، كما يقال: بني عليه جدارًا، إذا حوطه وجعله وراء الجدار، وقد ذكر في قصتهم: (أن الملك جعل على باب الكهف مسجدًا يصلى فيه، وجعل عنده عيدًا عظيمًا، وأمر أن يؤتى كل سنة) (٢). وقد نسقت شرح هذه الآية على ما أمكن، والآية مشكلة الظاهر والنظم، والله أعلم بما أراد. ٢٢ - قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ الآية. قال المفسرون: (إن نصارى نجران (٣) كانوا عند النبي ﷺ ، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقالت اليعقوبية (٤) منهم: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وقالت النسطورية (٥): كانوا خمسة

стр. 7819

سادسهم كلبهم. وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم)، هذا حكاية ما ذكره المفسرون (١). ونظم الآية يوجب أن يكون هذا التنازع بعد نزول الآية؛ لأن الله تعالى قال: ﴿سَيَقُولُونَ﴾، وهذه السين للتأخير، فالآية تكون نازلة قبل هذا التنازع، أخبر الله فيها أنه سيقع نزاع في عددهم، ثم وقع ذلك على ما في الآية، يدل على هذا أن السورة مكية ووفد نجران إنما أتوا النبي ﷺ بعد الهجرة. واختلف النحويون في نظم هذه الآية وسقوط الواو من قولهم: رابعهم وسادسهم، ودخولها في ثامنهم، بعد اجتماعهم على أن قوله: ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ مرفوع بالابتداء محذوف على تقدير: هم ثلاثة (٢). فقال صاحب النظم: (﴿رَابِعُهُمْ﴾ ابتداء و ﴿كَلْبُهُمْ﴾ خبره، وهو جملة في موضع الحال لقوله: ﴿ثلاثةٌ﴾ (٣). وتأويله: سيقولون ثلاثة بهذه

стр. 7820

الحال فيكون قوله: ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ توقيتًا للآية وحالاً لهم، وكذلك قوله: ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ﴾، قال أبو الفتح الموصلي: (لا يجوز أن تكون الجملة حالاً لثلاثة؛ لأنك لو فعلت ذلك لم يجد الحال ما ينصبها، ألا ترى أن التقدير: سيقولون: هم ثلاثة، وليس في قولك: هم ثلاثة ما يجوز أن ينصب الحال) (١). وقال آخرون: (﴿رَابِعُهُمْ﴾ وصف لثلاثة، على أن يكون ﴿كَلْبُهُمْ﴾ رفع برابع، كما تقول: عندي غُلامٌ ضاربه زيد، فيرفع ضاربه؛ لأنه وهف لغلام، وترفع زيد بفعله، وهو الضرب) (٢). قال أبو الفتح: (وهذا الوجه أيضًا غير جائز، من قبل أن رابعهم في هذا الموضع، وإن كان اسم فاعل، فإنه أراد به الماضي، وإذا كان اسم الفاعل ماضيًا في المعنى لم يجز أن يعمل عمل الأفعال، لا رفعًا ولا نصبًا؛ ألا ترى أنك لا تقول: هذا رجل غلام أخوه، فترفع الأخ بفعل، وتجعل الغلام فعلا له؛ لأن اسم الفاعل إذا أريد به الماضي جرى مجرى غلام ورجل وفرس وما لا معنى فعل فيه، فقد بطل إذن أن يرتفع ﴿كَلْبُهُمْ﴾ بما في ﴿رَابِعُهُمْ﴾ من معنى الفعل) (٣). وقد ذكرنا هذا الفصل عند قوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨]، من كلام أبي علي. وقال بعضهم: (﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة وصف لثلاثة، كما تقول: هؤلاء ثلاثة غُلامهم رابعهم) (٤). قال أبو الفتح: (وهذا الوجه غير سائغ ولا مختار، وإن كان في غير هذا الموضع جائزًا. والذي منع من إجازته هاهنا وضعفها أن الجملة التي

стр. 7821

في آخر الكلام [فيها واو العطف، وهو قوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، فكما ظهرت الواو في آخر الكلام] (١) فكذلك هي -والله أعلم- مرادة في أوله؛ لتتجنَّس الجمل في أحوالها والمراد بها، فكأنه قيل: سيقولون: ثلاثة ورابعهم كلبهم، ويقولون: خمسة وسادسهم كلبهم رجمًا بالغيب، ويقولون: سبعة وثامنهم كلبهم، إلا أن الواو حذفت من الجملتين المتقدمتين؛ لأن الذي فيهما من الضمير يعقدهما بما قبلهما لا عقد الحال ولا عقد الوصف لما ذكرنا، ولكن عقد الإتباع، لا سيما وقد ظهرت الواو في الجملة الثالثة، فدل ذلك على أنها مرادة في الجملتين المتقدمتين)، انتهى كلامه (٢). ونحو هذا قال أبو علي في هذه الآية فقال: (قوله: ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ و ﴿سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، جملتان استغني عن حرف العطف فيهما بما تضمنتا من ذكر الجملة الأولى، وهي قوله: ﴿ثلاثةٌ﴾، والتقدير: هم ثلاثة) (٣). وهذا الذي ذكره أبو علي وأبو الفتح في وجه نظم هذه الآية معنى قول أبي إسحاق: (دخول الواو في ﴿وَثَامِنُهُمْ﴾ وإخراجها من الأول واحد) (٤). وعلى ما قالوا قوله: ﴿رَابِعُهُمْ﴾ عطف على خبر الابتداء الذي هو ثلاثة، كما تقول: هو حلو وحامض. و ﴿كَلْبُهُمْ﴾ مرفوع على أنه نعت لقوله: ﴿رَابِعُهُمْ﴾.

стр. 7822

وقوله تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ الرجم: القول بالظن والحَدْس (١). ومنه قول زهير (٢): وما هو عنها بالحديث المرجَّم وذلك أنه رمى الظن إلى ذلك الشيء. قال أبو إسحاق: (أي تقولون ذلك رجما، أي ظنًّا وتخرصًا) (٣). ومعنى قول المفسرين: ظنًّا من غير يقين. وقوله تعالى: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ الباء هاهنا ظرف للرجم، والتأويل: يرجمون القول فيهم بالغيبة عنهم، وتلخيصه: بالمكان الغائب عنهم، كما تقول: هو يحسن القول فيك بالغيب، ويظهر الغيب، والمعنى: أنهم يقولون هذا القول من غير مشاهدة. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ قال ابن عباس: (حين وقعت الواو وانقطعت العدة) (٤)؛ يريد أنهم سبعة وثامنهم كلبهم، وإلى هذا المعنى أشار أبو إسحاق فقال: (وقد يجوز أن يكون الواو

стр. 7823

يدخل ليدل على انقطاع القصة وأن الشيء قد تمَّ) (١). إلى هاهنا إخبار عما يقوله المختلفون في عدد (٢) أصحاب الكهف، ثم قال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، أي: ما يعلم عددهم إلا قليل من الناس. قال ابن عباس: (أنا من ذلك القليل) (٣). فقال في رواية الضحاك: (أنا من أولئك القليل، ثم ذكرهم بأسمائهم، فذكر سبعة) (٤). وقال في رواية عكرمة: (كانوا سبعة) (٥). وقال في رواية سعيد بن جبير: (كانوا سبعة أو ثمانية) (٦). وقال في رواية عطاء الخراساني: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، يعني أهل الكتاب) (٧). وروى السدي عن ابن عباس قال: (أرجو أن أكون من القليل، أظن القوم كانوا ثلاثة، يقول واحد منهم: كم لبثتم؟ فقال الثاني: لبثنا يومًا أو بعض يوم، قال الثالث: ربكم أعلم بما لبثتم) (٨). وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ قال السدي: (يقول بما

стр. 7824

أوحى إليك من القرآن) (١). وقال سفيان: (إلا بما قصصنا عليك في القرآن) (٢). وروي عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك في قوله: ﴿إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ (حسبك ما قصصنا عليك من شأنهم) (٣). وقال ابن زيد: (المراء الظاهر: أن تقول لهم: ليس كما تقولون، ليس كما تعلمون عدتهم) (٤)؛ يعني إنما يعلمهم القليل. ومعنى المراء في اللغة: الجدال، يقال: مَارَى يُماري، مُمارَاة ومِراء، أي: جادل (٥). قال أبو إسحاق: (أي لا تأت في أمرهم بغير ما أوحي إليك، أي: أفت في قصتهم بالظاهر الذي أنزل عليك) (٦). فعلى ما قالوا المراء الظاهر هو: أن يجادلهم بما أنزل إليه من أنه لا يعلم عددهم إلا القليل، كما قال ابن زيد.

стр. 7825

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾، أي: في أصحاب الكهف ﴿مِنْهُمْ﴾، أي: من اليهود وأهل الكتاب. قال الفراء: (هم فريقان أتوه من أهل نجران: يعقوبي ونسطوري، فسألهم النبي ﷺ عن عددهم فَنُهي) (١). قال أصحابنا: (وهذا دليل على منع المسلمين من استفتاء اليهود والنصارى) (٢). ٢٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ذكرنا قبل هذا سبب نزول هذه الآية (٣). قال المفسرون: (هذا تأديب من الله تعالى لنبيه ﵇، وأمر له بالاستثناء فيما يعزم بمشيئة الله، إذا قلت لشيء: إني فاعله غدًا، فقل: إن شاء الله) (٤). قال الفراء في قوله: (إِلَّا أَن يَشَاء اللهُ﴾: إلا أن يريد الله) (٥). قال أبو إسحاق: (موضع ﴿أَن﴾ نصب، المعنى: لا تقولن إني أفعل إلا بمشيئة الله) (٦). جعل أبو إسحاق ﴿أَن﴾ مع الفعل مصدرًا وأضمر الباء. وقال الأخفش: (أي: إلا أن يقول: إن شاء الله. فأجزأ من ذلك

стр. 7826

هذا، وكذلك إذا طال الكلام أجزأ فيه، شبيه بالإيماء؛ لأن بعضه يدل على بعض) (١). ونحو هذا روي عن المبرد عن الكسائي والفراء قالا: (المعنى إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يقول: إن شاء الله) (٢)؛ فأضمر القول، ومثله كثير في القرآن، وهذا على ما ذكروا، ولما حذف يقول نقل شاء إلى لفظ الاستقبال. ٢٤ - وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أكثر الناس على أن معناه: إذا نسيت الاستثناء بمشيئة الله تعالى فاذكره، وقله إذا ذكرت. قال ابن عباس رواية عطاء: (يريد الاستثناء ولو بعد شهر) (٣). يعني أن من قال: أفعل غدًا كذا وكذا، ونسي أن يقول: إن شاء الله، فقد واقع ما نهى الله عنه، فإذا ذكر أنه كان قد نسي الاستثناء فقاله وضع عنه الحرج. وقال سعيد بن جبير: (إذا قلت لشيء إنك فاعله غدًا، فنسيت أن تقول: إن شاء الله، ثم ذكرت، فقل: إن شاء الله، وإن كان بعد يوم أو شهر أو سنة) (٤). وقال أبو العالية: (إذا ذكرت فاستثن) (٥).

стр. 7827

وقال عمرو بن دينار: (له الاستثناء متى ما ذكر) (١). هذا كله فيما يعد من نفسه أن يفعله من غير يمين، فإن حلف ثم استثنى بمشيئة الله متصلاً بيمينه فلا حنث عليه، كذلك روى أبو هريرة عن النبي ﷺ : "مَنْ حلف فقال: إن شاء الله، لم يحنث" (٢). وروى ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "مَنْ حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فهو بالخيار" (٣). ولا خلاف في هذا بين الناس، وإنما الخلاف فيه إذا انقطع الاستثناء عن اليمين، روى قتادة عن الحسن في الرجل يحلف فيستثني في يمينه قال: (له ثنياه إذا اتصل كلامه، ولم يكن بين ذلك كلام) (٤).

стр. 7828

وقال طاووس: (له ثنياه ما كان في مجلسه) (١). وعن حماد (٢) قال: (إن استثنى في نفسه فليس بشيء حتى يسمع نفسه) (٣). وقال الحسن: (إذا حرك لسانه أجزأ عنه) (٤). ومذهب الشافعي ﵀: أن الحالف إذا نسي الاستثناء موصولاً بكلامه، فات وقته في الطلاق والعتاق وسائر الأيمان (٥). حتى قال بعض أصحابنا: (إنما ينفعه الاستثناء إذا أنشأ أول يمينه مع نية الاستثناء ثم وصله باليمين، فإن أنشأ اليمين ثم بدا له أن يستثني فوصل الاستثناء لم ينفعه) (٦). والصحيح: أنه إذا اتصل نفع، ووقع موقعه (٧).

стр. 7829

وروي عن ابن عباس أنه قال: (يستثني الرجل في يمينه متى ما ذكر، وإن تطاول الزمان، وقرأ هذه الآية) (١). وهذا لا يصح؛ لأن سبيل الاستثناء أن لا يكون منفردًا بنفسه، هو مضمر كلام غيره، والآية وردت في غير اليمين، وليس في الآية: ولا تحلفن على شيء إني فاعل ذلك غدًا، يدل على هذا سبب نزول الآية، والنبي ﷺ لما سألوه عن قصة أصحاب الكهف قال: غدًا أخبركم، ولم يحلف على ذلك، ويؤكد هذا ما روي أن النبي ﷺ قال: "مَنْ حلف على يمين ورأى غيرها خيرًا منه، فليأتِ الذي هو خير ويُكَفّر عن يمينه" (٢). ولو كان يخرج بقوله: إن شاء الله عن الحنث، لقال: وليقل: إن شاء الله، وأيضًا فإن الإنسان إذا حلف من غير نية [فقد تمت يمينه واستقرت،

стр. 7830

فلم يجز أن ينقض حكمها شيء يحدثه بعد ذلك، بخلاف ما يقارنه الاستثناء] (١)؛ لأنه لا يستقر، على أن كثيرًا من المفسرين حملوا قوله: ﴿اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ على غير الاستثناء؛ لأن قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ ابتداء كلام آخر وقصة أخرى، والاستثناء الذي ذكر وقع في موضعه متصلاً. قال عكرمة: (﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ قال: إذا غضبت) (٢) ومعناه أنه إنما يغضب لما يطرأ عليه من نسيان ذكر الله، فأمر بذكر الله ليزول غضبه. وروي عن السدي والضحاك أنهما قالا: (هذا فيمن نسي صلاة فعليه أن يصليها إذا ذكرها) (٣). وقال المبرد: (إن ابن عباس أعلم من أن يسقط حكم الحنث بالاستثناء الذي لا يصله الحالف بيمينه، ولعله قال هذا في الاستثناء من غير يمين كما قال المفسرون، قال: إذا نسي أن يقول: إن شاء الله، ثم ذكر فليقله. فظن بعض الناس أنه يقول ذلك في اليمين، فروي عنه ذلك في اليمين) (٤). قوله تعالى: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ﴾ إلى آخرها، قال أبو إسحاق:

стр. 7831

(أي قل عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب في الرشد، وأدل من قصة أصحاب الكهف) (١). قال المفسرون: (إن الله فعل به ذلك حيث آتاه من علم غيوب المرسلين، وخبرهم ما كان أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف) (٢). وقال بعضهم: (هذا نبأ أمر أن يقوله مع الاستثناء إذا ذكر، وهو كفارة نسيان الاستثناء أن يقول: ﴿عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ﴾ إلى آخرها) (٣). والمعنى: عسى أن يهدين حتى لا أنسى الاستثناء بمشيئته، وهو أقرب رشدًا من أن ينسى ذلك. وقال بعضهم: (هذا فيما ينساه النبي ﷺ أمر أن يذكر الله تعالى فسأله أو يذكره ما نسي، أو يهديه لما هو خير له من ذكر ما نسيه) (٤). ٢٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ الآية، اختلفوا في معنى هذه الآية على قولين أحدهما: أن هذا إخبار عن أهل الكتاب أنهم قالوا ذلك (٥). وهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك قال: (إن الرجل ليفسر الآية يرى أنها كذلك فيهوي أبعد مما بين السماء والأرض ثم تلا: ﴿وَلَبِثُوا

стр. 7832

فِي كَهْفِهِمْ﴾ الآية، ثم قال: كم لبث القوم؟ قالوا: ثلاثمائة سنة وتسع سنين، قال: فلو كانوا لبثوا ذلك لم يقل الله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾، ولكنه حكى مقالة القوم، فقال: سيقولون: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ الآية (١). وقال قتادة: (هذا قول أهل الكتاب، فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ قال: ويدل على صحة هذا قراءة ابن مسعود: قالوا لبثوا في كهفهم) (٢). ونحو هذا قال مطر الورّاق (٣) (٤). القول الثاني: أن هذه الآية إخبار عن الله تعالى، أخبر عن قدر لبثهم في الكهف من يوم دخلوا إلى أن بعثهم الله وأطلع عليهم الخلق (٥)؛ وهذا قول مجاهد قال في هذه الآية: (هو عدد ما لبثوا) (٦)، ونحوه قال عبد الله بن عبيد بن عمير (٧)،

стр. 7833

والضحاك (١). واختاره الزجاج وقال: (هو الأجود عندي) (٢)، وهو اختيار ابن قتيبة (٣). وعلى هذا القول معنى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ ما قاله القتبي: (وهو أنهم اختلفوا في لبثهم فقال الله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ الآية، ثم قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ أي. وأنا أعلم بما لبثوا من المختلفين) (٤). وهذا معنى قول الزجاج، والكلبي: (قالت نصارى نجران: أما الثلاثمائة فقد عرفناها، وأما التسع فلا علم لنا بها، فنزلت: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ (٥). وقال كثير من أهل التفسير: (معنى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ أن أهل الكتاب قالوا على رسول الله ﷺ : أن الفتية من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلاثمائة وتسع سنين، فرد الله عليهم وقال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ بعد أن قبض أرواحهم المرة الثانية إلى يومنا هذا لا يعلم ذلك غير الله تعالى) (٦).

стр. 7834

هذا الذي ذكرنا تفسير الآية (١)، فأما إعرابها فقال ابن عباس في رواية عطاء: (نزل قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾ فلم يدرِ رسول الله ﷺ أسنين، أم أشهر، أم أيام، أم ساعات، حتى نزل جبريل فقال: ﴿سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (٢)؛ ونحو هذا قال الضحاك، ومقاتل (٣). وعلى هذا أجاز ابن مجاهد الوقف على ثلاثمائة، لفصل ما بينهما في النزول (٤). والاختيار ترك الوقف؛ لأن سنين وإن نزل بعد ثلاثمائة فقد التحق به في قول جميع النحويين، وصار التقدير: سنين ثلاثمائة. قاله الفراء، والزجاج، وأبو عبيدة، والكسائي. وعلى هذا ﴿سِنِينَ﴾ في موضع نصب بالفعل (٥). قال أبو إسحاق: (ويجوز في تقدير العربية أن يكون سنين معطوفًا على ثلاث، عطف البيان والتوكيد) (٦). وقال أبو علي: ﴿سِنِينَ﴾ بدل من قوله: ﴿ثَلَاثَ

стр. 7835

مِائَةٍ﴾ وموضعه نصب، كما أن موضع المبدل منه كذلك وهذا كما تقول: أعطيته ألفا درهما ومائة أثوابا) (١). قال الفراء: (ويجوز أن يكون ﴿سِنِينَ﴾ نصبا بالتفسير للعدد، كما قال عنترة (٢): فيها اثنتان وأربعون حلوبةً ... سودًا كخافية الغراب الأسحم [وهي جمع مفسرة كما يفسر الواحد) (٣). وقال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون ﴿سِنِينَ﴾ من نعت المائة، وهو راجع في المعنى إلى ثلاث، كما قال الشاعر، وأنشد البيت)] (٤) (٥). فجعل سودا نعتا للحلوبة، وهي في المعنى نعت لجملة العدد. وهذا القول أحسن من قول الفراء؛ لأنه جعل سودًا تفسيرًا للعدد، وليس كذلك تفسير العدد حلوبة، وسودًا نعت للحلوبة راجع إلى جملة العدد، كذلك قوله: ﴿سِنِينَ﴾ نعت المائة راجع إلى جملة العدد، وعلى هذا يكون ﴿سِنِينَ﴾ في محل الجر، غير أنه يفتح النعت بالسنين؛ لأنها اسم جامد فلا يحسن النعت بها.

стр. 7836

وقد حصل في قوله: ﴿سِنِينَ﴾ خمسة أوجه من الإعراب: الظرف، وعطف البيان، والبدل، والتفسير، والنصت. هذا الذي ذكرنا وجه قراءة العامة وهو تنوين (مِائَةٍ)، وقراءة حمزة، والكسائي: "ثلاثمائةِ سنين" مضافة غير منونة (١)، وهذه قراءة غير جيدة (٢). قال أبو الحسن: (لا يحسن إضافة المائة إلى السنين، لا تكاد العرب تقول: مائة سنين) (٣). وقال صاحب النظم: (من أضاف وأظهر العدد اعتسف) (٤). إلا أن أبا الحسن قال: (هو جائز، وقد يقوله بعض العرب) (٥).

стр. 7837

قال الفراء: (مِنَ العرب من يضع السنين في موضع سنة، وهي حينئذٍ (١) في موضع خفض لمن أضاف) (٢). وقوله تعالى: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ قال أبو إسحاق: (لا يكون على معنى تسع ليال، ولا تسع ساعات؛ لأن العدد يعرف تفسيره، فإذا تقدم تفسيره استغنى بما تقدم عن إعادة ذكر التفسير، تقول: عندي مائة درهم وخمسة، فتكون الخمسة قد دل عليها ذكر الدراهم) (٣). وقال أبو علي: (﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ أي: ازدادوا لُبث تسع، فحذف المصدر وأقيم المضاف إليه مقامه، وانتصاب تسع انتصاب المفعول به لا انتصاب الظرف، كما أن المضاف لو ظهر وأضيف إلى التسع كان كذلك) (٤). ٢٦ - قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ ذكرنا تفسيره في الآية المتقدمة. وقوله تعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ذكرنا تفسيره في آخر سورة هود (٥). ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ قال الأخفش: (أي ما أبصره وأسمعه! كما تقول: أكرم به! أي ما أكرمه! قال: ويدلك على ذلك أن العرب تقول: يا

стр. 7838

أمة الله أكرم يزيد! فهذا معناه ما أكرمه! ولو كان يأمرها أن تفعل شيئًا لقال: أكرمي زيدًا) (١). وقال الفراء: (﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ يريد الله، كقولك: أكرم بعبد الله! ومعناه: ما أكرم عبد الله! وكذلك قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] ما أسمعهم وما أبصرهم!) (٢). وقال أبو إسحاق: قوله: (﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ أجمع العلماء أن معناه: ما أسمعه وأبصره! أي: هو عالم بقصة أصحاب الكهف وغيرهم) (٣). وقال أبو علي: (العرب تتسع فتقيم المثال الذي يختص بالأمر مقام الخبر، والمثل المختص بالخبر موقع الدعاء والأمر مما أقيم من أمثلة الأمر موقع الخبر قولهم: أكرم يزيد! وقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨]، ومعنى هذا ما أكرم زيدًا، واسمعوا وأبصروا، أي: صار زيد ذا كرم، وصار هؤلاء ذوي أسماع وأبصار. قال: وموضع الباء مع ما بعده من المنجر رفع، كما أن الباء في: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] كذلك فوقع مثال الأمر هاهنا موقع الخبر، كما وقع مثال الخبر موقع الأمر في الدعاء في مثل: غفر الله لزيد، وقطع الله يد فلان، وجاء في التنزيل: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] فهذا لفظه كلفظ أمثلة الأمر، ومعناه الخبر، ألا ترى أنه لا وجه للأمر هاهنا وأن المعنى مده الرحمن مدا، ويدلك على أن المراد بقوله: أكرم يزيد! أن معناه أنه قد

стр. 7839

كرم، وأن الكرم وما أشبهه من الأحداث لا يخاطب ولا يؤمر ولا ينهى، وأنه ليس للأمر هاهنا معنى ولا متوجه، وأيضًا فإنك إذا قلت: يا زيد أكرم بعمرو، فليس يخلو هذا الفعل من أن يكون له فاعل، وفاعله لا يخلو من أن يكون المخاطب أو المتعجب منه، فلو كان المخاطب لوجب أن يجمع الضمير في الفعل ويلحق علامة التأنيث، فلما لم يفعل من ذلك شيء، بل أجروا هذا الفعل بعد المذكر والمؤنث والجمع والتثنية مجرى واحد أعلم أن فاعله المتعجب منه دون المخاطب، وثبت أن الجار مع المجرور في موضع رفع) (١). هذا الذي ذكره أبو علي أصل هذا الكلام، وشرح وضعه، ثم صار من ألفاظ التعجب حتى لا فصل بين قولك: ما أحسن زيدًا! وقولك: أحسن بزيد، وإذا كان كذلك فقدله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ قال المفسرون: (ما أبصر الله بكل موجود، وأسمعه بكل مسموع) (٢). وقال ابن زيد: (معناه أنه يرى أعمال أهل السموات والأرض، ويسمع منهم) (٣). هذا الذي ذكرنا إجماع من أهل العلم أن قوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ معناه ما أبصره وأسمعه!. وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: (معناه أبصر أوليائي بعجائب القرآن، وأسمع به أوليائي) (٤). وعلى هذا ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ المراد به

стр. 7840

الأمر، والمفعول محذوف على تقدير: أبصرهم وأسمعهم، وقوله: ﴿بِهِ﴾ أي: بالقرآن، كأنه قيل: اجعلهم يبصرون بالقرآن غيري، وولايتي ويسمعون ذلك (١). والقول الذي عليه الناس هو الأول. وقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ قال المفسرون: (أي ليس لأهل السموات والأرض من دون الله) (٢). والكناية تعود إلى أهل السموات والأرض، وقد سبق ذكرهم في قوله: ﴿غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وهم من غيبها، أي: مما غابوا فيها. وقال عطاء عن ابن عباس: (﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يريد قد عرفوا عظمتي وربوبيتي فلم يتخذوا من دوني وليًّا) (٣). وعلى هذا الكناية في قوله تعود إلى المؤمنين خاصة من أهل السموات والأرض (٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ قال أبو إسحاق: (هذا على معنيين أحدهما: أنه جرى ذكر علمه وقدرته، فأعلم أنه لا يشرك في حكمه بما يخبر به من الغيب أحدًا كما قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦]. ويكون على معنى: أنه لا يجوز أن يحكم حاكم

стр. 7841

إلا بما حكم الله، وبما دل عليه حكم الله، وليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه فيكون شريكًا في حكمه يأمر بحكم كما أمر الله) (١). وقرأ ابن عامر: ولا تشرك (٢)، على معنى: ولا تشرك أنت أيها الإنسان في حكمه أحدًا، على النهي عن الإشراك في حكمه، أي: لا يكن كمن قيل فيه: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ)﴾ [الأعراف: ١٩١]. وعلى هذه القراءة في الآية رجوع من الغيبة إلى الخطاب، والقراءة الأولى التي عليها العامة أشبه لتقدم اسم الغيبة، وهو قوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾، والهاء للغيبة فكذلك قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكُ﴾ أي: ولا يشرك الله في حكمه أحدًا (٣). ٢٧ - قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ قال المفسرون: (معناه: أَتبع القرآن) (٤). وقوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد لمواعيده) (٥). وإلي هذا أشار الزجاج فقال: (أي ما أخبر الله به، وما أخبر به فلا مبدل له) (٦). وعلى هذا المعنى: لا مبدل لحكم كلماته مما وعد به وأمر،

стр. 7842

وقال الكلبي: (لا مغير للقرآن) (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ قال مجاهد: (ملجأ) (٢) وقال الفراء: (الملتحد: الملجأ) (٣). وقال أبو عبيدة: (معدلا) (٤). وقال الزجاج: (أي لن تجد معدلا عن أمره ونهيه) (٥). وأصل هذا الحرف: من الميل، ومن قال: ملجأ، فهو يؤول إلى هذا المعنى أيضًا؛ لأنك إذا لجأت إلى شيء فليس يكون إلا بالميل منك إليه، وذكرنا هذا الحرف عند قوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣]. وقال ابن زيد في هذه الآية: (لا تجدون من دونه ملجأ ولا أحدا يمنعكم) (٦). ٢٨ - قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ مفسرا بما فيه من النزول، واختلاف القراءة في سورة الأنعام (٧).

стр. 7843

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ قال علي عن ابن عباس: (يقول لا تتعداهم إلى غيرهم) (١). وقال عطاء عنه: (يريد يصدهم بالنظر والمحبة لهم) (٢). وقال الفراء: (لا تصرف عيناك عنهم) (٣). وقال الزجاج: (لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة) (٤). والنهي في الظاهر واقع على العينين، والمراد منه صاحب العينين، وهو النبي ﷺ . قوله تعالى: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال المفسرون: (يعني مجالسة أهل الشرف والغنى) (٥). وقال أهل المعاني: (قوله: ﴿تُرِيدُ﴾ هاهنا في موضع الحال) (٦)، أي: مريدًا، نهي أن يرفع بصره عن ضعفاء المؤمنين مريدًا مجالسة الأشراف. وكان ﷺ حريصًا على إيمان الرؤساء طمعًا في إيمان أتباعهم، ولم ينسب إلى إرادة زينة الحياة الدنيا؛ لأنه لم يمل إلى الدنيا قط ولا إلى أهلها، وإنما كان يلين في بعض الأحيان للرؤساء طمعًا في إيمانهم،

стр. 7844

فعوتب بهذه الآية، وأمر بأن يجعل إقباله على المؤمنين، وأن لا يلتفت إلى غيرهم، ونهي أن يكون له حال يميل فيها إلى الأشراف دون الضعفاء، ومثل هذه الآية قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس: ٥، ٦]. وقوله تعالى: ﴿لَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ قال ابن عباس: (يريد عيينة وأباهه) (١)، أي: لا تطعهم في تنحية الفقراء عنك ليجلسوا إليك. وسئل أبو العباس عن قوله: ﴿لَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ فقال: (من جعلناه غافلاً. قال: ويكون في الكلام أغفلته سميته غافلاً، ووجدته غافلاً) (٢)، وتأويل ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ تركناه غُفْلا عن الذكر، كالأرض الغُفْل التي لا علامة بها، والكتاب الغُفْل الذي لا شكل عليه. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ قال مجاهد: (ضياعا) (٣). وقال قتادة: (ضاع أكبر الضيعة) (٤). وقال السدي: (هلاكا) (٥). وقال أبو الهيثم: (أمر فرط، أي: متهاون به) (٦). وشبه أن يكون أصل هذا من التفريط، وهو تقديم العجز، وهذا بمعنى قول أبي إسحاق (٧). ومن قدم العجز في أمره أضاعه وأهلكه، ومعنى هذا أنه ترك الإيمان

стр. 7845

والاستدلال بآيات الله واتبع هواه. الليث: (الفَرَطُ: الأمر الذي يُفَرَّط فيه، تقول: كل أمر فلان فَرَط) (١)، ونحو هذا قال الفراء: (فُرُطا: متروكًا قد ترك فيه الطاعة) (٢). وقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد أنه أفرط في مسألته، وأحب أن يرتفع عند الله بغير تقوى) (٣)، يعني حين أراد مجالسة النبي ﷺ والقرب منه، والتقدم على أهل الإيمان من غير طاعة وتقى. وعلى هذا الفَرَط اسم من الإفراط وهو مجاوزة الحد، ونحو هذا روي عن مقاتل أنه قال في قوله: ﴿فُرُطًا﴾ قال: (سرفا) (٤). فيحتمل أنه يريد بالمسرف ما ذكرنا عن ابن عباس، ويحتمل أن يريد ما ذكره الكلبي والفراء. قال الكلبي: (قال عيينة: إنا رؤوس مضر (٥) وأشرافها، فإن نسلم يسلم الناس بعدنا) (٦). وقال الفراء: (إنه أفرط في القول فقال: نحن رؤوس مضر وأشرافها،
следующие страницы →