← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

إلا بما حكم الله، وبما دل عليه حكم الله، وليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه فيكون شريكًا في حكمه يأمر بحكم كما أمر الله) (١). وقرأ ابن عامر: ولا تشرك (٢)، على معنى: ولا تشرك أنت أيها الإنسان في حكمه أحدًا، على النهي عن الإشراك في حكمه، أي: لا يكن كمن قيل فيه: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ)﴾ [الأعراف: ١٩١]. وعلى هذه القراءة في الآية رجوع من الغيبة إلى الخطاب، والقراءة الأولى التي عليها العامة أشبه لتقدم اسم الغيبة، وهو قوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾، والهاء للغيبة فكذلك قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكُ﴾ أي: ولا يشرك الله في حكمه أحدًا (٣). ٢٧ - قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ قال المفسرون: (معناه: أَتبع القرآن) (٤). وقوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد لمواعيده) (٥). وإلي هذا أشار الزجاج فقال: (أي ما أخبر الله به، وما أخبر به فلا مبدل له) (٦). وعلى هذا المعنى: لا مبدل لحكم كلماته مما وعد به وأمر،

стр. 7842

وقال الكلبي: (لا مغير للقرآن) (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ قال مجاهد: (ملجأ) (٢) وقال الفراء: (الملتحد: الملجأ) (٣). وقال أبو عبيدة: (معدلا) (٤). وقال الزجاج: (أي لن تجد معدلا عن أمره ونهيه) (٥). وأصل هذا الحرف: من الميل، ومن قال: ملجأ، فهو يؤول إلى هذا المعنى أيضًا؛ لأنك إذا لجأت إلى شيء فليس يكون إلا بالميل منك إليه، وذكرنا هذا الحرف عند قوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣]. وقال ابن زيد في هذه الآية: (لا تجدون من دونه ملجأ ولا أحدا يمنعكم) (٦). ٢٨ - قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ مفسرا بما فيه من النزول، واختلاف القراءة في سورة الأنعام (٧).

стр. 7843

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ قال علي عن ابن عباس: (يقول لا تتعداهم إلى غيرهم) (١). وقال عطاء عنه: (يريد يصدهم بالنظر والمحبة لهم) (٢). وقال الفراء: (لا تصرف عيناك عنهم) (٣). وقال الزجاج: (لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة) (٤). والنهي في الظاهر واقع على العينين، والمراد منه صاحب العينين، وهو النبي ﷺ . قوله تعالى: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال المفسرون: (يعني مجالسة أهل الشرف والغنى) (٥). وقال أهل المعاني: (قوله: ﴿تُرِيدُ﴾ هاهنا في موضع الحال) (٦)، أي: مريدًا، نهي أن يرفع بصره عن ضعفاء المؤمنين مريدًا مجالسة الأشراف. وكان ﷺ حريصًا على إيمان الرؤساء طمعًا في إيمان أتباعهم، ولم ينسب إلى إرادة زينة الحياة الدنيا؛ لأنه لم يمل إلى الدنيا قط ولا إلى أهلها، وإنما كان يلين في بعض الأحيان للرؤساء طمعًا في إيمانهم،

стр. 7844

فعوتب بهذه الآية، وأمر بأن يجعل إقباله على المؤمنين، وأن لا يلتفت إلى غيرهم، ونهي أن يكون له حال يميل فيها إلى الأشراف دون الضعفاء، ومثل هذه الآية قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس: ٥، ٦]. وقوله تعالى: ﴿لَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ قال ابن عباس: (يريد عيينة وأباهه) (١)، أي: لا تطعهم في تنحية الفقراء عنك ليجلسوا إليك. وسئل أبو العباس عن قوله: ﴿لَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ فقال: (من جعلناه غافلاً. قال: ويكون في الكلام أغفلته سميته غافلاً، ووجدته غافلاً) (٢)، وتأويل ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ تركناه غُفْلا عن الذكر، كالأرض الغُفْل التي لا علامة بها، والكتاب الغُفْل الذي لا شكل عليه. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ قال مجاهد: (ضياعا) (٣). وقال قتادة: (ضاع أكبر الضيعة) (٤). وقال السدي: (هلاكا) (٥). وقال أبو الهيثم: (أمر فرط، أي: متهاون به) (٦). وشبه أن يكون أصل هذا من التفريط، وهو تقديم العجز، وهذا بمعنى قول أبي إسحاق (٧). ومن قدم العجز في أمره أضاعه وأهلكه، ومعنى هذا أنه ترك الإيمان

стр. 7845

والاستدلال بآيات الله واتبع هواه. الليث: (الفَرَطُ: الأمر الذي يُفَرَّط فيه، تقول: كل أمر فلان فَرَط) (١)، ونحو هذا قال الفراء: (فُرُطا: متروكًا قد ترك فيه الطاعة) (٢). وقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد أنه أفرط في مسألته، وأحب أن يرتفع عند الله بغير تقوى) (٣)، يعني حين أراد مجالسة النبي ﷺ والقرب منه، والتقدم على أهل الإيمان من غير طاعة وتقى. وعلى هذا الفَرَط اسم من الإفراط وهو مجاوزة الحد، ونحو هذا روي عن مقاتل أنه قال في قوله: ﴿فُرُطًا﴾ قال: (سرفا) (٤). فيحتمل أنه يريد بالمسرف ما ذكرنا عن ابن عباس، ويحتمل أن يريد ما ذكره الكلبي والفراء. قال الكلبي: (قال عيينة: إنا رؤوس مضر (٥) وأشرافها، فإن نسلم يسلم الناس بعدنا) (٦). وقال الفراء: (إنه أفرط في القول فقال: نحن رؤوس مضر وأشرافها،

стр. 7846

وليس كذلك) (١). وعلى هذا كان أمره فُرُطا لإفراطه في القول والبذخ حين قال: إنه رأس العرب وهم أتباعه على دينه. ويقال: أمر فُرُط، أي مجاوز فيه الحدود. روي عن أبي زيد البلخي أنه قال: (معناه: قدما في الشر) (٢). وعلى هذا أصله من قوله: فَرَطَ منه أمر، أي: سبق وبدر (٣). ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ [طه: ٤٥]، ومنه يقال: فرس فُرُط، أي: سريعة، قال لبيد (٤): فُرُط وشاحي إذ غدوتُ لجامها ٢٩ - قوله تعالى: ﴿وقُلِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (وقيل يا محمد

стр. 7847

لمن جاءك من أهل الدنيا شريفًا أو وضيعًا) (١). قال المفسرون: قل لهؤلاء الذين أمروك بتنحية الفقراء عنك، وإدناء مجلسهم ليؤمنوا بك. وقوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال الكسائي: (يعني هو الحق من ربكم، وهو الإسلام) (٢). وقال الأخفش: (أي قل: هو الحق) (٣). قال أبو إسحاق: (أي الذي أتيتكم به الحق من ربكم) (٤). وهذا معنى قول قتادة: (﴿الْحَقُّ﴾ هذا القرآن) (٥). وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ قال السدي: (هذا على وجه الوعيد) (٦). وقال قتادة: (إن ربكم بين ثم خير) (٧)؛ يعني التخيير

стр. 7848

الذي هو للتهديد، كما قال الزجاج: (هذا الكلام ليس بأمر لهم ما فعلوا منه فهم فيه مطيعون، ولكنه كلام وعيد وإنذار، قد بين بعده ما لكل فريق من مؤمن وكافر) (١). هذا الذي ذكرنا قول أكثر أهل التفسير (٢). وروى الوالبي عن ابن عباس والضحاك في هذه الآية يقول: (من يشاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر) (٣). وهو كقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، فعلى هذا القول قوله: ﴿فَمَن شَآءَ﴾، أي: من شاء الله، فالمشيئة مسندة إلى الله. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ أي: هيأنا وأعددنا. ومضى الكلام في معنى الإعتاد (٤). ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ الذين عبدوا غير الله تعالى (٥). ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ معنى السرادق في اللغة: كل ما أحاط

стр. 7849

بشيء واشتمل عليه من ثوب أو حائط. وأكثر ما يستعمل في الفسطاط. قال الليث: (السرادق: كالحجرة المحوطة من غزل غليظ منسوج مضرب الأسفار للملوك، والجمع: سرادقات) (١). قال رؤبة (٢): سرادق المجد عليك ممدود قال الأزهري: (ويقال للغبار الساطع، والدخان الشاخص المحيط بالشيء: سرادق) (٣). قال لبيد يذكر الإبل (٤): رفعن سرادقًا في يوم ريح ... يصفق بين ميل واعتدال هذا معنى السرادق في اللغة (٥). فأما التفسير فروى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "سرادق النار أربع جدر، كثف كل جدار منها مسيرة

стр. 7850

أربعين سنة" (١) وقال الكلبي: (هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة) (٢). وبهذا فسِّر قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]، وقوله: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] الآية؛ وهذا اختيار أبي عبيدة، وابن قتيبة (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ قال المفسرون: أي مما هم فيه من العذاب وشدة العطش. ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ قال أبو عبيد: (المهل: كل فِلِزٍّ (٤) أذيب) (٥). وروي في حديث أبي بكر ﵁ أنه أوصى في موضعه فقال "ادفنوني

стр. 7851

في ثوبي هذين، فإنما هما للمهل والتراب" (١). قال أبو عبيدة: (المهل في هذا الحديث: الصديد والقيح) (٢). وقال أبو عمرو: (المهل في شيئين: هو في حديث أبي بكر: القيح والصديد، وفي غيره: دردي الزيت) (٣). وقال اليث: (المهل: ضرب من القطران، يقال: مَهَلْتُ البعير فهو مَمْهُول) (٤). وروى شمر عن ابن شميل: (المهل عندهم الملَّة إذا حميت جدًّا رأيتها تموج) (٥). وقالت العامرية: (المهل عندنا السُّمّ) (٦). هذا معنى المهل في اللغة، وهو على ستة معان. روى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله: "بماء كالمهل" قال: "كعكر الزيت" (٧).

стр. 7852

وهو قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: (كدردي الزيت) (١). ونحو هذا روى عنه الوالبي والعوفي (٢). وقال مجاهد: "كالمهل" (القيح والدم) (٣). وقال عطاء عن ابن عباس: (هو عكر القطران) (٤). وروى قتادة والحسن عن ابن مسعود: (أنه سئل عن المهل، فدعا بذهب وفضة فخلطهما، فأذيبا حتى إذا أزبدا وانماعا قال: هذا أشبه شيء في الدنيا بالمهل الذي هو شراب أهل النار) (٥). وإلى هذا القول ذهب من قال في تفسير المهل: هو الذي قد انتهى حره؛ لأنه لا شيء أشد حرارة من هذه الجواهر إذا أذيبت. وهذا القول هو اختيار الزجاج فقال: (يعني أنهم

стр. 7853

يغاثون بماء كالرصاص المذاب والصُّفْر أو الفضة) (١). وقوله تعالى: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ يقال: شويتُ اللحم أشويه شيًّا، فإذا شويته لنفسك خاصة قلت: أشويت. قال لبيد (٢): فاشتوى ليلة ريحٍ واجتمل وانشوى اللحم انشواء، ويقال: اشتوى أيضًا بهذا المعنى (٣). روى الخدري عن النبي ﷺ في هذه الآية قال: "فإذا قربه إليه سقط فروة وجهه فيه" (٤). وقال ابن عباس: (يشويه حتى يسقط لحم وجهه) (٥). ثم ذمه فقال:

стр. 7854

﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ هذا الماء الذي وصفنا. ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي: ساءت النار مرتفقا، وهو نصب على التمييز (١). ومعنى المرتفق في اللغة: ما يرتفق به (٢). قال ابن عباس: (يريد وبئس ما ارتفقوا به) (٣). واختلفت العبارات عن المفسرين في هذا، فقال مجاهد: (مجتمعا) (٤). وقال عطاء: (مقرًّا) (٥). وقال الزجاج: (منزلا) (٦). وقال ابن قتيبة: (مجلسا) (٧). ومعنى هذه الألفاظ واحد، وهي كلها ترجع إلى أصل واحد، فيجوز أن ترجع إلى ما ذكرنا، وذلك أن المنزل والدار مما يرتفق به، ويجوز أن يكون أصلها من الارتفاق وهو الاتكاء على المرفق، ومنه قول الهذلي (٨):

стр. 7855

نام الخلي وبتُّ مرتفقا وهذا قول ابن السكيت في قوله: ﴿مُرْتَفَقًا﴾ قال: (متكأ) (١). وكل موضع نزلته وقعدت فيه فهو مرتفق لك ومتكأ. ٣٠ - ثم ذكر ما وعد المؤمنين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية. واختلف النحويون في جواب ﴿إِنَّ﴾ الأولى، فذكر أبو إسحاق وأبو علي فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن خبره قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ على إضمار منهم، فحذف الراجع من الخبر؛ لأنه معلوم أن الله إنما لا يضيع أجر من أحسن عملاً من المؤمنين، فأما من أحسن عملاً من غير المؤمنين فإن الله يحبط عمله. الوجه الثاني: أن المعنى إنا لا نضيع أجرهم، إلا أنه وقع المظهر موقع المضمر؛ لأن من أحسن عملاً في المعنى الذين آمنوا وعملوا الصالحات. الوجه الثالث: أن الخبر قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ ويكون قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾ اعتراضًا بين الاسم والخبر، وجاز ذلك؛ لأن من أحسن عملاً بمنزلة الذين آمنوا (٢). وذكر الفراء وجهين آخرين أحدهما: (أن قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ﴾ من عمل صالحًا، فترك الكلام الأول واعتمد على

стр. 7856

الثاني كقول الشاعر (١): إنَّ الخليفة إنَّ الله سربله ... سربال ملك به تزجى الخواتيم الثاني: أن يجعل ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في مذهب جزاء ويضمر، فيصير كأنك قلت: إن من عمل صالحًا فإنا لا نضيع أجره) (٢). والقول ما ذكره أبو إسحاق وأبو علي (٣). ٣١ - قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ قال أبو إسحاق: (أساور جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، يقال: سوار في اليد بالكسر، وقد حُكي: سوار، وحكى قطرب: إسوار، وذكر أن أساور جمع إسوار)؛ انتهى كلامه (٤). وقال أبو زيد: (هو سوار المرأة، وسوار المرأة، وأسورة لجماعتها، وهما قلبان يكونان في يدها) (٥). قال أبو علي: (قول من قال: سوار صحيح، يدل عليه قوله (٦):

стр. 7857

وفي الأكفِّ اللامعات سور ففعل يجمع به هذا النحو، فأما من حكى أسوار فهذا الضرب من الأسماء قليل جدًّا، إلا أن الثقة إذا حكى شيئًا لزم قبوله، ونظيره قولهم: الإعصار، والإسكان، ولا يجوز عندي أن يكون الجمع الذي جاء في التنزيل مكسرا على هذا الواحد، ألا ترى أنه لو كان كذلك لوجب ثبات الياء في التكسير ليكون على زنة: دنانير؛ لأن حرف اللين إذا كان رابعًا في الواحد، ثبت أنه الآخر الذي هو سوار جمع على أسورة، ثم جمع أسورة على أساور، كما حكى سيبويه من جمعهم أسقية على: أساق (١). ولو كان أساور التي في التنزيل جمع: أسوار، لكان يجب أن يكون أساوير، فلما كانت بغير الياء كانت جمع: سِوَار، كما أن أسقية جمع: سقاء، ثم جمع على: (أساق) (٢). قال سعيد بن جبير: (على كل واحد منهم ثلاثة من الأساور، واحد من فضة، وواحد من ذهب، وواحد من لؤلؤ ويواقيت) (٣). وقال أهل المعاني: (السوار: زينة تلبس في الزند من اليد، وهو من زينة الملوك تسور

стр. 7858

في اليد وتتوج على الرأس) (١). ويروى: (أن كسرى كان له تاج وسواران، فأتي بها عمر ﵁) (٢). وقوله تعالى: ﴿مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ قال الزجاج: (هما نوعان من الحرير) (٣). وقال المفسرون: (السندس: ما رقَّ من الديباج، والإستبرق: مما غلظ منه) (٤) قال المرقش (٥) (٦): تراهنَّ يلبسن المشاعر مرَّةً ... وإستبرق الديباج طورًا لباسها وهو اسم أعجمي أصله بالفارسية: [استبر، ونقل من العجمية إلى العربية، كما سمي الديباج، وهو منقول من الفارسية] (٧). قال أبو علي: (الإستبرق لا تخلو حروفه من أن تكون أصولًا كلها أو

стр. 7859

بعضها أصولًا وبعضها زائدًا، ولا يجوز أن تكون أصولا؛ لأنه ليس من كلامهم في الأسماء والأفعال ما هو على ستة أحرف أصول، ولا يجوز أن تكون الهمزة وحدها زائدة؛ لأنها لم تلحق زائدة أول بنات الأربعة، فإن لا تلحق أوائل بنات الخمسة أجدر، فإذا لم يجز هذا فلابد من أن ينضم إليها في الزيادة غيرها، فلا يجوز أن تكون السين؛ لأنها لم تزد مع الهمزة أولاً، ولا يجوز أيضًا أن تكون التاء مع الهمزة، كما لم يجز أن تكون السين، فإذا لم يجز هذا علمت أن الزيادة، وهي التاء والسين مع الهمزة، وأن الكلمة من الثلث، ولما نقلت فأعربت وافق التعريب وزن استفعل الذي هو مثال من أمثلة الماضي، إلا أن الهمزة منه قطعت لينقل من مثال الفعل إلى الاسم، وكان قطع الهمزة أحد ما نقل به الفعل إلى أحكام الاسم، وجعل النحويون هذا الحرف ومجيء الهمزة مقطوعة فيه أصلاً لجميع ما أوله همزة موصولة إذا نُقل سمي به، فقطعوا الهمزة في جميع ذلك، يقال: لو سميت رجلاً بأضرب وأشرب أو أقتل قطعت الهمزة في جميع ذلك؛ لأنه ليس من حكم الاسم أن يلحق همزة الوصل أولها، والحروف التي لحقت همزة الوصل أولها كما لابن والاسم أشبهت الأفعال عند النحويين لما لحق أواخرها الحذف الذي يلحق الأفع الذي الجزم، فلحق أولها همزة الوصل أيضًا لهذه المشابهة التي بينها) (١). وروي عن ابن محيصن (٢) أنه كان يقرأ: واستبرق، موصولة الألف

стр. 7860

مفتوحة الآخر على مثال الماضي (١)، نحو: استفعل، وذلك لا يجوز؛ لأنه ليس هذا الحرف استفعل من برق، وإنما وافق اللفظ، واللفظ في التقريب [كما أن سراويل في التقريب] (٢) وافق هذا اللفظ وإن لم يكن في كلامهم، وإذا كان كذلك لم يتبع أن يجعل مثال الماضي، ولكنه اسم جنس، يدلك على ذلك دخول لام المعرفة عليه، والجار في نحو قوله: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]. وإذا كان كذلك ففتحه لا يجوز إذ ليس بفعل، وإذا لم يكن فعلاً كان اسمًا أعجميًّا [معربًا واقعًا على الجنس، كما أن السندس والخَزّ (٣) كذلك] (٤) كان بمنزلة الديباج والفِرنْد (٥)، والبَرِيم (٦)، ونحو ذلك من الأسماء المنقولة نكرة، وليس من باب إبراهيم وإسماعيل، وإذا كان من

стр. 7861

هذا الضرب لم يكن فيه إلا الصرف إلا أن يُسمَّى به شيء فينضم إلى مثال الفعل التعريف، فإذا لم يكن كذلك فترك الصرف فيه لا يستقيم. وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ يقال: اتكأ الرجل، وأصله: اوتكا، مثل: اتزن من الوزن، والتُكأة أصلها: وُكأة، ومنه التَّوكؤ، وهو: التحامل على الشيء، قال الله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٨]؛ ورجل تُكأة إذا كان كثير الاتِّكاءِ، وهو في الأصل وكأة، فقلبت الواو تاء كما قالوا: تكلة في موضع وكلة ويقال: تكأ الرجل يتكئ مثل اتكأ، وأوكأت فلانًا إذا نصبت له متكأ (١). وقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة. قال الليث: (وهي سرير حجلة، فالحجلة والسرير أريكة، وجمعها: أرائك) (٢). وهو قول المفسرين؛ قال ابن عباس ومجاهد: ﴿الْأَرَائِكِ﴾ هو: السُّرر في الحجال) (٣). ولا يكون أريكة حتى يكون السرير في الحجلة. وقال أبو إسحاق: (﴿الْأَرَائِكِ﴾: الفرش في الحجال) (٤).

стр. 7862

قال ابن عباس (١): (يريد الأَسِرَّة من ذهب مكللة بالدر والياقوت عليها الحجال، الأريكة ما بين صنعاء (٢) إلى أيلة (٣)، وما بين عدن (٤) إلى الجابية (٥)). وما نزلت من الصفة أعظم.

стр. 7863

وقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ قال: يريد طاب ثوابهم وعظم، ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ يعني حسنت الأرائك مرتفقا، أي: موضع ارتفاق، بمعنى اتكأ؛ قاله الفراء في المصادر (١). ومر معنا تفسير المرتفق آنفًا.

стр. 7864

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبى الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من آية (٣٢) من سورة الكهف إلى آخر سورة طه تحقيق د. عبد العزيز بن محمد اليحيى أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبى الجزء الرابع عشر

стр. 7865

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبى الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من آية (٣٢) من سورة الكهف إلى آخر سورة طه تحقيق د. عبد العزيز بن محمد اليحيى أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبى الجزء الرابع عشر

стр. 7866

جامعة الإمام محمد بن سعود الاسلامية ١٤٣٠ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد اثناء النشر الواحدى, على بن أحمد التفسير البسيط لأبى الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدى (ت ٤٦٨ هـ)./عبد العزيز بن محمد اليحيى, الرياض ١٤٣٠ هـ. ٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ - (مجموعة) ٠ - ٨٧١ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٤) ١ - القرآن الكريم ... ٢ - الواحدى, على بن أحمد أ-العنوان ... ب-السلسلة ديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠ رقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ ردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٠ - ٨٧١ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٤)

стр. 7867

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبى الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) [١٤]

стр. 7868

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 7869

باقي سورة الكهف

стр. 7870

٣٢ - قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد ابني ملك كان في بني إسرائيل توفي وترك ابنين، فاتخذ أحدهما القصور والأجنة، والآخر كان زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، فكان إذا عمل أخوه شيئًا من زينة الدنيا أخذ مثل ذلك فقدم لآخرته، واتخذ به عند الله الأجنة والقصور، حتى نفذ ماله. فضربهما مثلاً للمؤمن والكافر الذي أبطرته النعمة) (١). وقال الكلبي: (هما أخوان من بني مخزوم (٢): أحدهما مؤمن وهو: أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد (٣) زوج أم سلمة. والآخر: كافر وهو: الأسود (٤).

стр. 7871

قال أبو إسحاق: (كان المشركون سألوا النبي ﷺ بمشورة اليهود عن قصة أصحاب الكهف، وعن الروح، وعن هذين الرجلين فأعلمه الله الجواب؛ لأنه مثل له ﷺ وللكفار، ومثل لجميع من آمن بالله، وجميع من عَنَدَ عنه وكفر به) (١). فقال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ منصوب (٢) على معنى المفعول. وقوله تعالي: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ الحفُّ: الإطافة بالشيء، يقال: حفَّ القوم بسيدهم يَحُفُّون بضم الحاء إذا أطافوا به وعكفوا (٣)، ومنه قوله: ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]. والمعنى: جعلنا النخل مطبقًا بها ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: بين الجنتين ﴿زَرْعًا﴾ ثم أخبر أنهما كاملتان في مادة حملهما وأعنابهما، والزرع الذي بينهما. ٣٣ - فقال: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ ذكرنا الكلام في (كلا) عند قوله: ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وأما ﴿كِلْتَا﴾ فذهب سيبويه إلى أنها فعلى بمنزلة الذكرى، وأصلها كلوى، فأبدلت الواو تاء كما أبدلت في أنحت وبنت (٤). والذي يدل على أن لام "كلتا" معتلة قولهم في مذكرها: كِلَى، وكِلَى فِعَل، ولامه معتلة بمنزلة لام حِجَى وَرِضَى، وهما من الواو لقولهم: حَجَى يَحْجُو، والرضوان، ولذلك مثلها سيبويه بما اغتسلت لامه فقال: (هي بمنزلة شروى) (٥).

стр. 7872

وأما أبو عمرو الجرمي فذهب إلى أنها معتلة وأن التاء فيها علامة تأنيثها (١). وخالف سيبويه، وشهد بفساد هذا القول أن التاء لا تكون علم تأنيث الواحد إلا وقبلها فتحة، مثل: حَمْزَة وطلحة وقاعدة، أو تكون قبلها ألف نحو: سعلاة وعزهاة، والسلام في كلتا ساكنة كما ترى. ووجه آخر: أن علامة التأنيث لا تكون أبدًا وسطا، إنما تكون آخرا لا محالة، وكلتا اسم مفرد يفيد معنى التثنية فلا يجوز أن يكون علامة تأنيثه التاء، وما قبلها ساكن، وأيضًا فإن فعلى مثال لا يوجد في الكلام أصلاً، فيحمل هذا عليه، فإن سميت بـ (كلتا) رجلاً لم تصرفه في قول سيبويه معرفة ولا نكرة؛ لأن ألفها للتأنيث بمنزلة ألف ذكرى، وتصرفه نكرة في قول أبي عمرو, لأن أقصى أحواله عنده أن يكون كتائهة وقاعدة وعزة وحمزة (٢). وقوله تعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ قال الأخفش: (جعل الفعل واحدًا ولم يقل: آتتا, لأنه جعل ذلك لقوله: ﴿كِلْتَا﴾ هو في اللفظ، ولو جعله على معنى قولك: كلتا، لقال: آتتا) (٣). ونحو هذا قال الزجاج (٤). ومعنى ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ صاحبها أكلها أي: أدت إليه ريعها تامًا من غير نقصان، وهو قوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: (لم تنقص منه شيئًا) (٥).

стр. 7873

يقال: ظلمهُ حقه إذا نقصه، وقد مر. ﴿وَفَجَّرْنَا﴾ أي: أنبطنا (١) وأخرجنا ﴿خِلَالَهُمَا﴾ وسط الجنتين ﴿نَهَرًا﴾ أخبر أن شربهما كان من ماء نهر، وهو من أعذب الشرب، والكلام في التفجير والخلال قد مر في سورة بني إسرائيل (٢). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أي: كان للأخ الكافر أموال كثيرة، قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة في قوله: ﴿ثَمَرٌ﴾ يقول: (مال) (٣). وقال مجاهد: (ذهب وفضة) (٤). وقال قتادة: (يقول ومن كل المال) (٥). واختلف القراء في قوله: ﴿ثَمَرٌ﴾ علي ثلاثة أوجه: ثُمُر بضم الثاء والميم وهو قراءة أكثر القراء، وقرأ أبو عمرو: بضم الثاء وسكون الميم، وقرأ عاصم: بفتحهما (٦).

стр. 7874

قال الليث: (الثَمَر: حمل الشجر) (١). والثُمُر أنواع المال، يقال: أثمر الرجل إذا كثر ماله، وثَمَّر الله مال فلان , أي: كثره. وروى الفراء بإسناده عن مجاهد قال: (ما كان في القرآن من ثُمُر فهو مال، وما كان من ثَمَر فهو من الثمار) (٢). وقال ابن زيد: (الثُّمُر الأصل، والثَّمَرة ما يجتنى من ذي الثمر) (٣). ويجمع ثَمَرَات مثل: رَقَبَة ورَقَبات، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ﴾ [النحل: ٦٧]، وثِمَار أيضًا مثل: رِقَاب في جمع رَقَبَة، ويجوز أن يُكسَّر ثَمَار على ثُمُر ككِتَاب وكُتُب، ويجوز في جمع ثَمَرَة وجهان آخران: ثَمَر مثل: بَقَرة وبَقَر، وثُمْر أيضًا كبَدَنة وبُدْن وخَشَبَة وخُشْب. فقراءة أبي عمرو بالتخفيف تحتمل ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون جمع ثِمَار، فخفِّف نحو كتُب في جمع (٤) كِتَاب. الثاني: أن يكون جمع ثمرة مخفف نحو خُشْب جمع في (٥) خَشَبَة. الثالث: أن يكون ثُمُر واحد مثل ثَمَر فخفف نحو (٦) عَنُق وطُنُب. فعلى أي: هذه الوجوه كان، جاز إسكان العين (٧) وساغ (٨). وأما قراءة العامة بضمتين , فلأن أهل اللغة فرقوا بين الثُمر والثمَر

стр. 7875

فقالوا: الثَمَر المال، والثُمُر المأكول. وأكثر المفسرين على أن الثَمَر هاهنا: الأموال، وعلى قول ابن زيد الثُمُر: الأصول التي تحمل الثمرة لا نفس الثمرة. وهذه القراءة أقوى الوجوه لقوله: ﴿فأصبحَ يُقلِّب كفَّيه عَلَى ما أَنْفَقَ فيها﴾ أي: في الجهة، والنفقة إنما تكون على ذوات الثمر في أغلب العرف (١). وقال أبو إسحاق: (الثُمُر هاهنا أحسن؛ لأن قوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ قد دل على الثَمَر) (٢). وحكي عن أبي عمرو أنه قال: (الثَمَر والثُمُر أنواع المال) (٣). وهو المراد في هذه الآية، لا الثمرة التي تُجنى، دل على هذا قوله: "وأحيط بثَمَره" أي: أهلك جنته وماله وأصول نخله وشجره، وإذا كان كذلك فمن قرأ: بثُمْره وثُمُره كان قوله أبين، وأما قراءة عاصم في قوله: "وكان له ثَمَر" يعني ثَمَر (٤) نخله وكرمه، فليس بالجيد (٥) , لأن هذا قد فُهم من قوله: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ وفي قوله: "وأحيط بثمره" كأنه أخبر عن بعض ما أصيب وأمسك عن بعض، وقراءة الباقين في قوله: "وأحيط بثمرة" جيدة عامة في الثَمَرة والأصول , لأنه لا يكون أن يصاب الأصل ولا يصاب الثمرة.

стр. 7876

وقال محمد بن سلام: (قال سلام أبو المنذر القارئ (١): من قرأ: "ثَمَر" قال: من كل المال، ومن قرأ: "ثُمُر" فهو جمع ثَمَره. فأخبرت بذلك يونس فقال: هما سواء) (٢). وهذا على أنه جعل الثُمْر جمع ثَمَرة، كما ذكرنا في خَشَبَة وخُشب، والصحيح الفرق بين القراءتين على ما ذكرنا. والثمّر في جمع الثَّمَرة صحيح، غير أن الثُّمُر هاهنا الأولى أن يحمل على الأموال كما بينا (٣). ٣٤ - وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد لأخيه) (٤). ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ أي: يراجعه في الكلام ويجاوبه. قال ابن عباس: (وذلك أنه سأله عن ماله فيما أنفقه؟ فقال: قدمته بين يدي لأقدم عليه) (٥). فقال: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ روى أبو عبيد عن أبي زيد: (النفر والرهط ما دون العشرة من الرجال) (٦).

стр. 7877

وقال أبو العباس: (النفر، والقوم، والرهط هاهنا معناهم الجمع لا واحد لهم من لفظهم للرجال دون النساء) (١). وقال الليث: (يقال: هؤلاء عشرة نفر أي: عشرة رجال، ولا يقال: عشرون نفرًا, ولا ما فوق العشرة) (٢). قال ابن عباس: (يريد كثرة العبيد وعزة فيهم) (٣). وقال الزجاج: (أخبر أن ناصره كثير) (٤). وقال قتادة في هذه الآية: تلك والله أمنية الفاجر كثرة المال وعزة النفر، وهم الخدم والحشم) (٥). مقاتل: (يعني ولدًا) (٦). دليله قوله: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ وقال المفسرون: (يعني عشيرة ورهطًا) (٧). ومنه قول امرئ القيس (٨): ماله لا عدَّ من نفره أي: من رهطه وعشيرته.

стр. 7878

٣٥ - قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ [قال المفسرون: (أخذ بيد أخيه المسلم فأدخله جنته] (١) يطوف به فيها، ويريه إياها ويعجبه منها) (٢). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قال ابن عباس: (يعني خارجًا عن الإيمان إلى الكفر بالله) (٣). قال الزجاج: (وكل من كفر بالله فنفسه ظلم , لأنه يولجها النار، وأي ظلم للنفس فوق هذا) (٤). وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ أنكر أن الله تعالى يفني الدنيا، لما رأى ما راقه وكبر في نفسه، وتوهم بجهله أنه يدوم، وأن مثله لا يبيد ولا يفنى. ٣٦ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ قال ابن عباس: (أنكر البعث والثواب والعقاب) (٥). وقال أبو إسحاق: (أخبر أخاه بكفره بالساعة، وبكفره بفناء الدنيا) (٦).

стр. 7879

وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ الآية، قال ابن عباس: (يريد إن كان البعث حقًا) (١) ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ يريد: كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني في الآخرة أفضل منه لكرامتي عليه (٢). وقال أهل المعاني: (هذا يدل على أن صاحبه المؤمن قد أعلمه أن الساعة تقوم، وأنه يبعث، فأجابه بأن قاله له: إن كان الأمر على ما أعلمتني أني أبعث، ليعطيني في الآخرة خيرًا مما أعطاني في الدنيا؛ لأنه لم يعطني هذا في الدنيا إلا وهو يريدني) (٣). وقال ابن زيد: (شك، ثم قال على شكه في الرجوع إلى ربه: ما أعطاني هذا إلا ولي عنده خير منه) (٤). تهكما سولته له نفسه. واختلفوا في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ فقرؤا بالإفراد والتثنية (٥). والإفراد أولى من حيث كان أقرب إلى الجنة المفردة في قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾، والتثنية لا تمتنع لتقدم ذكر الجنتين. ٣٧ - فأجابه صاحبه مكفرًا له بهذا القول فقال: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ

стр. 7880

مِنْ تُرَابٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد أن آدم خلق من تراب) (١). ثم ولده من نطفة، وإذا كان أبوه من تراب فهو من تراب، ومعنى النطفة في اللغة: الماء، يقال: في القربة نطفة من ماء (٢). ولا فعل للنطفة. قال الأزهري: (والعرب تقول للماء القليل والكثير: نطفة) (٣). وسمى الله المني نطفة قال: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ قال الكلبي: (جعلك معتد الخلق والقامة, صحيح اليدين، والرجلين، والعينين) (٤). والتسوية: جعل الشيء على المقدار. وقال الزجاج: (أي: ثم أكملك) (٥). وهذا الجيد في تفسير سواك هاهنا, لأن العرب تقول للغلام إذا تم شبابه: قد استوى، ومنه قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] أي: تم شبابه واجتمع، فالتسوية هاهنا: واقع الاستواء بالمعنى الذي ذكرنا، يقال: سواه الله رجلاً فاستوى. ٣٨ - ثم أعلمه صاحبه أنه موحد لله فقال: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾
следующие страницы →