وقال محمد بن سلام: (قال سلام أبو المنذر القارئ (١): من قرأ: "ثَمَر" قال: من كل المال، ومن قرأ: "ثُمُر" فهو جمع ثَمَره. فأخبرت بذلك يونس فقال: هما سواء) (٢).
وهذا على أنه جعل الثُمْر جمع ثَمَرة، كما ذكرنا في خَشَبَة وخُشب، والصحيح الفرق بين القراءتين على ما ذكرنا.
والثمّر في جمع الثَّمَرة صحيح، غير أن الثُّمُر هاهنا الأولى أن يحمل على الأموال كما بينا (٣).
٣٤ - وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد لأخيه) (٤). ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ أي: يراجعه في الكلام ويجاوبه.
قال ابن عباس: (وذلك أنه سأله عن ماله فيما أنفقه؟ فقال: قدمته بين يدي لأقدم عليه) (٥). فقال: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ روى أبو عبيد عن أبي زيد: (النفر والرهط ما دون العشرة من الرجال) (٦).
стр. 7877
وقال أبو العباس: (النفر، والقوم، والرهط هاهنا معناهم الجمع لا واحد لهم من لفظهم للرجال دون النساء) (١).
وقال الليث: (يقال: هؤلاء عشرة نفر أي: عشرة رجال، ولا يقال: عشرون نفرًا, ولا ما فوق العشرة) (٢).
قال ابن عباس: (يريد كثرة العبيد وعزة فيهم) (٣).
وقال الزجاج: (أخبر أن ناصره كثير) (٤). وقال قتادة في هذه الآية: تلك والله أمنية الفاجر كثرة المال وعزة النفر، وهم الخدم والحشم) (٥). مقاتل: (يعني ولدًا) (٦). دليله قوله: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ وقال المفسرون: (يعني عشيرة ورهطًا) (٧). ومنه قول امرئ القيس (٨):
ماله لا عدَّ من نفره
أي: من رهطه وعشيرته.
стр. 7878
٣٥ - قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ [قال المفسرون: (أخذ بيد أخيه المسلم فأدخله جنته] (١) يطوف به فيها، ويريه إياها ويعجبه منها) (٢). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قال ابن عباس: (يعني خارجًا عن الإيمان إلى الكفر بالله) (٣).
قال الزجاج: (وكل من كفر بالله فنفسه ظلم , لأنه يولجها النار، وأي ظلم للنفس فوق هذا) (٤).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ أنكر أن الله تعالى يفني الدنيا، لما رأى ما راقه وكبر في نفسه، وتوهم بجهله أنه يدوم، وأن مثله لا يبيد ولا يفنى.
٣٦ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ قال ابن عباس: (أنكر البعث والثواب والعقاب) (٥).
وقال أبو إسحاق: (أخبر أخاه بكفره بالساعة، وبكفره بفناء الدنيا) (٦).
стр. 7879
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ الآية، قال ابن عباس: (يريد إن كان البعث حقًا) (١) ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ يريد: كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني في الآخرة أفضل منه لكرامتي عليه (٢).
وقال أهل المعاني: (هذا يدل على أن صاحبه المؤمن قد أعلمه أن الساعة تقوم، وأنه يبعث، فأجابه بأن قاله له: إن كان الأمر على ما أعلمتني أني أبعث، ليعطيني في الآخرة خيرًا مما أعطاني في الدنيا؛ لأنه لم يعطني هذا في الدنيا إلا وهو يريدني) (٣).
وقال ابن زيد: (شك، ثم قال على شكه في الرجوع إلى ربه: ما أعطاني هذا إلا ولي عنده خير منه) (٤). تهكما سولته له نفسه.
واختلفوا في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ فقرؤا بالإفراد والتثنية (٥). والإفراد أولى من حيث كان أقرب إلى الجنة المفردة في قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾، والتثنية لا تمتنع لتقدم ذكر الجنتين.
٣٧ - فأجابه صاحبه مكفرًا له بهذا القول فقال: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ
стр. 7880
مِنْ تُرَابٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد أن آدم خلق من تراب) (١). ثم ولده من نطفة، وإذا كان أبوه من تراب فهو من تراب، ومعنى النطفة في اللغة: الماء، يقال: في القربة نطفة من ماء (٢). ولا فعل للنطفة.
قال الأزهري: (والعرب تقول للماء القليل والكثير: نطفة) (٣). وسمى الله المني نطفة قال: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ قال الكلبي: (جعلك معتد الخلق والقامة, صحيح اليدين، والرجلين، والعينين) (٤). والتسوية: جعل الشيء على المقدار.
وقال الزجاج: (أي: ثم أكملك) (٥). وهذا الجيد في تفسير سواك هاهنا, لأن العرب تقول للغلام إذا تم شبابه: قد استوى، ومنه قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] أي: تم شبابه واجتمع، فالتسوية هاهنا: واقع الاستواء بالمعنى الذي ذكرنا، يقال: سواه الله رجلاً فاستوى.
٣٨ - ثم أعلمه صاحبه أنه موحد لله فقال: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾
стр. 7881
وأصله: لكن أنا، كما هو في قراءة أُبي (١)، فخفف الهمزة التخفيف القياسي، وألقى حركتها على النون فصار لكننا، فاجتمع المثلان، فأدغموا المثل الأول في الثاني بعد أن أسكنوها، فصار في الدرج: لكنا هو الله، فلم تثبت ألف أنا في الوصل، كما لم تثبت الهاء في الوصل في نحو: إِرْمه، وأُغزه، و (كِتَابِيهْ) [الحاقة: ١٩]، و (حِسَابِيهْ) [الحاقة: ٢٠]؛ لأنها إنما تلحق في الوقف لتبين (٢) الحرف الموقوف عليه، فإذا وقف على ﴿لَكِنَّا﴾ أثبت الألف في الوقف، كما تثبت الهاء في الوصل، وإذا لم يقف حذفها، هذا وجه قراءة العامة (٣).
ومثل هذه القراءة في الإدغام ما حكاه أبو زيد في قول من سمعه يقرأ: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] (يريد: على الأرض، لكنه خفف الهمزة، وألقى حركتها على لام المعرفة فصار: (على الرض)، فاجتمع لامان مثلان فأدغم الأول في الثاني) (٤). وهذا كله في إجراء المنفصل مجرى المتصل في نحو: شدَّ، وحلَّ.
وقرأ ابن عامر، ونافع في رواية المسيبي (٥): ﴿لَكِنَّا﴾ بإثبات الألف
стр. 7882
في الوصل والوقف (١). وهذا على إجراء الوصل مجرى الوقف. وهو غير مختار في القراءة. فتكون كقراءة حمزة: (ومكر السيئ) بالجزم في الوصل (٢). غير أن أبا علي الفارسي ذكر وجهًا جيدًا لهذه القراءة، فجعل النون والألف في ﴿لَكِنَّا﴾ الضمير المتصل في نحو: فعلنا, ولم يجعله الضمير المنفصل وهو: أنا، كما ذكرنا في القراءة الأولى فقال: (أدغم النون من لكن لسكونها في النون من علامة الضمير، فيكون على هذا في الوصل والوقف ﴿لَكِنَّا﴾ بإثبات الألف لا غير، ألا ترى أن أحدًا لا يحذف الألف في: نحن فعلنا. وعاد الضمير الذي دخلت عليه لكن على المعنى، ولو عاد على اللفظ لكان: لكنا هو الله ربنا) (٣).
وقال أبو إسحاق في توجيه هذه القراءة: (أثبت الألف في الوصل، كما كان يثبتها في الوقف، وهذا على لغة (٤) من قال: أنا قمت، فأثبت الألف، قال الشاعر (٥):
стр. 7883
أنَا سيف العشيرة فاعرفوني ... حميد قد تذريت السناما
ثم قال: فأما: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ فهو الجيد بإثبات الألف؛ لأن الهمزة قد حذفت من أنا فصار إثبات الألف عوضًا من الهمزة) (١). فاختار قراءة ابن عامر على قراءة عامة القراء (٢).
ورد ذلك عليه أبو علي فيما استدرك عليه فقال: (لا أرى ما قاله كما قال , وذلك أن هذه الألف تلحق للوقوف، ولا يسوغ أن تلحق في الوصل، ألا ترى أن الهمزة في: ذيل أمه قد حذفت حذفًا على غير الحذف الذي توجه قياس التخفيف، ولم يعوض منها، فأن لا يعوض منها في التخفيف القياسي أجدر؛ لأنها في هذا الوجه في تقدير الثبات، ولولا ذلك لم يحرك حرف اللين، كقولهم: جيل في تخفيف جيال، فلما كانت في تقدير الثبات لم يلزم منها بدل. ومما يؤكد أن العوض لا يجب أن (أنا) علامة ضمير، وعلامات الضمير لا ينكر كونها على حرف أو حرفين، بل ذلك الأغلب من أحوالها والأكثر، وأيضًا فلو جاز أن تثبت الألف التي حكمها أن تلحق في الوقف دون الوصل للحذف اللاحق للحرف، للزم أن تثبت الهاء التي تلحق في الوقف [أيضًا إذا لحق كلمة محذوفة منها نحو: عه، وشه، وارمه،
стр. 7884
واغزه، فتثبت] (١) في هذا الضرب ليكون عوضًا من المحذوف من الكلمة، فإذا لم يجز هذا أحدًا فالأول كذلك لا فصل) (٢).
وقوله تعالى: ﴿هُوَ﴾ من ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ضمير علامة الحديث والقصة، كما أنه قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧] وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] كذلك، ويسمى هذا الضمير على شريطة التفسير، وقد مضت هذه المسألة مشروحة عند قوله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٧٧]. وهذا الضمير يدخل على المبتدأ والخبر، فيصير المبتدأ والخبر في موضع خبره.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ قال أبو إسحاق: (دل خطابه على أن صاحب الجنتين مشرك عابد مع الله غيره) (٣). وهذا من أبي إسحاق قول بمفهوم الخطاب.
٣٩ - ثم أقبل على أخيه يلومه فقال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ بمعنى: هلا، وتأويله التوبيخ. ﴿قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ذكر الفراء والزجاج في ﴿مَا﴾ وجهين:
أحدهما: أنه في موضع رفع على معنى: الأمر ما شاء الله، أو: هو ما شاء الله. والمعنى: أن الأمر بمشيئة الله، وفي هذا رد على الأخ الكافر، حيث قال حين دخل جنته: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ فرد عليه الأخ المؤمن وقال: هلا قلت حين دخلتها: الأمر بمشيئة الله وما شاء الله كان.
الوجه الثاني: أن ﴿مَا﴾ في موضع نصب بـ (شاء) على معنى الشرط
стр. 7885
والجزاء، ويكون الجواب مضمرًا على تقدير: ما شاء الله كان. ويكون التأويل: أي شيء شاء الله كان، فطرحت كان وأضمرته، وجاز طرح الجواب كما قال: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا﴾ [الأنعام: ٣٥] الآية. ليس له جواب , لأن معناه معروف (١).
وقوله تعالى: ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: (أي لا يقوى أحد على ما في يديه من ملك ونعمة إلا بالله، ولا يكون له إلا ما شاء الله) (٢). قال ابن عباس: (ثم رجع إلى نفسه) (٣). فقال: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾. قال الفراء: (﴿أَنَا﴾ إذا نصبت ﴿أَقَلَّ﴾ عماد، وإذا رفعت ﴿أَقَلَّ﴾ فهي اسم، والقراءة بهما جائزة) (٤)، هذا كلامه (٥).
وقال أبو إسحاق بيانًا فقال: (﴿أَنَا﴾ يصلح لشيئين: إن شئت كانت توكيدًا للنون والياء، وإن شئت كانت فصلاً، كما تقول: كنت أنت القائم) (٦). و ﴿أَقَلَّ﴾ هو منصوب مفعول ثان لترن، ويجوز رفعه على أن يكون ﴿أَنَا﴾ ابتداء، و ﴿أَقَلَّ﴾ خبره، والجملة في موضع المفعول الثاني لترن) (٧).
стр. 7886
٤٠ - قوله تعالى: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ﴾ قال ابن عباس: (يريد في الآخرة) (١).
قال الزجاج: (وجائز أن يكون أراد في الدنيا) (٢).
﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (نارًا من السماء) (٣). وهو قول الكلبي (٤).
وقال قتادة والضحاك: (عذابًا) (٥). وقال ابن زيد: (قضاء من أمر الله يقضيه) (٦). هذا كلام المفسرين في تفسير الحسبان، [وذلك كله معنى، وليس بتفسير. وتفسيره ما ذكره أهل اللغة، قال الأخفش: (الحُسْبَان)] (٧) المرامي، واحدتها حُسْبَانة) (٨).
وقال ابن الأعرابي مما روى عنه ثعلب من رواية أبي عمرو: (أراد بالحسبان المرامي، قال: والحُسْبَانة: السحابة، والحُسْبَانة: الصاعقة) (٩).
стр. 7887
وقال النضر: (الحُسْبَانُ: سهام يرمي بها الرجل في جوف قصبة ينزع القوس ثم يرمي بعشرين منها دفعة، فلا تمر بشيء إلا عقرته من صاحب سلاح وغيره، فإذا نزع في القصبة خرجت الحُسْبَان كأنها غيثة مطر، فتفرقت في الناس، واحدها حُسْبَانَة، قال: والمرامي مثل المسالِّ دقيقة فيها شيء من طُول لا حُروف لها) (١). ونحو هذا قال أبو عبيدة، وابن قتيبة، وكل أهل اللغة (٢). والمعنى في هذه الآية: أن يرسل عليها عذاب حسبان، وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك (٣). فجعل الآية من باب حذف المضاف، وجعل الحسبان بمعنى حساب ذنوبه، قال الأزهري: (الذي قاله الزجاج بعيد، والقول ما قاله الأخفش وابن الأعرابي والنضر. والمعنى والله أعلم: أن الله يرسل عليها مرامي من عذابه، إما بَرَدا، وإما حِجَارة أو غيرهما مما يشاء) (٤). وقول المفسرين يوافق قول أهل اللغة, لأن ما قالوه لا يخرج عن أن يكون مرامي.
وقال أهل المعاني: (إنما سُمِّي المرامي حُسبَانا, لأنها تكثر كثرة الحسبان) (٥).
وذكرنا الحسبان بمعنى الحساب في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: ٩٦].
стр. 7888
وقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ قال ابن عباس: (أرضا لا نبات فيها). وهو قول الكلبي وغيره (١). والزَّلق في اللغة: المكان المزلقة، ومنه قول الشاعر (٢):
فمن علا زلقا عن غرة زلقا
والذي في الآية ليس من هذا؛ لأنه ليس أنها تفسير مزلقة، ولكن معناه: أنها تفسير جرداء لا نبات بها، من قولهم: زَلَقَ رأسه، وأَزْلَقه، وزَلَقه إذا حلقه، والزَّلْق: الحَلْق، والزَّلق: المحلوق، كالنَّقْض والنَّقَض فشبه الصعيد الذي لا نبات فيه بالرأس المحلوق (٣). قال الفراء: (الزَّلَق التراب الذي لا نبات فيه) (٤). وقال قتادة: وفي قوله: ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ يقول: (قد حصد ما فيها فلم يُتْرَك فيها شيءٌ) (٥). وذهب ابن قتيبة إلى الإملاس فقال: (الزَّلق: الإملاس الذي تزل عليه الأقدام) (٦). وهذا الذي ذكره هو الأصل، من أن المراد: ذهاب النبات لا الإملاس. والمعنى: أن هذا العذاب يهلكها ويبطل غلتها.
стр. 7889
٤١ - قوله تعالى: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ قال ابن عباس: (يعني النهر الذي من خلالها) (١)(٢). ﴿غَوْرًا﴾ يقال: غَارَ الماء في الأرض، يَغُور غَورًا، أو غوورًا إذا ذهب، وغَارَت العين في الرأس فهي غائرة (٣).
وفي قوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ وجهان أحدهما: ذا غور فحذف المضاف (٤). والثاني: وهو قول جميع أهل المعاني: أن الغور هاهنا بمعنى: الغائر أقيم المصدر مقام الصفة للمبالغة، كما يقال: وجه فلان نور ساطع، وعلى هذا يقال: ماء غَوْرٌ، ومياه غُورٌ، كما يقال: رجل عدل (٥). قال الشاعر (٦):
стр. 7890
وجاؤوني نوحًا قيامًا
يريد (١): نساء نائحات قائمات، فوصفهن بالمصدر. وقال قتادة في قوله: ﴿غَوْرًا﴾ يقول: (ذاهبا قد غار في الأرض) (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أي: لا يبقى له أثر يطلبه به. وقال الكلبي: (لن تستطيع له حيلة) (٣).
٤٢ - قوله تعالى ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ معنى "أحيط" هاهنا: أهلك, أى أحاط العذاب بثمره، كما يحيط القوم بعدوهم فيهلكونهم عن آخرهم (٤). وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة:٨١].
وقوله تعالى: ﴿بِثَمَرِهِ﴾ قال ابن عباس: (بأشجار الثمر والنخل) (٥). وذكرنا الكلام واختلاف القراء في هذا عند قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٤].
وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ قال ابن عباس: (يضرب يديه واحدة على الأخرى ندامة) (٦). وقال الكلبي: (يصفق بالواحدة على
стр. 7891
الأخرى ندما) (١).
وقال أبو عبيدة، والزجاج، والمفضل، وابن قتيبة: (يقال: فلان يقلب كفيه على ما فاته، وتقليب الكفين يفعله النادم كثيرًا، والعرب تقول للرجل إذا ندم على الشيء وجعل يفكر فيه: يقلب يديه وكفيه؛ لأن ذلك يكثر من فعله. فصار تقليب الكف عبارة عن الندم كعض اليد) (٢). قال الشاعر (٣):
كمغبون يعض على يديه ... يُقلب كفَّه بعد السباع
وقوله تعالى: ﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ يقال: أنفقت في هذه الدار، وفي هذا الثوب كذا وكذا، وأنفقت عليها أيضًا، فيجوز أن يكون هاهنا بمعنى: على، كقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١].
وقوله تعالى: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ومضى الكلام في هذا مستقصى في سورة البقرة (٤). والعروش في هذه الآية تعم سقوف الأبنية، وما عُرِش للكروم. يريد: أنها ساقطة على سقوفها خالية من عريشها (٥). وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ تمنى منه حين لا ينفعه التمني. أخبر الله تعالى أنه سلبه ما أنعم عليه في الدنيا، فندم حين لم ينفعه الندامة، وتمنى أنه كان موحدًا غير مشرك.
стр. 7892
٤٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: (لم ينصره النفر الذين افتخر بهم في قوله: ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾) (١).
قال الفراء والزجاج: (﴿يَنْصُرُونَهُ﴾ محمول على معنى الفئة، ولو حمل على لفظها لقيل: تنصره، كما قال: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ﴾ [آل عمران: ١٣]) (٢). ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ بأن يسترد بدل ما ذهب منه. قال الزجاج: (وما كان هو أيضًا قادر على نصرة نفسه) (٣).
وقال قتادة: (وما كان ممتنعًا) (٤). وقد تمت هاهنا قصة الأخوين، وضربت مثلاً للمؤمن مع الكافر، فالكافر تغره دنياه ويتبجح بها ويظن أنها تبقى له، والمؤمن يصبر على نوائبها احتسابًا من الله تعالى جميل الأجر وجزيل الذخر، ولا يركن إليها لما يعلم من فنائها. وقبل ذكر قصة الأخوين ذكر الله تعالى ما أعد للكافرين في قوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ [الكهف: ٢٩] إلى آخر الآية، وما أعد للمؤمنين في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الكهف: ٣٠ - ٣١] الآيتان.
٤٤ - ثم عاد الكلام إلى ما قبل القصة فقال: ﴿هُنَالِكَ﴾ قال الكلبي: (يقول عند ذلك، وهو يوم القيامة) (٥).
стр. 7893
وذكرنا عند (١) قوله: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨] أنه يجوز أن يشار بهنالك إلى المكان، وإلى ما مضى من الزمان.
وقوله تعالى: ﴿الْوَلَايَةُ﴾ أكثر القراء على فتح الواو (٢)، والولاية: نقيض العداوة، ومعناها التولي، وهو مصدر الوَلِيِّ (٣). وروي عن أبي عمرو، والأصمعي أنهما قالا: (الولاية بالكسر هاهنا لحن (٤)، والكسر في فعالة يجيء فيما كان صنعة نحو: الخياطة والصناعة (٥)، أو معنى متقلدًا كالكتابة والإمارة والخلافة، وليس هنا معنى تولي أمر، إنما (٦) الولاية من الدين) (٧). وكذلك التي في الأنفال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]. وأما ولاية الأمور فهو بالكسر، كولاية السلطان، ومن أهل اللغة من يقول: يجوز الفتح في هذه، والكسر في تلك. كما قالوا: الوِكالة
стр. 7894
والوَكالة، والوصاية والوصاية بمعنى واحد (١).
وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ من كسر القاف جعله من وصف الله سبحانه، ووصفه بالحق وهو مصدر كوصفه بالعدل وبالسلام (٢). والمعنى: أنه ذو الحق وذو السلام. وكذلك الإله معناه ذو العبادة، ويدل على صحة هذه القراءة: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، وقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢]، ويصدقه قراءة عبد الله: (هنالك الولاية لله وهو الحق) (٣). وقرأ أبو عمرو والكسائي: ﴿للهِ الحقُّ﴾ بضم القاف (٤). جعلا الحق من صفة الولاية، وحجتهما قراءة أبي: (هنالك الولاية الحقّ لله) (٥). ومعنى وصف الولاية بالحق: أنه لا يشوبها غيره، ولا يخاف فيها ما يخاف في سائر الولايات من غير الحق.
وأما معنى الآية فقال أبو إسحاق: (في تلك الحال بيانُ الولاية لله أي: عند ذلك يتبين وليُّ الله بتولي الله إياه) (٦). قوله: (في تلك الحال)
стр. 7895
يعني: في حال مجازاة الله الكافر والمؤمن الولاية لله، على معنى: هنالك يتبين ذلك على ما ذكر. وقال ابن قتيبة: (يريد يومئذ يتولون الله ويؤمنون به، ويتبرؤون مما كانوا يعبدون) (١). وهذا أظهر من قول الزجاج. وذهب غيرهما في معنى الولاية في هذه الآية: إلى تولي الأمر، لا إلى معنى الموالاة، فقال: (معنى الآية: في ذلك الموطن الذي هو موطن الجزاء لا يتمكن أحد من نصرة أحد، بل الله تعالى يتولى ذلك، فينصر المؤمنين ويخذل الكافرين، لا يملك ذلك أحد من العباد، فالولاية يومئذ تخلص له كما قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] (٢).
وقوله تعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ يقول: هو أفضل ثوابًا يقول: هو أفضل ثوابًا ممن يرجى ثوابه. قال أهل المعاني: (قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ مع أنه لا يثبت إلا هو، على تقدير: لو كان يثبت غيره لكان هو خير ثوابًا) (٣).
وقيل: (هذا على ادعاء الجهال والكفار أنه قد يثبت غير الله) (٤). ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ وعُقُبَا (٥). وهما لغتان في العاقبة يقال: عُقْب، وعُقُب، وعَاقِبَة وعُقْبى، والعقب لا يكون لله تعالى كما يكون الثواب له. ولا يجوز
стр. 7896
أن يضاف العاقبة إلى الله تعالى أو يوصف بالعاقبة، وإنما المعنى عاقبة طاعته خير من عاقبة طاعة غيره، فهو خير عقب طاعة وإثابة ونصرة وما يكون من هذا المعنى، ثم حذف المضاف إليه (١).
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥] .
٤٥ - قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس: (يريد لقومك) (٢). وقوله تعالى: ﴿كَمَاءٍ﴾ الكاف في محل الرفع لخبر ابتداء محذوف، أي: هو كماء يعني: مثل الحياة الدنيا (٣).
﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني: المطر (٤). ﴿فَاخْتَلَطَ﴾ فالتف واجتمع به، بذلك الماء أي: بسببه؛ لأن النبات إنما يختلط ويكثر بالماء (٥).
وقال أبو إسحاق: (تأويله أنه نجع في النبات حتى خالطه، فأخذ النبات زخرفه) (٦). يريد: أن النبات شرب من ذلك الماء فبدأ فيه الري والنضارة، فعلى هذا الوجه قد اختلط النبات بالماء حيث يروى به.
وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ﴾ أي: النبات ﴿هَشِيمًا﴾ معنى الهَشْم في اللغة: الكسر، والهَاشِم: الذي يَهْشِم الخبز ويكسره في الثريد، وبه سمي
стр. 7897
هَاشِم، والهَشِيم: ما تَكَسَّر وتَهَشَّم وتَحَطَّم من يَبَسِ النبات (١).
وقال المفسرون في الهشيم: (أنه الكسير المتفتت) (٢).
وقوله تعالى: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ الذَّرُّ حمل الريح الشيء ثم تثيره، يقال: ذَرَتْه الريح، تَذْرُوه، وتَذْرِيه، وبه قرأ عبد الله: (تَذْرِيه الرياح) (٣). وتَذْرُوة، وتَذْرِية وتُذْرِية لغات أربع (٤).
قال المفسرون: (تَرْفعه وتُفْرقه وتنسفه) (٥). وهذه الآية مختصرة من قوله في سورة يونس: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٢٤] الآية. وقد شرحناها هناك.
قال أبو إسحاق: (أعلم الله أن الحياة الدنيا زائلة، وأن مثلها هذا المثل) (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرً﴾ أي: على كل شيء من الإنشاء والإفناء قادرًا، أنشأ النبات ولم يكن، ثم أفناه. قال الحسن: (كان الله على كل شيء مقتدرًا أن يكونه قبل كونه) (٧). قال الزجاج وهو مذهب
стр. 7898
النحويين في هذا: (أن معناه كان مقتدرًا لم يزل) (١). أي: ما شاهدتم من قدرته ليس بحادث عنده. وهذا مما سبق بيانه قديمًا.
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦] .
٤٦ - قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال المفسرون: (هذا رد على عيينة بن حصين، والأقرع والرؤساء الذين كانوا يفتخرون بالمال والغنى والأبناء. أخبر الله تعالى أن ذلك مما يُتَزيَّن به في الحياة الدنيا ويُتَجمل به، لا مما ينفع في الآخرة) (٢). ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ يعني: ما يأتي به سلمان، وصهيب، وفقراء المسلمين (٣).
واختلفوا في المراد بالباقيات الصالحات، فقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (هي الصلوات الخمس) (٤). وهو قول مسروق، وإبراهيم، ومحمد بن كعب (٥). وقال في رواية عطاء: (يريد سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) (٦). وهذا قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك (٧). وروي ذلك مرفوعًا: (أن النبي ﷺ سمَّي هذه الأذكار الباقيات الصالحات
стр. 7899
فقال: "وهي الباقيات الصالحات") (١). روى ذلك أنس، وأبو هريرة، والخدري ﵃. وزاد عثمان، وابن عمر، وسعيد بن المسيب: (لا حول ولا قوة إلا بالله، مع هذه الأذكار في تفسير الباقيات الصالحات) (٢).
وقال فى رواية العوفي: (هي الكلام الطيب) (٣). وهذا أيضًا راجع إلى ذكر الله؛ لأنه الكلام الطيب.
وقال في رواية الوالبي: (هي الأعمال الصالحات وجميع الحسنات) (٤).
وهو قول قتادة قال: (هي كل ما أريد به وجه الله) (٥). واختاره الزجاج فقال: (هي كل عمل صالح يبقى ثوابه) (٦)(٧).
стр. 7900
قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ قال ابن عباس: (يريد أفضل ثوابًا وأفضل أملاً من المال والبنين) (١). وهذا على عادة خطاب العرب تقول في الشيئين: هذا خير، وإن لم يكن في الثاني شيء يُخيَّر به. كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، ومعلوم أنه، لا خير في مستقر أهل النار، وإلى هذا المعنى أشار الفراء فقال في قوله: ﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ الأمل للعمل الصالح خير من الأمل للعمل السيئ) (٢).
وقال ابن قتيبة: (﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ مما يؤملون) (٣). أي: هو خير أن يؤمل.
٤٧ - قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ﴾ قال الزجاج: (هو منصوب على معنى واذكر، ثم قال: ويجوز أن يكون نصبه على معنى: خير يوم تسير الجبال، أي: خير في القيامة) (٤). وهذا الوجه يحسن لو لم يكن في ﴿وَيَوْمَ﴾ الواو (٥).
وقوله تعالى: ﴿نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ معنى التسيير: جعل الشيء يسير، وقال الكلبي: (تُسير الجبال عن وجه الأرض، كما تُسير السحاب في
стр. 7901
الدنيا، ثم تكسر فتعود في الأرض) (١). وهذا معنى قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ [الواقعة: ٥، ٦] وقرئ: ﴿نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ علي بناء الفعل للفاعل (٢). وهذه القراءة أشبه بما بعده من قوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ﴾، وحجة القراءة الأولى قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾ [النبأ: ٢٠]، وقوله: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣]، فبني الفعل للمفعول به.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ قال ابن عباس: (يريد لا جبل ولا بناء ولا شجر ولا ماء) (٣). وقال مجاهد: (لا خَمَر (٤) فيها) (٥). وقال الكلبي: (ظاهرة ليس عليها شيء) (٦).
وقال أهل المعاني: (لا شيء يسترها، يحشر الناس فيكونون كلهم في صعيد واحد، يرى بعضهم بعضًا) (٧). وهذا قول قتادة في البارزة: (أنها
стр. 7902
الظاهرة التي لا بناء عليها ,ولا شجر) (١). وقال عطاء: (قد برز الذين كانوا في بطنها فصاروا على ظهرها) (٢). وحكى الكلبي هذا القول أيضًا فقال: (ويقال برز كل شيء فيكون على ظهرها) (٣). وذكره الفراء فقال: (﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ يقول: أبرزنا أهلها من بطنها) (٤).
والقول الأول هو الأولى (٥). وهذا لا يصح إلا على بعد.
واستكره بأن يجعل برز بمعنى: أبرز، فقد قال ابن هانئ (٦) في قول لبيد (٧):
стр. 7903
النَّاطق المبروز والمختوم
قال: (يقال: بَرَزْته بَرَز، بمعنى: أبرزته) (١).
ويكون معنى الآية على هذا: وترى الأرض مبرزة ما فيها، كما قال: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٤]. وهذه لغة شاذة لا يفسر بها كتاب الله.
وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ أي: المؤمنين والكافرين، وقد تقدم ذكرهم في هذه السورة. ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ﴾ أي: لم نترك ولم نخلف، يقال: غَادَرَه وأغدره إذا تركه، ومنه الغدر, لأنه ترك الوفاء، والغدير: الماء الذي غادره السيل والمطر (٢).
٤٨ - وقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ﴾ يعني المحشورين. ﴿صَفًّا﴾ الصف مصدر وصف به، ووضع موضع الحال، فهو بمعنى مصفوفين: كل زمرة وأمة صف (٣).
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ القول هاهنا مضمر، أي: يقال لهم: لقد جئتمونا. أو فيقول لهم الله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قال ابن
стр. 7904
عباس: (يريد حفاة عراة غرلاً) (١)
وقيل: (يعني فرادى) (٢). كما قال في سورة الأنعام: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية. وقال أبو إسحاق: (أي بعثناكم كما خلقناكم) (٣). لأن قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ يعني: بعثناكم.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ خطاب لمنكري البعث خاص، ومعناه: بل زعمتم في الدنيا أن لن تُبعثوا, لأن الله وعدهم البعث فلم يصدقوا، والمعنى: ﴿أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ للبعث والجزاء، و ﴿بَلْ﴾ هاهنا إيذان بأن القصة الأولى قد تمت وبدأ في كلام آخر، وذلك أن الآية عامة في المؤمن والكافر إلى قوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ فلما أخذ في كلام خاص لأحد الفريقين أدخل ﴿بَلْ﴾ ليؤذن بتحقيق ما سبق، وتوكيد ما يأتي بعده، كقوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]، وقد يجيء ﴿بَلْ﴾ في الكلام لترك ما سبق من غير إبطال له (٤)، كقول لبيد (٥):
стр. 7905
بل ما تذكر من نوار وقد نأت ... وتقطعت أسبابها ورمامها
لم يرد ببل هاهنا إبطال ما سبق، وإنما أراد الإذان بترك الكلام الأول، كما تقول: دع ذا، واترك ذا، عند تمام ما يتكلم به والانتقال إلى غيره، كما قال امرئ القيس (١):
فدع ذا وسلِّ الهمَّ عنك بجسرةٍ
٤٩ - قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ قال المفسرون: (يعني كتب أعمال الخلق) (٢). و ﴿الْكِتَابُ﴾ اسم الجنس، فيعمُّ عند الإطلاق. قال أبو إسحاق: (معناه ووضع كتاب كل امرئ بيمينه أو شماله) (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عباس: (يريد المشركين. ﴿مُشْفِقِينَ﴾ قال: خائفين) (٤). ومعنى الإشفاق في اللغة: الخوف والحذر من وقوع المكروه، ويقال: شَفَقَ بمعنى أَشْفَقَ شفقةً، وإشْفاقًا فهو مشفق وشَفِق، وأصل الحرف من الرقة (٥). وسنذكر ذلك مستقصى عند قوله: ﴿فَلَا
стр. 7906
أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الانشقاق: ١٦] إن شاء الله.
وقوله تعالى: ﴿مِمَّا فِيهِ﴾ أي: من الأعمال السيئة.
﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا﴾ لوقوعهم في الهلكة يدعون بالويل على أنفسم: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً﴾ أي: لا تاركًا صغيرة، فقوله: ﴿لَا يُغَادِرُ﴾ في موضع الحال، قال ابن عباس في رواية عكرمة: (الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك) (١).
ونحو هذا روى عنه الذبال بن عمرو الأوزاعي فيما كان يعظ به المنصور (٢)(٣). ونحو هذا روي عن الحسن عن ابن عباس، وهو قول ابن أبي ليلى (٤)، والكلبي (٥). وقال في رواية عطاء: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً﴾ يريد:
стр. 7907
من أعمالنا ﴿وَلَا كَبِيرَةً﴾ يريد: الشرك) (١). وقال سعيد بن جبير: (الصغيرة: اللمم، والكبيرة: الزنا) (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ أي: عدَّها، وأثبتها، وكتبها، وحفظها، كل هذه ألفاظ المفسرين (٣). والمعنى: إني أحصيت وأثبت في الكتاب. فأضيف الإحصاء إلى الكتاب توسعًا.
قال قتادة في هذا: (اشتكى القوم -كما تسمعون- الإحصاء، فإياكم والمحقرات من الذنوب، فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه) (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ أي: في الكتاب مكتوبًا مثبتًا ذكره. ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ قال الزجاج: (أي: يعاقبهم، فيضع العقوبة موضعها في مجازاة الذنوب، قال: وأجمع أهل اللغة: أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه) (٥).
وتأويل هذا: أنه لا يعاقب أحدًا بغير جرم، وهو معنى قول الضحاك: (لا نأخذ أحدًا بجرم لم يعمله) (٦).
٥٠ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ قال المفسرون:
стр. 7908
أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يذكر هؤلاء المتكبرين عن مجالسة الفقراء قصة إبليس، وما أورثه الكبر، فقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ أي: واذكر يا محمد ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد أن ملائكة السماء الدنيا يقال لهم: الجن) (١). مقل قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] يعني حين قالوا: الملائكة بنات الله. وكان ابن عباس يقول: (لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود) (٢).
وروى سعيد عن قتادة قال: (كان من قبيل من الملائكة يقال لهم: الجن) (٣). وقال شهر بن حوشب: (كان إبليس من الجن الذين ظفر بهم الملائكة) (٤).
وقال الحسن: (ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس) (٥).
وقد ذكرنا الخلاف في هذا في سورة البقرة عند ذكر قصة آدم بالشرح (٦)(٧).
стр. 7909
وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ ذكر أهل التأويل في هذا ثلاثة أوجه: أحدها وهو الأكثر: أن معناه خرج عن أمر ربه إلى معصيته في ترك السجود. وهو قول الفراء، وأبي عبيدة.
قال الفراء: (أي خرج عن طاعة ربه، والعرب تقول: فسقت الرطبة
من قشرها لخروجها منه، وكأن الفأرة إنما سميت فويسقة لخروجها (١) من جحرها على الناس) (٢).
وقال أبو عبيدة: (﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي: جار ومال عن طاعته) (٣)، وأنشد لرؤية (٤):
стр. 7910
فواسقًا عن قصده جوائرا
الوجه الثاني: ما ذكره الأخفش قال: (معنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ نحو قول العرب: اتخم عن الطعام، أي: عن أكله، ولما رد هذا الأمر فسق) (١). ونحو هذا حكى الزجاج عن قطرب (٢). قال أبو العباس: (ولا حاجة به إلى هذا, الفسوق معناه: الخروج، ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي: خرج) (٣).
الوجه الثالث: ما ذهب إليه سيبويه والخليل: (أن معنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أتاه الفسق لما أُمِرَ فعصى، وكان سبب فسقه أمر ربه، كما تقول: أطعمه عن جوع وكساه عن عُرِي، المعنى: كان سبب فسقه الأمر بالسجود، كما كان سبب الإطعام الجوع، وسبب الكسوة العري) (٤).
قال أبو عبيد: (وهذه الكلمة -يعني الفسوق- لم أسمعها في شيء من أشعار الجاهلية ولا أحاديثها، وإنما تكلمت بها العرب بعد نزول (٥) القرآن) (٦). قال أهل المعاني المبرد وغيره: (هي كلمة فصيحة على ألسنة العرب) (٧). وأوكد الأمور ما جاء في القرآن، ومعناه: الخروج، كما قال: فواسقا ... البيت (٨).
стр. 7911
وقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ قال قتادة: (وهم أولاده، وهم يتوالدون كما يتوالد بنوا آدم) (١). ﴿أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ قال الكلبي: (ليس تصلون له ولا تصومون، ولكن من أطاع شيئًا فقد عبده) (٢). واختلف في كيفية ولادة إبليس وحصول ذريته، فقال مجاهد فيما روى عنه ابن جريج: (أن إبليس أدخل ذكره في دبره، فباض خمس بيضات فهم ذريته) (٣).
وقال الشعبي في هذه الآية: (لا تكون ذريته إلا من زوجة) (٤).
وروى عبد الله بن المغيرة (٥): (أن أبا هريرة قال: اسم امرأة إبليس
стр. 7912
ردة) (١). وروى ليث عن مجاهد قال: (ذريته الشياطين) (٢)(٣).
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ أعلم الله تعالى أنه من العداوة والحسد لبني آدم على مثل الذي كان لأبيهم. قال ابن عباس: (يريد كما أخرج أبويكم من الجنة) (٤).
وقوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ قال ابن عباس: (يريد حيث استبدلوا بالرحمن عبادة الشيطان) (٥).
وقال الحسن: (بئس ما استبدلوا بعبادة ربهم أن أطاعوا إبليس، فبئس ذلك لهم بدلاً) (٦).
стр. 7913
وقال الزجاج: (بئس ما استبدل به الظالمون من رب العزة إبليس) (١). والمعنى: بئس هو بدلاً أي: إبليس.
﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾. [الكهف: ٥١]
٥١ - وقوله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ما أحضرتهم يعني إبليس وذريته (٢).
قال صاحب النظم: (أومأ بقوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ﴾ إلى أنه لم يشاورهم في خلق السموات والأرض ولا في خلق أنفسهم) (٣). أي: أنه خلقها وخلقهم على ما أراد وقدر من غير مشاورة لهم، وإنما ضمن الإشهاد الإيماء إلى المشاورة؛ لأن الرجل إذا أراد مشاورة إنسان أشهده نفسه، أو شهده بنفسه، يدل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ أي: الشياطين الذين يضلون الناس.
وقال أهل المعاني: هذه الآية تأكيد في زجرهم عن اتخاذ إبليس وذريته أولياء. يقول: ليس عندهم علم ما تحتاجون إليه فتقبلوا أنتم على إتباعهم، فإني لم أشهدهم خلق السموات والأرض. وقيل: (إن هذه الآية إخبار عن كمال قدرة الله تعالى، واستغنائه عن الأنصار والأعوان) (٤).
стр. 7914
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ قال قتادة: (أعوانا) (١). ولفظ العَضُد يستعمل كثيرًا في معنى العون، وذلك أن العضْد قوام اليد، منه الاعتضاد وهو التَّقوِّى، واعتضدت بفلان معناه: استعنت به، ومن هذا قوله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: ٥٣] أي: سنعينك ونقويك، وكل معين فهو عضد، وعاضدني فلان أي: عاونني، وفي العضد لغات: عَضُد، وعَضْد، وعُضُد، وعُضْد (٢). والناس على أن معنى هذا: استغنى الله تعالى بقدرته عن الأنصار.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: لم يعضدوا لي وليًا, ولم ينصروا لي عبدًا, ولم يقوموا لأحد من أوليائي بحق) (٣). ومعنى هذا: أنهم لو نصروا أولياء الله لكان كأنهم نصروا الله، ولما لم يفعلوا ذلك أخبر الله تعالى أنه لم يتخذهم أعوانًا. والقول هو الأول، وإنما قال: عَضُد على واحد لوفاق الفواصل.
٥٢ - قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ أي: الله تعالى، وقراءة العامة: بالياء لقوله: ﴿شُرَكَائِيَ﴾ وقرأ حمزة: بالنون (٤)، حملاً على ما تقدم في المعنى من قوله: ﴿وَمَا كُنْتُ﴾ [الكهف: ٥١] فكما أن كنت للمتكلم كذلك: نقول، والجمع والإفراد في ذلك بمعنى.
стр. 7915
قال ابن عباس: (يريد يوم القيامة) (١). قال المفسرون: (يقول الله تعالى يوم القيامة: ادعوا الذين أشركتم بي ليمنعوكم من عذابي) (٢). وهو قوله: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد في الدنيا) (٣) ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ قال أنس: (هو واد في جهنم من قيح ودم) (٤). وهو قول مجاهد، وعبد الله بن عمر (٥).
وقال نوف البكالي: (هو واد بين أهل الضلال وبين أهل الإيمان) (٦). وقال البكالي: (هو واد يفرق به (٧) بين أهل لا إله إلا الله ومن سواهم) (٨). وهذا القول يوافق قول ابن عباس في رواية عطاء فإنه قال: (يريد حِجازًا وحاجزْا) (٩). ونحو هذا قال ابن الأعرابي في الموبق قال: (وكل حاجِز بين شيئين فهو مُوبِق) (١٠). وعلى هذا القول الكناية في قوله: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ يعود