← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 7981–8020 · переход к 7986.

стр. 7981

قال (١): وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا، فإذا مرت عليه فرآها منخرقة تركها، ورقعها أهلها بقطعة خشب فانتفعوا بها" (٢). ٨٠ - قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ الآية. روى ابن عباس عن أبي بن كعب قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: في قوله: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ قال: كان طبع يوم طبع كافرًا، وكان قد ألقى عليه محبة من أبويه) (٣) (لأرهقهما طُغْيَانًا وَكُفْرًا) وكذا كان يقرأ ابن عباس، وأبي: (وأما الغلام كان كافرًا وكان أبواه مؤمنين) (٤). وقوله تعالى: ﴿فَخَشِينَا﴾ قال الفراء (فعلمنا) (٥). وهو قول ابن عباس في رواية عطاء (٦). وهي قراءة أبي: (فخاف ربك) (٧). على معنى: علم ربك، وذكرنا الخوف بمعنى: العلم عند قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُوصٍ﴾ [البقرة: ١٨٢] الآية. وقال قطرب والأخفش: (معناه فكرهنا) (٨).

стр. 7982

قال أبو إسحاق: (الخشية من الله معناه الكراهة، ومعناها من الآدميين الخوف) (١). قال ابن الأنباري: (الخشية صلحت خبرا عن الله بمعنى الكراهية، فإذا وصف المخلوق بها أفادت هلعًا وفزعًا، وإذا أخبر بها عن الخالق دلت على تأويل الكراهة، كما كان الاستهزاء من المخلوق سفها، ومن الخالق استدراجا) (٢). ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١]. وقال قوم: (هذا من كلام الخضر، ولا يجوز أن يكون فخشينا عن الله بل الخضر ﵇ خشي أن يرهق الغلام أبويه طغيانًا وكفرا فلذلك قتله، قالوا: والدليل على أن هذا من كلام الخضر قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ ولو كان من كلام الله لقال: فأردنا أن نبدلهما خيرًا منه ولم يعد ذكر الرب) (٣). والظاهر يعضد هذا، غير أن أبا إسحاق قال: (هذا جائز أن يكون عن الله بمعنى فكرهنا، وقوله: ﴿فَأَرَدْنَا﴾ بمعنى فأراد الله، ولفظ الإخبار عن الله كذا أكثر من أن يحصى) (٤). هذا كلامه. وقول من قال: إنه من كلام الخضر ظاهر جلي. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ أي: يغشيهما ويكلفهما، وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣].

стр. 7983

قال المفسرون: (خشينا أن يحملهما حبه على أن يتبعاه ويدينا بدينه) (١). وقال ابن عباس في رواية عطاء: (كان الغلام يؤذي الجيران، ويفعل القبيح، وكان أبواه يحلفان عنه بالكذب طغيانًا وكفرًا) (٢). ٨١ - وقوله تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا﴾ وقرئ: بالتخفيف (٣). وبدل وأبدل متقاربان في المعنى، كما أن نزل وأنزل كذلك. وفرق قوم بينهما، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] الآية. قوله: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (خيرًا منه دينًا) (٤). وهو قول قتادة (٥). ومعنى هذا ما قاله الكلبي، والفراء: (خيرًا منه صلاحًا) (٦). والزكاة: الصلاح، والزاكي: الصالح، ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] وفسر الصلاح: بالدين؛ لأن الصلاح يكون من الدين. وكذلك تفسير ابن جريج الزكاة في هذه الآية: (بالإسلام) (٧). فيكون كتفسير ابن عباس بالدين.

стр. 7984

وقوله تعالى: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ والرُّحْمُ، والرُّحُمُ، والرَّحْم: العطف والرحمة (١). قاله أبو عبيدة، والزجاج (٢). وأنشد أبو عبيدة للعجاج (٣): ولم تعوَّج رحم من تعوَّجا وأنشد غيره لرؤبة (٤): يا منزل الرَّحم على إدريس ... ومنزل اللعن علي إبليس ويستعمل الرحم بمعنى القرابة لا بمعنى الشفقة. ويقال: فلان أشفق منك رحما، وفلان أمس رحما من فلان أي: قرابة. وأما الذي في الآية فقال قتادة: (أبر بوالديه) (٥). وهو قول ابن عباس قال: (أوصل للرحم، وأبر بوالديه) (٦). وروى عنه سعيد بن جبير: (وأقرب مودة) (٧). وهذا قول أكثر المفسرين جعلوا البدل: أبر بالوالدين.

стр. 7985

ومنهم من جعل الوالدين أبر بالبدل، وهو قول ابن جريج، والفراء. قال ابن جريج: (أرحم به منهما بالذي قتل الخضر) (١). يعني رحمة الوالدين عليه أكثر. وقال الفراء: (أقرب أن يرحماه) (٢). فعلى هذا، الرحم من جهة الوالدين، وعلى القول الأول الرحم من جهة الولد، وكلهم على أن معنى الرحم هاهنا: الرحمة والشفقة والعطف، غير أن الزجاج قال في هذه الآية: (أقرب عطفا، وأمس بالقرابة) (٣). وَهِمَ؛ لأن الأولاد لصلب الوالدين سواء في القرابة، ولا يكون بعضهم أمس بالقرابة من بعض. قال النبي ﷺ في حديث أبي بن كعب: "فوقع أبوه على أمه فنقلت: فولدت خيرًا منه زكاة وأقرب رحما" (٤). وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (ولدت جارية فولدت نبيا) (٥). وروى عكرمة عنه في قوله: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ قال: (ولدا كان في بطن أمه) (٦). وقال مجاهد: (كان ذلك الولد جارية) (٧). وهو قول جميع

стр. 7986

المفسرين إلا ابن جريج، فإنه قال: (أبدلهما الله غلامًا مسلمًا، وكان المقتول كافرًا) (١). وقال ابن عباس في رواية عطاء: (أبدلهما الله به جارية ولدت سبعين نبيا) (٢). وهذا قول الباقر (٣). والجمع بين هذا وبين قوله في رواية سعيد: (ولدت نبيا)، أن السبعين كانوا من نسلها ولم تلد لبطنها إلا نبيًا. قال مطرف (٤) في هذه الآية: (أيم الله لقد كان أبوه فرحا بمولده، وحزينًا بمقتله، ولو عاش كان في بقائه هلكتهما، فقضاء الله خير من قضائك لنفسك، وما يقضيه الله لك بما تكرهه خير من قضائك لنفسك بما تحب يا بني، فاستخر الله وارض) (٥). ٨٢ - قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ يعني:

стр. 7987

القرية التي ذكرها في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ [الكهف: ٧٧]، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ روى أبو الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: (كان ذهبًا وفضة) (١). وهذا قول عكرمة وقتادة (٢). وقال ابن عباس في رواية عطاء: (كان لوحًا من ذهب فيه مكتوب: عجبا لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب، عجبا لمن أيقن بالنار ثم يضحك، عجبا للمؤمن كيف يفرح، عجبا لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، عجبا لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، أنا الله لا إله إلا أنا محمد عبدي ورسولي. وفي الشق الآخر: أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبي لمن خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه) (٣).

стр. 7988

وهذا قول الحسن (١)، وأكثر أهل التفسير (٢). وقال في رواية سعيد بن جبير، وكريب: (كان صحفا وعلما) (٣). وهو قول مجاهد: (كان صحفا للغلامين فيها علم) (٤). قال أبو إسحاق: (المعروف في اللغة أن الكنز إذا أفرد فمعناه: المال المدفون والمدَّخر، فإذا لم يكن المال قيل: عنده كنز علمٍ، وله كنز فهمٍ، والكنز هاهنا بالمال أشبه. قال: وجائز أن يكون الكنز كان مالاً مكتوب فيه علم على ما روي، فهو مال وعلم عظيم من توحيد الله وإعلام أن محمد ﷺ مبعوث) (٥). وعلى ما ذكره أبو إسحاق قول من قال: (إنه كان صحفا فيها علم)، بعيد. قال ابن الأنباري: (من قال: إن الكنز كان علمًا سمى العلم كنزًا؛ لأنه يتعجل من نفعه أفضل بما ينال من ناحية الأموال) (٦). فمعنى قوله:

стр. 7989

﴿كَنْزٌ لَهُمَا﴾ مثل الكنز، كما يقال: هو الأسد شدة، والقمر حسنا معناه: مثل الأسد، ومثل القمر. وعلى قول من قال: إنه مال، لم يكن الكنز حرامًا على أهل ذلك الزمان. قال قتادة: (كانت الكنوز حلالاً لمن كان قبلنا، وكانت الغنائم محرمة عليهم، فأحل الله لنا الغنائم، وحرم علينا الكنوز) (١). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاحا) (٢). قال جعفر بن محمد: (كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح سبعة أباء) (٣) (٤). ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ يا موسى ﴿أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ قال ابن عباس: (أن يكبرا ويعقلا) (٥). ﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ ومضى الكلام في بلوغ الغلامين الأشد. ولما أراد الله تعالى أن يبقي ذلك إلى بلوغ الغلامين حتى يستخرجاه

стр. 7990

أمر الخضر حتى أقام الجدار لأن لا ينهدم. وقولى تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ منصوب على ضربين: أحدهما: على معنى أراد ذلك للرحمة، كما تقول: أنقذتك من الهلكة رحمة لك، والثاني: أن يكون منصوبًا على المصدر؛ لأن ما تقدم من الكلام معناه: رحمهما الله بذلك. وهذا معنى قول أبي إسحاق (١). وقوله تعالى: (﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ قال ابن عباس: (يريد انكشف لي من الله علم فعملت به ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ﴾ قال: يريد هذا تفسير ﴿مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾) (٢). وتسطع بمعنى تستطيع، ويذكر الكلام فيه عند قوله: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ إن شاء الله. ٨٣ - قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ الآية. قد ذكرنا أن اليهود سألت النبي ﷺ عن الروح، وقصة أصحاب الكهف، وعن رجل طواف بلغ شرق الأرض وغربها؟ فكان من جوابه في الروح وقصة أصحاب الكهف ما تقدم (٣). واختلفوا في ذي القرنين فقال مجاهد: (كان نبيا) (٤). وهو قول عبد

стр. 7991

الله بن عمرو (١). وقال علي ﵁: (كان عبدًا صالحًا أحب الله فأحبه الله، وناصح الله فنصحه الله) (٢). وروى عقبة بن عامر (٣) أن النبي ﷺ قال: "إن أول أمره أنه كان غلامًا من الروم أعطي ملكًا" (٤). فهو ملك على هذا القول. وروى خالد بن معدان (٥): (أن عمر بن الخطاب ﵁ سمع رجلاً

стр. 7992

يقول: يا ذا القرنين. فقال: اللهم غفرا، أما رضيتم أن تتسموا بالأنبياء حتى تسميتم بالملائكة) (١). والله أعلم أي: ذلك كان. واختلفوا أيضًا في تسميته بذي القرنين فقال علي ﵁: (دعا قومه إلى الله فضربوا على قرنه (٢) الأيمن فمات، فأحياه الله، ثم دعا قومه إلى الله فضربوا على قرنه الأيسر فمات، فأحياه الله فسمي ذو القرنين) (٣). قال أبو إسحاق: (ويجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قطري الأرض، مشرق الأرض ومغربها) (٤). وهذا قول الزهري قال: (إنما سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها وقرنها من مطلعها) (٥). وقال محمد بن إسحاق عن وهب: (إنما سمي [ذا القرنين؛ لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس) (٦). ويقال: (إنما سمي] (٧)؛ لأنه كانت له

стр. 7993

ضفيرتان) (١). وقوله تعالى: ﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أي: خبرا يتضمن في ذكره. ٨٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ قال على ﵁: (سخر الله له السحاب فحمله عليها، ومد له في الأسباب، وبسط له النور وكان الليل والنهار (٢) عليه سواء) (٣). وهذا معنى تمكينه في الأرض، وهو: أنه سهل عليه المسير فيها، وذلل له طرقها، وحزومها حتى تمكن منها أنى شاء (٤). وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قال علي عن أبي طلحة عن ابن عباس: (علما) (٥). وهو قول قتادة، وابن زيد، والضحاك، وابن جريج قالوا: (علما يتسبب به إلى ما يريد) (٦). وقال أبو إسحاق: (أي آتيناه من كل شيء يبلغ به في التمكن أقطار الأرض) (٧). ﴿سَبَبًا﴾ أي: علما يوصله إلى حيث يريد. قال المبرد: (وكل ما وصل شيئًا بشيء فهو سبب) (٨). وهذا بما يقدم فيه القول، وقال بعض

стр. 7994

المتأولين: (المعنى: وآتيناه من كل شيء بالخلق إليه ﴿سَبَبًا﴾ أي: علما ومعونة) (١). ٨٥ - وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ قال مجاهد: (طريقًا بين المشرق والمغرب) (٢). وهو قول قتادة، والضحاك، وابن زيد، والكلبي وجميعهم (٣). قال أبو عبيدة: (اتبع طريقًا وأثرا) (٤). والمعنى على هذا: أنه، اتبع طريقًا يؤديه إلى مغرب الشمس. وعلى هذا السبب الثاني غير الأول؛ لأن معناه: الطريق، والأول بمعنى: العلم. وقال أبو إسحاق: (فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي) (٥). وذلك أنه أوتي من كل شيء سببا فأتبع من تلك الأسباب التي أوتي سببا في المسير إلى المغرب. وعلى هذا القول هما سواء. والقراءة الجيدة: فاتبع، وقرئ: فأتبع بقطع الألف (٦). قال الأصمعي: (ومعناه: لحق، يقال: أتبعْتُ القوم لحقتهم، واتَّبع إنما هو أن يتتبع آثارهم وإن لم يلحقهم) (٧). وذكرنا هذا عند

стр. 7995

قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] ٨٦ - وقوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي: ذات حمأة وهي: الطين الأسود المنتن (١). قال ابن السكيت: (أحمأتُ الركيَّة القيت فيها الحمأة، وحمأتُها إذا نزعت حَمْأتَها) (٢). ونحو هذا روى أبو عبيد عن أبي زيد (٣). وقال الأصمعي في الأجناس: (على القلب من هذا) (٤). قال الأزهري: (وليس ذلك بمحفوظ، والصواب ما قاله ابن السكيت) (٥). ويقال: حمئت البئر تحمأ حمأ إذا صارت ذات حمأة فهي حمئة، وهذه قراءة ابن عباس، ومجاهد، وفسراها: (حَمَأة سوداء، وطينة سوداء) (٦). ولما اختلف ابن عباس ومعاوية في حَمِئة وحامية، أرسلا إلى أبي بن كعب: (أين تجد الشمس تغرب؟ فقال: في طينة سوداء. فوافق ابن عباس) (٧). وقرأ ابن الزبير، وابن مسعود: حامِية، من غير همز (٨). وهي فاعلة من

стр. 7996

حَمِيَت تَحْمَى فهي حامية أي: حارة، ويدل على صحة هذه القراءة ما روي: (أن النبي ﷺ نظر إلى الشمس حين غابت فقال: "في نار الله الحامية، في نار الله الحامية") (١). وقال ابن عباس في رواية الوالبي والحسن في قوله: "في عين حامية" (عين حارة) (٢). وتترجح هذه القراءة؛ لأنها تجمع المعنيين (٣). وهو ما

стр. 7997

ذكره أبو إسحاق فقال: (وقد تكون حارة ذات حمأةٍ) (١). وقال أبو علي: (يجوز أن تكون حامية فاعِلةً من الحَمَأة، فخفف الهمزة بأن قلبت ياء محضة، على قياس قول أبي الحسن، وعلى قول الخليل كانت بَين بَين) (٢). وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ أي: عند العين: ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ قال ابن الأنباري: (من قال: إن ذا القرنين كان نبيا، فإن الله قال له كما يقول للأنبياء إما بتكلم، أو بوحي، ومن قال: لم يكن نبيا قال: معنى ﴿قُلْنَا﴾ هاهنا: ألهمنا) (٣) ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ قال ابن عباس: (يريد إما أن [تقتل ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ قال: وإما أن تسبيهم) (٤). قال المفسرون: (يريد إما أن] (٥) تقتلهم إن أبوا ما تدعوهم إليه، وإما أن تأسرهم فتعلمهم وتبصرهم الرشاد) (٦). وعلى هذا المراد بالتعذيب: القتل، وباتخاذ الحسن فيهم: أن لا يقتلهم بل يأسرهم فيسلموا عنده. وقال الكلبي في قوله: ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ (يريد تعفو أو

стр. 7998

تنعم) (١). وعلى هذا المراد باتخاذ الحسن فيهم: عفوهم وتركهم. والأول القول؛ لأنه (٢) لو أمر بتركهم والعفو عنهم لم يكن في الدعوة فائدة. قال أبو إسحاق: (أباح له الله هذين الحكمين يعني: القتل، والأسر، كما أباح لمحمد الحكم بين أهل الكتاب أو الإعراض) (٣). يعني قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]. قال ابن الأنباري: (موضع ﴿أَن﴾ نصب؛ لأن المعنى: اختر التعذيب أو اتخذا الحسن عندهم، فأفادت ﴿إِمَّا﴾ التخيير، قال: ويجوز أن يكون رفعا بتأويل: إما هو التعذيب، وإما هو الاتخاذ) (٤). قال قتادة: (فقضى فيهم بقضاء الله، وكان عالمًا بالسياسة) (٥). ٨٧ - فقال: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ قال ابن عباس: (يريد أشرك) (٦) ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾: نقتله إذا لم يرجع عن الشرك. ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ﴾ بعد قتلي إياه ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ يعني في النار، وعذاب الله إياه بالنار أنكر من عذاب القتل. قاله الزجاج (٧).

стр. 7999

٨٨ - ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ يكون هذا الجزاء من الله تعالى، والحسنى هاهنا على معنيين أحدهما: الجنة، وأضيف الجزاء إليها وهي الجزاء، كما قال: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾، ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾، و ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، وهذا قول الفراء (١). والثاني: أن تكون الحسنى حسناته، ويكون المعنى: له جزاء الخلال الحسنة التي آتاها وعملها. وهذا القول ذكره الفراء أيضًا، واختاره أبو علي وحرره (٢). ويجوز أن يكون هذا الجزاء المذكور من ذي القرنين، وهو قول ابن عباس؛ كأنه قال: أتفضل عليه وأعطيه. وعلى هذا لا يكون معنى الحسنى: الجنة؛ لأن الجزاء بها لا يجزيه إلا الله عز ذكره، ومضى الكلام في الحسنى عند قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦] الآية. وقرأ أهل الكوفة: فله جزاءً نصبا منونًا (٣). قال الفراء: (أي فله الحسنى جزاء، نصبت ﴿جَزَاءً﴾ هو على التفسير) (٤). وقال الزجاج: (﴿جَزَاءً﴾ مصدر منصوب في موضع الحال، المعنى: فله الحسنى مجزيًا بها جزاء) (٥). ونحو هذا قال أبو علي: (هو مصدر واقع موقع الحال، المعنى: فله الحسنى مجزية) (٦).

стр. 8000

قال الأخفش: (وهذا لا يكاد العرب تكلم به مقدما إلا في شعر) (١). وذكر ابن الأنباري في انتصاب ﴿جَزَاءً﴾ وجهين أحدهما: (المصدر على معنى: فيجزى الحسنى جزاء، كما يقال: هو لك هبة. والآخر: أن ينتصب على التفسير بمعنى: فله الحسنى من جزاء، كما قالوا: لك أسمنها كبشا، أي: من كبش) (٢). وقوله تعالى: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ قال الكلبي: (أي خيرًا) (٣). وقال مجاهد: (معروفًا) (٤). وقال أبو إسحاق: (أو نقول له قولا جميلاً) (٥). وقال عباس: (يريد كما يحيي المؤمنون بعضهم بعضًا، مثل قول النبي ﷺ : يكن لك ما لنا، وعليك ما علينا) (٦). فجعل القول باليسر هاهنا السلم والمشاركة معه في الخير والشر. ٨٩ - وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ إخبار عن ذي القرنين أنه سلك طريقًا آخر مما يوصله إلى المشرق. ٩٠ - قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ قال قتادة: (لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، وذلك

стр. 8001

أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء) (١). ونحو هذا قال الحسن (٢). وقال الكلبي بإسناده عمن لقيهم: (كان أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى، وقال: كانوا عراة حفاة) (٣). وعلى هذا القول لا ستر بينهم وبين الشمس مما يلبسون. وعلى القول الأول من البناء. وجمع بينهما أبو إسحاق فقال: (لم يكن لهم شيء يظلهم من سقف ولا لباس) (٤). ٩١ - قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ اختلفوا في المشبه به، والمشار إليه فقال الزجاج: (يجوز أن يكون التقدير: وجدها تطلع على قوم، كذلك القبيل الذي كانوا عند مغرب الشمس وأن حكمهم حكم أولئك) (٥). وقال غيره: (المعنى كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها) (٦). وقيل: (أتبع سببًا،

стр. 8002

كما أتبع سببا) (١). والقول ما قاله أبو إسحاق؛ لأن التشبيه بالكاف يجب أن يرجع إلى أقرب المذكور إليه، والأقرب وجود القوم لا البلوغ والإتباع. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ قال مقاتل: (وقد أحطنا بما قبله علما) (٢). أي: علمنا ما كان عنده من الجيوش والعدة. وهذا معنى قول ابن عباس؛ لأنه يقول: (يقول الله سبحانه: مكنته (٣) وملكته) (٤). يعني أنا أعطيته ما كان عنده، وإذا كان عطاؤه كان معلومه. ٩٢ - ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ ثالثًا، مما يبلغه قطرا من أقطار الأرض. ٩٣ - قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قرئ: بالفتح، والضم (٥). قال أبو عبيدة: السُّد مضموم إذا كان مخلوقًا من فعل الله تعالى، فإن كان من فعل الآدميين فهو سَدّ مفتوح) (٦). وهذا قول عكرمة (٧)، والأخفش (٨).

стр. 8003

وقال الكسائي: (ضم السين وفتحها سواء) (١). وقال ابن الأعرابي: (كل ما قابلك فَسَدَّ ما وراءه فهو سَدّ وسُدّ، وهذا نحو: الضَعف والضُعف، والفَقر والفُقر) (٢). وقال أبو علي الفارسي: (يجوز أن يكون السَّد مصدرًا، والسُّد المسدود كالأشياء التي يفصل فيها من المصادر والأسماء، نحو: السِّقي والسُّقي، والطِّحن والطُّحن، والشِّرب والشُّرب، والقَبْض والقُبْض، وإذا كان كذلك فالأشبه بين السدين؛ لأنه المسدود، وأما من فتح السين جعله اسما للمسدود نحو: نَسجُ اليمن، وضَربُ الأمير) (٣). وقال الأخفش: (المفتوحة أكثر اللغتين) (٤). قال ابن عباس: (هما جبلان سَد ذو القرنين ما بينهما جاجزًا بين يأجوج ومأجوج ومن سواهم) (٥). وقوله تعالى: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أي: يعلمونه فلا يستنبطون من فحواه شيئًا، وقرئ: يُفقهون بضم الياء (٦). والمعنى: لا يكادون يفقهون

стр. 8004

أحدًا قولاً، فحذف أحد المفعولين كما حذف من قوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا﴾ [الكهف: ٢] وهذا الحذف غير ضيق. قال ابن عباس: (يريد لا يفهمون كلام أحد ولا يفهم الناس كلامهم) (١). ٩٤ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ إن قيل: كيف خاطبوا ذا القرنين وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يَفهمون ولا يُفهمون؟ والجواب عن هذا أن يقال: كلم عنهم قوم آخرون مترجمة عن لغتهم، فنسب القول إليهم، لما كان بأمرهم وإرادتهم، وهذا على قول من يجعل يكادون صلة كقوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] (٢). ومن لم يجعل صلة قال: هم يفقهون وُيفقهون وإذا قلت: لا يكاد فلان يفعل كذا، كان المعنى أنه يقارب أن لا يفعل ولكن يفعل (٣). وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ أكثر أهل العلم على أن هذين اسمان أعجميان مثل: طالوت وجالوت، وهاروت وماروت، لا ينصرفان للتعريف والعجمة (٤). والقراءة فيها: بترك الهمز، وقرأ عاصم بالهمز (٥).

стр. 8005

قال الليث: (والهمز لغة رديئة) (١). وذكر الأخفش، والزجاج، وأبو علي وجه جواز كون الاسمين عربيين فقالوا: (من همز يأجوج يجوز أن يكون عربيًا، ويكون على وزن يفعول مثل: يربوع من أَجَّةِ النار والحر، ومن لم يهمز أمكن أن يكون خفف الهمزة فقلبها ألفا مثل رأس وأما يأجوج فيمن همز: فمفعول (٢) من أجَّ، والكلمتان من أصل واحد في الاشتقاق ومن لم يهمز فيجوز أن يكون خفف الهمزة كما ذكرنا، ويجوز أن يكون فاعول من مجَّ، والكلمتان على هذا من أصلين، وليستا من أجل واحد، ويكون ترك الصرف فيهما للتأنيث والتعريف، كأنه اسم للقبيلة كمجوس. وهذه التمثيلات لا يصح فيها إن جعلتها من العجمي؛ لأن العجمي لا يشتق (٣) من العربية) (٤). قال ابن الأنباري: (وجه همزه على هذا القول أنه لا يعرف له أصل، كما أن العرب همزت حروفًا لا تعرف للهمزة فيها أصل، كقولهم: لبأت (٥)، ورثأت (٦)، واستنشأت الريح (٧)، وإذا كان هذا معروفًا في أبنية

стр. 8006

العرب كان معروفًا في الألفاظ التي أصلها للعجم) (١). هذا هو الكلام في أصل الكلمتين من العربية. وأما المسمون بهذين الاسمين فقال وهب: (هم من ولد يافث بن نوح، أب الترك) (٢). وهذا قول مقاتل بن سليمان (٣). وقال الضحاك: (هم جيل من الترك) (٤). وقال السدي: (الترك سرية من يأجوج ومأجوج خرجت تعبر، فجاء ذو القرنين فبنى السد على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت منهم قبيلة واحدة دون السد فهم الترك) (٥). وقال كعب: (هم نادرة في ولد آدم، وذلك أن آدم احتلم ذات يوم، وامتزجت نطفته بالتراب، فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم) (٦).

стр. 8007

وقال ابن عباس في رواية عطاء: (هم عشرة أجزاء، وولد آدم كلهم جزء) (١). وقوله تعالى: ﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال قتادة: (هما: حيَّان حيَّا سوء، كانا أهل بغي وظلم على من جاورهما) (٢). وقال الكلبي: (كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء الذين شكوهم إلى ذي القرنين أيام الربيع، فلا يدعون فيها شيئًا أخضر إلا أكلوه) (٣). وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ وقرئ: خَرَاجًا (٤). قال ابن عباس: (يريد: جعلاً) (٥). قال الليث: (الخَرْجُ والخَرَاجُ شيء واحد، وهو شيء يُخرجه القوم من مالهم بقدر معلوم) (٦). والمعنى على هذا: هل نخرج إليك من أموالنا

стр. 8008

[شيئًا كالجُعل لك عطية نخرجه إليك من أموالنا] (١)، وكل ما استخرج من ضَرِيبة وجزية وغلة فهو خَراج وخَرْج، ومنه الحديث: "الخَرَاخ بالضمان" (٢). يعني الغَلَّة، سمي خراجا وخَرْجا؛ لأن المؤدي يُخرجه، والآخذ يستخرجه. وفصل قوم بين الخَرْج والخراج فقالوا: (الخرج المصدر لما يخرج من المال كالضرب والقطع، والخراج الاسم لما يخرج من الأرض ونحوه كالنبات والحصاد فالخرج والخراج بمنزلة الحصد والحصاد). وهذا معنى قول الفراء والزجاج (٣). وقال ابن الأعرابي -ونحو هذا قال ثعلب-: الخرج أخص، والخراج أعم. يقال: أدَّى خرج رأسه، وأخذ الإمام خراج البلد) (٤). وقد حكى أبو عبيدة: (العبد يؤدي إليك خرجه أي: غلته، والرعية تؤدي إلى الأمير الخرج) (٥). فحكى الخرجة في الضريبة التي على الأرضين فدل أن كلامهما بمعنى. وقال العجاج (٦):

стр. 8009

يوم خراجٍ يُخْرِج السمرَّجا وهذا ليس على الضرائب التي ألزمت الأرضين؛ لأن ذلك لا يكاد يضاف إلى وقت من يوم وغيره، وإنما هو شيء مؤبد لا يتغير عما عليه (١) وقال أبو الحسن: (لا أدري أيهما أكثر في بلاد العرب) (٢). ٩٥ - ويدل على أن المراد بالخَرْج والخَرَاج هاهنا: العطية منهم له، قوله تعالى في جوابه لهم: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ والمعنى: ما مكني فيه من الاتساع في الدنيا، خير من خرجكم الذي تبذلونه لي، ومكَّن منقول من مكن يقال: مكُنَ مَكَانَةً، وهو مَكِين عند السلطان من قوم مُكناء، ومكَّن غيره إذا جعله ذا تمكن. وقراءة العامة: ما مَكَّنِّي بنون واحدة مشددة (٣). أدغموا النون في النون لاجتماع النونين كقوله: ﴿لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] وقرأ ابن كثير: بنونين؛ لأنهما من كلمتين والثانية غير لازمة؛

стр. 8010

لأنك تقول: مكنتك ومكنته فلم تدغم (١). قال ابن عباس: (يريد ما أعطاني وملكني أفضل من عطيتكم) (٢). وقولى تعالى: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ قال: (يريد بقوة الأبدان) (٣). وقال الزجاج: (بعمل يعملونه) (٤). معنى: ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ سدًّا وحاجزًا. قال ابن عباس: (وهو أشد الحجاب) (٥). ومعنى الرَّدم في اللغة: سدُّك بابًا كله أو ثلمةً أر مدخلاً، يقال: رَدَمَه يردمه ردمًا (٦). قال أبو إسحاق: (والرَّدْمُ في اللغة أكثر من السدِّ؛ لأن الردم ما جعل بعضه على بعض، يقال: ثوب مردم إذا كان قد رُقِع رقعة فوق رُقعة) (٧). ٩٦ - قوله تعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ لم يرد فأتوني استدعاء تمليك عين، ولكن تمليك المناولة بالأنفس؛ لأنه كلفهم المعونة على عمل السد

стр. 8011

بقوله: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ ولم يقل: الخرج الذي بذلوه، فلا يسألهم الحديد أيضًا (١). وهذا معنى قول ابن عباس: (يريدا احملوا إلى زبر الحديد) (٢) ألا ترى أنه فسره بالحمل إليه لا بمعنى التمليك. قال الفراء: (معناه: آتوني) (٣). يريد: فلما ألقيت الباء زيدت ألف، كما تقول: قد أتيتك زيدًا، تريد: أتيتك يزيد، ويقوي هذا المعنى الذي ذكرناه قراءة من قرأ: ائتوني (٤). موصولاً من الإتيان على معنى جيؤني، وهو هاهنا حسن لاختصاصه بالمعونة فقط دون أن يكون سؤال عينه. وعلى هذه القراءة انتصب زبر الحديد بحذف الحرف اتساعًا، فيصل الفعل إلى المفعول الثاني على حد: أمرتك الخير، والتقدير: ايتوني بزبر الحديد (٥). وزبر الحديد: قطعه في قول الجميع. قال الليث: (زبرة الحديد: قطعة ضخمة منه) (٦). وأصلها الاجتماع ومنه: زبرى الأسد، وهي: ما اجتمع من الشعر على كاهله، وزَبَرْت الكتاب: إذا كتبته؛ لأنك جمعت

стр. 8012

حروفه، وزبرة الحديد: جملة مجتمعة منه (١). قال ابن عباس في تفسير ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾: (هي على قدر الحجارة التي يبنى بها قدر ما يحمل الرجل) (٢). ومعنى الآية: أنه يأمرهم أن ينقلوا إليه زبر الحديد ليعمل بها الردم في وجوه يأجوج ومأجوج، فأتوه بها فبناه ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ قال الفراء: (ساوى وسوَّى بينهما: واحد) (٣). والمعنى: أنه جمع زبر الحديد ووضع بعضها على بعض بين الصدفين حتى سوى بينهما بالحديد. والصدفان: (الجبلان) في قول جميع المفسرين (٤). قال أبو عبيدة: (الصدفان جانبا الجبل) (٥). ونحوه قال الزجاج (٦). وقال الأزهري: (الصَّدف والصُّدْفة الجانب والناحية، يقال: لجانبي الجبل إذا تحاذا صدفان لتصادفهما أي: تلاقيهما، ومن هذا يقال: صادفت فلانا أي: لاقيته) (٧). ويقال للبناء العظيم المرتفع: صَدَف. شبه بجانب الجبل، ومنه الحديث: (إذا مر بصدف مائل أسرع المشي) (٨). وفيه ثلاثة

стр. 8013

أوجه من القراءة: الصدفين بضم الصاد والدال، والصدفين بفتحهما، والصدفين بضم الصاد وتسكين الدال (١). وكلها لغات في هذه الكلمة فاشية. وقوله تعالى: ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ قال ابن عباس: (يريد انفخوا على زبر الحديد بالكير) (٢). قال الزجاج: (جعل بينهما الحطب والفحم، ووضع عليها المنافيخ حتى إذا صارت كالنار، وهو قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ والحديد إذا أُحمي بالفحم والمنفاخ صار كالنار) (٣). وقوله تعالى: ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ قال ابن عباس: (أذاب النحاس، ثم أفرغه على زبر الحديد فاختلط ولصق بعضه ببعض، حتى صار جبلاً صلدًا من حديد ونحاس) (٤). قال قتادة: (وهو كالبُرْد المحبَّر طريقة سوداء، وطريقة حمراء) (٥). والقطر: النحاس الذائب، وأصله من القطر وذلك أنه إذا أذيب قطر كما يقطر الماء (٦).

стр. 8014

ومضى الكلام في الإفراغ. وقرئ: ايتوني (١)، موصولاً من الإتيان على معني: جيؤوني به. واللفظ على اتصال الفعل إلى المفعول الثاني بالحرف، إلا أنه أعمل الفعل الثاني وهو الإفراغ، ولو أعمل الأول لكان أفرغه عليه، وقد وصل الفعل الأول هاهنا إلى المفعول الثاني بلا حرف، كما ذكرنا في قراءة من قرأ إيتوني بزبر الحديد، ومن قرأ آتوني أفرغ عليه فمعناه: ناولوني. كما ذكرنا في أول الآية (٢) قال ابن الأنباري: (يجوز أن يكون (قِطْرًا) معمول ﴿آتُونِي﴾ وأضمر لأفرغ مفعول على تقدير: أفرغه، وحذف لدلالة (قِطْرًا) عليه. ويجوز أن يكون معمول أفرغ وأضمر لآتوني مفعول على تقدير: آتوني قطرا أفرغ عليه قطرا، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه) (٣). ٩٧ - قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾ أصله: (استطاعوا) فلما اجتمعت متقاربتان، وهما التاء والطاء، أحبوا التخفيف بالإدغام، كما أحبوا ذلك في المثلين، فلما لم يسمع التخفيف بالإدغام لتحريك ما لم يتحرك في

стр. 8015

موضع، وذلك أنه كان يلزم تحريك السين لئلا يجتمع ساكنان، ولم تْحرك سين استفعل في موضع، فلما لم يسمع هذا عدل عن الإدغام إلى الحذف، كما أنه لما اجتمع المثلان في قولهم: على الماء بنو فلان، حذفوا أحد المثلين، فقالوا: عَلْمَاءِ، ولم يسمع الإدغام، وإن كانت تتحرك لام المعرفة في الماء، فحذفوا الأول من المثلين حيث لم يتجه الإدغام. والحذف في اسطاع أولى، لأن هذه السين لم تتحرك في موضع شيء من الحركات، وقد تحرك لام المعرفة نحو قولهم: أَلَحْمَرُ في الأحمر، فلما حذفوا في: عَلْماء أحد المثلين، ولم يدغموا مع جواز تحريك لام المعرفة فلا يؤدي إلى الجمع بين ساكنين كان الحذف في اسطاع أولى. وقد أجروا المتقاربين في مجرى المثلين فقالوا: بلغني لما كانت النون متقاربة للام وكانت تدغم فيها نحو: مَنْ لَكَ، أريد إدغام في هذا الموضع أيضًا، فلما لم يسمع ذلك عندهم خففوا بالحذف كما خففوا به في المثلين. وفي (استطاع) لغة ثالثة وهو قولهم: يستيع في يستطيع، وهذا يحتمل أمرين أحدهما: [أنه أبدل من الطاء التي هي فاء التاء لقربها من الحرف الذي قبلها، فأبدل التاء لتوافق السين في الهمس، كما أبدل الدال] (١) من التاء في نحو: ازدان ليوافق ما قبله في الجهر. والآخر: أن يكون حذف الطاء لما يستقيم إدغام ما قبلها من المتقارب فيها، كما حذف المثل والمقارب من: عَلْماء بنو فلان، وبَلْعَنْبَر، ويكون هذا في أنه حذف من الكلمة الأصل للتخفيف، بمنزلة قولهم: تقيت، ألا ترى أنه في الأصل اتَّقى فحذف الفاء التي هي في الأصل واو، فلما حذفها سقطت همزة

стр. 8016

الوصل المجتلبة لسكون الفاء فبقي: تَقَيْتُ على فعلت (١). فأما قولهم: أسطاع بقطع الألف، يُستطيع بضم الياء، فقال أبو علي الفارسي: (قولهم: أسطاع أَفْعَلَ، وإنما ألحقت السين لنقل الحركة إلى الفاء وتهيئة الكلمة بنقل الحركة فيها للحذف، ألا ترى أنها هيأت الكلمة للحذف منها في نحو: لم يَسْطِعْ، ومثل السين في ذلك الهاء، ففي قول من قال: أهَرَاق يُهَريق، فالهاء في: أنها عوض مثل السين في اسْطاع، وليس هذا العوض بلازم، ألا ترى أن ما كان نحوه لم يلزم هذا العوض) (٢). هذا كلامه.؟ وشرحه أبو الفتح الموصلي فقال: (قولهم: أسطاع يستطيع، ذهب سيبويه فيه إلى أن أصله: أطاع يُطِيع، وأن السين زيدت عوضًا من حركة عين الفعل، وذلك أن أطاع أصله: أطْوَع، فنقلت فتحة الواو إلى الطاء، فانقلبت الواو ألفًا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن) (٣). وتعقب أبو العباس هذا القول فقال: (إنما يعوض من الشيء إذا فقد وذهب، فأما إذا كان موجودًا في اللفظ فلا وجه للتعويض منه، وحركة العين التي كانت في الواو قد نقلت إلى الطاء التي هي الفاء، ولم تعدم، وإنما نقلت (٤) فلا وجه للتعويض من شيء موجود غير مفقود (٥).

стр. 8017

(والذي يدل على صحة قول سيبويه في هذا وأن السين عوض من حركة عين الفعل، هو أن الحركة التي هي الفتحة، وإن كانت كما قال أبو العباس موجودة منقولة إلى الفاء لما فقدتها العين، فسكنت توهنت بالسكون، وبالتهيؤ للحذف عند سكون اللام وذلك قولك: لا تُطِع، وأطِع، ولم يُطِع، ففي كل هذا قد حذفت العين لالتقاء الساكنين، ولو كانت العين بحالها متحركة لما حذفت؛ لأنه لم يكن هناك التقاء ساكنين، ألا ترى أنك لو قلت: أطْوَع، يُطْوِع (١)، ولم يُطْوِع، وأَطْوَعْ زيدا، لصحت العين ولم تحذف، فلما نقلت عنها الحركة وسكنت، سقطت لاجتماع الساكنين، فكان هذا توهينًا وضعفًا للعين، فجعلت السين عوضًا عن سكون العين الموهِّن لها المسبب لقلبها، وحركة الفاء بعد سكونها لا تدفع عن العين ما لحقها من الضعف في السكون والتهيؤ للحذف عند سكون اللام. ويؤكد ما قال سيبويه من أن السين عوض من ذهاب العين، أنهم قد عوضوا من ذهاب حركة هذه العين حرفًا آخر غير السين، وهو الهاء في قول من قال: أهْرَقت فسكن الهاء، وجمع بينها وبين الهمزة، فالهاء هاهنا عوض من ذهاب فتحة العين؛ لأن الأصل: أرْوَقت، فجعلوا الهاء عوضًا من نقل فتحة العين عنها إلى الفاء، وأنشد (٢): فأصبحت كالمهريق فضلة مائه ... لضاحي سرابٍ بالملا يترقرق

стр. 8018

انتهى كلامه (١). أخبرني العروضي عن الأزهري عن المنذري عن الحراني (٢) عن ابن السكيت قال: (يقال ما أستطيع، وما أسطيع، وما أستيع، وما أسطيع أربع لغات) (٣). وقد ذكرنا وجوهها. وقرأ حمزة: ﴿فما اسْطَّاعوا﴾ مشددا الطاء، كأنه أدغم بالافتعال في الطاء (٤). قال أبو إسحاق: (من قرأ بهذه القراءة فهو لاحن مخطئ، زعم ذلك الخليل، ويونس، وسيبويه وجميع من يقول بقولهم، وحجتهم في ذلك: أن السين ساكنة وإذا أدغمت التاء في الطاء صارت طاء ساكنة، ولا يجمع بين ساكنين) (٥).

стр. 8019

قال أبو علي: (وقد قرأت القراء غير حرف من هذا كقوله: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ [النساء: ١٥٤] في قراءة من شدد الدال فأدغم فيها تاء افتعل (١)، وكذلك قراءة من قرأ: ﴿لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس: ٣٥] (٢)،

стр. 8020

﴿يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] (١). وقدمنا وجه ذكر هذا النحو) (٢). وقال ابن الأنباري: (عظم تشنيع البصريين على حمزة في هذا الحرف، وتلحينهم إياه، وقولهم: جمع بين ساكنين لا ينبسط اللسان عليهما، وفي هذا تعد منهم عليه إذ جرى إلى مثله جماعة هن القراء، فلم ينسبوا إلى الذي نسب إليه، فقد قرأ الحسن: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥] بالإدغام (٣)، فإنه يقرؤه، ويقرأ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ﴾ [يوسف: ٣]، ﴿وَالْحَرْثِ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ١٤]، ومعلوم أن الإدغام إذا وقع هاهنا اجتمع ساكنان، وقرأ: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١] (٤) بالإدغام، ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] (٥) في نظائر يطول ذكرها، ولا وجه للتشنيع على
следующие страницы →