← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.

стр. 8016

الوصل المجتلبة لسكون الفاء فبقي: تَقَيْتُ على فعلت (١). فأما قولهم: أسطاع بقطع الألف، يُستطيع بضم الياء، فقال أبو علي الفارسي: (قولهم: أسطاع أَفْعَلَ، وإنما ألحقت السين لنقل الحركة إلى الفاء وتهيئة الكلمة بنقل الحركة فيها للحذف، ألا ترى أنها هيأت الكلمة للحذف منها في نحو: لم يَسْطِعْ، ومثل السين في ذلك الهاء، ففي قول من قال: أهَرَاق يُهَريق، فالهاء في: أنها عوض مثل السين في اسْطاع، وليس هذا العوض بلازم، ألا ترى أن ما كان نحوه لم يلزم هذا العوض) (٢). هذا كلامه.؟ وشرحه أبو الفتح الموصلي فقال: (قولهم: أسطاع يستطيع، ذهب سيبويه فيه إلى أن أصله: أطاع يُطِيع، وأن السين زيدت عوضًا من حركة عين الفعل، وذلك أن أطاع أصله: أطْوَع، فنقلت فتحة الواو إلى الطاء، فانقلبت الواو ألفًا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن) (٣). وتعقب أبو العباس هذا القول فقال: (إنما يعوض من الشيء إذا فقد وذهب، فأما إذا كان موجودًا في اللفظ فلا وجه للتعويض منه، وحركة العين التي كانت في الواو قد نقلت إلى الطاء التي هي الفاء، ولم تعدم، وإنما نقلت (٤) فلا وجه للتعويض من شيء موجود غير مفقود (٥).

стр. 8017

(والذي يدل على صحة قول سيبويه في هذا وأن السين عوض من حركة عين الفعل، هو أن الحركة التي هي الفتحة، وإن كانت كما قال أبو العباس موجودة منقولة إلى الفاء لما فقدتها العين، فسكنت توهنت بالسكون، وبالتهيؤ للحذف عند سكون اللام وذلك قولك: لا تُطِع، وأطِع، ولم يُطِع، ففي كل هذا قد حذفت العين لالتقاء الساكنين، ولو كانت العين بحالها متحركة لما حذفت؛ لأنه لم يكن هناك التقاء ساكنين، ألا ترى أنك لو قلت: أطْوَع، يُطْوِع (١)، ولم يُطْوِع، وأَطْوَعْ زيدا، لصحت العين ولم تحذف، فلما نقلت عنها الحركة وسكنت، سقطت لاجتماع الساكنين، فكان هذا توهينًا وضعفًا للعين، فجعلت السين عوضًا عن سكون العين الموهِّن لها المسبب لقلبها، وحركة الفاء بعد سكونها لا تدفع عن العين ما لحقها من الضعف في السكون والتهيؤ للحذف عند سكون اللام. ويؤكد ما قال سيبويه من أن السين عوض من ذهاب العين، أنهم قد عوضوا من ذهاب حركة هذه العين حرفًا آخر غير السين، وهو الهاء في قول من قال: أهْرَقت فسكن الهاء، وجمع بينها وبين الهمزة، فالهاء هاهنا عوض من ذهاب فتحة العين؛ لأن الأصل: أرْوَقت، فجعلوا الهاء عوضًا من نقل فتحة العين عنها إلى الفاء، وأنشد (٢): فأصبحت كالمهريق فضلة مائه ... لضاحي سرابٍ بالملا يترقرق

стр. 8018

انتهى كلامه (١). أخبرني العروضي عن الأزهري عن المنذري عن الحراني (٢) عن ابن السكيت قال: (يقال ما أستطيع، وما أسطيع، وما أستيع، وما أسطيع أربع لغات) (٣). وقد ذكرنا وجوهها. وقرأ حمزة: ﴿فما اسْطَّاعوا﴾ مشددا الطاء، كأنه أدغم بالافتعال في الطاء (٤). قال أبو إسحاق: (من قرأ بهذه القراءة فهو لاحن مخطئ، زعم ذلك الخليل، ويونس، وسيبويه وجميع من يقول بقولهم، وحجتهم في ذلك: أن السين ساكنة وإذا أدغمت التاء في الطاء صارت طاء ساكنة، ولا يجمع بين ساكنين) (٥).

стр. 8019

قال أبو علي: (وقد قرأت القراء غير حرف من هذا كقوله: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ [النساء: ١٥٤] في قراءة من شدد الدال فأدغم فيها تاء افتعل (١)، وكذلك قراءة من قرأ: ﴿لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس: ٣٥] (٢)،

стр. 8020

﴿يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] (١). وقدمنا وجه ذكر هذا النحو) (٢). وقال ابن الأنباري: (عظم تشنيع البصريين على حمزة في هذا الحرف، وتلحينهم إياه، وقولهم: جمع بين ساكنين لا ينبسط اللسان عليهما، وفي هذا تعد منهم عليه إذ جرى إلى مثله جماعة هن القراء، فلم ينسبوا إلى الذي نسب إليه، فقد قرأ الحسن: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥] بالإدغام (٣)، فإنه يقرؤه، ويقرأ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ﴾ [يوسف: ٣]، ﴿وَالْحَرْثِ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ١٤]، ومعلوم أن الإدغام إذا وقع هاهنا اجتمع ساكنان، وقرأ: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١] (٤) بالإدغام، ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] (٥) في نظائر يطول ذكرها، ولا وجه للتشنيع على

стр. 8021

الأئمة والرؤساء في الخير بما يعرف له مساغ وطريق إلى الصواب) (١). وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ قال ابن عباس وغيره: (أن يصعدوه ويعلوه) (٢). يقال: ظهرت السطح إذا صرت فوقه، ومنه قوله تعالى ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] معناه: ليعلنه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ يقال: نقبت الحائط: إذا خرقت فيه خرقا يخلص إلى ما وراءه (٣). قال أبو إسحاق: (أي ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وإملاسه، وما استطاعوا أن ينقبوه من أسفله لشدته وصلابته) (٤). ٩٨ - قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا﴾ قال ذو القرنين لما فرغ من بنائه هذا. قال أبو إسحاق: (أي التمكين الذي أدركت به السد ﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ (٥). وهذا معنى قول ابن عباس: (يريد معونة من ربي حيث ألهمني وقواني) (٦). وقال ابن الأنباري: (يجوز أن تكون الإشارة بهذا إلى السد، أي:

стр. 8022

هذا السد رحمة من ربي) (١). ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ يعني: القيامة، في قول ابن عباس (٢). وقال الكلبي: (يقول: أجل ربي أن يخرجوا منه) (٣). ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ أي: دَكَه دَكًا، ويجوز أن يكون المعنى: جعله ذا دك. ومن قرأ: في دكاء ممدودة (٤)، كان التقدير: جعله مثل دكَّاء، وهي: الناقة التي لا سنام لها (٥)، فحذف المضاف ولابد من تقدير الحذف؛ لأن السد مذكر ولا يوصف بدكاء؛ لأنه من وصف المؤنث. ومضى الكلام في هذا في سورة الأعراف (٦). ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ يعني: بالثواب والعقاب في القيامة، في قول ابن عباس (٧).

стр. 8023

وقال الكلبي: (وكان أجل ربي بخروجهم حقًّا كائنًا) (١). ٩٩ - قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ يقال: ماجَ الماء يَمُوج إذا اضطرب، وماجَ الناس إذا في دخل بعضهم في بعض حيارى كموج الماء (٢). قال كثير من المفسرين: (تركنا الجن والإنس يدخل بعضهم في بعض يوم القيامة) (٣). والصحيح أن قوله: ﴿بَعْضَهُمْ﴾ الكناية فيه عن يأجوج ومأجوج. يقول: تركناهم يوم انقضاء السد يموجون في الدنيا مختلطين لكثرتهم (٤). ثم ذكر نفخ الصور بعد هذا فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ لأن: خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ حشرنا الخلق كلهم. ١٠٠ - قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ﴾ الآية. قال الفراء: (أبرزناها حتى نظر إليها الكفار) (٥). وقال أبو إسحاق: (تأويل ﴿عَرَضْنَا﴾ أظهرنا لهم جهنم حتى شاهدوها

стр. 8024

ورأوها) (١). ومضى الكلام في العرض (٢). ١٠١ - قوله تعالى: ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ الغطاء ما تغطيت به أو غطيت به، والجمع الأغطية، يقال: غطا الشيء، وغطا عليه إذا ستره (٣). ومعنى قوله: في ﴿أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]. قال ابن عباس في قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِي﴾ (يريد عما جاء به محمد ﷺ من البينات والهدى) (٤). وصف الله تعالى هؤلاء الكفار بأنهم عمي عن آيات الله، وأدلة توحيده لما سبق لهم من الشقاء، وإذا لم يبصروا أدلة توحيده، وعجائب قدرته لم يتذكروا بقلوبهم؛ لأن العين رائد القلب، ألا ترى أن الشاعر يقول (٥): ألا إنما العينان للقلب رائد ... فما تألف العينان فالقلب يألف وهذا أبلغ في وصف غفلتهم من أن لو قيل (٦): في غطاء عن الذكر؛ لأن وصفهم بالعمى عن الأدلة يوجب غفلة قلوبهم، ووصفهم بعمى القلوب

стр. 8025

لا يوجب عمى أبصارهم (١). وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ قال ابن عباس (٢): (يريد لا يسمعون القرآن ولا يحبونه) (٣). وقال أبو إسحاق: (كانوا لعدواتهم النبي ﷺ لا يقدرون أن يسمعوا ما يتلو عليهم، كما تقول للكاره لقولك: ما يقدر أن يسمع كلامي) (٤). قال ابن الأنباري: (كان يثقل عليهم السمع وهم له مستطيعون، كما تقول: ما أستطيع البصر إليك. معناه: لما ثقل علي كنت كأني غير مستطيعه. قال: ويجوز أن يكون الله منعه الاستطاعة؛ لأن يسمع الهدى، وجعل على بصره غطاء عقابًا من الله له على عناده الحق) (٥). ١٠٢ - قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ يقول: أفظنوا أنهم يتخذونهم أربابًا من دوني، وعنى بالعباد هاهنا: المسيح، والملائكة (٦). وقال ابن عباس: (يعني الشياطين، تولوهم وأطاعوهم من دون

стр. 8026

الله) (١). وقال مقاتل: (يعني الأصنام سماها عبادًا) (٢)، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]. وجواب هذا الاستفهام محذوف. قال ابن عباس: (يريد أني لا أغضب لنفسي، ولا أعاقبهم) (٣). ويدل علي هذا المحذوف قوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾، لأن هذا يدل على أنه يريد عقوبتهم. وقال قوم: (هذا لا يقتضي جوابًا؛ لأنه أراد بالأولياء هاهنا الأنصار، والمعنى: أفحسبوا أنهم اتخذوهم أنصارا يمنعونهم من عذابي ويدفعون عنهم) (٤). وهذا معنى قول الزجاج في هذه الآية قال: (تأويله: أفحسبوا أن ينفعهم اتخاذهم عبادي أولياء) (٥). وقوله تعالى: ﴿نُزُلًا﴾ قال أبو إسحاق: (هو بمعنى: منزلا) (٦). وهو

стр. 8027

معني قول ابن عباس: (يريد هي مثواهم ومصيرهم) (١). والنُّزُل على هذا التفسير المنزل. وقال آخرون: النُّزُل ما يقال للضيف إذا نَزَل، والنزالة الضيافة، ومنه قوله (٢): فجاءت بيتن للنزالة أرشما. والمعنى: أن جهنم معدة لهم عندنا، كما يهيؤ النُّزل للضيَّف النازل (٣). ١٠٣ - وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ أي: بالقوم الذين هم أخسر الخلق فيما عملوا. قال ابن عباس في رواية عطاء: (يرد كفار أهل الكتاب) (٤). وهو قول الكلبي: (اليهود والنصارى) (٥). وروي عن علي ﵁ أنه قال: (هم الرهبان أصحاب الصوامع) (٦).

стр. 8028

وعنه أيضًا أنه قال: (هم أهل حَرَوْرَاء) (١) (٢) ١٠٤ - وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ يجوز في ﴿الَّذِينَ﴾ الخفض بالنعت للأخسرين. ويجوز الرفع على الاستيئناف على معنى: هم الذين ضل سعيهم، بطل عملهم واجتهادهم في الدنيا: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ يظنون أنهم بفعلهم محسنون، والصنع: مصدر صَنَع إليه معروفًا يصنع صنعًا، وأكثر ما يستعمل الصنع في الأعمال الحسنة (٣). ١٠٥ - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ أي: الأخسرين أعمالاهم: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ جحدوا دلائل توحيده وقدرته ﴿وَلِقَائِهِ﴾ وكفروا بالبعث، والثواب، والعقاب. ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ قال ابن عباس: (بطل اجتهادهم) (٤).

стр. 8029

﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ روى المفسرون في تفسير هذا: حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ليؤتين يوم القيامة بالعظيم، الطويل، الشروب، الأكلول فلا يزن عند الله جناح بعوضه"، ثم يقول: "اقرؤا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية" (١). وقال كعب بن عجرة (٢): (يؤتى برجل يوم القيامة فيوزن بحبة فلا يزنها، فيوزن بجناح بعوضة فلا يزنها، ثم قرأ هذه الآية) (٣). ونحو هذا قال عبيد بن عمير (٤). وروى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: (يريد أن ليس لهم وزن يوم القيامة، إنما يوزن من له عمل صالح، وكان على التوحيد) (٥). وهذه الأقوال في الظاهر تدل على أن أعيان الرجال يوزنون، وليس كذلك؛ لأن

стр. 8030

الأعمال توزن يوم القيامة. والصحيح في هذا ما قاله أهل المعاني، روى أبو العباس عن ابن الأعرابي في هذه الآية قال: (العرب تقول: ما لفلان عندنا وزن، أي: قدر، لخسته، ويوصف الجاهل بأنه لا وزن له، لخفته بسرعة طيشه، وقلة تثبته فيما ينبغي أن يتثبت فيه) (١). فالمعنى على هذا: أنهم لا يعتد بهم، ولا يكون لهم عند الله قدر ومنزلة (٢). وحديث أبي هريرة محمول أيضًا على هذا، وهو: أن العظيم، الأكول، الشروب لا قدر له ولا وزن عند الله، إذا لم يكن من أهل التوحيد. وقال بعضهم: (معنى هذا خفة موازينهم من الحسنات، وذلك أن الموازين إنما ترجح بالطاعات، وتنقص بالمعاصي، فيوضع الكافر في الميزان يوم القيامة فلا يزن شيئًا لخلوه مما يثقل الميزان به من توحيد الله) (٣). وذكر ابن الأنباري وجه ما ذكره المفسرون فقال: (إن الله يأمر بوزن أهل الكفر تحقيرًا لهم، وتصغيرًا لأمرهم، حتى يتبين الخلق أنهم لا يزنون في ذلك المشهد وزن ذرة ولا جناح بعوضة) (٤). يدل على صحة هذا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:

стр. 8031

قال رسول الله ﷺ : "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلون إلى سجن في جهنم يقال له: بولس، يعلوهم فيه نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال من عصارة أهل النار" (١). قال أبو بكر: (وإنما يجعلون أمثال الذر تصغيرًا لهم عند أنفسهم، ومن يحضر القيامة) (٢). وذكر من عنده في الآية وجهان: الكافر يقدم علي بسيئات لا حسنة معها، والموازين القسط يوزن فيها حسنات العبد وسيئاته، فإذا خلا الكافر من الحسنات، وحصل على السيئات استحق النار بغير وزن، ولا إقامة ميزان، وما فعل الكافر في الدنيا من نصرة مظلوم، وإطعام جائع، وعمل بر يكافؤ عليه في الدنيا بتوسعة له في الرزق، ويقدم على الله صفرا من كل خير. الثاني: لا يقيم لهم يوم القيامة وزنا؛ لأن الوزن عليهم لا لهم؛ لأنه لا عمل لهم من أعمال الخير يوزن. الوجه الثالث: هو ما ذكره أبو العباس عن ابن الأعرابي، وقد حكيناه (٣). ١٠٦ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت من حبوط أعمالهم،

стр. 8032

وخسة قدرهم. ثم ابتدأ فقال: ﴿جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ قال ابن الأنباري: (ويجوز أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ في موضع نصب، بمعنى: فعل الله ذلك الاحتقار بكفرهم، وجزاؤهم جهنم، فأضمرت واو الحال مع الجملة) (١). وقوله تعالى ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾ أي: بكفرهم واتخاذهم آياتي، يعني: القرآن. ﴿وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ قال ابن عباس: (يريد الذين كانوا يستهزئون بالنبي ﷺ ) (٢). وإنما قال: ﴿وَرُسُلِي﴾ والمراد محمد ﷺ ؛ لأن من استهزأ به فقد استهزأ بجميع الرسل؛ لأن الإيمان واجب بهم، فالكفر بواحد كفر بالجميع. ونحو هذا قال الكلبي: (ورسلي محمد ﷺ ) (٣). وقوله تعالى: ﴿هُزُوًا﴾ مصدر، والمراد المفعول به. ١٠٧ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾ قال رسول الله ﷺ : "الفردوس ربوة الجنة، وأوسطها، وأفضلها، وأحسنها، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة، فإذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس" (٤).

стр. 8033

وقال كعب: (هو البستان الذي فيه الأعناب) (١). وهو قول الليث قال: (الفردوس جنة ذات كرم، يقال: كَرْم مُفَردس أي: مُعَرَّش) (٢). وقال الضحاك: (هي الجنة الملتفة الأشجار) (٣). وهو اختيار المبرد قال: (الفردوس -فيما سمعت من كلام العرب-: الشجر الملتف، والأغلب عليه العنب، وجمعه الفراديس. قال: ولهذا سمي باب الفراديس بالشام) (٤). وأنشد لجرير (٥): فقلت للركب إذ جد الرحيل بنا ... ما بعد يبرين من باب الفراديس. وقال مجاهد: (هو البستان بالرومية) (٦). واختاره الزجاج فقال: (هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية، وأنشد لحسان (٧): وإن ثواب الله كل موحد ... جنان من الفردوس فيها يخلد

стр. 8034

قال: وحقيقته: أنه البستان الذي يجمع كل ما يكون في البساتين) (١). ومعنى ﴿كَانَتْ لَهُمْ﴾ قال ابن الأنباري: (في علم الله قبل أن يخلقوا) (٢). وقوله: ﴿نُزُلًا﴾ أي: منزلا. قال أبو علي: (ويجوز أن يكون ﴿نُزُلًا﴾ يراد به القوت الذي يقام للنازل أو الضيف، فيكون النزل القوت، وهذا الوجه يحتاج فيه إلى تقدير المضاف على معنى: كانت له ثمار جنات الفردوس، أو نعيمها. قال: ويجوز أن يكون النُزُل جمع نَازِل، ويكون حالاً والعامل فيه معنى الفعل في لهم) (٣). ١٠٨ - ويدل على هذا الوجه قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ قال الليث: (الحِوَلُ يجرى مجرى التَّحويل، تقول: حُوِّلوا عنها تحويلا وحِولا) (٤). قال الأزهري: (فالتحويل مصدر حقيقي من حوَّلت، والحول اسم يقوم مقام المصدر) (٥). ونحو هذا قال ابن قتيبة في تفسير (حِوَلًا): (تَحْوِيلا) (٦). ورواه أيضًا أبو العباس عن ابن الأعرابي (٧). وقال أبو عبيدة (حِوَلًا): (تحويلا) (٨).

стр. 8035

[قال الفراء: (وهو مصدر تحولت، ذكر على أصله)] (١) (٢). يعني بحذف الزوائد، كالصغر والعوج. ونحو هذا قال الزجاج: (أي لا يريدون عنها تحويلا) (٣). قال ابن عباس: (لا يريدون أن يتحولوا عنها، كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى، والجنة ليست هكذا) (٤). وقال مجاهد في قوله: (حِوَلًا) (متحولا) (٥). يعني بالتحول المصدر، وذكر الزجاج وجهين آخرين في الحول، أحدهما: قال: (يقال: قد حال من مكانه حِوَلاً، كما قالوا في المصادر: صَغُرَ صِغَرًا، وعَظُم عِظَمًا وعادني حبها عِوَدًا، فعلى هذا الحِوَل الحِيلَةُ، فيكون المعنى على هذا: لا يحتالون منزلا غيرها) (٦). ١٠٩ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ﴾ الآية. روى عكرمة عن ابن عباس، قال: (قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل. فقالوا: سلوه عن الروح، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، فقالوا: أوتينا علمًا كثيرًا، أوتينا التوراة، فأنزل الله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ الآية) (٧).

стр. 8036

ومعنى المداد في اللغة: المجيء شيئًا بعد شيء على اتصال، ومنه يقال للزيت الذي يوقد به السراج: مداد (١). قال الأخطل (٢): رأوا بارقات بالأكف كأنها ... مصابيح سرج أوقدت بمداد أي: بزيت يمدها. قال ابن الأنباري: (سمي المداد مدادا لإمداده الكاتب) (٣). وأصل هذا من الزيادة والكثرة، من قوله: مد النهر إذا كثر ماؤه ومده نهر آخر، ومنه قوله: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧]، قال مجاهد: (لو كان البحر مدادًا للقلم، والقلم يكتب، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي) (٤). قال ابن عباس: (يريد أن كلماته أعظم من أن يكون لها أمد) (٥). والكلام القديم صفة من صفات ذاته (٦)، فلا يجوز أن يكون لكلامه غاية

стр. 8037

ومنتهى، كما ليس له غاية وحد، فأوصاف ذاته غير محدودة أيضًا. وهذا رد على اليهود حين ادعوا أنهم أوتوا العلم الكثير، وكأنه قيل لهم: أي: شيء الذي أوتيتم في علم الله، فكلماته التي لا تنفذ ولا تتناهى، كما لو كتبت بماء البحار وأضعاف ذلك. وقال ابن عباس في تفسير ﴿كَلِمَاتُ رَبِّي﴾: (يريد مواعظ الشكر (١) مني، أو مواعيد ربي وعلمه في خلقه) (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ أي: بمثل البحر في كثرة مائه مدادا زيادة له. وأراد لو جئنا بمثله مدادًا له، والمدد: كل شيء زاد في شيء. يقال أمددناهم بمدد أي: بقوم يزيدون في عددهم. قال الزجاج: (﴿مَدَدًا﴾ منصوب على التمييز، يقول: ملؤ هذا، ومثل هذا ذهبًا، أي: من الذهب) (٣). كقوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] قال ابن الأنباري: (ويجوز أن يكون ﴿مَدَدًا﴾ منصوب على المصدر لجئنا بتقدير: لمدد البحر بمثله مددا، كما تقول: جاء فلان ركضا. قال: ويجوز أن يكون نائبا عن الحال بتقدير: لو جئنا بمثله مادين) (٤).

стр. 8038

١١٠ - قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ قال ابن عباس: (علم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه) (١). وهذا أمر من الله لرسوله بأن يقر على نفسه بأنه آدمي كغيره، إلا أنه أكرم بالوحي وهو قوله: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا شريك له. ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إني لأصلي، وأتصدق، وأحب مع ذلك أن يطلع عليه الناس، فأنزل الله هذه الآية) (٢). والإشارة في ذكر توحيده هاهنا إلى من راءى بعمله (٣)، فكأنه أشرك فيه غير الله، والمعبود واحد لا يقبل الشركة. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ لقاء البعث والمصير إلى الله، والرجاء يذكر بمعنى الخوف؛ لأنه يتضمن الخوف، ومنه قول الهذلي (٤): إذا لسمعته النَّحل لم يرج لسعها

стр. 8039

أي: لم يخف. وهذا قول الكلبي، ومقاتل (١). وهو باطل عند الفراء؛ لأن الرجاء لا تذهب به العرب مذهب الخوف إلا مع الجحد (٢). كقوله: ﴿لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤]، و ﴿لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]. قال ابن الأنباري: ("من" حرف شرط، والشرط يقع على ما لم يتحصل، فجرى الشرط في هذا مجرى الجحد) (٣). وقال سعيد بن جبير: (من كان يأمل ثواب الله) (٤). وقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ أي: خالصًا لا يرائي به. والمفسرون والصحابة على أن هذه الآية نزلت: في النهي عن الرياء، وذكروا في تفسير هذه الآية: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "قال الله: أنا خير الشركاء، من عمل لي عملاً وأشرك فيه غيري، فأنا منه بري، وهو للذي أشرك" (٥).

стр. 8040

وهذا قول عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس (١) (٢). وقال كثير بن زياد (٣): (قلت للحسن: قول الله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ الآية، قال: في المؤمن نزلت. قلت: مشركا بالله؟ قال: لا، ولكن أشرك في عمله، يريد الله به والناس، فذلك الذي يرد عليه) (٤). وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (ولا يرائي) (٥).

стр. 8041

ونحو هذا قال مجاهد، وموسى بن عقبة (١) (٢). هذا الذي ذكرنا قول الجمهور، وروى الوالبي عن ابن عباس: (أن هذه الآية أنزلت في المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، وليست في المؤمنين) (٣) والصحيح الذي عليه الناس، وقد بين ذلك ابن عباس فيما روى عنه عطاء، وهو أنه قال: (قال الله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ﴾، ولم يقل: ولا يشرك بربه؛ لأنه أراد العمل الذي يعمل الله، ويحب أن يحمد عليه، قال: وكذلك يستحب للرجل أن يدفع صدقته إلى غيره ليقسمها، كيلا يعظمه ويوقره من يصله بها) (٤). قال الكلبي، ومقاتل: (نزلت هذه الآية في رجل يقال له: جندب بن زهير (٥)، قال: يا رسول الله أعمل العمل ألتمس به ثواب الله وأحب أن

стр. 8042

يثني عليَّ به، فأنزل الله فيه هذه الآية) (١). ونحو هذا قال مجاهد (٢)، وطاووس (٣).

стр. 8043

سورة مريم

стр. 8044

تفسير سورة مريم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿كهيعص﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (كاف: كاف، ها: هاد، عين: عالم، صاد: صادق، والياء: يد من الله على خلقه) (١). وهذا قول الكلبي، وزاده بيانا فقال: (معناه كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم ببريته، صادق في وعده) (٢). وعلى هذا كل واحد من هذه الحروف يدل على صفة من صفات الله. وذكر أبو الهيثم قال: (روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في "كهيعص": هو كاف، هاد، يمين، عزيز، صادق) (٣). قال أبو الهيثم: (جعل الياء من يمين من قولك: يمن الله الإنسان يمينه، يمنًا، ويُمْنًا فهو مَيْمُون، قال: فَاليَمِيْنُ واليَامِنُ يكونان بمعنى واحد كالقدير والقادر) (٤).

стр. 8045

وقال أبو إسحاق: (قال أكثر أهل اللغة: إنها حروف التَّهَجِّي تدل على الابتداء بالسورة) (١) (٢). وقُرئ: ها، يا، بالتفخيم والإمالة (٣). قال أبو علي: (إمالة هذه

стр. 8046

الحروف لا يمتنع؛ لأنها ليست بحروف معنى، وإنما هي أسماء لهذه الأصوات) (١). قال سيبويه: (قالوا: يا، تا؛ لأنها أسماء ما يتهجى به) (٢). (فلما كانت أسماء غير حروف [جازت فيها الإمالة كما جازت في الأسماء، ويدلك على أنها أسماء غير حروف] (٣) أنها إذا أخبرت عنها أعربتها، كما أن أسماء العدد إذا أخبرت عنها أعربتها، فكما أن أسماء العدد قبل أن تعربها أسماء، فكذلك هذه الحروف، وإذا كانت أسماء شاعت فيها الإمالة) (٤). وروى حفص عن عاصم: عين صاد بين النون (٥). قال أبو عثمان: (بيان النون مع حروف الفم (٦) لحن؛ إلا أن هذه تجري على الوقف عليها والقطع لها مما بعدها، فحكمها البيان وأن لا تُخفى) (٧). (وقول عاصم هو القياس فيها، وكذلك أسماء العدد حكمها على الوقف وعلى أنها منفصلة مما بعدها، ومما يبين أنها على الوقف أنهم قالوا: ثلاثة، أربعه، فألقوا حركة الهمزة على الهاء لسكونها ولم يقلبوها تاء وإن كانت موصولة لما كانت النية بها الوقف، فكذلك النون ينبغي أن

стр. 8047

تبين؛ لأنها في نية الوقف والانفصال مما بعدها. ولمن لم يبين أن يستدل بتركهم قطع الهمزة في قولهم: ﴿الم (١) اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١، ٢] ألا ترى أن الهمزة لم تقطع، وإن كانت في تقدير الانفصال مما قبلها، وكما لم تقطع الهمزة في (الم الله) وفي قولهم: واحد اثنان، كذلك لم تبين النون؛ لأنها جعلت في حكم الاتصال كما كان الهمزة فيما ذكرنا) (١). كذلك قال أبو الحسن: (تبين النون أجود في العربية؛ لأن حروف العدد والهجاء منفصل بعضه من بعض، وعامة القراء على خلاف التبيين) (٢). ٢ - وقوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ قال أبو إسحاق: ("ذكر" مرتفع بالمضمر المعنى: هذا الذي نتلو عليك ذكر) (٣). قال الأخفش: (كأنه قال: ومما نقص عليك ذكر رحمة ربك) (٤). وذكر الفراء وجها آخر فقال: (الذكر مرفوع بكهيعص) (٤). وأنكره الزجاج فقال: (هذا محال؛ لأن كهيعص ليس مما أنباء الله به عن زكريا، ولم يجيء في شيء من التفسير أن كهيعص هو قصة زكريا) (٦). وقول الفراء صحيح على قول من يقول: كهيعص اسم لهذه السورة،

стр. 8048

وهو قول الحسن (١). ويصير المعنى كأنه قيل هذه السورة ذكر رحمة ربك، وقد تضمنت هذه السورة قصة زكريا. وذكر صاحب النظم هذا القول فقال: (هذه الحروف كأنها اسم لهذه السورة، فصارت مبتدأ وصار خبرها في قوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ (٢) (٣) . وقال ابن الأنباري مصححًا قول الفراء منكرًا على الزجاج: (تلخيص قول الفراء كهيعص ابتداء ذكر رحمة ربك، وتقدمه ذكر رحمة ربك ثم حذف المضاف، وافتتاح الشيء داخل فيه ومحسوب من جملته) (٤). والمراد بالرحمة هاهنا: إجابة الله تعالى زكريا حين دعاه وسأله الولد (٥). وانتصب قوله: "عبده" بالذكر، ومعنى الآية على التقديم والتأخير تقديرها: ذكر ربك عبده بالرحمة، هذا قول الفراء، والزجاج، وصاحب النظم (٦). وقال الأخفش: (انتصب العبد بالرحمة كما نقول: هذا ذكر ضرب زيد عمرا) (٧). وهذا هو الوجه؛ لأن الله تعالى ذكر في هذه السورة رحمته زكريا بإجابة دعائه، وليس يحتاج في هذا القول تقدير التقديم والتأخير. ٣ - قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ بمعنى: الخافي، يقال:

стр. 8049

خفي الشيء يخفى، خفاء، فهو خاف، وخفي كما يقال: سامع وسميع (١). قال ابن عباس: (يريد يخفي ذلك في نفسه) (٢). قال ابن جريج: (لا يريد رياء) (٣). وهذا يدل على أن المستحب في الدعاء الإخفاء. قال الحسن: (وقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول (٤): ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] (٥). وذكر الله عبدا صالحًا ورضي قوله فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ وقال الكلبي: (أخفاه وأسره عن قومه لئلا يسمعوه) (٦). وهذا يقرب من قول من قال: إنما أخفى؛ لأنه خاف أن يلام على مسألته الولد عند كبر سنه فدعاء الله خفيا من قومه. وهذا القول حكاه ابن الأنباري عن الكلبي، ومقاتل بن سليمان قالا: (إنما أخفى نداءه استيحاء من أن يرى الناس شيخا كبيرا يتمنى الولد ويحب أن يرزقه) (٧).

стр. 8050

٤ - قوله تعال ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ وهن: ضعف يَهِن وَهْنا، ووَهَنا، فهو واهنِ، وأوهنه يُوهِنُه (١). ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ﴾ أي: انتشر فيه الشيب كما ينتشر شعاع النار في الحطب، وهذا من أحسن الإشارة إذ شبه بياض الشيب وانتشاره في الرأس بشعاع النار وانتشارها (٢). وأصل هذا الحرف من الاشتعال يقال: غارة مُشْعِلة، وقد أَشْعَلَت إذا تفرقت. قال ابن السكيت: (جاء جيش كالجراد المُشْعِل، وهو الذي يخرج في كل وجه، وكَتِيْبَةٌ مُشْعَلَةُ: إذا انتشرت) (٣). قال جرير (٤): عَايَنْت مُشْعِلَةَ الرِّعَالِ كَأنَّها طَيْرٌ ... تُغَاوِلُ في شَمَامِ وُكُوْرا ويقال أيضًا: أَشْعَلْت جَمْعَهم، أي: فرقتهم، ومنه يقال: أَشْعَلْتُ النار في الحطب، أي: فرقتها فيه فَاشْتَعَلَت. قال الزجاج: (يقال للشيب إذا كثر جدا: قد اشتعل رأس فلان) (٥). قال لبيد (٦):

стр. 8051

أَلَمْ تَرَى رَأْسي أَمْسَى وَاضِحًا ... سُلِّطَ الشَّيْب عَلَيْه فَاشْتَعَل أي: انتشر وكثر، والإشتعال للشيب إلا أنه نقل الفعل إلى الرأس فخرج الشيب مفسرًا ولذلك نصب كما يقال: ألم رأسه، ووجع بطنه (١). وقال بعضهم: انتصب قوله: "شيبا" على المصدر كأنه قال: شاب رأسي شيبًا (٢). قال ابن الأنباري: (المعنى واشتعل شيب الرأس، فنقل الفعل عن الشيب إلى الرأس وانتصب الشيب بتحول الفعل عنه وخروجه من الوصف، يعني من أن يوصف بأنه فاعل، كما يقال: مررت برجل حسن وجها، نقلوا الحسن إلى الرجل، فلما انعدل الحسن عن الوجه انتصب بخروجه عن الوصف. قال: ويجوز أن يكون الشيب نائبًا عن المصدر، والتأويل واشتعل الرأس اشتعالا، فسد الشيب مسد الاشتعال، كما تقول: جاء فلان ركضا، والتأويل ركض ركضا أو جاء مجيئًا) (٣). ومعنى الشيب: مخالطة الشعر الأبيض الأسود، وهو موافق لمعنى الشايب الذي يخلط الشيء بغيره (٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ﴾ أي: بدعائي إياك، والمصدر هاهنا مضاف إلى المفعول ﴿رَبِّ شَقِيًّا﴾ قال ابن عباس: (لم تكن تخيب

стр. 8052

دعائي إذا دعوتك) (١). [وقال مجاهد: (كنت تعرفني الإجابة إذا دعوتك)] (٢) (٣). وهذا قول الجميع. ويقال: شقي فلان بكذا (٤) إذا أتعب بسببه ولم يحصل له طائل، يقول: لم أكن أتعب بالدعاء ثم أخيب. ٥ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ أراد بالموالي: الورثة، وهم العصبة، والكلالة. قاله ابن عباس في رواية الضحاك، وهو قول مجاهد، وجميع أهل التفسير (٥). قال الزجاج: (ومعنى "الموالي": هم الذين يلونه في النسب، كما أن معنى القرابة: الذين يقربون منه بالنسب) (٦). وقال الفراء: (﴿الْمَوَالِيَ﴾ هم: بنو العم، وورثته، والولي والمَوْلَى في كلام العرب واحد) (٧). ويقول تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِي﴾ أي: من بعد موتي، واختلفوا في معنى

стр. 8053

خوفه فقال بعضهم: (خاف أن يرثه غير الولد) (١). وقيل: (خاف أن تذهب النبوة من نسبه إلى بني الأعمام) (٢). وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا يكون خوفًا من الموالي، والصحيح في معنى خوفه ما ذكره أبو علي فقال: (الخوف لا يكون من الأعيان في الحقيقة، إنما يكون من معان فيها، فإذا قال القائل: خفت الله، وخفت الوالي، وخفت الناس، فالمعنى: خفت عقاب الله ومؤاخذته، وخفت عقوبة الوالي، وملامة الناس، وكذلك أي: "خفت الموالي من ورائي"، أي خفت تضيج بني عمي، فحذف المضاف، والمعنى تضييعهم للدين، ونبذهم إياه وإطراحهم له، فسأل ربه وليا يرث نبوته وعلمه لئلا يضيع الدين، وكأن الذي حمله على مسألة ذلك ما شاهدهم عليه من تبديلهم للدين وتوثُّبِهِم على الأنبياء وقتلهم إياهم) (٣). ويؤكد هذا ما روى عطاء عن ابن عباس قال: (يريد بالموالي بني إسرائيل) (٤). وبنو إسرائيل كانوا يبدلون ويقتلون الأنبياء (٥)، وعلى هذا

стр. 8054

سَمَّى بني إسرائيل موالي؛ لأنهم كانوا بني أعمامه. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ أي: عقيما لا تلد، وهذا الذي قاله زكريا إخبار عن خوفه فإما مضى حين كانت امرأته لا تلد، وكان هو آيسًا من الولد لذلك ذكره بلفظ الماضي في "خفت" "وكانت". وقوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ أي: ابنا صالحًا يتولاه، قال أبو إسحاق: (قوله: ﴿وَلِيًّا﴾ يدل على أنه سأل ولدًا دَيِّنًا؛ لأن غير الدَّيِّنِ لا يكون وليا لنبي) (١). ٦ - قوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ قرئ: بالرفع، والجزم (٢). فالرفع على صفة الولي، كأنه سأل وليا وارثًا علمه ونبوته، والجزم على جواب الأمر، والرفع أصح القراءتين، إذ ليس المعنى على الجزاء وذلك؛ لأنه ليس كل ولي يرث، وإذا كان كذلك لم يسهل الجزاء من حيث لم يصح إن وهبته ورث؛ لأنه قد يهب له وليا لا يرث بأن يموت قبله، أو لا يصلح لخلافة النبوة، وإذا كان كذلك كان الوجه الرفع، ووجه الجزم أنه أراد بالولي وليا وارثًا، فيصح الشرط بأن تقول: إن وهبت ورث إذا كان المسؤول وليًا وإرثًا (٣).

стр. 8055

واختلفوا فيم يرثه هذا الولي فقال ابن عباس في رواية عطاء: (يرث النبوة) (١). وهو قول أبي صالح: (يكون نبيا كما كانت أباؤه أنبياء) (٢). وقال مجاهد والسدي: (يرث العلم والنبوة) (٣). وقال الكلبي: (يرث مكاني وحبورتي) (٤). وقال قتادة: (نبوتي وعلمي) (٥). وقال ابن قتيبة: (يرثني الحبورة، وكان زكريا حبرا، ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ الملك، قال: وكذلك قيل في التفسير) (٦). وقال قوم: أراد وراثة المال. وهو قول ابن عباس في رواية عكرمة قال: (يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة). وهو قول الحسن وسفيان (٧). والصحيح القول الأول (٨).
следующие страницы →