← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.

стр. 8051

أَلَمْ تَرَى رَأْسي أَمْسَى وَاضِحًا ... سُلِّطَ الشَّيْب عَلَيْه فَاشْتَعَل أي: انتشر وكثر، والإشتعال للشيب إلا أنه نقل الفعل إلى الرأس فخرج الشيب مفسرًا ولذلك نصب كما يقال: ألم رأسه، ووجع بطنه (١). وقال بعضهم: انتصب قوله: "شيبا" على المصدر كأنه قال: شاب رأسي شيبًا (٢). قال ابن الأنباري: (المعنى واشتعل شيب الرأس، فنقل الفعل عن الشيب إلى الرأس وانتصب الشيب بتحول الفعل عنه وخروجه من الوصف، يعني من أن يوصف بأنه فاعل، كما يقال: مررت برجل حسن وجها، نقلوا الحسن إلى الرجل، فلما انعدل الحسن عن الوجه انتصب بخروجه عن الوصف. قال: ويجوز أن يكون الشيب نائبًا عن المصدر، والتأويل واشتعل الرأس اشتعالا، فسد الشيب مسد الاشتعال، كما تقول: جاء فلان ركضا، والتأويل ركض ركضا أو جاء مجيئًا) (٣). ومعنى الشيب: مخالطة الشعر الأبيض الأسود، وهو موافق لمعنى الشايب الذي يخلط الشيء بغيره (٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ﴾ أي: بدعائي إياك، والمصدر هاهنا مضاف إلى المفعول ﴿رَبِّ شَقِيًّا﴾ قال ابن عباس: (لم تكن تخيب

стр. 8052

دعائي إذا دعوتك) (١). [وقال مجاهد: (كنت تعرفني الإجابة إذا دعوتك)] (٢) (٣). وهذا قول الجميع. ويقال: شقي فلان بكذا (٤) إذا أتعب بسببه ولم يحصل له طائل، يقول: لم أكن أتعب بالدعاء ثم أخيب. ٥ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ أراد بالموالي: الورثة، وهم العصبة، والكلالة. قاله ابن عباس في رواية الضحاك، وهو قول مجاهد، وجميع أهل التفسير (٥). قال الزجاج: (ومعنى "الموالي": هم الذين يلونه في النسب، كما أن معنى القرابة: الذين يقربون منه بالنسب) (٦). وقال الفراء: (﴿الْمَوَالِيَ﴾ هم: بنو العم، وورثته، والولي والمَوْلَى في كلام العرب واحد) (٧). ويقول تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِي﴾ أي: من بعد موتي، واختلفوا في معنى

стр. 8053

خوفه فقال بعضهم: (خاف أن يرثه غير الولد) (١). وقيل: (خاف أن تذهب النبوة من نسبه إلى بني الأعمام) (٢). وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا يكون خوفًا من الموالي، والصحيح في معنى خوفه ما ذكره أبو علي فقال: (الخوف لا يكون من الأعيان في الحقيقة، إنما يكون من معان فيها، فإذا قال القائل: خفت الله، وخفت الوالي، وخفت الناس، فالمعنى: خفت عقاب الله ومؤاخذته، وخفت عقوبة الوالي، وملامة الناس، وكذلك أي: "خفت الموالي من ورائي"، أي خفت تضيج بني عمي، فحذف المضاف، والمعنى تضييعهم للدين، ونبذهم إياه وإطراحهم له، فسأل ربه وليا يرث نبوته وعلمه لئلا يضيع الدين، وكأن الذي حمله على مسألة ذلك ما شاهدهم عليه من تبديلهم للدين وتوثُّبِهِم على الأنبياء وقتلهم إياهم) (٣). ويؤكد هذا ما روى عطاء عن ابن عباس قال: (يريد بالموالي بني إسرائيل) (٤). وبنو إسرائيل كانوا يبدلون ويقتلون الأنبياء (٥)، وعلى هذا

стр. 8054

سَمَّى بني إسرائيل موالي؛ لأنهم كانوا بني أعمامه. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ أي: عقيما لا تلد، وهذا الذي قاله زكريا إخبار عن خوفه فإما مضى حين كانت امرأته لا تلد، وكان هو آيسًا من الولد لذلك ذكره بلفظ الماضي في "خفت" "وكانت". وقوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ أي: ابنا صالحًا يتولاه، قال أبو إسحاق: (قوله: ﴿وَلِيًّا﴾ يدل على أنه سأل ولدًا دَيِّنًا؛ لأن غير الدَّيِّنِ لا يكون وليا لنبي) (١). ٦ - قوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ قرئ: بالرفع، والجزم (٢). فالرفع على صفة الولي، كأنه سأل وليا وارثًا علمه ونبوته، والجزم على جواب الأمر، والرفع أصح القراءتين، إذ ليس المعنى على الجزاء وذلك؛ لأنه ليس كل ولي يرث، وإذا كان كذلك لم يسهل الجزاء من حيث لم يصح إن وهبته ورث؛ لأنه قد يهب له وليا لا يرث بأن يموت قبله، أو لا يصلح لخلافة النبوة، وإذا كان كذلك كان الوجه الرفع، ووجه الجزم أنه أراد بالولي وليا وارثًا، فيصح الشرط بأن تقول: إن وهبت ورث إذا كان المسؤول وليًا وإرثًا (٣).

стр. 8055

واختلفوا فيم يرثه هذا الولي فقال ابن عباس في رواية عطاء: (يرث النبوة) (١). وهو قول أبي صالح: (يكون نبيا كما كانت أباؤه أنبياء) (٢). وقال مجاهد والسدي: (يرث العلم والنبوة) (٣). وقال الكلبي: (يرث مكاني وحبورتي) (٤). وقال قتادة: (نبوتي وعلمي) (٥). وقال ابن قتيبة: (يرثني الحبورة، وكان زكريا حبرا، ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ الملك، قال: وكذلك قيل في التفسير) (٦). وقال قوم: أراد وراثة المال. وهو قول ابن عباس في رواية عكرمة قال: (يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة). وهو قول الحسن وسفيان (٧). والصحيح القول الأول (٨).

стр. 8056

قال أبو إسحاق: (لا يجوز أن يخاف زكريا أن يورث المال؛ لأن أمر الأنبياء والصالحين أنهم لا يخافون أن يرثهم أقرباؤهم ما جعله الله لهم) (١). وكان يحيى بن يعمر (٢) يقول: (لئن كان إنما قال يرثني مالي إن كان إذا لجشعا) (٣). قال أبو علي: (لا يخلو هذا من أن يكون أراد يرث مالي، وعلمي، ونبوتي، وفيما أثر عن رسول الله ﷺ من أنه قال: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" (٤). دلالة على أن الذي سأل أن يرثه وليه ليس

стр. 8057

المال، فإذا بطل هذا ثبت الوجه الآخر، على أنه لا يجوز على نبي الله أن يقول: أخاف أن يرثني بنو عمي وعصبتي على ما فرضته لهم، ويدل على صحة هذا قراءة عثمان ﵁: (وإني خَفَّتِ الموالي) (١). أي: أنهم قَلُّوا وقَلَّ من كان منهم يقوم بالدين فسأل وليا يقوم به) (٢). وبين عبد الله بن مسلم هذا فقال: (زكريا لم يرد يرثني مالا، وأي مال كان لزكريا فيظن به عن عصبته حتى يسأل الله أن يهب له ولدًا يرثه، لقد جَلَّ هذا المال إذا وعَظُم عنده، ونافس عليه منافسة أبناء الدنيا الذين لها يعملون وللمال يكدحون، وإنما كان زكريا ابن آذر نجارا وكان حبرا). كذلك قال وهب بن منبه (٣). وكلا هذين الأمرين يدل على أنه لا مال له، والذين قالوا: يرثني مالي رووا عن رسول الله ﷺ : أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال: (رحم الله زكريا ما كان عليه من ورثته) (٤). وهذا لا يدل على أنه فسر الآية بوارث

стр. 8058

الوالي وإنما أراد ﷺ : وما كان عليه من وراثة النبوة والعلم، كأنه يقول: لو لم يسأل الله ولدا يرثه علمه ونبوته ما كان الله ليضيع دينه، وكان يرث ما كان قوم به من أمر الدين غير ولده. وقولى تعالى: ﴿مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ أكثر الناس على أن هذا يعقوب بن إسحاق، وكان زكريا من سبط يهوذا بن يعقوب (١). وقال الكلبي: (هو يعقوب بن ماتان، رؤوس بني إسرائيل وبنو ملوكهم، وكان آل يعقوب أخوال ولده؛ لأن امرأة زكريا حنة أخت مريم بنت عمران بن ماتان) (٢). قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ الرضى بمعنى المرضي، قال ابن عباس: (يريد يكون عبدًا مرضيا في الصلاح والعفاف والنبوة) (٣). ٧ - وقوله تعالى: ﴿يَا زَكَرِيَّا﴾ فيه إضمار والمعنى: استجاب الله دعاءه فقال: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ وذكرنا في سورة آل عمران هذه القصة (٤).

стр. 8059

وقوله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قال ابن عباس في رواية عكرمة: (لم يسم أحد قبله يحيى) (١). وهذا قول قتادة، والكلبي، وابن جريج، والسدي، وابن زيد، واختيار القتبي (٢). وعلى هذا فالفضيلة تثبت ليحيى من حيث أن الله تعالى تولى تسميته باسم لم يسبق به، ولم يكل تسميته إلى الأبوين فكان ذلك تفضيلًا له من هذا الوجه. قال الزجاج: (قيل: سمي يحيى؛ لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها) (٣). وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ يريد: (لم يكن له في سابق علمي نظير ولا شبه) (٤). وقال في رواية الوالبي: (لم تلد العواقر مثله ولدًا) (٥). وهذا قول سعيد بن جبير: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قال: (عدلاً) (٦). وقال مجاهد: (مثلًا) (٧).

стр. 8060

وعلى هذا القول فالمراد بالسمي: المثل والنظير كقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، أي: مثلا وعدلا، ولم يكن ليحيى مثل من البشر من حيث أنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط. ٨ - وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ مضى الكلام في معنى هذا الاستفهام في سورة آل عمران (١). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ قال كثير من الناس: (كَانَت) هاهنا زيادة (٢)، والمعنى: وامرأتي عاقرًا، كما قال في موضع آخر: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]. قال ابن الأنباري: (كَانَت) هاهنا ماضٍ، معناه الحال كأنه قال: وكائنة امرأتي في الحال، فصلح وضع الماضي في وضع الدائم؛ لأن المعنى مفهوم غير ملتبس، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، و ﴿كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١]. المعنى: وكائن الله غفورا أبدا. قال: وفي المسألة جواب ثالث: وهو أنه لما بشر بالولد وقع في نفسه أنه يكون بزوال العقر عن زوجته فقال بعد وقوع هذا المعنى في نفسه ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ أي: إلى هذا الوقت الذي لا أدري أزال العقر عنها أم لا؟ قال: وهذا جواب جيد صحيح) (٣).

стр. 8061

قوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ قال أبو عبيد: (يقال للشيخ إذا ولى وكبر: عَتَا، يَعْتُو، عِتِيّا) (١). وقال أبو عبيدة: (كل مبالغ في شيء أو كفر فقد عَتَا، عِتِيّا، فهو عَاتٍ) (٢). وقال أبو إسحاق: (كل شيء انتهى فقد عَتَا يَعْتْوا عُتُوًّا وعِتيًا) (٣). وقال الفراء: (يقال للشيخ إذا كبر عَتَا وعِتِيا) (٤). قال أهل المعاني: (يقال للذي غيره الزمان إلى حال اليبس والجفاف: هو عَاتٍ وعَاس) (٥). وبهذا المعنى فسره مجاهد فقال: (هو نحول العظم) (٦). وهو قول قتادة (٧). وقال ابن قتيبة: ﴿عِتِيًّا﴾ هو أي: يبسا ومنه يقال: ملك عَاتٍ إذا كان قاسي القلب غير لين) (٨). وقال ابن عباس في معنى قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (لا

стр. 8062

أقدر على مجامعة النساء) (١). وهذا راجع إلى ما ذكرنا من معنى اليبوسة. وروى عمرو بن ميمون: (أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس فقال: أخبرني عن قول الله : ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ ما العتي؟ قال: اليبوس من الكبر) (٢). وقرأ القراء: عُتِيا بالضم، وعِتيا بالكسر (٣). وكذلك: (صليا) [مريم: ٧٠]، (بكيا) [مريم: ٥٨]، (جثيا) [مريم: ٦٨]، والأصل في هذا أن ما كان من فُعُول جمعا من المعتل اللام، فاللام إذا كانت واوا لزمه القلب على الإطراد إلى الياء، ثم تقلب واو فُعول إلى الياء لادغامها في الياء، وتكسر عين الفعل كما كسرت في مرمي ونحوه، وذلك نحو: حَقْو وحُقِي، ودَلْو ودُلِي، وعَصَا وعُصِي، وصَفَا وصَفِي، وكسر الفاء مطرد في هذا نحو: دِلِي، وحِقِي، وعِصِي، وجاز ذلك؛ لأنها غيرت تغيرين وهما: أن الواو التي هي لام قلبت، والواو التي كانت قبلها قلبت أيضا، فلما غيرت تغيرين قويا على هذا التغيير من كسر الفاء هذا في الجمع، فأما ما كان من ذلك مصدرا فالقياس فيه أن يصح نحو: العُتْو والقُلُو؛ لأن واوه لم يلزمها الإنقلاب كما لزمها في الجمع، ولكن لما كانوا قد قلبوا الواو من هذا

стр. 8063

النحو وإن كان مفردا نحو: مَرْمِي وقلبوا ما كان قبل الآخر بحرف كما قلبوا الآخر نحو: صيَّم، وكان هذا على وزنه غير أيضًا تغيرين كما غيروا في الجمع ثم أجرى المصدر مجرى الجمع في كسر الفاء منه، ويروى أن في حرف عبد الله: (ظلما وعليا) [النمل: ١٤] في علو (١). وقال الله تعالى: ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا﴾ [الفرقان: ٢١] وقال في موضع آخر: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦ ٩] يعني هاهنا كالذي في هذه الآية. وقد ذكرنا في هذا النحو في قوله تعالى: ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨]. ٩ - قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ قال الزجاج: (أي الأمر كما قيل لك) (٢). وقال مقاتل بن سليمان: (كَذَلِكَ: بمعنى: هكذا) (٣). قال ابن الأنباري: (وعلى هذا القول كَذَلِكَ: بجملته في موضع نصب، ولا يقضي على الكاف بانفراد مما بعدها) (٤). ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ قال الفراء: (أي خلقه على هين) (٥). قال ابن عباس: (يريد: أردًّ عليك قوَّتك حتى تقوى على الجماع، وأفتق رحم امرأتك بالولد) (٦).

стр. 8064

﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ﴾ يحيى. قرئ: خلقناك (١)، لكثرة ما جاء من (٢) لفظ الخلق مضاف إلى لفظ الجمع كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ [الحجر: ٢٦]، في مواضع. وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، ولغة الجمع قد جاء بعد لفظ الافراد كقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ [الإسراء: ١]، ثم قال: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الإسراء: ٢]. واختار أبو عبيد التاء (٣)؛ لأنها تشاكل الياء في: ﴿عَلَيَّ هَيِّنُ﴾. وقال أحمد بن يحيى (٤): (الاختيار النون والألف؛ لأن فيه زيادة حرف وبكل حرف عشر حسنات) (٥). والقراءة غير مخالفة خط المصحف؛ لأنهم يسقطون الألف من الهجاء في مئل هذا البناء؛ ولأن فيه الفخامة والتعظيم لاسم الله وله المثل الأعلى. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ يريد أنه كان عدما فأوجده بقدرته، وفي هذا رد على القدرية في تسميتهم المعدوم شيئًا (٦). والله تعالى يقول

стр. 8065

لزكريا حين كان معدوما: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾. قال الزجاج: (أي فخلق الولد لك كخلقك) (١). ١٠ - قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قال قتادة: (سأل نبي الله آية على حمل امرأته بعد ما شافهته الملائكة بالبشارة مشافهة) (٢). قال ابن الأنباري: (وفي سؤاله الآية وجوه: أحدها: أن التماسه الآية كان على معنى المزيد من الله والتكرمة من الله بإعطائه الآية، ليتم نعمة إلى نعمة، وكلتاهما يد من الله عنده. والثاني: [أنه لما بشر بالولد كان على يقين منه، غير أنه تاقت إلى سرعة الأمر فسأل الله آية يستدل بها على قرب ما من به عليه] (٣). والثالث: أنه لما بشر بالولد غلب عليه طبع البشرية، فسأل الآية ليزداد بها يقينا وإيمانا، فعاقبه الله بأن حبس لسانه ثلاث ليال حين احتاج إلى مشافهة الملائكة بالبشارة إلى علامة تدل على صحة ما وعد به) (٤). وإلى هذا ذهب الكلبي ومقاتل (٥)، وقتادة، قال (٦) قتادة: (قوله: ﴿آيَتُكَ

стр. 8066

أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ حبس لسانه عقوبة لما سأل الله الآية بعد ما شافهته الملائكة بالبشارة، وكان لا يفيض بكلمة إنما يومئ إيماء) (١). ﴿قَالَ آيَتُكَ﴾ أي قال الله علامتك على خلق الولد لذلك ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾، أي: تمنع الكلام فلا تقدر عليه ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ صحيحًا من غير ما بأس ولا خرس. قال مجاهد: (أي لا يمنعك مرض) (٢). و ﴿سَوِيًّا﴾ هو منصوب على اقال. قال ابن الأنباري: (ويجوز أن يكون ﴿سَوِيًّا﴾ نعت مصدر محذوف على معنى أن لا يكلم الناس تكليمًا سويًا، يصحح هذا أنه كان يشير في الليالي الثلاث ولا يتكلم تكلما صحيحا) (٣). ١١ - قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ قال ابن زيد: (من مصلاه) (٤). ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد أشار إليهم) (٥)، وهو قول القرظي (٦)، وقال قتادة: (أو ماء إليهم) (٧). وقال مجاهد: (كتب إليهم في

стр. 8067

الأرض) (١). وهو قول الحكم، وإبراهيم (٢). ويدل على صحة الإشارة قوله: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ ومعنى أمره إياهم بالصلاة ما ذكره سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (كان يأمرهم بالصلاة بكرة وعشيا) (٣). والمعنى أنه كان يخرج على قومه بكرة وعشيا فيأمرهم بالصلاة. فلما كان وقت حمل امرأته ومنع الكلام خرج عليهم فأمرهم بالصلاة. ١٢ - وقوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى﴾ قال أبو إسحاق: (المعنى فوهبنا له وقلنا: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾) (٤). قال ابن عباس: (التوراة بقوة) (٥). قال مجاهد: (بجد) (٦). وقال ابن عباس: (بقوة منك أعطيتكها وقويتك على حفظها والعمل بما فيها) (٧). ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ قال: (يريد النبوة في صباه وهو ابن ثلاث سنين) (٨).

стр. 8068

وقال مجاهد: (الحكم والفهم هو أنه أعطي فهما لكتاب الله حتى حصل له عظيم الفائدة) (١). وقال معمر: (هو أن الصبيان قالوا له: اذهب بنا نلعب. فقال ما للعب خلقت) (٢). وقال الحسن: (﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾: اللب) (٣). والحكم عند العرب: ما يمنع من الجهل والخطأ ويصرف عنهما (٤). ١٣ - قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ الحنان معناه في اللغة: العطف والرحمة. يقال: حنانك وحنانيك يذكره الرحمة والبر، ومنه قول الشاعر (٥): حَنَانَيْكَ بَعضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ ويقال: حَنَّ عليه أي: عطف عليه، وحَنَّ إليه أي: نزع إليه (٦)، ونحو

стр. 8069

هذا قال المفسرون في معنى الحَنَان، قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ يقول: (رحمة من عندنا) (١). وهو قول عكرمة، وقتادة، والربيع (٢). وقوله تعالى: ﴿وَزَكَاةً﴾ قال ابن عباس: (يعني بالزكاة طاعة الله والإخلاص) (٣). وقال قتادة: (هي العمل الصالح) (٤). وهو قول الضحاك وابن جريج (٥). ومعنى الآية: وآتيناه رحمة من عندنا وتحننا على العباد ليدعوهم إلى طاعة ربهم وعملا صالحا في إخلاص، فعلى هذا الموصوف بالحنان والزكاة يحيى؛ لأن الله آتاه إياهما. وقال ابن عباس في رواية عكرمة: (لا أدري ما الحنان؟ غير أني أظنه يعطف الله على عبده) (٦). ونحو هذا قال مجاهد في تفسير: ﴿وَحَنَانًا﴾ (تعطفا من ربه على يحيى) (٧).

стр. 8070

وقال أبو إسحاق في تفسير ﴿وَزَكَاةً﴾: (الزكاة التطهير) (١). وعلى هذا معني الآية: وآيتنا يحيى تعطفا منا عليه، وتطهيرا إياه من عندنا، والموصوف بالحنان والزكاة هو الله تعالى على هذا القول؛ لأنه ذو الرحمة على يحيى والمطهر له. وقال قوم: الحنان والزكاة يعودان إلى زكريا، وهو قول الكلبي والفراء. قال الفراء: (وفعلنا ذلك رحمة لأبويك) (٢). وقال الكلبي في قوله: ﴿وَزَكَاةً﴾ (يعني: صدقه تصدق الله بها على أبويه) (٣). وعلى هذا القول يحتاج إلى إضمار كما ذكره الفراء ويكون التقدير: وفعلنا ذلك يعني هبة الولد واستجابة الدعاء حنانا من لدنا أي: رحمة منا على زكريا، وزكاة، وصدقة منا عليه (٤). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ قال ابن عباس: (جعلته يتقيني ولا يعدل بي غيري) (٥). قال المفسرون: (وكان من تقواه أنه لم يعمل خطيئة ولا هم بها) (٦). كما قال رسول الله ﷺ : "ما من الناس عبد إلا قد هم بخطيئه أو عملها غير

стр. 8071

يحيى بن زكريا" (١). ١٤ - قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ البَرُّ بمعنى البار كالصب والطب فعل بمعنى فاعل، والمعنى لطيفا بهما محسنا إليهما (٢). ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا﴾ قال الكلبي: (هو الذي يقتل على الغضب ويضرب على الغضب) (٣). ﴿عَصِيًّا﴾ عاصيا. قال ابن عباس: (يريد لا يرتكب لي معصية) (٤). ١٥ - قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ الآية، قال أبو إسحاق: (سلام مما يبتدأ به في النكره؛ لأنه اسم يكثر استعماله تقول: سلام عليك،

стр. 8072

والسلام عليك، وأسماء الأجناس يبدأ بها؛ لأن فائدة نكرتها قريب من فائدة معرفتها تقول: لبيك وخير بين يديك، وإن شئت قلت: والخير بين يديك) (١). قال عطاء عن ابن عباس: (يريد سلام عليه مني في هذه الأيام) (٢). وقال الكلبي: (سلامة له منا) (٣). وقال سفيان بن عيينه: (أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم ولد فيرى نفسه خارجا مما كان، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، وأحكاما يشير له بها عهد، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر لم يره، فخص الله فيها بالكرامة يحيى بن زكريا فسلم عليه بالمواطن الثلاثة) (٤). فقال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْه﴾ الآية. قال ابن الأنباري: (لم يقصد باليوم قصد يوم واحد؛ لأنه يجوز أن يموت بالليل، وأن لا يولد نهارا، ولكن اليوم يقع على الزمان الذي يشتمل على الساعات والليالي) (٥). وتلخيص معنى الآية: ويسلم عليه في زمان مولده، وكذلك ما بعده. وقد قال الكلبي عن ابن عباس: (وسلم عليه حين ولد) (٦).

стр. 8073

١٦ - قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ قال ابن عباس: (يعني واذكر يا محمد من أمر مريم لأهل مكة) (١). ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ قال الكلبي والزجاج: (تنحت) (٢). وأصله من النبذ، وهو طرحك الشيء ورميك به. يقال: نبذْتُه ناحية فانتبذ، وجلس فلان نَبْذَةً ونُبُذَةً أي ناحية، وانْتَبَذَ فلان ناحية أي: تنحى ناحية (٣). وقال قتادة: (انفردت) (٤). وقال ابن قتيبة: (اعتزلت) (٥). والقولان معنى، وليس بتفسير، وتفسير (انتبذت): تَنحَّت. ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ يعني ممن كانوا معها في الدار ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ إلى مكان في جانب الشرق. وقال ابن السكيت: الشرق: الشمس، والشرق بسكون الراء المكان الذي تشرق فيه الشمس) (٦). قال ابن عباس في رواية عطاء: (أن مريم أذاها القمل (٧) في رأسها

стр. 8074

كنت أن تجد خلوة فتفلي رأسها، فخرجت في يوم شديد البرد فجلست في مشرقة الشمس) (١). وقال عكرمة: (أنها كانت تكون في المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها ثم أنها أرادت الغسل من الحيض فتحولت إلى مشرقة دارهم للسغل) (٢). فذلك قوله: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ ونحو هذا قال الكلبي (٣). ١٧ - قوله: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي من دون أهلها لئلا يرونها ﴿حِجَابًا﴾ سترًا حاجزًا. قال ابن عباس: (يريد جعلت الجبل بينها وبين الناس) (٤). والحجاب: الجبل كقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] وهذا قول مقاتل (٥). وقال السدي: (حجابا من الجدران) (٦). ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ قال المفسرون: (بينما هي تغتسل من الحيض إذ عرض لها جبريل ﵇ في صورة شاب أمرد وضيء الوجه) (٧).

стр. 8075

فذلك قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ يعني جبريل ﴿فَتَمَثَّلَ﴾ فتصور وتشبه ﴿لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ معتدلًا تامًّا. ١٨ - قال ابن عباس: (فلما رأت جبريل يقصد نحوها نادته مر بعيد) (١) بقوله: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أي مخلصا مطيعا. قال أبو إسحاق: (تأويله إني أعوذ بالله منك، فإن كنت تقيا فستتعظ بتعوذي بالله منك) (٢). ١٩ - قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ هذا جواب جبريل ﵇ لمريم ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ اللام متعلقة بمعنى قوله: ﴿رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أي: أرسلني ليهب لك. ومن قراء: لأهب (٣)، استند إلى المتكلم وهو جبريل والهبة لله سبحانه، والرسول والوكيل قد يسندون هذا النحو إلى أنفسهم، وإن كان الفعل للموكل والمرسل للعلم به، وإن الرسول مترجم عنه (٤). وقوله تعالى: ﴿غُلَامًا زَكِيًّا﴾ قال قال ابن عباس: (يريد نبيا) (٥). وقال

стр. 8076

الكلبي: (يعني صالحا) (١). وهو قول الضحاك (٢). وقيل: (طاهرا من الذنوب) (٣). وقيل: (ناميا على الخير) (٤). ٢٠ - ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ لم يقربني زوج ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ فاجرة زانية. وقال ابن عباس: (تريد ليس لي زوج، ولست بزانية، وليس يكون الولد إلا من زوج أو من الزنا) (٥). ويقال: بَغَت المرأة تبغي بَغْيًا إذا فجرت، وأصله: من البَغْي والذي هو الطلب وذلك أنهم يبغين بالفجور، والعرب تسمي الإماء البَغَايا والواحدة منها: بَغِي، ذكره ابن السكيت (٦). وذلك أن العرب كانوا يأمرونهن بالمباغاة تكسبا بهن فكن يبغين الأجور فجرى هذا الاسم على الإماء. وبغي فعيل بمعنى فاعل ويكون منقولا غير مبني على الفعل فلذلك

стр. 8077

لم تدخله الهاء، وقد ذكرنا تمام هذا الفصل عند قوله: (والنطيحة) (١). وقال ابن الأنباري: (إن بغي النساء أغلب عليه، قل ما تقول العرب: رجل بغي، إنما يغلب عليهم امرأة بغي، ورجل عاهر فاجر، فلما انفردت المرأة بالوصف استغنى عن إلحاق علامات التأنيث، وجرى مجرى حائض وطالق) (٢). وقال المازني: (بغي (٣) ليس بفعيل إنما هو فعول الأصل بغوي فلما التقت واو وياء وسبق أحدهما بالسكون أدغمت الواو في الياء فقيل: بغي، كما تقول: امرأة صبور بغير هاء؛ لأنها بمعنى صابرة) (٤). ٢١ - قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مفسر في هذه السورة (٥). ومعنى الهين: المتأتي من غير مشقة، والهين من باب الصيب والميت (٦). قال ابن عباس: (يريد يسير أن أهب لك غلاما من غير فحل) (٧).

стр. 8078

﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: (يريد عجيبة للناس) (١). كونه غلاما ليس له أب ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ لمن تبعه وصدق به. وقوله تعالى: [﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً﴾ عطف جملة على جملة، واللام تعلق بمحذوف تقديره] (٢): ولنجعله آية للناس، ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ خلقناه. وقال ابن الأنباري: (هو معطوف على مضمر محذوف التقدير: هو علي هين لننفعك به ولنجعله، فحذف الكلام الأول اختصارا ودل الثاني عليه) (٣). ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي كان خلقه أمرا محكوما به مفروغا منه سابقا في علم الله أن يقع. ٢٢ - قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ هو مختصر والمعنى: فنفخ فيها جبريل فحملته. وحذف ذلك؛ لأن النفخ قد بين في غير هذا الموضع، والقرآن كله كتاب واحد (٤). قال ابن عباس: (دنا منها جبريل فأخذ ردن قميصها فنفخ فيه فحملت مريم من ساعتها بعيسى ووجدت حس الحمل) (٥). فذلك قوله:

стр. 8079

﴿فَحَمَلَتْهُ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ أي تنحت بالحمل إلى مكان بعيد. قال ابن عباس: (يريد أقصى الوادي) (١). وهو: وادي بيت لحم (٢) (٣). وهذا الإنتباذ إنما كان عند وضعها، فرارا من زكريا ومن قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج. قال ابن عباس: (ما هو إلا أن حملت فوضعت) (٤). وعلى هذا دل ظاهر قوله: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ﴾ ذكر الانتباذ عقب الحمل، والانتباذ إنما كان عند الوضع (٥) والقَصِي فَعِيْل بمعنى فَاعِل من قَصَى يَقْصُو إذا بعد (٦)،

стр. 8080

قال الراجز (١): لَيَقْعُدنَّ مَقْعَدَ القَصِي ... مِنِّي ذَي القَاذُورةِ المَقْلِي ٢٣ - قوله تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ أي: الجأها واضطرها يقال: جاء بها وأجاءها بمعنى هذا قول جميع أهل اللغة (٢)، وأنشدوا لزهير (٣): أَجَأَتْهُ المَخَافَةُ والرَّجَاء قالوا: والعرب تقول في أمثالها: شر مَا أَلجَأكَ إلى مُخَّةِ عُرْقُوب (٤). يريدون اضطرك وألجأك إليها. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي في تفسير أجاءها: (ألجأها) (٥). والمخاض: وجع الولادة وهو الطلق، ومَخِضتِ المرآة تَمْخَضُ مَخَاضًا، وناقة مَاخِض وشاة مآخِضٌ إذا دنا ولادتها (٦)، ويقال

стр. 8081

أيضًا دجاجة مَاخِضٌ إذا قربت أن تبيض، ومنه قول الراجز (١): تُنْقِضُ إنْقضَاض الدَّجَاجِ المُخَّضِ والمخاض من الإبل: الحوامل، سميت مخاضًا تفاؤلا بأنها تَمْخِضُ بالولد إذا أنجبت (٢). وقوله تعالى: ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الجذع: ساق النخل، قال ابن عباس: (نظرت مريم إلى أكمة (٣) فصعدت مسرعة، فإذا على الأكمة جذع نحو جذع نخلة فأسرعت المشيء حتى سارت إلى الجذع) (٤). فذلك قوله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال المفسرون: (وكان جذع نخلة يابسة لس لها سعف) (٥). ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ ولم يقل إلى

стр. 8082

النخلة؛ لأنها لم يبق منها إلا الجذع. وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ قال السدي: [(قالت في حال الطلق: يا ليتني مت قبل هذا استحياء من الناس) (١). وقيل:] (٢) (إنما قالت ذلك بطبع البشرية خوف الفضيحة) (٣). وقيل: (إنما جاز أن تتمنى الموت قبل تلك الحال التي قد علمت أنها من قضاء الله، لكراهتها أن يعصي الله بسببها إذ كان الناس يتسرعون إلى القول في ذلك بما يسخط الله جل وعز) (٤). وقال أبو إسحاق: (معناه لو خيرت قبل هذه الحال بين الموت أو الدفع إلى هذه الحال لاختارت الموت) (٥). ومعنى قوله: ﴿قَبْلَ هَذَا﴾ أي: قبل هذا اليوم، أو هذا الوقت، أو هذا الأمر (٦). وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ قال أبو إسحاق: (النسي في كلام العرب الشيء المطروح لا يؤبه له) (٧).

стр. 8083

قال الشنفري (١) (٢): كَأَنَّ لَهَا في الأرضِ نِسْيًا تَقُصُّه ... عَلَى أُمِّهَا وإِن تُكَلِمْكَ تَبْلَتِ يصف امرأة بالخفى (٣). وقال الأخفش، وأبو عبيدة: (النسي ما أغفل من شيء حقير ونسي) (٤). وقال يونس: (العرب تقول إذا ارتحلوا من المنزل انظروا أنساكم، أي: الشيء اليسير نحو: العصا، والقدح، والشِّظَاظ (٥).) (٦). هذا معنى النسي في اللغة. فأما التفسير فقال ابن عباس: (نسيًا: متروكا لا يذكر) (٧).

стр. 8084

وهو قول قتادة (١). وقال عكرمة، والضحاك، ومجاهد: (حيضة ملقاة) (٢). والمنسي: المفعول؛ من نسيت الشيء ضد ذكرته، ويجوز أن يكون مفعولًا من نسيت بمعنى: تركت، وهو هاهنا من صفة الشيء، ومعناه المبالغة؛. لأن النسي وإن كان حقيرًا فقد يطلب ويذكر، فهي تقول ياليتني (٣) كنت ذلك الشيء الذي لا يذكر ولا يطلب. وقال السدي: (﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ أي نسي ذكري، ومنسيا أي: نسي أثري فلا يرى لي أثر ولا عين) (٤). وقرئ: نسيا بالفتح (٥). قال الفراء: (هما لغتان مثل: الجَسْر والجِسْر، والحَجْر والحِجْر، والوَتْر والوِتْر. والنسي: ما تلقيه المرآة من خرق اعتلالها وهو اللقَى) (٦).

стр. 8085

وقال أهل اللغة: (الكسر أعلى اللغتين) (١). ويجوز في غير هذا أن يكون النسي مصدرًا كالنسيان كما يقال: العصي والعصيان، والآتي والإتيان، أنشد الفراء (٢): مِنْ طَاعَة الرَّب وعَصْى الشَّيْطَان وأنشد (٣) (٤): أَتْيُ الفَوَاحِشِ فِيْهمُ مَعْرُوفَة ... وَيرَونَ فِعْلَ المَكْرُمَات حَرَاما ٢٤ - قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال ابن عباس: (سمع جبريل كلامها وعرف جزعها فناداها من تحتها أسفل منها تحت الأكمة (٥). ﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾. وهذا قول الضحاك، والسدي، وقتادة: (أن المنادي كان جبريل، ناداها من سفح الجبل) (٦). وقال مجاهد، والحسن: (الذي ناداها عيسى) (٧). وهو قول وهب، وسعيد بن جبير، وابن زيد (٨).

стр. 8086

قال أبو إسحاق: (ويكون المعنى في مناداة عيسى لها أن يبين الله لها الآية في عيسى) (١). وقال أبو علي: (وأن يكون المنادي لها عيسى أشبه وأشد إزالة لما خامرها من الوحشة والاغتمام لما يوجد به طعن عليها) (٢): ولهذا كان الاختيار قراءة من قرأ: مَنْ تَحْتَهَا بفتح الميم (٣)، يعني به عيسى. وهو من وضع اللفظة العامة موضع الخاصة كما تقول: رأيت مَنْ عندك، وأنت تعني أحدًا بعينه (٤). وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال ابن عباس: (يريد السري الجدول، وكان ساقيه للماء قبل ذلك، ثم انقطع [الماء منه، فأرسل الله الماء فيه لمريم) (٥).

стр. 8087

وهذا قول عامة المفسرين (١). قال أبو إسحاق: (وروي عن الحسن أنه قال: (يعني عيسى ﵇، كان والله سريا من الرجال) (٢). فعرف الحسن أن من العرب من يسمي النهر سريا (٣). فرجع إلى هذا القول. ولا خلاف بين أهل اللغة أن السري: النهر بمنزلة الجدول) (٤). وأنشد للبيد (٥):

стр. 8088

فتوَسَّطَا عُرْضَ السَّرِيِّ وَصدَّعَا ... مَسْجُورَةً مُتَجَاوِزًا قُلامُهَا ومعنى قوله: (تَحْتَكِ) قال الكلبي: (بحيال قدميك) (١). فجعل تحت هاهنا إسما للجهة المحاذية للمتمكن، وهذا يوافق قول من قال: (إن جبريل ضرب الأرض من تحت قدمها) (٢). ويقال: (إن عيسى ضرب برجله فظهر عين ماء عذب وجرى) (٣). وقيل: (معنى قوله: ﴿تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ لم يكن الجدول محاذيًا لهذه الجهة، ولكن المعنى جعله دونك، وقد يقال: فلان تحتنا أي: دوننا في المواضع). قال ذلك أبو الحسن (٤). وقال بعض المفسرين: (معنى قوله: (تَحْتَكِ) أن الله تعالى جعل النهر تحت أمرها إن أمرته أن يجري جرى، وإن أمرته بالإمساك أمسك لقوله تعالى فيما أخبر عن فرعون: (وهذه الأنهار تجرى من تحتي) (٥) أي: من تحت أمري) (٦). ٢٥ - قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ الهز معناه: التحريك (٧)، يقال: هَزَزْتُه فاهْتَزَّ، ومعنى ﴿إِلَيْكِ﴾ اجذبيه إليك أي: حركيه بأن تجذبيه إليك.

стр. 8089

وقوله تعالى: ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال الأخفش: (الباء زائدة) (١). وهي تزاد كثيرًا في الكلام يقال: خذ بالزمام، وتناول بالخطام، ومد بالحبل، وأعطني بيدك، وأنشد: بِوَادٍ يَمَانٍ يُنْبِتُ الشَّثَّ صَدْرُه ... وَأَسْفَلُه بِالمَرْخِ والشَّبَهَانِ (٢) ونحو هذا قال الفراء، قال: (والعرب تقول: هَزَّ بِه وَهَزَّه، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ [الحج: ١٥]، معناه فَلْيَمدْدُ سببا) (٣). ويقال: ألقى بيده، أي ألقى يده، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥]. قال أبو علي: (ويحتمل أن يكون معنى ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أي: بهز جذع النخله رطبا فحذف المضاف) (٤).

стр. 8090

والمعنى: إذا هززت الجذع هززت بهزه رطبا، فإذا هززت الرطب سقط. وهذا على قول من يخصب الرطب بالهز، وهو قول المبرد، حكى عنه الزجاج قال: (والمعنى هزي إليك بجذع النخلة رطبا تساقط عليك) (١). وقوله تعالى: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ﴾ أي: تتساقط فأدغمت التاء في السين، وتساقط هاهنا بمعني: تسقط، وتفاعل مطاوع فاعل كما أن تفعل مطاوع فَعَّل وكما عدّى تفعل في: تجرعته، وغليته، وتَمَزَّزْته، كذلك عدي تفاعل فمما جاء من ذلك قول الشاعر: تُطَالِعنا خَيَالاتٌ لِسَلْمَى ... كَمَا يَتَطَالعُ الدَّينَ الغَرِيمُ (٢) ويكون المعنى: تسقط عليك النخلة رطبا جنيا، وانتصب (رُطَبًا) على أنه مفعول به (٣). وقرأ حمزة: تَسَاقَطْ، مخففا (٤). حذف التاء التي أدغمها غيره، ويجوز أن يكون المعنى: تساقط عليك ثمرة النخلة رطبا، فيكون انتصاب رطبا على الحال، وجاز أن يضمر الثمرة وإن لم يجر لها ذكر؛ لأن ذكر النخلة يدل عليها، وعلى هذا الوجه تساقط مطاوع (٥)، وعلى قول
следующие страницы →