← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وصدق محمد ﷺ (١). و (الفاء) في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ﴾ للعطف، وفي قوله: ﴿فَاَتَّقُواْ﴾ للإتباع دون العطف (٢). وإنما (٣) اختاروا (الفاء) من قبل أن الجزاء سبيله أن يقع ثاني الشرط، وليس في جميع حروف العطف حرف يوجد هذا المعنى فيه سوى (الفاء). فدخلت (الفاء) في جواب الشرط توصلا إلى المجازاة بالجملة المركبة من المبتدأ والخبر، والكلام (٤) الذي يجوز أن يبتدأ به نحو: الأمر والنهي (٥)، فالجملة (٦) نحو قولك: (إن تحسن إليّ فالله يكافئك) لولا

стр. 807

(الفاء) لم يرتبط أول الكلام بآخره (١). ومن ذلك قولك (٢): (إن يقم فاضربه) فالجملة التي هي: (اضربه) جملة أمرية، وكذلك: (إن (٣) يقعد فلا تضربه) جملة (٤) نهيية، وكل واحدة (٥) من الجملتين يجوز أن يبتدأ بهما (٦)، فلما كان الابتداء بها يصح وقوعه في الكلام، احتاجوا إلى (الفاء) ليدلوا على أن مثالي الأمر والنهي ليسا على ما يعتد (٧) في الكلام (٨) من وجودهما مبتدأين غير معقودين بما قبلهما (٩). وقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾. قال ابن السكيت: (الوقود) بالضم، المصدر يقال: وَقَدت النار، تَقِدُ (١٠) وُقُوداً (١١). ويقال: ما أجود هذا الوَقُود للحطب (١٢).

стр. 808

وقال غيره (١): وَقَدَت النار، تَقد وَقُوداً (٢) وَوُقُوداً، وكأن الوقود اسم وضع موضع المصدر. [فالضم: المصدر] (٣)، والفتح (٤): الاسم، ويجوز أن يكون مصدراً (٥). و (الحجارة) جمع حجر، وليس بقياس، ولكنهم قالوه كما قالوا: جمل وجِمَالة، وذكر وذِكَارة، والقياس أحجار (٦). وجاء في التفسير أن (٧) الحجارة هاهنا: حجارة الكبريت، عن ابن عباس وغيره (٨).

стр. 809

فهي (١) أشد لاتقاد النار. وقيل: ذكر الحجارة دليل على عظم تلك النار، لأنها لا تأكل الحجارة إلا كانت فظيعة (٢). وقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ لا يدل (٣) على أنها غير مخلوقة بأن الناس لم (٤) يدخلوها بعد، لأنها متقدة (٥) بغير الناس، فإذا دخلها الناس صاروا وقودها، وفي قوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾ أوضح دلالة على وجودها، لأن المعدوم لا يسمى مُعَدَّا (٦). وإنما قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ وإن (٧) كان العصاة من المسلمين

стр. 810

يدخلونها، لأن الكافرين يخلدون فيها دون المؤمنين، وكأن النار ليست للمؤمنين لقلة كونهم فيها إذا قيس بالخلود (١). وإنما لم يقل: (أعدت لكم) وإن كان المخاطبون كفارا، لأنه علم أن فيهم من يؤمن. ولما ذكر جزاء الكافرين لتكذيبهم (٢) ذكر جزاء المؤمنين لتصديقهم فقال عز من قائل: ٢٥ - ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية. و (التبشير) إيراد الخبر السارّ الذي يظهر (٣) السرور في بشرة المخبر، ثم كثر استعماله حتى صار بمنزلة الإخبار، واستعمل في نقيضه كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤) إلا أنه (٥) فيما يسرّ أكثر (٦)، ونظيره قول الشاعر: بَكَرَتْ تَلُومُكَ بَعْدَ وَهْنِ في النَّدى ... بَسْلٌ عَلَيْكِ مَلاَمَتِي وِعِتَابِي (٧)

стр. 811

بكر: أصله من البكور بالصباح، ثم كثر حتى قيل لكل من عجل (بكر) فكذلك صح أن يقول: بعد وهن. وقال قوم: أصله فيما يسر ويغم سواء، إذا (١) كان قد (٢) يظهر في بشرة الوجه أثر الغم كما يظهر أثر السرور (٣). وقوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: الفعلات أو الأعمال، فالموصوف بها محذوف. قال ابن عباس: عملوا الطاعات فيما بينهم وبين ربهم (٤). وقوله تعالى: ﴿أنَّ لَهُمْ﴾ موضع (أن) نصب، معناه: بشرهم بأن لهم فلما سقطت (الباء) وصل الفعل إلى (أن) فنصب (٥).

стр. 812

وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. (جنات) (١) جمع جنة، وهي الحديقة ذات الشجر، سميت جنة لكثرة شجرها ونباتها (٢). يقال: جنت الرياض جنوناً، إذا اعتمّ نبتها حتى غطى الأرض (٣)، قال (٤): وَجْنَّ الخَازِبازِ بِه جُنُونَا (٥) جعل بعضهم (الخَازِبَازِ) نبتاً، وجنونه التفافه (٦). ويقال لكل ما ستر: قد جنّ وأجنّ، ومنه جنون الليل، والجَنَانُ والجَنِينُ والْجَنَنُ (٧). وقوله تعالى: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت أشجارها ومساكنها (٨)،

стр. 813

والنهر لا يجري (١)، وإنما يجري الماء فيه، ويستعمل الجري فيه توسعاً، لأنه موضع الجري (٢). وجاء في الحديث: "أنهار الجنة تجري في غير أخدود" (٣) وعلى هذا فالجري في النهر على ظاهره. وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا﴾. (كل) (٤): حرف جملة، ضم إلى (ما) الجزاء، فصار أداة للتكرار، وهي منصوبة على الظرف (٥). ﴿رُزِقوُاْ﴾ أي: أطعموا (٦). ﴿مِن ثَمَرَةٍ﴾ (من) صلة (٧) أي: ثمرة (٨).

стр. 814

ويجوز أن يكون للتبعيض، لأنهم إنما يرزقون بعض ثمار الجنة (١). وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ هَذَا اَلَّذِى رُزِقنَا مِن قَبل﴾. (٢) لتشابه ما يؤتون به، ولم يريدوا بقولهم: (هذا الذي رزقنا من قبل) نفس ما أكلوه، ولكن أرادوا: هذا من نوع ما رزقنا من قبل (٣)، كما يقول الرجل: فلان قد أعد لك الطبيخ والشواء، فيقول: هذا طعامي في منزلي كل يوم، يريد هذا الجنس (٤). و (قبل) يبنى على الضم في مثل هذا الموضع، لأنها تضمنت معنيين، أحدهما: معناها في ذاتها، وهو السبق (٥). والآخر: معنى ما بعدها، لأن التأويل: هذا الذي رزقنا من قبله، فهو وإن لم يضف ففيه معنى الإضافة (٦)، فلما أدت عن معنيين قويت فحملت

стр. 815

أثقل الحركات (١)، وكذلك قوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]، تأويله: من قبل كل شيء وبعده (٢). وهذا مذهب الفراء (٣) والمبرد (٤)، واختيار ابن الأنباري، لأنه قال: العرب إذا وجدت الحرف مؤدياً عن معنيين ألزموه الضم، كقولهم (٥): (نحن)، ألزموه الضم (٦)، لأنه يؤدي معنى التثنية والجمع، وكذلك (قط) يؤدي عن زمانين كقوله: ما رأيته قط، معناه من أول أوقاتي (٧) إلى الساعة، وسمعت أبا الحسن (٨) الضرير النحوي ﵀ يقول: إنما بني على الضم دون غيره من الحركات، لأنه لما أعرب (٩) عند الإضافة نحو: (قبلك ومن قبلك) بالنصب والخفض لم يبق عند الإفراد والبناء إلا الضم فبني عليه (١٠)، وهذا معنى قول الزجاج، لأنه يقول: ضم (قبل) لأنها غاية كان

стр. 816

يدخلها بحق الإعراب الفتح والكسر، فلما عدلت عن بابها بنيت على ما لم يكن (١) يدخلها بحق الإعراب، وانما عدلت لأن أصلها الإضافة فجعلت مفردة تنبئ (٢) عن الإضافة (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. أي بعضها يشبه بعضاً في اللون والصورة مختلفاً في الطعم، وذلك أبلغ في باب الإعجاب وأدل على الحكمة، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود وجماعة من الصحابة (٤). وقال الحسن وقتادة وابن جريج: متشابها في الفضل، خيار كله لا رذال (٥) فيه (٦). كما يؤتى الرجل بأثواب ليختار منها، فإذا قلبها (٧) قال: لا أدري أيها

стр. 817

آخذ لأن كلها حسن مختار (١)، كما قال الشاعر: مَنْ تَلْقَ مِنْهُمْ تقل (٢) لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري (٣) أي هم متشابهون في الفضل (٤). قال ابن الأنباري: وقول ابن عباس أدل على حكمة الله ونفاذ قدرته، لأنا إذا وجدنا رُمَّاناً يؤدي عن (٥) طعم الكمثرى والتفاح والسفرجل كان أبدع وأغرب من أن لا يؤدي إلا عن طعمه المعروف له (٦). وقال بعض أهل المعاني: في الآية تقديم وتأخير في المعنى أي: وأتوا به متشابها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل (٧). وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. (الأزواج) جمع زوج وزوجة، وشكل كل شيء: زوجه (٨). وقوله تعالى: ﴿مُطَهَّرُةٌ﴾ أي: من

стр. 818

كل أذى وقذر ممّا (١) في نساء الدنيا (٢). وقيل: عن مساوئ الأخلاق (٣)، لما فيهمنّ من حسن التبعل، ودل على هذا قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ [الواقعة:٣٦ - ٣٧]. وقيل: من آفات الشيب والهرم (٤). ويقال: إنه أراد زوجاتهم من الآدميات، ويقال: أراد من الحور العين (٥). ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لأن تمام النعمة بالخلود والبقاء فيها، كما أن التنغيص (٦) بالزوال والفناء (٧). ٢٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾ الآية. قال ابن عباس في رواية أبي صالح: لما ضرب الله سبحانه هذين المثلين للمنافقين قالوا: الله أجل وأعلى من (٨) أن يضرب الأمثال فأنزل الله هذه الآية (٩).

стр. 819

وقال (١) الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه، وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله هذه الآية (٢) قال أهل المعاني: قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾ خرج على لفظهم (٣)، حيث قالوا: إن الله يستحي (٤) أن يضرب المثل بالذباب والعنكبوت (٥)، كقوله: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣] لما قالوا: إنه سحر مفترى (٦).

стр. 820

وقال بعضهم: معنى (١) قوله: ﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾ هو أن الذي يستحيا منه ما يكون قبيحا في نفسه، ويكون لفعله عيب في فعله فأخبر الله سبحانه أن ضرب المثل منه ببعوضة فما فوقها ليس بقبيح ولا نقص ولا عيب، حتى يستحيا منه، فوضع: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَستَحِى أَن يَضرِبَ مَثَلاً﴾ موضع ذلك، كأنه قيل: إن ما يضربه الله من المثل بالبعوض (٢) لا يستحيا منه (٣)، لأن حقيقة الاستحياء في وصفه لا يجوز، لأنه يخاف عيبا، ويستحيل في وصفه أن يحذر نقصًا (٤). وقيل: معنى: ﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾: لا يترك، لأن أحدنا إذا استحيا من شيء تركه (٥)، ومعناه أن الله لا يترك ضرب المثل ببعوضة فما فوقها إذا علم أن فيه عبرة لمن اعتبر، وحجة على من جحد (٦). وقيل: معناه (لا

стр. 821

يخشى) والخشية والاستحياء يقوم أحدهما مقام الآخر كقوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، أي تستحي (١) الناس] (٢) والله أحق أن تستحيي (٣) منه، وهذا اختيار محمد بن جرير (٤). قال أهل اللغة: أصل الاستحياء من الحياة (٥)، واستحيا الرجل لقوة الحياة فيه (٦)، لشدة علمه بمواقع العيب (٧)، فالحياء من قوة الحس ولطفه (٨)

стр. 822

وقوة الحياة (١) (٢). وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ الضرب في المثل مستعار، ومعناه (٣) التسيير للمثل، والجعل لها (٤) يسير في البلاد (٥)، وذكرنا معنى المثل مستقصى فيما (٦) تقدم (٧). وقوله تعالى: ﴿مَا بَعُوضَةً﴾. النصب في بعوضة من جهتين (٨)، أحدهما: أن تكون (ما) زائدة، كأنه قال: إن الله لا يستحيي أن يضرب بعوضة مثلا، ومثلا بعوضة، و (ما) زائدة مؤكدة كقوله ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فـ (ما) في التوكيد بمنزلة (حق) إلا أنه لا إعراب لها.

стр. 823

والخافض والناصب يتعداها إلى ما بعدها، ومعناها التوكيد فقط (١). فإذا جعلت (ما) زائدة نصبت بعوضة على أنها المفعول الثاني (ليضرب) (٢)، لأن (يضرب) [هاهنا معناه: يجعل. هذا هو الاختيار عند البصريين (٣). الوجه الثاني: أن تكون (ما)] (٤) نكرة (٥) بمنزلة شيء، فيكون المعنى: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً شيئاً من الأشياء، ثم أبدل بعوضة من شيء (٦)، فقال: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ وهذا (٧) قول الفراء (٨). وقال الكسائي: معناه: أن يضرب مثلاً ما بين بعوضة إلى ما فوقها،

стр. 824

ثم حذف (بين) و (إلى) ونصب بعوضة بإسقاط الخافض. وفي (١) كلام العرب: (مطرنا ما زُبَالَة فالثعلبية) بمعنى ما بين زُبَالَة إلى الثعلبية (٢)، ويقولون: (له عشرون ما ناقة فجملا) أي ما بين ناقة وجمل، وهو (٣) أحسن الناس ما قَرْناً فقَدَماً (٤). وأنكر المبرد هذين القولين فقال: أما قول الفراء: إنه يجعل (ما) اسما تاما، وينصب بعوضة بدلا منه (٥)، فإن القول في ذاك ما قال الخليل وسيبويه، قالا جميعاً: إن (من) و (ما) يكونان (٦) نكرتين، فيلزمهما الصفة كلزوم الصلة (٧) إذا كانا معرفتين، تقول (٨): مررت بمن صالحٍ، أي: بإنسان

стр. 825

صالح. ومررت بما حسنٍ، أي بشيء حسن. فلا يكونان نكرتين إلا بوصفهما. كما لا يكونان (١) معرفتين إلا بصلتهما (٢). والفراء جعل (ما) وحدها اسما (٣)، لأن البعوضة ليست بصفة. وقال سيبويه (٤) في قوله تعالى: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] يجوز أن يكون (ما) نكرة، أي هذا شيء لدي عتيد، ويجوز أن يكون في معنى (الذي) (٥). وأما قول الكسائي: (ما بين كذا إلى كذا) (٦) فإنما يحكى هذا الكلام عن أعرابي وحده، وإن صح فوجهه غير ما ذكر، وهو أن يكون (ما) صلة، فيكون الكلام: (مطرنا (٧) زبالة فالثعلبية) كما تقول: أتيت الكوفة فالبصرة. ولو كان معناه (ما بين)، لم يكن المطر بزبالة ولا الثعلبية، لأن ما بينهما غيرهما، وإضمار (بين) فبعيد جداً. و (البعوض) صغار البق، الواحدة بعوضة، وذلك لأنها كبعض البق في الصغر (٨).

стр. 826

وقوله تعالى: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ يعني ما هو أكبر منها، لأن البعوض نهاية في الصغر (١). قال ابن عباس: يعني الذباب والعنكبوت (٢)، وهما فوق البعوض. [وقيل: أراد بما فوق البعوض] (٣) الفيل، وذلك أن الله تعالى خلق للبعوضة من الأعضاء مثل ما خلق للفيل (٤) على عظمه، وزاد للبعوض جناحين، ففي ضربه المثل به أعظم عبرة وأتم دلالة على كمال قدرته وتمام حكمته. وقال بعضهم: فما فوقها، يعني في الصغر، يريد فما هو أصغر منها (٥)، لأنه يقال: فلان فوق فلان في الحقارة والدناءة. واختار قوم هذا (٦)، لأن الغرض المطلوب هاهنا الصغر. فإن قيل: إذا كانت البعوضة هي النهاية في الصغر، فلا معنى في (٧) (فما فوقها) في الصغر، قيل: ليس الأمر على ما قلتم، لأن ما دون

стр. 827

البعوضة في الصغر متوهم معقول، وإن لم ير، كما قال: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ [الصافات: ٦٥] [الصافات: ٦٥] فالمشبه به معقول وإن لم ير، وكما قال الشاعر: وَمَسْنُونةٌ زُرْقٌ كَأنْيَابِ أغْوَالِ (١) ولم ير ناب الغول. ويؤكد هذا التأويل قول أبي عبيدة في هذه الآية وهو أنه (٢) قال: (فما فوقها) يعني: فما دونها (٣). و (فوق) من الأضداد، لأنه لا فوق (٤) إلا ويصلح أن يكون دون، لأن من فوقك (٥) يصلح أن يكون دون غيرك فذلك فوق (٦) من وجه ودون من وجه (٧). وإذا كان (فوق) بمعنى

стр. 828

(دون) كان المعنى (فما دونها) أي: ما هو أصغر منها. وقد استشهد على استحسان ضرب المثل بالحقير [في] (١) كلام العرب بقول الفرزدق: ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبوُتُ بِنَسْجِهَا ... وَقَضَى (٢) عَلَيْكَ بِهِ الكِتَابُ المُنْزَلُ (٣) وبقوله أيضاً: وَهَل شَيءٌ يَكُوُن أذَل بَيتَاً (٤) ... مِنَ اليَرْبُوعِ يَحْتَفِرُ التُّرَابَا (٥) وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ﴾. مدحهم الله بعلمهم أن المثل وقع في (٦) حقه (٧) وذم الكافرين بإعراضهم عن طريق الاستدلال وإنكارهم ما هو صواب وحكمة. وقوله تعالى: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. قال أبو إسحاق: (ماذا) يجوز أن يكون (ما) و (ذا) اسماً واحداً، ويكون موضعها نصباً، المعنى:

стр. 829

أي شيء أراد الله بهذا مثلًا؟ ويجوز أن يكون (ذا) مع (ما) بمنزلة (الذي) فيكون المعنى: ما الذي أراده (١) الله بهذا مثلا؟ فيكون (ما) رفعاً بالابتداء و (ذا) في معنى الذي وهو خبر الابتداء، انتهى كلامه (٢). وفائدة الوجهين يتبين في الجواب، فإنك إن جعلته اسمًا واحداً كان جوابه منصوبًا، وإن جعلت (ما) ابتداء و (ذا) خبره كان الجواب مرفوعا، مثاله أنَّ قائلا لو (٣) قال لك: ماذا أراد الله بهذا مثلا؟ قلت: البيانَ لحال (٤) الذي ضرب له المثل، لأنك أبدلته من (ماذا) وهو نصب. وفي الوجه الثاني قلت: البيانُ بالرفع؛ لأن (ذا) محله رفع بخبر الابتداء (٥). وجاء في القرآن بالتقديرين (٦) جميعًا في قوله: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠]، و ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل:٢٤] فعلى النصب كأنه قيل: أي شيء أنزل ربكم (٧)؟، وعلى الرفع (٨): أي شيء الذي (٩) أنزله (١٠)

стр. 830

ربكم؟ واستشهد سيبويه (١) في الرفع بقول الشاعر: ألا تسألانِ المرءَ ماذا يُحاوِلُ ... أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أمْ ضَلالٌ وَبَاطِلُ (٢) وبقولهم: (عَمَّاذَا تَسْأَل) على أنهما بمنزلة اسم واحد ولو لم يكن كذلك لقالوا: (عم ذا تسأل) (٣) وذكرنا هذه المسألة بأبلغ من هذا في الشرح، عند قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:٢١٩]. وفي نصب قوله: ﴿مَثَلًا﴾ وجوه، أحدها: الحال (٤)، لأنه جاء بعد تمام الكلام كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا مبينا. والثاني: التمييز والتفسير للمبهم (٥)، وهو (هذا) كأنه قيل ماذا أراد الله بهذا من

стр. 831

الأمثال (١). والثالث: القطع، كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا المثل (٢)؟ إلا أنه لما جاء نكرة (٣) نصب على القطع عن إتباع المعرفة، وهذا مذهب الفراء وأحمد بن يحيى (٤)، ومعناه: إن الذين كفروا يقولون: أي فائدة في ضرب المثل بهذا؟ فأضلهم الله سبحانه فقال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ (٥) أي: أراد الله بهذا المثل أن يضل به كثيرًا من الكافرين، وذلك (٦) أنهم ينكرونه ويكذبونه. ويهدي به كثيرًا من المؤمنين، لأنهم يعرفونه ويصدقون به (٧). قال (٨) الأزهري: (والإضلال) في كلام العرب ضد الهداية والإرشاد، يقال (٩): أضللت فلانا، إذا وجهته للضلال عن الطريق فلم (١٠) ترشده، وإياه أراد لبيد بقوله:

стр. 832

مَنْ هَدَاهُ سُبُلَ الخَيْرِ اهْتَدى ... نَاعِمَ البَالِ ومَنْ شَاءَ أَضَل (١) قال لبيد هذا في الجاهلية، فوافق قوله التنزيل: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) (٣) (٤). ولا يجوز أن يكون معنى الإضلال: الحكم والتسمية، لأن أحدنا إذا حكم بضلالة (٥) إنسان لا يقال: أضله، وهذا لا يعرفه أهل اللغة (٦). وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾. قال الليث: (الفسق) الترك لأمر الله، ومثله (الفسوق) (٧). قال أبو عبيدة: وأصله في اللغة الجور

стр. 833

والميل عن الطاعة، يقال: (فسق) إذا جار. وأنشد (١): فواسِقًا عَنْ قَصْدِهِ (٢) جَوَائِرا (٣) وقال الفراء (الفسق) (٤) الخروج عن الطاعة، قال: والعرب تقول: فسقت الرطبة من قشرها، لخروجها منه، وكأن الفأرة إنما سميت (فويسقة) لخروجها من جحرها على الناس (٥). وقال أبو العباس: (الفسوق) الخروج (٦). وقال أبو الهيثم: وقد يكون الفسوق شركًا، ويكون إثمًا (٧). والذي أريد به هاهنا الكفر (٨) لقوله (٩) تعالى: ٢٧ - ﴿الَّذِينَ ينَقُضُونَ﴾. (والذين) من صفة الفاسقين. و (النقض) في

стр. 834

اللغة: الهدم، وإفساد ما أبرمته من حبل أو بناء (١)، و (نقيض الشيء) (٢): ما ينقضه (٣) اي: يهدمه ويرفع حكمه (٤). والمناقضة في الشعر أن (٥) يقول الشاعر قصيدة، فينقض عليه شاعر آخر حتى يجيء بغير ما قال، والاسم النقيضة (٦) ويجمع على النقائض، ولهذا المعنى قالوا: نقائض (٧) جرير والفرزدق (٨). وقوله تعالى: ﴿عَهْدَ اللَّهِ﴾. (العهد) في اللغة يكون لأشياء مختلفة (٩)، والذي أريد به هاهنا الوصية (١٠) والأمر من قولهم: عهد الخليفة إلى فلان كذا وكذا، أي (١١): أمره. ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ [يس:

стр. 835

٦٠] أي ألم آمركم (١). والعهد أيضًا (٢) العقد الذي يتوثق به لما بعد (٣). وذكر أبو إسحاق للعهد (٤) المذكور في هذه الآية وجهين (٥) أحدهما: ما أخذه على النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا بالنبي ﷺ ، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ [آل عمران: ٨١]. وقال (٦): يجوز أن يكون عهد الله الذي أخذه من بين آدم من ظهورهم يوم الميثاق حين قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ثم جحدوا ونقضوا ذلك العهد في حال كمال عقولهم. والوجه الأول أصحهما، من قبل أن الله لا يحتج عليهم بما لا يعرفون، لأنه بمنزلة ما لم يكن إذا كانوا لا يشعرون به، ولا لهم دلالة عليه. والثاني مع هذه صحيح، لأنهم (٧) عرفوا ذلك العهد بخبر الصادق، فكان كما لو كانوا يشعرون به (٨).

стр. 836

وهذا (١) الوجه هو قول ابن عباس ذكره في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [الرعد: ٢٥] في سورة الرعد، قال: يريد الذي (٢) عهد إليهم في صلب آدم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾. (من) صلة لأجل التأكيد (٤). والميثاق: ما وقع التوثيق (٥) به، كما أن الميقات ما وقع التوقيت به، ومواقيت الحج من ذلك، لأنه وقع توقيت الإحرام ببلوغها. والكتاب أو

стр. 837

الكلام الذي يستوثق به: ميثاق، الوقت الذي يعقد به الوعد: ميعاد (١)، وكذلك المصداق (٢) ما انعقد الصدق به (٣). و (الياء) في الميثاق منقلبة عن الواو (٤). وقال الفراء: يقال في جمع الميثاق: مياثق ومواثق، قال (٥): حِمىً لاَ يُحَلُّ الدَّهْرَ إلَّا بِإذْنِنَا ... وَلَا نَسْأَلُ الأَقْواَمَ عَقْدَ المَيَاثِقِ (٦) والكناية في الميثاق يجوز أن تكون (٧) عائدة على الله، [أي: من بعد ميثاق الله ذلك العهد، بما أكد من إيجابه عليهم. ويجوز أن تعود على العهد] (٨)، أي: من بعد ميثاق العهد وتوكده (٩).

стр. 838

وقوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: ٢٥] يعني الأرحام (١)، وذلك أنّ قريشاً قطعوا رحم النبي ﷺ بالمعاداة معه (٢). وقيل: هو الإيمان بجميع الرسل والكتب، وهو نوع من الصلة، لأنهم قالوا: ﴿نُؤمِنُ بِبَعضٍ وَنَكفُرُ بِبَعضٍ﴾ [النساء: ١٥٠] فقطعوا. وهذا الوجه هو قول ابن عباس ذكره في الآية التي في (الرعد) (٣)، وقال: المؤمن لا يفرق [بين أحد من رسله فوصلوا (٤). قال الزجاج: وموضع ﴿أَنْ يُوصَلَ﴾ خفض على، (٥) البدل من (الهاء) المعنى: ما أمر الله أن يوصل (٦). ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي، وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ (٧). وقوله تعالى: ﴿أُوْلئِكَ هُمُ الخاَسِرُونَ﴾. أصل الخسران في التجارة

стр. 839

أن يبتاع الرجل شيئًا فيوضع من رأس ماله (١)، وهي الوضيعة فيه، والمصدر: الخسارة والخسر، وصفقة (٢) خاسرة غير مربحة، هذا هو الأصل (٣)، ثم قيل لكل صائر إلى مكروه: خاسر، لنقصان حظه من الخير، والقوم نقصوا (٤) بكفرهم راحة أنفسهم التي كانت لهم لو آمنوا، فاستحقوا العقوبة وفاتتهم المثوبة (٥). ٢٨ - قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية. قال النحويون: (كيف) في الأصل سؤال عن الحال، لأن جوابه يكون بالحال، وهي منتظمة جميع الأحوال (٦). ونظيرها في الاستفهام (كم) لأنها تنتظم جميع الأعداد و (ما) (٧) وهي تنتظم جميع الأجناس، و (أين) وهي تنتظم جميع الأماكن، و (متى) [وهي تنظم جميع الأزمان، و (من)] (٨) وهي تنتظم جميع ما يعقل (٩). قال الزجاج: تأويل (كيف) هاهنا استفهام في معنى التعجب، وهذا

стр. 840

التعجب إنما هو للخلق والمؤمنين، أي اعجبوا من هؤلاء كيف [يكفرون] (١) وثبتت حجة الله عليهم (٢). وقال الفراء: هذا على وجه التعجب والتوبيخ لا على الاستفهام المحض، أي: ويحكم كيف تكفرون؟ وهو كقوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ (٣) [التكوير: ٢٦]. وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾. قال النحويون: (كان) تقع (٤) في الكلام على وجوه: تامة وناقصة وزائدة (٥). فالتامة: هي المكتفية باسمها دون خبرهما كقولك: كان القتال، أي وقع وحدث. والناقصة: هي التي لا تتم دون خبرها كقولك: كان زيد أميرا. والزائدة: هي التي تكون (٦) دخولها في الكلام كخروجها (٧). كقوله: ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم:٢٩] (٨).

стр. 841

و (كان) التي لها خبر تتصرف (١) تصرف الفعل، وليست بفعل على الحقيقة، إنما تدل (٢) على الزمان وتدخل على الابتداء والخبر كقولك: زيد مسرور، [فإذا قلت كان زيد مسرورا، فكأنك قلت: زيد مسرور] (٣) فيما مضى من الزمان (٤). ويقال في مصدره الكَوْن والكَيْنُونَة (٥). قال الفراء: [تقول] (٦) في ذوات (الياء): الطَّيْرُوَرة والحَيْدوَدة (٧) والزَّيْغُوغَة فيما لا يحصى من هذا الضرب. فأما ذوات (الواو) مثل: قلت ورضت، فإنهم لا يقولون ذلك فيه، وقد أتى عنهم في أربعة أحرف منها: الكَيُنونَة من (كُنْتُ) والدَّيْمُومَة من (دُمْتُ) والْهَيْعُوعَة من (الْهُوَاع) (٨)،

стр. 842

والسَّيْدُودَة من (سُدْتُ) وكان ينبغي أن يكون (كونونة) ولكنها لما قلت في مصادر (الواو) وكثرت في مصادر (الياء) [ألحقوها بالذي هو أكثر مجيئًا منها، إذ كانت الواو والياء] (١) متقاربي المخرج. قال: وكان الخليل يقول: كَيْنُونَة (فَيْعَلُولَة)، وهي الأصل (كَيْوَنُونَة) (٢) التقت (ياء) و (واو)، والأولى منهما ساكنة فصيرتا [ياء] (٣) مشددة (٤)، مثل ما قالوا: الهَيِّن، ثم خففوها، فقالوا: (كَيْنُونَة)، كما قالوا: هَيْن لَيْن. قال الفراء: وقد ذهب مذهبا، إلا أن القول عندي هو الأول (٥). قال: ويضمر (٦) هاهنا (قد) والتقدير (٧): (وقد كنتم أمواتا) ولولا إضمار (قد) لم يجز مثله في الكلام. وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ

стр. 843

دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ (١) [يوسف: ٢٧] المعنى: (فقد كذبت). وقولك للرجل: أصبحت كثر مالك، لا يجوز إلا وأنت تريد: قد كثر مالك، لأنهما جميعا قد كانا، فالثاني حال للأول، والحال لا يكون في الفعل إلا بإضمار (قد) أو بإظهارها (٢). وحكى الكسائي: أصبحت [(٣) نظرت إلى (ذات التنانير) يريد: قد نظرت، وذات التنانير) موضع (٤). وتقدير الآية: كيف تكفرون وحالكم أنكم كنتم أمواتا. ومثل هذا قال الزجاج: فإنه قال: ومعنى (كنتم): وقد كنتم وهذه الواو، (واو الحال) (٥). قال أبو الفتح: إنما احتيج إلى إضمار (قد) لأن (قد) تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه، ألا تراهم يقولون: (قد قامت الصلاة) قبل حال قيامها، وعلى هذا قول الشاعر:

стр. 844

أُمَّ صَبِيٍّ قَدْ حَبَا (١) أَوْ دَارجِ (٢) فكأنه قال: حابٍ (٣) أو دارج (٤). ومثل هذه الآية قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] على معنى: قد حصرت (٥). فأما أحكام واو الحال فإنها مذكورة عند قوله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. وقوله تعالى: ﴿أَمْوَاتًا﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك: أراد (٦): وكنتم تراباً ردّهم إلى أبيهم آدم (٧).

стр. 845

وقال في رواية عطاء والكلبي: وكنتم نطفا، وكل ما فارق الجسد من نطفة أو شعر فهو ميت (١) ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ في الأرحام بأن خلقكم بشرا، وجعل فيكم الحياة ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تردون فيفعل بكم ما يشاء مما سبق علمه وحكمه (٢). ٢٩ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ الآية قال المفسرون لما استعظم المشركون أمر الإعادة عرفهم خلق السموات والأرض، ليدل بذلك على أن إعادة الحياة فيهم وقد خلقهم أولاً ليس بأكثر من خلقه السموات والأرض وما فيهما (٣).
следующие страницы →