← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

و (كان) التي لها خبر تتصرف (١) تصرف الفعل، وليست بفعل على الحقيقة، إنما تدل (٢) على الزمان وتدخل على الابتداء والخبر كقولك: زيد مسرور، [فإذا قلت كان زيد مسرورا، فكأنك قلت: زيد مسرور] (٣) فيما مضى من الزمان (٤). ويقال في مصدره الكَوْن والكَيْنُونَة (٥). قال الفراء: [تقول] (٦) في ذوات (الياء): الطَّيْرُوَرة والحَيْدوَدة (٧) والزَّيْغُوغَة فيما لا يحصى من هذا الضرب. فأما ذوات (الواو) مثل: قلت ورضت، فإنهم لا يقولون ذلك فيه، وقد أتى عنهم في أربعة أحرف منها: الكَيُنونَة من (كُنْتُ) والدَّيْمُومَة من (دُمْتُ) والْهَيْعُوعَة من (الْهُوَاع) (٨)،

стр. 842

والسَّيْدُودَة من (سُدْتُ) وكان ينبغي أن يكون (كونونة) ولكنها لما قلت في مصادر (الواو) وكثرت في مصادر (الياء) [ألحقوها بالذي هو أكثر مجيئًا منها، إذ كانت الواو والياء] (١) متقاربي المخرج. قال: وكان الخليل يقول: كَيْنُونَة (فَيْعَلُولَة)، وهي الأصل (كَيْوَنُونَة) (٢) التقت (ياء) و (واو)، والأولى منهما ساكنة فصيرتا [ياء] (٣) مشددة (٤)، مثل ما قالوا: الهَيِّن، ثم خففوها، فقالوا: (كَيْنُونَة)، كما قالوا: هَيْن لَيْن. قال الفراء: وقد ذهب مذهبا، إلا أن القول عندي هو الأول (٥). قال: ويضمر (٦) هاهنا (قد) والتقدير (٧): (وقد كنتم أمواتا) ولولا إضمار (قد) لم يجز مثله في الكلام. وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ

стр. 843

دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ (١) [يوسف: ٢٧] المعنى: (فقد كذبت). وقولك للرجل: أصبحت كثر مالك، لا يجوز إلا وأنت تريد: قد كثر مالك، لأنهما جميعا قد كانا، فالثاني حال للأول، والحال لا يكون في الفعل إلا بإضمار (قد) أو بإظهارها (٢). وحكى الكسائي: أصبحت [(٣) نظرت إلى (ذات التنانير) يريد: قد نظرت، وذات التنانير) موضع (٤). وتقدير الآية: كيف تكفرون وحالكم أنكم كنتم أمواتا. ومثل هذا قال الزجاج: فإنه قال: ومعنى (كنتم): وقد كنتم وهذه الواو، (واو الحال) (٥). قال أبو الفتح: إنما احتيج إلى إضمار (قد) لأن (قد) تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه، ألا تراهم يقولون: (قد قامت الصلاة) قبل حال قيامها، وعلى هذا قول الشاعر:

стр. 844

أُمَّ صَبِيٍّ قَدْ حَبَا (١) أَوْ دَارجِ (٢) فكأنه قال: حابٍ (٣) أو دارج (٤). ومثل هذه الآية قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] على معنى: قد حصرت (٥). فأما أحكام واو الحال فإنها مذكورة عند قوله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. وقوله تعالى: ﴿أَمْوَاتًا﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك: أراد (٦): وكنتم تراباً ردّهم إلى أبيهم آدم (٧).

стр. 845

وقال في رواية عطاء والكلبي: وكنتم نطفا، وكل ما فارق الجسد من نطفة أو شعر فهو ميت (١) ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ في الأرحام بأن خلقكم بشرا، وجعل فيكم الحياة ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تردون فيفعل بكم ما يشاء مما سبق علمه وحكمه (٢). ٢٩ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ الآية قال المفسرون لما استعظم المشركون أمر الإعادة عرفهم خلق السموات والأرض، ليدل بذلك على أن إعادة الحياة فيهم وقد خلقهم أولاً ليس بأكثر من خلقه السموات والأرض وما فيهما (٣).

стр. 846

وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ﴾ أي: لأجلكم، فما في الأرض مخلوق لهم بعضها للانتفاع، وبعضها للاعتبار (١)، فإن السباع والعقارب والحيات، وكل ما يؤذي ويضر فيها منفعة للمكلفين وجهة ما فيها من العبرة والإرهاب؛ لأنه إذا رئي (٢) طرف من المتوعد به كان أبلغ في الزجر عن المعصية وأدعى إلى التمسك بالطاعة، كما أنه إذا قدم طرف من الموعود به كانت النفس إليه (٣) أشوق، وعليه (٤) أحرص، والأصل في ذلك أن الخبر لا يقوم مقام المشاهدة فيما يصل إلى القلب ويبلغ إلى النفس (٥). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾. أخبرني أبو سعيد بن أبي عمرو النيسابوري (٦) ﵀ ثنا محمد بن يعقوب المعقلي (٧) أبنا (٨) محمد ابن (٩) الجهم عن الفراء قال: (الاستواء) في كلام العرب على جهتين،

стр. 847

إحداهما: أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته، (١) ويستوي من اعوجاج، وهذان وجهان، ووجه ثالث أن يقول: كان فلان مقبلا على فلان ثم استوى عليّ وإليّ [يشاتمني] (٢) على معنى أقبل عليّ وإليّ، فهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ (٣). وأقرأني العروضي، عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري، قال: سئل أحمد بن يحيى عن (الاستواء) في صفة الله، فقال: الاستواء الإقبال على الشيء (٤). وأقرأني سعيد بن محمد الحيري (٥) ﵀ عن أبي الحسن بن مقسم وأبي علي الفارسي عن الزجاج قال: قال قوم في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: عمد وقصد إلى السماء، كما تقول: فرغ الأمير من بلد كذا، ثم استوى إلى بلد كذا، معناه: قصد بالاستواء إليه. قال: وقول ابن عباس: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي صعد، معناه صعد أمره إلى السماء (٦)، انتهى

стр. 848

كلامه (١)] (٢). وحكى أهل اللغة أن العرب تقول: كان الأمير يدبر أهل الشام ثم استوى إلى أهل الحجاز، أي: تحول فعله وتدبيره إليهم (٣). والأصل في (الاستواء) الاستقامة (٤)، وإنما قيل للقصد إلى الشيء

стр. 849

استواء لأن الاستواء يسمى قصدًا، يقال: أمر قاصد وعلى قصد، إذا كان على استواء واستقامة، فلما سمي الاستواء قصدًا، سمي القصد استواء، وإن لم يكن المراد بالقصد الاستقامة، ظنًّا منهم أن كليهما سواء لما اجتمعا في التسمية في موضع، هذا تعليل ذكره بعض أصحاب المعاني (١) لتسميتهم القصد: استواءً وإن كانت اللغة لا تعلل. وأما استوى بمعنى: استولى، فقد يكون، وكأنه يقول: (استوت له الأمور فاستولى) (٢)، ثم وضع (استوى) موضع (استولى) (٣). وقال الأخفش: استوى (٤) أي: علا، تقول (٥): استويت فوق الدابة وعلى ظهر البيت أي علوته (٦).

стр. 850

وهذا القول اختيار محمد بن جرير قال: ومعناه (١) ارتفع ارتفاع ملك وسطان، لا ارتفاع انتقال وزوال (٢)، وإنما هو ارتفاع تدبيره وحكمه وسلطانه، وهذا قريب من قول ابن عباس وتوجيه الزجاج لقوله (٣). وقوله تعالى ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. حقيقة (التسوية) الجعل على الاستواء، يقال سويت الشيئين فاستويا، والفرق بينه وبين التقويم أن التسوية قد تكون بالحكم أن الشيئين يستويان، والتقويم لا يكون بالحكم، وإنما يكون

стр. 851

بالفعل (١). وجمع الكناية (٢) في ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ لأنه أراد بلفظ (السماء) جميع السموات كقولهم: كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، يراد الجمع (٣)، وكثيراً ما يذكر الواحد والمراد به الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء:٧٧] وقوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٦]. وكما أنشده (٤) قطرب: أَلاَ إِنَّ جِيرَانِي العَشِيَّة رَائِحٌ ... دَعَتْهُمْ دَوَاعٍ مِنْ هَوى وَمنَادِحُ (٥) ويجوز أن يراد بالسماء جمع سماة أو سماوة، على ما ذكرنا قبل (٦). وجائز أن تعود الكناية على أجزاء السماء ونواحيها (٧). وقوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾. (السبع) عدد المؤنث، والسبعة

стр. 852

للمذكر، وجاء التذكير والتأنيث في هذا على خلاف الأصل، لأنهم لما (١) وضعوا العدد في أول أمره قبل أن يعلق على معنى تحته وأكثر من العدد، قالوا: أربعة خمسة، ثم أرادوا بعد ذلك (٢) تعليقه على المعدود، وكان المذكر هو الأول جعلوا الأول للأول، والثاني للثاني (٣). ولهذا علل كثيرة يذكر (٤) في غير هذا الكتاب (٥). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. أي من كفرهم ونفاقهم وكتمهم وصفك يا محمد. وقيل: إنه لما ذكر ما يدل على القدرة والاستيلاء (٦) وصل (٧) ذلك بوصفه بالعلم، إذ به يصح الفعل المحكم المتقن. وقيل: هو (٨) بكل شي عليم من الخلق والتسوية (٩). والآية لا تدل على أنه خلق السماء بعد الأرض، إنما تدل على أنه

стр. 853

جعلها سبعًا بعد ما خلق الأرض، وقد كانت السماء قبل ذلك مخلوقة، كما قال أهل التفسير: إنها كانت قبل دخانًا (١). وكان أبو عمرو والكسائي يخففان (وهو)، (فهو) ويسكنان (الهاء) مع الواو والفاء واللام (٢). وذلك أنهما يجعلان هذه الحروف كأنها من نفس الكلمة، لما (٣) لم يكن لها إذا (٤) أفردت معنى، فأشبهت في حال دخولها الكلمة ما كان من نفسها (٥). وإذ كان كذلك خففت (الهاء) كما خففت (العينات) (٦) في (سَبُع)

стр. 854

و (عَضُد) (١) ونحوهما، ولا يخففان (٢) ﴿ثُمَّ هُوَ﴾ [القصص: ٦١] لأنه لا يستقيم أن يجعل (ثم) بمنزلة (الفاء) وما كان على حرف. والحرف الواحد قل يجعل كأنه من نفس الكلمة (٣)، وذلك قولهم: (لعمري وَرَعَمْلِي) فقلبوه مع اللام، واللام زائدة (٤). ومثل تخفيفهم (٥) (لَهْو) قولهم: (أَرَاك مُنْتَفْخاً) (٦) لما كان (تَفِخًا) (٧)، مثل [كَتِف] (٨) خفف، وكذلك قراءة من قرأ (٩) ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: ٥٢]، لما كان (تَقِه) (١٠)، مثل (كتف) خفف. ومثل ذلك ما أنشده الخليل: أَلاَ رُبَّ مَوْلُودٍ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ ... وَذِي وَلَدٍ لَمْ يَلْدهُ أَبَوَانِ (١١)

стр. 855

لما كان (يلد)، مثل (كتف) (١) خفف، ثم حرك الدال لالتقاء الساكنين، لأنه (٢) كان يجب أن يسكن علامة للجزم، فهذه الأشياء متصلة، وقوله: (فهو وهو ولهو) في حكمها، وليس كذلك (ثم هو) (٣) ألا ترى أن (ثم) منفصل من (هو) (٤) لإمكان الوقف عليها وإفرادها مما بعدها، وليست الكلم التي على حرف واحد كذلك. ولمن (٥) خفف (ثم هو) أن يقول (٦): إن (ثم) مثل الفاء والواو واللام في أنهن لسن (٧) من الكلمة، كما أن (ثم) ليس منها، وقد جعلوا المنفصل بمنزلة المتصل في أشياء، ألا ترى أنهم أدغموا (٨) نحو (يدْ دّاود) و (وجَعَلْ (٩) لَّك) كما أدغموا (رَدَّ) (١٠) و (عَدَّ)،

стр. 856

ومثل هذا قول امرئ القيس: فَالْيَومَ أَشْرَبْ غَيْرَ (١) مُسْتَحْقِبِ (٢) فـ (رَبْ غَيْ) (٣) مثل: (سبع)، وقد أسكن. وأنشد أبو زيد على هذ: قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا دَقِيقًا (٤)

стр. 857

٣٠ - قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾. قال النحاة: (إذ) و (إذا) [حرفا توقيت، (إذ) للماضي و (إذا)] (١) لما يستقبل (٢). قال المبرد: إذا جاء (إذ) مع المستقبل كان معناه المضي نحو قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ﴾ [الأنفال:٣٠]، ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾ [الأحزاب:٣٧] يريد: وإذ مكر، وإذ قلت. وإذا جاء (إذا) (٣) مع الماضي كان معناه الاستقبال (٤) كقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ﴾ [النازعات:٣٤] و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر:١] أي يجيء (٥). فإن قيل: إذا كانت (إذ) لما مضى (٦)، فكيف جاز (٧) ﴿وَإِذ قَالَ اللهُ

стр. 858

يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٦] , ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧]؟. والجواب أن هذا خرج على تقدير الاستقبال في المعنى، وفي اللفظ على صورة المضي (١)، لأن ما تحقق كونه فهو بمنزلة ما قد كان، كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٤٤]، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٥٠] وأشباهه (٢). وقال أبو عبيدة: (إذ) هاهنا (٣) زائدة، معناه: وقال ربك للملائكة (٤). وأنكر الزجاج وغيره هذا القول (٥)، وقالوا (٦): إن الحرف إذا أفاد

стр. 859

معنى صحيحا لم يجز إلغاؤه، قالوا: وفي الآية محذوف معناه: واذكر يا محمد إذ قال ربك (١). وقال أبو إسحاق (٢): إن الله جل ذكره ذكر خلق الناس في هذه الآية فكأنه قال: ابتدأ خلقكم إذ قال ربك للملائكة (٣). وأكثر المفسرين (٤) على أن كل ما ورد في القرآن من هذا النحو فالذكر فيه مضمر (٥). وأما (٦) (الملائكة) فقال سيبويه (٧): واحدها ملك، وأصله مَلْأَك، مهموز، حذف همزه لكثرة الاستعمال، وأنشد: فَلَسْتَ لإنْسِيٍّ ولكن لمَلْأَكٍ ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السِّماء يَصُوبُ (٨) وتابعه على هذا القول أكثر أهل العلم (٩).

стр. 860

إلا أن المحدثين من البصريين ذكروا أن هذا من باب القلب (١) فقالوا: نقل همزة (الأَلُوك)، وهو (فاء) إلى عينه، وقدموا العين، فقالوا: (لؤُوك) (٢) وبنوا (الْمَلْأَك) منه، وإنما قالوا ذلك لأنهم لم يجدوا لـ (مَلْأَك) (٣) أصلاً يردّونه إليه. وكان ادعاء القلب في الكلمة أولى عندهم من إهمال أصل (الْمَلْأَك) إذ علموا أن (المَفْعَل) (٤) وما يجري مجراه مما زيد في أوله ميم لابد له (٥) من أصل ثلاثي يرد إليه، ولم يمكن رد (الْمَلأَك) إلى (لَأَكَ) لأنه مهمل لم ينطق به (٦) فردوه إلى (أَلَك) لما (٧) وجدوا في الكلام: (الْمألَك) (٨)، و (الْمَأْلُك) و (الْمَاْلُكة) في معنى

стр. 861

الرسالة (١). ومعنى (أَلكَ) في اللغة: علك، يقال الخيل تَأْلُك اللجم، بمعنى: تعلُك، والرسالة سميت (أَلُوكا) لأن الإنسان يَأْلُكُها، ويدير الكلام في فيه، كما يَأْلُك الفرس اللجام (٢). فعلى هذا (ملك) وزنه (مَفَل) (٣)، وكان في الأصل (٤) (مَعْفَل)، لأنه مَلْأَك، هو مقلوب من (٥) (مأْلَك)، وأوردوا أن يكون مفعلًا من (الألوك)، إلا أنهم قلبوا كما ذكرنا (٦). هذا قول عامة أهل اللغة والنحو في هذا الحرف (٧). وذهب بعض (٨) المتأخرين من أصحاب أبي علي الفارسي وهو أبو القاسم الزجاجي إلى خلاف ما ذهب إليه هؤلاء فقال: قول من يقول: إن تركيب ملك من (م، ل، ك) أولى من قول من يقول: إنه (مَفْعَل) (٩) من

стр. 862

(الْأَلُوك) مقلوبًا، لأن (المَفْعَل) لا يكون حامل الرسالة، وهم يقولون: إنما قيل: (ملك) لحمله الرسالة، والذي يصلح من الأبنية له (فَاعِل) أو (فَعُول) (١) أو (فَعِيل) أو (مُفْعَل) فأما (مَفْعَل) فإنه يصلح أن يكون موضعًا أو مصدرًا. وما يتركب من (م، ل، ك) هو في كلامهم الاستيلاء على الشيء وإجادته وإنعامه كملك الشيء وملك العجين، وإملاكه هو إنعام عجنه، ولا يصل إلى ذلك إلا بالاستيلاء عليه، وإملاك الرجل أن يجعله مالكًا لعقد النكاح، وكل شيء مكنت غيرك منه وجعلته له فقد أملكته (٢) إياه وملكته، وجميع ما يتركب من هذه الحروف راجع إلى ما ذكرنا، وهذا قد مر ذكره في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]. فـ (الْمَلكَ) (٣) اسم الجنس يقع على الواحد والجمع (٤)، ويدل على

стр. 863

ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٧] وهو (فَعَل) في معنى مَفْعول، كالنشر والنقض والخبط. والله تعالى ذكره وإن كان قد ملك كل الخلق، فإنه أجرى هذه اللفظة على الجنس، لأنه (١) وصفهم فقال: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ١٦] وبهذه الصفة يجب أن يكون (٢) كُلٌّ مملوكاً (٣)، فلما وجد فيهم (٤) المعنى الذي يجب أن يكون عليه المملوك من الطاعة سماهم (الملك)، ومثل هذا الاختصاص كثير نحو: (ناقة الله) و (بيت الله). قال (٥): وذكر ابن دريد في الجمهرة فقال: (ويجمع (الْملَكُ) أمْلاَكًا وَملاَئِك) (٦)، وهذا قد أزال (٧) الخلاف لأن (أَفْعَالاً)، لا يجوز أن يكون جمع ما في أوله ميم زائدة. وحكى أبو القاسم الآمدي (٨) عن علي بن سليمان الأخفش (٩) أنه

стр. 864

قال: جمع الملك: أَمْلَاك (١). وحكي عن العرب (مالك الموت) في (ملك الموت) فلولا أنهم عرفوا أن الأصل فيه (م ل ك) ما عبروا عن (ملَك) بمالك. قال رويشد بن حنظلة (٢): غَدَا مالِكٌ يَبْغِي نِسَائِي كَأَنَّمَا ... نِسَائِي لسَهْمَيْ مَالِكٍ غَرَضَانِ فَيَارَبِّ فَاتْرُكْ لِي جُهَيْمةَ (٣) أَعْصُراً ... فَمَالِكُ مَوْتٍ بِالْفِرَاقِ دَهَانِي (٤)

стр. 865

وهذا الشاعر ماتت نساؤه (١) وأطال التزوج فلم تلبث (٢) عنده واحدة، فهذا كما ترى سمى المَلَك: (مَالِكاً)، وأما البيت الذي أُنشد في (الْمَلْأَك) (٣) فليس فيه حجة قاطعة فإنه شاعر (٤) واحد، ولم يسمع (الْمَلْأَك) إلا في ذلك البيت الواحد، ولعله همز ما ليس أصله الهمز كما قالوا: (رمح يَزْأَنِيَّ) (٥) فزادوا الهمز، وقالوا: (حَلَّأْتُ (٦) السَّويق) وليس أصله الهمز، ومثله كثير. وأما الجمع فالملائك (فعائل) كالجمائل في جمع الجمل (٧). ويجوز أن يكون الملائك (مفاعلا)، وإن كان الواحد (فَعَلاً)، لأن باب الجمع ليس بمطرد ولا مقيس، ألا ترى أنهم قالوا في جمع القبح (٨):

стр. 866

مقابح، وفي جمع الحسن: محاسن، وفي جمع الشبه: مشابه، وفي جمع العزف وهو اللهو معازف، وقالوا: أطعمني مطايب الجزور، لجمع (١) طيب، وهذا باب واسع (٢). والأمر فيه عند المحققين أن كل لفظة من هذه الألفاظ التي وردت في الجمع مخالفة للقياس هي موضوعة للجمع من غير أن كُسِّر (٣) عليها الواحد، فالمحاسن لفظة نابت (٤) عن جمع الحسن، وكذلك (٥) أشباهها، هذا كلامه وهو طويل وقد (٦) اختصرته (٧). وحكي عن النضر بن شميل، أنه قال في الملك: إن العرب لا تشتق فعله ولا تصرفه وهو مما فات (٨) علمه، فهذا الذي ذكرنا طرف من الكلام في أصل هذا الحرف (٩) على مقدار ما يليق بهذا الكتاب (على (١٠) صورة

стр. 867

المضي، لأن ما تحقق كونه، فهو بمنزلة ما قد كان، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ (١) وأشباهه. وقال أبو عبيدة (إذ) في هذا الموضع (٢) زائدة. معناه: وقال ربك للملائكة. وأنكر الزجاج وغيره هذا القول، وهو (٣) أن الحرف إذا كان مفيداً (٤) معنى صحيحاً لم يجز إلغاؤه، قالوا: وفي الآية محذوف معناه: واذكر يا محمد إذ قال لربك. وقال الزجاج (٥): إن الله جل ذكره ذكر خلق الناس (٦) في هذه الآية فكأنه قال: ابتدأ خلقكم إذ قال ربك للملائكة. وعند غيره من المفسرين (٧): أن كل ما ورد في القرآن من هذا النحو فالذكر فيه مضمر. و (الملائكة) (٨): الرسل واحدها مَلَك وأصله (مَأْلَك) وجمعها

стр. 868

(مآلِك) (١) ووزنه من الفعل (مَفْعَل) والهمزة فاء الفعل، واللام عينه ثم أخرت الهمزة بالقلب (٢)، تأخيرهم للعين من (القوس) في جمعها حيث قالوا: (قُسِيّ) (٣) وقالوا: (شَمْأَل وشَأْمَل) (٤) كذلك هاهنا قلبت الهمزة. ثم خفف (٥) بالحذف فقيل: ملك وأصله من المأْلُكة والمَأْلَكَة (٦) والألوك وهي: الرسالة، ويقال: ألِكْني (٧) إليه، أي: كن رسولي، وبلغ إليه رسالتي. قال لبيد: وغُلَامٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ ... بِأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ (٨)

стр. 869

وسميت الرسالة أَلوُكا، لأنه يؤلك في الفم، مشتقّاً (١) من قول العرب: الفرس يألك (٢) اللجام ويعضه بمعنى يمضغ الحديدة (٣). ذكره الليث، قال: والمعروف: يَلُوك (٤). وقال عبد بني الحسحاس (٥): أَلِكني إليْهَا عَمْرَكَ اللهُ يَا فَتَى ... بآيةِ (٦) مَا جَاءَتْ إليْنَا تَهَادِيَا (٧) وقال آخر، فردّ الملك إلى الأصل (٨): فَلَسْتَ لإنسيٍّ ولكن لمَلأَكٍ (٩) ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ (١٠)

стр. 870

وأصله مألك (١) فقلب الهمزة كما قالوا: شاك في شائك، ولاث في لائث (٢). ويقال في الجمع الملائكة والملائك، قال كثير: كَمَا قَدْ عَمَمْتَ المؤْمِنِينَ بِنَائِلٍ ... أَبَا (٣) خَالِدٍ صَلَّتْ عَلَيْكَ المَلاَئِكُ (٤) هذا قول الجمهور من أهل اللغة (٥). وقال النضر بن شميل في الملك: إن العرب لا تشتق فعله ولا تصرفه، وهو مما فات (٦) علمه. وقال بعض المتأخرين (٧): أصله ملك كما (٨) هو الآن وهو بمعنى

стр. 871

المملوك يذهب (١) فيه إلى أنه لله بمنزلة العبد لغيره، فهو (فَعَل) بمعنى مفعول كالنقض (٢) والخبط، فخالف بهذا القول جميع أهل اللغة واحتج على ما ذهب إليه بما يطول ذكره (٣). و (الخليفة) الذي يخلف الذاهب أي يجيء بعده، ويقال للسلطان: خليفة لأنه يخلف من قبله، يقال: خلف فلان مكان فلان، يخلف [إذا كان في مكانه (٤). اللحياني: خلف فلان فلانا في أهله وفي مكانه يخلفه، (٥) خلافة حسنة، وكذلك (٦) قيل: أوصى له بالخلافة، ويقال: خلفني ربي في أهلي وولد في أحسن الخلافة (٧). وأصل الخليفة خليف بغير هاء، لأنه (فَعِيل) بمعنى: (فاعل)، كالعليم والسميع، فدخلت (الهاء) للمبالغة بهذا الوصف، كما قالوا: راوية (٨) وعلاَّمة (٩). وقال ابن السكيت: أما الخليفة فإنه وقع للرجال خاصة، وإن كان (١٠) فيه (الهاء)، ألا ترى أنهم قد جمعوه (خلفاء) كما

стр. 872

يجمع فعيل. هذا فيمن ذَكَّر واستعمل المعنى، ومن أنث لتأنيث اللفظ قال في الجمع: (خلائف) (١). وقد ورد التنزيل بها، قال الله تعالى: ﴿خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]، وقال: ﴿خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) ويجوز تأنيث الخليفة على اللفظ كما قال: أَبُوك خَلِيفَةٌ وَلَدَتْه أُخْرى ... وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الكَمَالُ (٣) قال ابن عباس وابن مسعود وابن زيد (٤): أراد بالخليفة آدم ﵇ جعله خليفة لنفسه، يحكم بالحق في أرضه (٥). وروي عن ابن عباس أنه قال:

стр. 873

جعله خليفة عن الملائكة الذين كانوا سكان الأرض بعد الجن (١). قال المفسرون: وذلك أن الله تعالى خلق السماء والأرض، وخلق الملائكة والجن، فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن (٢) الأرض، فغبروا دهراً طويلاً في الأرض، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي، فاقتتلوا وأفسدوا، فبعث إليهم جندا من الملائكة يقال لهم: الجن ورأسهم إبليس، وهم خزان الجنان، اشتق لهم اسم من الجنة، فهبطوا إلى الأرض، وطردوا الجن عن وجوهها إلى شعوب الجبال، وجزائر البحور، وسكنوا الأرض، وكانوا أخف الملائكة عبادة، لأن أهل السماء الدنيا أخف عبادة من الذين فوقهم، وكذلك أهل كل سماء، وهؤلاء الملائكة لما صاروا سكان الأرض خفف الله عليهم العبادة، وخلقت الملائكة كلها من نور غير هذا الحي (٣) الذين يقال لهم: الجن (٤)، فأحبوا (٥) البقاء في الأرض.

стр. 874

كان الله تعالى قد أعطى إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنان، وكان يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة، فأعجب بنفسه، وتداخله الكبر، فاطلع الله على ما انطوى عليه في الكبر، فقال له ولجنده: إني جاعل في الأرض خليفة (١). وإخبار (٢) الله تعالى الملائكة بهذا يكون على جهة البشارة لهم بمكان آدم كما جرت به سنته بالبشارة بالأنبياء قبل خلقهم وقبل إرسالهم (٣). ولا يكون ذلك (٤) على جهة المشاورة معهم (٥)، لامتناع

стр. 875

المشاورة في وصفه، لوجوب كونه عالماً لا يخفى عليه شيء. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. قال الفراء (١): أراد: فقالوا فحذف فاء النسق كقول الشاعر: لمَّا رَأَيْتُ نَبَطاً أَنْصَارَا شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِي الإزَارَا كُنْتُ لَهْمْ مِنْ النَّصَارى جَارَا (٢) أي: فكنت لهم. واختلفوا (٣) في قول الملائكة: (أتجعل فيها) على أي وجه حصل منهم هذا: فروي أن الذين قالوا هذا عشرة آلاف من الملائكة، فأرسل الله (٤) عليهم نارا فأحرقتهم (٥). وقال بعض أهل المعاني: فيه إضمار واختصار، معناه: أتجعل فيها من يفسد فيها [ويسفك الدماء؟ أم تجعل فيها من لا يفسد فيها] (٦) ولا يسفك الدماء؟ كقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٩]، يعني

стр. 876

كمن هو غير قانت (١)، وكقول أبي ذؤيب: عَصَيْتُ إليْها القَلْبَ إِنِّي لِأَمْرِهَا ... مُطِيعٌ فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلاَبُهَا (٢) أراد: أرشد (٣) أم غي، وعلى هذا فالملائكة أرادوا بالاستفهام أن يخبروا بما لا يعلمون، ولم يذهبوا إلى الإنكار والاعتراض (٤)، فقال الله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٥)، لم يطلعهم على صفة أولاد آدم. ولم يبين لهم أنه يريد أن يخلق من يفسد أو لا يفسد (٦). وقيل: لما قال الله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أشكل على الملائكة أن الخليفة ممن يكون، قالوا: يا ربنا أتجعل في الأرض خليفة كما كان بنو الجان مفسدين؟ أم تجعل خليفة من الملائكة؟ فإنا نسبح بحمدك، فلم يطلعهم الله على ذلك، فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي (٧): أن فيهم المطيع والعاصي جميعاً (٨).

стр. 877

وقال الزجاج حكاية عن غيره: المعنى في هذا هو (١): أن الله أعلم الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، أن الخليفة (٢) فرقة من بني آدم [تسفك] (٣) الدماء، وأن الله أذن للملائكة أن يسألوه عن ذلك، وكان (٤) إعلامه إياهم هذا زيادة في التثبيت (٥) في نفوسهم أنه يعلم الغيب، وكأنهم قالوا: أتخلق (٦) فيها قوماً يسفكون الدماء ويعصونك، وإنما ينبغي إذا عرفوا أنك خلقتهم أن يسبحوا بحمدك كما نسبح، ويقدسوا كما نقدس، ولم يقولوا هذا إلا وقد أذن لهم، لأن الله تعالى وصفهم بأنهم يفعلون ما يؤمرون (٧). فإن قيل: فأين إخبار الله بذلك للملائكة فإنا لا نراه في القرآن؟ قيل: هو محذوف مكتفى بدلالة الكلام عليه، كأنه قال: (إني جاعل في الأرض خليفة) يكون من ولده إفساد (٨) في الأرض، وسفك للدماء (٩)، فحذف هذا اكتفاء (١٠) بما دل عليه من جواب الملائكة، كما

стр. 878

قال الشنفرى (١): فَلَا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ... عَلَيْكُمْ ولكن خَامِري أُمَّ عَامِرِ (٢) أراد: ولكن دعوني للتي يقال لها إذا أريد صيدها: خامري أم عامر، فحذف (٣). قال الزجاج: ويجوز أن يكون هذا القول من الملائكة على وجه استعلام وجه الحكمة، لا على الإنكار. معناه: كيف تجعل في الأرض من يفسد ويسفك الدماء ونحن نسبحك الآن إذ أجليناهم (٤) وصرنا سكانها، فأخبِرْنا (٥) وجه الحكمة فيه (٦).

стр. 879

وقال ابن عباس وأكثر المفسرين: إن الله تعالى لما اطلع على كبر إبليس قال للملائكة الذين كانوا معه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فقالت (١) الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيهما كما فعل (٢) بنو الجان، قاسوا بالشاهد على الغائب (٣)، فقال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من كبر إبليس واغتراره بفعله، ثم لما ظهر من أمر إبليس ما ظهر وعجزت هؤلاء الملائكة عن (٤) الإخبار عن أسماء الأشياء اعترفوا بالعجز، وقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (٥) ومع وضوح هذه الأقوال فإن ظاهر الخطاب يدل على أنه شق على الملائكة خلق الخليفة لأنهم لما سكنوا (٦) الأرض خفت عنهم العبادة كما ذكرنا، فخافوا أن يردوا إلى السماء فتثقل عليهم العبادة فلهذا شق عليهم خلق الخليقة (٧).

стр. 880

وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. معنى التسبيح: تنزيه الله من كل سوء، وقد يكون بمعنى الصلاة، ويقال: سبح لله (١) أي صلى لله (٢). قال الحسن: معناه: يقول سبحان الله وبحمده (٣). قال الأزهري (٤): أجمع المفسرون وأهل المعاني: أن معنى (٥) تسبيح الله، تنزيه الله وتبرئته عن السوء. قال: وأصل التسبيح (٦) في اللغة، التبعيد من قولك: سبحت في الأرض، إذا تباعدت فيها، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، فكل من أثنى على الله وبعّده من السوء، فقد سبح له (٧) ونزهه. وقال بعض أهل المعاني: معنى قوله: ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ نتكلم بالحمد لك، والنطق بالحمد لله تسبيح له، كما قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى:٥] وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر:٣] أي:
следующие страницы →