← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.

стр. 8121

قال الزجاج: (يقال: تَحَفَّى به تَحَفِّيًا، وحَفِي به حَفْوَة إذا بره وألطفه) (١). وقال الكلبي: (﴿حَفِيًّا﴾: عالما) (٢). وهو قول ابن عباس في رواية عطاء (٣). قال جابر: (معينا) (٤). وذكر الفراء القولين جميعا (٥). والكلام في هذا قد مر مستقصى في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]. قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ﴾ أي: أتنحى عنكم وأفارقكم. يقال: عَزَلْتُه عن الشيء نحيته عنه فَاعْتَزَل (٦). وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: أعتزل ما تعبدون من دون الله يعني: الأصنام (٧). ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أعبده ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أرجو أن لا أشقى بعبادته، وفي هذا إشارة إلى أنهم شقوا بعبادة الأصنام؛ لأنها لا تنفعهم ولا تجيب دعاءهم (٨).

стр. 8122

٤٩ - ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ هاجرهم بالخروج إلى ناحية الشام (١). ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ آنسنا وحشته من فراقهم بأولاد كرام على الله (٢). ﴿وَكُلًّا﴾ من هذين ﴿جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾. ٥٠ - قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ قال الكلبي: (المال والولد) (٣). وهو قول الأكثرين قالوا: (رحمته ما بسط لهم في الدنيا من سعة الرزق) (٤). فقوله: ﴿مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ في محل النصب بوقوع الهبة عليه. وقال آخرون: (يعني الكتاب والنبوة) (٥). ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ﴾ أي: ثناء حسنا في الناس ﴿عَلِيًّا﴾ مرتفعا سائرا في الناس (٦). وكل أهل الأديان يتولون إبراهيم وذريته ويثنون عليهم، واللسان يذكر ويراد به: القول واللغة، وإضافته إلى الصدق مدح له، والعرب إذا مدحت شيئًا أضافته إلى الصدق يقال: فلان رجل صدق. قال الله تعالى: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣]. وقال: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]، وتقول العرب: إن لسان الناس عليه لحسنة، وحسن، أي: ثناؤهم، يقولون: إن شفة الناس عليك لحسنة (٧). ٥١ - قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ قال

стр. 8123

الكلبي: (أخلص العبادة والتوحيد لله تعالى (١). أي: جعلها خالصة من شائبة تفسدها. وقال الزجاج: (جعل نفسه خالصة في طاعة الله غير دنسه) (٢). ومن قرأ: ﴿مُخْلَصًا﴾ بالفتح (٣). فهو الذي أخلصه الله وجعله مختارا خالصا من الدنس، فحجة من كسر اللام قوله: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]، وحجة من فتحها قوله: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص: ٤٦]. ٥٢ - وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ قال ابن عباس: (يريد حيث أقبل من مدين (٤)، ورأى النار في الشجرة، وهو يريد من يهديه إلى طريق مصر، فلما انتهى إلى الشجرة ناداه الله) (٥). وهو قوله: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ

стр. 8124

الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠] وقوله تعالى: ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ أي: من ناحية الجبل، وهو جبل بين مصر ومدين اسمه: زبير (١). وقوله تعالى: ﴿الْأَيْمَنِ﴾ قال الكلبي: (يعني يمين موسى، ولم يكن للجبل يمين ولا شمال) (٢). ونحو هذا قال الفراء وقال: (إنما هو الجانب الذي يلي يمين موسى، كما تقول: عن يمين القبلة وشمالها) (٣). ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ أي: مناجيا، والنجي بمعنى: المناجي كالجليس، والنديم، قاله الفراء، والزجاج (٤). وقد يكون النجي اسما ومصدرًا، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]. قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد قربه الله وكلمه) (٥). وهذا قول جماعة جعلوا معنى هذا التقريب أن أسمعه كلامه (٦). وهو قول أبي عبيدة، واختيار الزجاج قال: (قربه منه في المنزلة حتى سمع مناجاة الله وهي كلام الله -عزوجل-) (٧).

стр. 8125

قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (قربه حتى سمع صريف القلم حين كتب في اللوح) (١). وهو قول الكلبي، ومجاهد (٢). وقال الحسن: (أدخل في السماء الدنيا فكلم) (٣). ٥٣ - قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ أي: من نعمتنا ﴿أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾. قال ابن عباس: (يريد حيث سألني) (٤). فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٩ - ٣٠] الآية. [قال الكلبي: (وكان معه وزيرا) (٥). و ﴿نَبِيًّا﴾ منصوب بوهبنا على تقدير ووهبنا له من رحمتنا نبيا أخاه هارون] (٦) على أن تجعل أخاه بدلا من نبيا، ولا يجوز أن تجعل أخاه منصوبا بوهبنا؛ لأنه لم يسأل الله أن يهب له أخا إنما سأله أن يشرك أخاه في نبوته ويجعله وزيرًا [له

стр. 8126

فوهبه الله ذلك بأن] (١) أكرم أخاه بالنبوة (٢). يدل على هذا ما روى عكرمة عن ابن عباس قال. (هارون أكبر من موسى [وإنما وهبت له نبوته)] (٣) (٤). ٥٤ - قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ قال مجاهد: (لم يعد شيئا إلا وفي به) (٥). قال مقاتل: (أقام ينتظر إنسانا لميعاد ثلاثة أيام) (٦). وقال الكلبي: (أقام حتى حال عليه الحول) (٧). وقال عطاء عن ابن عباس: (وعده إنسان أن يعود إليه فأقام ولم يبرح من مكانه، وكان في ضميره أن لو أقام سنة لم يخلفه موعده، حتى أتاه جبريل فقال: إن الفاجر الذي سألك أن تقعد حتى يعود إليك هو إبليس، فلا تقعد ولا كرامة) (٨).

стр. 8127

فسماه الله صادق الوعد ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ قال: (أرسل إلى جرهم) (١) (٢) ٥٥ - وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ﴾ قال ابن عباس: (يريد قومه) (٣). قال الزجاج: (أهله جميع أمته، ممن كانت بينه وبينهم قرابة أو لم يكن، وكذلك أهل كل نبي أمته) (٤)؛ لأن كل نبي (٥) فهو بمنزلة الأب لأمته فإذا كانت الأمة كالأولاد له (٦) فهم أهله. قاله مقاتل (٧). نظيره: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢] أي: قومك. وقوله تعالى: ﴿بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ قال ابن عباس: (يريد التي افترضها الله عليهم وهي الحنيفية التي افترضت علينا) (٨). ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ

стр. 8128

مَرْضِيًّا﴾ قال: (يريد قام لله بطاعته) (١). قال الزجاج: (ويقال: فلان مَرْضُو، ومَرْضِي، وأَرْضٌ مَسْنُوَّة ومَسْنِية إذا سقيت بالسواني، والأصل الواو إلا أنها قلبت عند الخليل؛ لأنها طرف) (٢). وقال الفراء: (الأصل الواو بدليل الرِّضْوَان، والذين قالوا مَرْضِيَّا بنوه طى رَضِيْت أَرْضِي، أصله رَضَوْت أَرْضُو فصارت الواو في رَضَوْت ياء لإنكسار ما قبلها، وغلبت الفتحة على الواو من أَرْضُو فجعلتها (٣) ألفا وبني مَرْضِي على رَضِيْت. هذا مذهب الفراء (٤). ٥٦، ٥٧ - قوله تعالى في ذكر إدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يعني الجنة) (٥). والقصة في كيفية ذلك معروفة. وروى أنس بن مالك أن نبي الله ﷺ قال: (لما عرج بي رأيت إدريس في السماء الرابعة) (٦).

стр. 8129

ونحو ذلك روى أبو سعيد الخدري (١). وهو قول كعب، ومجاهد قال: (رفع إلى السماء الرابعة ولم يمت كما رفع عيسى) (٢). وروي عن ابن عباس أيضًا: (أنه رفع إلى السماء السادسة) (٣). وهو قول الضحاك (٤) وقال أبو إسحاق: (وجائز أن قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ في النبوة والعلم) (٥). ٥٨ - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ يعني الذين ذكرهم من الأنبياء في هذه السورة، ثم بين مراتبهم في شرف النسب فقال: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ قال ابن عباس، والسدي: (يعني إدريس، ونوحا) (٦). ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ إبراهيم؛ لأنه من ولد سام بن نوح، ويريد بالحمل مع نوح العمل في سفينته. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يريد إسحاق، وإسماعيل، ويعقوب. وقوله تعالى: ﴿وَإِسْرَائِيلَ﴾ يعني: ومن ذريته وهم: موسى، وهارون،

стр. 8130

وزكريا، ويحيى، وعيسى (١)، وكان لإدريس، ونوح شرف القرب من آدم، ولإبراهيم شرف القرب من نوح. وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب لما تباعدوا من آدم حصل لهم الشرف بإبراهيم (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾ أي: هؤلاء كانوا ممن أرشدنا واصطفينا ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ قال ابن عباس: (سجدًا متضرعين إليه) (٣). قال أبو إسحاق: (قد بين الله أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا آيات الله سجدوا وبكوا) (٤). وذكر الكلام في انتصاب سجدا عند قوله: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] ﴿وَبُكِيًّا﴾: جمع باك مثل ساجد وسجود، وقاعد وقعود أصله: بكوي ففعل كما فعل بمرمى ومقضى، وقد ذكرنا ذلك في هذه السور (٥) ٥٩ - قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ ذكرنا الكلام في هذا في سورة الأعراف [١٦٩]. قال السدي: (هم اليهود والنصارى) (٦). وقال مجاهد وقتادة: (هم من هذه الأمة عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة

стр. 8131

محمد ﷺ قوما يتبارون ينزوا بعضهم على بعض في الأزقة (١) زناة) (٢). وقوله تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ قال محمد بن كعب: (تركوها) (٣) وقال القاسم بن مخيمرة (٤): (أخروها عن وقتها) (٥). وهو قول إبراهيم، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز (٦). قال إبراهيم: (أضاعوا الوقت) (٧). وقال عمر: (شربوا الخمر فأضاعوها) (٨).

стр. 8132

وقال سعيد: (هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا العصر حتى تغرب الشمس) (١). وقال السدي: (لم يتركوها ولكنهم أضاعوا وقتها) (٢). وقال الحسن: (عطلوا المساجد ولزموا الضيعات) (٣) (٤). قال الزجاج: (والأشبه في تفسير: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ تركوها البته؛ لأنه يدل على أنه يعني به الكفار، ودليل ذلك قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾) (٥). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ قال ابن عباس: (اتبعوا المعاصي) (٦). قال الكلبي: (يعني اللذات شرب الخمر وغيره) (٧). المعنى: آثروا شهوات

стр. 8133

أنفسهم على طاعة الله، ويمكن الجمع بين القولن في الآية بأن يقال: "أضاعوا الصلاة" يعني: المقصرين فيها في هذه الأمة، ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ يعني: اليهود والنصارى والمجوس. فقد قال مقاتل في تفسيره: (استحلوا نكاح الأخت. ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ يعني تاب من التقصير في الصلاة "وآمن" يعني: اليهود والنصارى) (١). وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاءة (الغي: واد في جنهم) (٢)، وهو قول ابن مسعود (٣)، وأبي أمامة (٤)، وشفي بن ماتع (٥) (٦)، ومجاهد (٧)، ووهب (٨)، وكعب (٩). وعلى

стр. 8134

هذا قال أبو إسحاق: (جائز أن يكون نهرًا وواديًا أعد للغاوين فسمي غيا) (١). وروي عن ابن عباس في قوله: (غَيًّا) قال: (شرا وخيبة) (٢). وهو قول ابن زيد (٣). وقال الضحاك: (خسرانا وعذابا) (٤). وعلى هذا القول معنى الغي في اللغة: الفساد (٥). روى ذلك ثعلب عن ابن الأعرابي قال: (وقول الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] أي: فسد عليه عيشه) (٦). وذكر الزجاج وجها آخر في معنى الغي وهو أنه قال: (فسوف يلقون مجازاة الغي، كما قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] أي: مجازاة الأثام) (٧).

стр. 8135

ومعنى ﴿يُلْقُونَ﴾ هاهنا ليس بمعنى يرون فقط؛ لأن اللقاء معناه الاجتماع والملابسة مع الرؤية (١). ٦٠ - قوله تعالى: ﴿إَلا مَن تَابَ﴾ قال الزجاج: (﴿مَنْ﴾ في موضع النصب، أي: فسوف يلقون العذاب إلا التائبين. قال: وجائز أن يكون نصبا استثناء من غير الأول ويكون المعنى لكن من تاب) (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُظلَمُونَ شَيْئًا﴾ قال ابن عباس: (يريد ولا ينقصون ثوابا) (٣). ٦١ - قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْن﴾ بدل من قوله: ﴿يَدخُلُونَ اَلجَنَّةَ﴾ (٤). ومضى الكلام في معنى عدن (٥). وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ قال ابن عباس: (يريد أنهم غابوا عما فيها مما لا عين رأت) (٦). والمعنى أنهم لم يروها فهي غيب لهم ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ قال الكسائي: (لابد من أن يؤتى

стр. 8136

عليه ومن أن يبلغ ويصار إليه. ولو كان آتيا لكان صوابا كما قال: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام: ١٣٤] ولكن مأتيا لرؤس الآيات) (١). وقال الفراء: (مأتيا ولم يقل آتيا؛ لأن كل ما أتاك فقد أتيته ألا ترى أنك تقول: أتيت على خمسين سنة وأتت علي خمسون سنة) (٢). ونحو هذا في الزجاج سواء، ومثله بقولك: وصلت إلى خبر فلان، ووصل إلى خبر فلان (٣). وذكر ابن جرير وجهًا آخر قال: (وعده في هذه الآية موعوده وهو الجنة، ومأتيا ما يأتيه أولياؤه وأهل طاعته) (٤). ٦٢ - قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ اللغو: الهدر من الكلام، واللغو ما يلغى من الكلام ويؤثم فيه (٥). وقد تقدم القول في هذا (٦). قال ابن عباس في رواية الوالبي: (لغوا: باطلاً) (٧). وقال في رواية عطاء: (اللغو: كل ما لم يكن فيه ذكر الله) (٨). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا سَلَامًا﴾ استثناء من غير الجنس، معناه: لكن

стр. 8137

يسمعون سلاما (١). قال ابن عباس: (يريد ذكر الله وما يثابون عليه) (٢) (٣). وقال المفسرون: (يُحىِّ بعضُهم بعضًا بالسلام، ويرسل إليهم الرب الملائكة بالسلم) (٤). قال الزجاج: (السلام (٥): اسم جامع للخير؛ لأنه يتضمن السلامة. والمعنى: أن أهل الجنة لا يسمعون ما يؤثمهم وإنما يسمعون ما يسلمهم) (٦). وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال ابن عباس: (ليس في الجنة بكرة ولا عشية ولكن على قدر ما يعرفون في الدنيا من الغداء والعشاء) (٧). [وقال الضحاك عنه: (يؤتون به على مقادير الليل والنهار) (٨). وقال قتادة: (كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء] (٩) أعجب به، فأخبر الله أن لهم في الجنة رزقهم بكرة وعشيا على قدر ذلك

стр. 8138

الوقت) (١). وقال الحسن: (كانت العرب لا تعرف شيئا من العيش أفضل من الغداء والعشاء، فذكر الله جنته فقال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾) (٢). وقال الزجاج: (ليس ثم بكرة ولا عشي، ولكنهم خوطبوا بما يعقلون في الدنيا، فالمعنى: لهم رزقهم في مقدار الغداة والعشي) (٣). وهذا قول جميع أهل التأويل (٤). وقال أهل المعاني: (لهم رزقهم على مقادير أرِفَّة عيش في الدنيا؛ لأن أَرِفَّة عيشها (٥) أن يكون الإنسان آكلا بكرة وعشيًّا كيف شاء، فضرب الله ذلك مثلًا لرغد العيش في الجنة، [وزمان الجنة] (٦) كله نهار) (٧).

стр. 8139

٦٣ - قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ في معنى إيراث الجنة قولان للمفسرين: أحدهما: أن معناه ننزل. وهو قول الكلبي (١). وجعل ذلك كالميراث من جهة أنه يملك بحال استؤنفت عن حال قد انقضت من أمر الدنيا كما ينقضي حال الميت من أمر الدنيا. القول الثاني: أن الله تعالى يورث عباده المؤمنين من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا (٢). وقوله: ﴿مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ أي: اتقى معصية الله وعقابه بالطاعة والإيمان.

стр. 8140

٦٤ - قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآيه. روي بطرق كثيره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: (أن رسول الله ﷺ قال لجبريل: "ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت هذه الآية جوابا لرسول الله ﷺ ) (١). وقال في رواية عطاء: (سأل المشركون رسول الله ﷺ عن ذي القرنين، وعن أصحاب الكهف، وعن الروح فقال: غدًا أخبركم، ولم يستثن وأبطأ عليه الوحي أربعين يوما، ثم نزل جبريل فقال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، وقال رسول الله ﷺ : ألا (٢) زرتنا حين أبطأ عن الوحي، فأنزل الله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ الآية) (٣). والمفسرون كلهم [في سبب نزول] (٤) هذه الآية على هذا، قالوا:

стр. 8141

(استبطأ رسول الله ﷺ جبريل ثم جاءه فقال رسول الله ﷺ : "يا جبريل إن كنت لمشتاقا إليك". قال: وأنا والله يا محمد قد كنت إليك مشتاقا، ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست. وأنزل الله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّل﴾ الآية) (١). وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ قال سعيد بن جبير: (﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ من أمر الآخرة (وما خلفنا من أمر الدنيا) (٢). وهذا قول سفيان، وقتادة، ومقاتل (٣). وقال الآخرون: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ الآخرة) (٤). وهذا قول السدي، ومجاهد (٥). وقوله تعالى: ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ قال سعيد بن جبير: (ما بين الدنيا والآخرة) (٦). وهو قول مجاهد في رواية ابن أبي نجيح (٧). وقال في رواية

стр. 8142

الليث: (وما بين ذلك ما بين النفختين) (١). وهو قول السدي (٢)، وقتادة (٣)، وسفيان (٤)، والربيع (٥)، والضحاك (٦)، وأبي العالية (٧). وقال أبو إسحاق: (﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ من أمر الآخرة والثواب والعقاب، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ جميع ما مضى من أمر الدنيا، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ما يكون منا في هذا الوقت إلى يوم القيامة) (٨). وهذا هو الاختيار؛ لأنه لم يجز للنفختين ذكر حتى يشار إليه (٩).

стр. 8143

وقال ابن عباس في رواية عطاء: (﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ يريد الدنيا يعني الأرض. ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ يريد السموات ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ يريد الهواء) (١) والمعنى: أن كل ما ذكر لله فلا نقدر على فعل إلا بأمره (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ قال ابن عباس: (يريد تاركا لك منذ أبطاء عنك الوحي) (٣). وعلى هذا النسي بمعنى الناسي، وهو التارك، وقال السدي: (ما نسيك ربك) (٤). [وذلك أن المشركين قالوا لما أبطأ عنه الوحي: قد نسيه وودعه، فنزل: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾] (٥) ونزل: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣]. وقال أبو إسحاق: (أي قد علم الله ما كان وما يكون وما هو كائن وهو حافظ لذلك لا ينسى منه شيئًا) (٦). ٦٥ - قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مالكهما ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: ومالك ما بينهما من خلقه ﴿فَاعْبُدْه﴾ أي: وحده؛ لأن عبادته بالشرك كلا عبادة ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ قال ابن عباس: (لطاعته) (٧). وقال غيره: (اصبر على أمره ونهيه) (٨). ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال في

стр. 8144

رواية الوالبي: (هل تعلم للرب مثلًا أو شبها) (١). وهو قول مجاهد (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، وابن جريج (٤) وعلى هذا السَّمي: عبارة عن المثل والشبيه. وقال في رواية سماك: (هل تعلم أحدًا اسمه الرحمن غيره) (٥). وهو قول السدي (٦). ودليل هذا القول قراءة ابن مسعود: (الرحمن هل تعلم له سميا). وقال في رواية عطاء: (هل تعلم أحدا يسمى الله غيره) (٧). وهذا قول الكلبي (٨).

стр. 8145

وقال أبو إسحاق: (تأويله -والله أعلم- هل تعلم له سميا يستحق أن يقال له: خالق، وقادر، وعالم بما كان وبما يكون، فذلك ليس إلا من صفة الله) (١). وعلى هذا لا سمي لله في جميع أسمائه، لأن غيره وإن سمي [بشيء من أسمائه فإنه غير مستحق للوصف به، والله تعالى حقيقته ذلك الوصف. وقال مقاتل: (لا يسمى باسم الله غير الله، لما حاول المشركون التسمية باللهِ قالوا: اللات، وقالوا في العزيز: العزى) (٢). ٦٦ - قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ يعني الكافر الذي لا يؤمن بالبعث إذا مات (٣). ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ يقول ذلك استهزاء وتكذيبا منه بالبعث. قال ابن عباس في رواية عطاء: (نزلت في الوليد بن المغيرة) (٤). وقال في رواية الكلبي عن أبي صالح: (نزلت في أبي بن خلف حين أخذ عظاما بالية يفتها بيده ويقول: زعم لكم محمد أن الله يبعثنا بعد أن نموت) (٥). وقال صاحب النظم: (اللام في قوله: ﴿لَسَوْفَ﴾ لام تأكيد يؤكد بها ما بعدها من الخبر، وهذا الإنسان كافر لا يؤمن بالبعث، والكلام محكي عنه

стр. 8146

فلم حكي عنه بالتأكيد وهو منكر له ومن أنكر شيئا لم يؤكده؟ قال: والجواب أن هذا من باب الحكاية والمجازاه. كأن النبي ﷺ قال له: لسوف تخرج بعد الموت حيا، فقال حاكيا ومعارضا لكلامه: ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ولا يذهب مذهب التأكيد، وإنما يذهب مذهب الحكاية والمعارضة والمجازاة لكلامه، كما تقول العرب: رأيت زيدًا، فيقول السامع: من زيدا؟ وإذا قال: مررت بزيد، قال: من زيد؟ بالخفض أتبعوا آخر الكلام أوله على الحكاية والمجازاة) (١). ٦٧ - فقال الله تعالى مجيبا لذلك الكافر ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾ أي: هذا الذي جحد البعث أو لا يتذكر أول خلقه فيستدل (٢) بالإبتداء على أن الإعادة مثله، وهو قوله: ﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ أي: من قبل إنكاره البعث خلقناه ولم يكن شيئا، كذلك نعيده كما قال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] وقرئ: يذكر بالتشديد، والتخفيف (٣). والتشديد في هذا المعنى أكثر؛ لأنه يراد به التدبر والتفكر وليس ذكرا عن نسيان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَتذكَّرُ أُولُوا

стр. 8147

الأَلبَابِ﴾ (١) وإضافته إلى أولي الألباب يدل على أن (٢) المراد به النظر والتفكر، وزعموا أن في حرف أبي: (تتذكر) بالتاء (٣). والمعنى: أولا يتدبر ويتفكر هذا الجاحد في أول خلقه. ومن قرأ بالتخفيف من الذكر أراد هذا المعنى أيضا، وقد ترد الخفيفة أيضًا بهذا المعنى كقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ (٤)، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ (٥). ثم أقسم أنه يحشرهم. ٦٨ - فقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ أي: لنجمعنهم في المعاد. قال الكلبي: (يعني الذين أنكروا البعث) (٦). وقوله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ أي: ولنحشرن الشياطين قرناء معهم قال المفسرون: (يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة) (٧). وذلك أن ذكر حشر الشياطين مع حشرهم يدل على أنهم يجمعون معهم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ قال المفسرون: (في جهنم) (٨). وذلك أن حول الشيء يجوز أن يكون خارجه، ويجوز أن يكون

стр. 8148

داخله يقال: جلس القوم حول البيت، وحوالي البيت إذا جلسوا داخله مطيقين به. قال ابن الأنباري: (ويجوز أن يجثون حول جهنم قبل أن يدخلوها) (١). وقوله تعالى: ﴿جِثِيًّا﴾ مستوفزين على الركب. قاله مجاهد، وسفيان (٢). وقال السدي: (قياما) (٣). أراد قياما على الركب وذلك لضيق المكان لا يمكنهم أن يجلسوا ولا أن يقوموا أيضا. وهو جمع: جاثٍ من قولهم: جَثَا على ركبته (٤) يَجْثُو جُثُوًا فهو جَاثٍ (٥). قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: ٢٨] ويجمع الجَاثِي جُثِيَا كما قلنا في البكي، وأصله فعول وقد تقدم القول فيه (٦). وقال ابن عباس في قوله: ﴿جِثِيّا﴾: (جماعات جماعات) (٧).

стр. 8149

وهو قول مقاتل، والكلبي (١). وعلى هذا الجُثَي جمع جَثْوَة وجُثْوَة وهي: المجموع من التراب والحجارة، ومنه قول طرفة (٢): تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَا ... صَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صفِيْحٍ مُنَضَّدِ والأول اختيار الزجاج، وأبي عبيدة (٣). ٦٩ - وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾ أي: لنأخذن ولنخرجن ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ من كل فرقة وجماعة ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ أي: الأعتى فالأعتى منهم، كأنه يبدأ بالتعذيب بأشدهم ثم الذي يليه. قال أبو الأحوص (٤): (يبدأ بالأكابر فالأكابر جرما) (٥). وقال قتادة: (لننزعن من كل أهل دين قادتهم ورؤسهم في الشر) (٦). ونحو هذا قال الكلبي في

стр. 8150

تفسير: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ قال: (قائدهم ورأسهم في الشر) (١). والعتي هاهنا مصدر كالعتو وهو: التمرد في العصيان (٢). قال ابن عباس في رواية الوالبي: (أيهم أشد عصيانا) (٣). وقال في رواية عطاء: (أيهم أعظم فرية) (٤). وقال مقاتل: (أيهم أشد علوا في الكفر) (٥). وقال الكلبي: (يعني جراءة بالفراء والكذب) (٦). وقال مجاهد: (كفرا) (٧). قال أبو إسحاق: (فأما رفع ﴿أَيُّهُمْ﴾ فهي القراءة، ويجوز (أيَّهُم) بالنصب، حكاها سيبويه وذكر: أنها قراءة هارون الأعور (٨) (٩).

стр. 8151

وفي رفعها ثلاثة أقوال: قال يونس: قوله: ﴿لَنَنزِعَنَّ﴾ معلقة لم تعمل شيئا، ثم استأنف فقال: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ ومثله عنده قول الشاعر (١): وَلَقَدْ أَبِيْتُ مِن الفَتَاةِ بِمَنْزِلٍ ... فَأَبِيْتُ لا حَرِجٌ وَلاَ مَحْرُوْمُ والمعنى: فأبيتُ بمنزلة الذي يقال له لا هو حرج ولا محروم (٢). وقال سيبويه: ﴿أَيُّهُم﴾ مبنية على الضم؛ لأنها خالفت أخواتها، واستعمل منها حذف الابتداء تقول: اضرب لأيهم أفضل تريد أيهم هو أفضل [فيحسن الاستعمال بحذف هو، ولا يحسن: اضرب من أفضل، حتى تقول: من هو أفضل] (٣)، ولا يحسن: كل ما أطيب، حتى تقول: ما هو أطيب، ولا تقول أيضا: خذ الذي أفضل، حتى تقول: الذي هو أفضل، فلما خالفت ما، ومن، والذي هذا الخلاف بنيت على الضم في الإضافة، والنصب حسن، وإن كنت قد حذفت هو؛ لأن هو قد يجوز حذفها، وقد قرئ: ﴿تَمَامًا عَلَى اَلَذِى أَحْسَنَ﴾ [لأنعام: ١٥٤] على معنى الذي هو أحسن) (٤). انتهت

стр. 8152

الحكايه عن أبي إسحاق (١) وذكرنا أحكام "أي" في قوله: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ [الإسراء: ١١٠] وفي مواضع. واعلم أن "أيًا" من الأسماء الموصوله [كمن، وما، والذي إلا أن العرب قد استعملت حذف الراجع إلى الموصول] (٢) مع أي أكثر من استعمالهم مع الذي، وقد شرح أبو علي الفارسي ما ذكره أبو إسحاق فقال: (ينبغي أن يكون مراد يونس أن الفعل معمل في موضع كل شيعة، وليس يريد أنه غير معمل في شيء البتة، والدليل على ذلك أنه قال فيه: إن ذلك معلق. ولفظ التعليق إنما يستعمل فيما يعمل في الموضع دون اللفظ، ألا تراهم قالوا في علمت أزيد في الدار، أن الفعل معلق وهو معمل في موضع الجملة، وكذلك إذا قال هنا معلق، كان معملا في موضع الجار والمجرور، ولو أراد أنه لا عمل له في لفظ لقال ملغى، ولم يقل معلق، كما تقول في زيد ظننت منطلق، فقوله فيه معلق دلالة على مراده فيه أنه عامل في الموضع، وإن لم يكن عاملا في اللفظ، وإذا كان كذلك كان قول الكسائي في الآية مثل قول يونس؛ لأن الكسائي قال: إن قوله ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ كقولك: أكلت من طعام (٣)، فإذا كان كذلك كان ﴿أَيُهُم﴾

стр. 8153

منقطعًا من هذه الجملة وكانت جملة مستأنفة، لا يجيء (١) هذا على مذهب سيبويه؛ لأنه لا يرى في من مثل ما رآه الكسائي من زيادته في الإيجاب، فإن قال قائل: لم زعم سيبويه أنه إذا حذف العائد من الصلة وجب البناء على الضم؟ قيل: إن الصلة تبين الموصول وتوضحه، كما أن المضاف يبين المضاف إليه ويخصصه، فكما أنه لما حذف المضاف إليه من الأسماء التي تبينها الإضافة نحو: قبل، وبعد بنيت، كذلك لما حذفت العائد من الصلة إلى الموصول من هنا بنيت). وأطال أبو علي الكلام في هذه المسألة (٢). وليس يليق بهذا الكتاب أكثر مما حكينا (٣). ٧٠ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ الصِّلي: مصدر صَلَى النار، صَلاَهَا، صُلِيًّا ووزنه فعول، ويجوز فيه صِلِيًا بالكسر وقد تقدم القول فيه. ومعنى الصِّلي: دخول النار ومقاساة حرها وشدتها نعوذ بالله منها. قال أبو إسحاق: (أي ثم لنحن أعلم بالذين هم أشد عتيا فهم أولى بها صليا) (٤). يعني أن الأولى بها صليا الذين هم أشد عتيا، فهؤلاء هم الأولى بالنار صليا على معنى الابتداء بهم دون أتباعهم؛ لأنهم كانوا رؤساء في الضلالة. ٧١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ أي: وما منكم أحد ﴿إِلَّا وَارِدُهَا﴾

стр. 8154

وارد جهنم ﴿كَانَ عَلَى رَبِّك﴾ ورودكم ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ والحتم إيجاب القضاء، والقطع بالأمر، ويقال: كان ذلك الأمر حتما أي: موجبا، ويقال للأقضية والأمور التي قضى الله بكونها الحتوم، قال أمية: حنَانَي رَبِّنَا وَلَه عَنَوْنَا ... بِكَفَّيْهِ المَنَايَا وَالحُتُومُ (١) وقوله تعالى: ﴿مَقْضِيًّا﴾ أي: قضاه الله عليكم. قال ابن مسعود في قوله: ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾: (قسما واجبا) (٢). وكان الإجماع أن هذه الآية قسم من الله بورود النار، وموضع القسم قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ الآية وهذه الآية (٣) ترجع إلى ما قبلها بالعطف، وهي داخلة في الجملة المقسم عليها، وقيل: القسم مضمر بتقدير: وإن منكم والله إلا واردها كقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] [المعنى: والله لمن ليبطئن] (٤) فأضمر (٥). وأكثر الناس على الحكم بظاهر هذه الآية وهو:

стр. 8155

أن الخلق كلهم يرد النار ثم ينجي الله المؤمنين (١). روي عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "يرد الناس جهنم (٢) ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأولهم كالبرق، ثم كالريح، ثم كأجود الخيل، ثم كالراكب في رجله، ثم كشد الرَّجل، ثم كمشيه" (٣). وقال ابن عباس في هذه الآية: (الورود الدخول، وأخذ بيد مجاهد وقال: أما أنا وأنت فسندخلها) (٤). وخاصمه نافع بن الأزرق فقال: (إن الشيء ربما ورد الشيء ولكن لا يدخله، فقال ابن عباس: يا ابن الأزرق أما أنا وأنت فسندخلها فانظر هل ينجينا الله منها بعد أم لا) (٥) وسئل جابر ﵁ عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردًا

стр. 8156

وسلاما، كما كانت على إبراهيم" (١). وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (يرد الناس جميعا نار جهنم، وكان قسما من ربنا وحتما مقضيا تخلف فيها أهل الشرك وهم ظالمون، وأقام أهل الصلاة والإيمان فيها بقدر أعمالهم، ونادى المنادي فقال: إن الله يقول ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فخرجوا واحترق بعضهم). وذكر حديثًا طويلا (٢). وهذا الذي ذكرنا مذهب أهل السنة واحتجوا من طريق اللفظ بأن قالوا: جرى ذكر الكافرين، ثم قال بعد: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فنظم الكلام أوجب أن هذا عام، والورود بمعنى الدخول قد أتى

стр. 8157

في التنزيل قال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٩] ويراد بالورود هاهنا: الدخول، وقال تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]؛ ولأن الله تعالى قال فيما بعد: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ والنجاة لا تكون إلا مما دخلت فيه؛ ولأنه قال: ﴿نَذَرُ الظَّالِمِين﴾ ولم يقل وندخل الظالمين، ونذر: نترك الشيء وقد حصل في مكانه. وروى الحسن بن مسلم (١) عن عبيد بن عمير في هذه الآية قال: (ورودها حضورها) (٢). وروى يزيد النحوي (٣) عن عكرمة في هذه الآية

стр. 8158

قال: (الورود الدخول) (١). وبكى عبد الله بن رواحة لما نزلت هذه الآية وقال: (إني علمت أني وارد النار فما أدري أناج منها أم لا) (٢). هذا هو الكلام في الورود، ثم الله تعالى قادر بلطفه أن يسلم المؤمنين منها إذا وردوها حتى يعبروها ويخرجوا منها سالمين كما ذكرنا في حديث جابر أن النبي ﷺ قال: "فتكون على المؤمن بردًا وسلامًا" (٣). وقال خالد بن معدان: (إذا جاز المؤمنون الصراط قال بعضهم لبعض: ألم يعدنا ربنا أن نمر على جسر النار، فيقولون: بلى ولكنا مررنا عليها وهي خامدة لمرورنا) (٤). وقال أشعث الجذامي: (بلغني أن أهل الإيمان إذا مروا بصراط جهنم تقول لهم: جوزوا عني قد بردتم وهجي ذروني لأهلي) (٥). وروى أن النبي ﷺ قال: "تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" (٦).

стр. 8159

وروى عثمان بن الأسود عن مجاهد في هذه الآية قال: (من حمَّ من المسلمين فقد وردها) (١). لأن الحمَّى من فيح جهنم قال رسول الله ﷺ : "الحمَّي كير من جهنم فما أصاب المؤمن منها كان حظه من النار في الآخرة" (٢) (٣).

стр. 8160

وقال قوم: (إن هذا إنما يعني به المشركين خاصة) (١). واحتجوا بقراءة بعضهم: ﴿وَإِن مِّنهمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٢). وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٣). ويكون على مذهب هؤلاء معنى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ نخرجهم من جملة من يدخل النار. وقال ابن زيد: (الورود عام لكل مؤمن وكافر غير أن ورود المسلمين على الجسر، وورود الكافرين أن يدخلوها) (٤). وهذا يروى عن الحسن، وقتادة أنهما قالا: (ورودها ليس دخولها) (٥). قال أبو إسحاق: (وحجتهم في ذلك قوية من جهات أحدها: أن العرب تقول: وردت ماء كذا ولم تدخله، ووردت بلد كذا إذا أشرف عليه ولم يدخله، قال: والحجة القاطعة عندي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠١، ١٠٢] (٦). ومن قال بالقول الأول قال في هذه الآية: (وهم عن
следующие страницы →