← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.

стр. 8156

وسلاما، كما كانت على إبراهيم" (١). وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (يرد الناس جميعا نار جهنم، وكان قسما من ربنا وحتما مقضيا تخلف فيها أهل الشرك وهم ظالمون، وأقام أهل الصلاة والإيمان فيها بقدر أعمالهم، ونادى المنادي فقال: إن الله يقول ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فخرجوا واحترق بعضهم). وذكر حديثًا طويلا (٢). وهذا الذي ذكرنا مذهب أهل السنة واحتجوا من طريق اللفظ بأن قالوا: جرى ذكر الكافرين، ثم قال بعد: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فنظم الكلام أوجب أن هذا عام، والورود بمعنى الدخول قد أتى

стр. 8157

في التنزيل قال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٩] ويراد بالورود هاهنا: الدخول، وقال تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]؛ ولأن الله تعالى قال فيما بعد: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ والنجاة لا تكون إلا مما دخلت فيه؛ ولأنه قال: ﴿نَذَرُ الظَّالِمِين﴾ ولم يقل وندخل الظالمين، ونذر: نترك الشيء وقد حصل في مكانه. وروى الحسن بن مسلم (١) عن عبيد بن عمير في هذه الآية قال: (ورودها حضورها) (٢). وروى يزيد النحوي (٣) عن عكرمة في هذه الآية

стр. 8158

قال: (الورود الدخول) (١). وبكى عبد الله بن رواحة لما نزلت هذه الآية وقال: (إني علمت أني وارد النار فما أدري أناج منها أم لا) (٢). هذا هو الكلام في الورود، ثم الله تعالى قادر بلطفه أن يسلم المؤمنين منها إذا وردوها حتى يعبروها ويخرجوا منها سالمين كما ذكرنا في حديث جابر أن النبي ﷺ قال: "فتكون على المؤمن بردًا وسلامًا" (٣). وقال خالد بن معدان: (إذا جاز المؤمنون الصراط قال بعضهم لبعض: ألم يعدنا ربنا أن نمر على جسر النار، فيقولون: بلى ولكنا مررنا عليها وهي خامدة لمرورنا) (٤). وقال أشعث الجذامي: (بلغني أن أهل الإيمان إذا مروا بصراط جهنم تقول لهم: جوزوا عني قد بردتم وهجي ذروني لأهلي) (٥). وروى أن النبي ﷺ قال: "تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" (٦).

стр. 8159

وروى عثمان بن الأسود عن مجاهد في هذه الآية قال: (من حمَّ من المسلمين فقد وردها) (١). لأن الحمَّى من فيح جهنم قال رسول الله ﷺ : "الحمَّي كير من جهنم فما أصاب المؤمن منها كان حظه من النار في الآخرة" (٢) (٣).

стр. 8160

وقال قوم: (إن هذا إنما يعني به المشركين خاصة) (١). واحتجوا بقراءة بعضهم: ﴿وَإِن مِّنهمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٢). وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٣). ويكون على مذهب هؤلاء معنى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ نخرجهم من جملة من يدخل النار. وقال ابن زيد: (الورود عام لكل مؤمن وكافر غير أن ورود المسلمين على الجسر، وورود الكافرين أن يدخلوها) (٤). وهذا يروى عن الحسن، وقتادة أنهما قالا: (ورودها ليس دخولها) (٥). قال أبو إسحاق: (وحجتهم في ذلك قوية من جهات أحدها: أن العرب تقول: وردت ماء كذا ولم تدخله، ووردت بلد كذا إذا أشرف عليه ولم يدخله، قال: والحجة القاطعة عندي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠١، ١٠٢] (٦). ومن قال بالقول الأول قال في هذه الآية: (وهم عن

стр. 8161

مكروهها مبعدون؛ لأنه لا ينالهم أذاها ووهجها إذا وردوها) (١). ٧٢ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ قال ابن عباس: (يريد اتقوا الشرك وصدقوا بنبيي) (٢). ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾ قال: (يريد المشركين والكفار والمنافقين) (٣). ﴿فِيهَا جِثِيًّا﴾ قيل: على الركب، وقيل: جميعًا، وقد مر قبل

стр. 8162

ذلك (١). ٧٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ يعني: على المشركين ﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ يريد القرآن ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مشركوا قريش ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الفقراء المؤمنين] (٢) ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ أنحن أم أنتم ﴿خَيْرٌ مَقَامًا﴾ وقرئ: مُقَاما بالضم (٣). وهما المنزل والمسكن، وكذا قال المفسرون (٤). والمَقَام بالفتح المصدر واسم الموضع جميعًا، وفَعَلَ يَفْعُل المصدر واسم الموضع منه على مَفْعَلٍ نحو: قَتَلَن يَقْتُل، مَقْتَلاً، وهذا مَقْتَلُ فلان، وأما المُقَام بالضم فيصلح أن يكون بمعنى الإقامة فعول أقَمْت مُقَاما كما تقول: أَقَمْت إِقَامَة، ومكان الإقَامَة مُقَام أيضًا، وكذلك ما زاد من الأفعال على ثلاثة أحرف بحرف زائد أو أصلي فالمصدر اسم الموضع يكون منه على مفعل (٥). والمَقَام والمُقَام في هذه الآية يراد به المكان كما ذكرنا. قال الأخفش: (يقال للمَقْعد المَقَام وللمشهد المَقَام) (٦). ومنه قوله

стр. 8163

تعالى: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩] أي: من مشهدك، وقد يكون المقام حيث يقوم الإنسان كقول الراجز (١): هَذَا مُقَامُ قَدَمَيْ رَبَاحِ أي: موضع قيامه. وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ الندي فعيل بمعنى الفاعل وهو المجلس، وكذلك النادي، يقال: نَدَوْتُ القوم، أَنْدُوهم، نَدْوًا إذا جمعتهم، ويقال للموضع الذي يجتمعون فيه: النَّادِي، والنَّادِي لا يسمى نَادِيًا حتى يكون فيه أهله، وإذا تفرقوا لا يكون نَادِيا ومن هذا قوله: ﴿وَتَأْتُونَ في نَادِيكُمُ الْمُنْكَر﴾ [العنكبوت: ٢٩] ولذلك سميت دار النَّدْوة بمكة، كانوا إذا حز بهم أمر نَدَوا إليها فاجتمعوا للتشاور، وأُنَادِيك أشاورك، وأجالسك من النَّادِي (٢). قال كُثَير: أُنَادِيْكَ مَا حَجَّتْ حَجِيْجٌ وَكَبَرَتْ ... بِفَيْفَا غَزَالٍ رُفْقَةٌ وَأَهَلَّتِ (٣) والمعنى: أن المشركين قالوا للفقراء المؤمنين أنحن أم أنتم أعظم شأنًا، وأعز مجلسًا في قومه افتخروا عليهم بمساكنهم، ومجالسهم وحسن

стр. 8164

معاشهم (١). ٧٤ - فقال الله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ قال الليث: (الأثاث: أنواع المتاع من متاع البيت ونحوه) (٢). وقال أبو زيد: (الأثاث: المال أجمع، المال، والإبل، والغنم، والعبيد، والمتاع قال: وواحدتها أثاثة) (٣). وقال الفراء: (الأثاث: لا واحد له، كما أن المتاع لا واحد له) (٤). قال ابن عباس، والسدي: (الأثاث: المال) (٥). وقال قتادة: (﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا﴾: أكثر أموالًا) (٦). وقال الحسن: (الأثاث: اللباس) (٧). وقال مجاهد: (الأثاث: المتاع والزينة) (٨). وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا﴾ قال: (مثل

стр. 8165

الدَّرَانِيْك (١)، والطَّنَافِس) (٢) (٣). وأصل الحرف من قولهم: أَثَّ النبات يَئِثُّ أَثَاثَةً إذا كثر والتف، ويوصف به الشعر (٤)، ومنه قوله (٥): أَثِيْث كَقِنْوِ النَّخْلَة المُتَعَثْكِلِ وقوله تعالى: ﴿وَرِئْيًا﴾ قال أبو إسحاق: (منظرًا من رأيت) (٦). قال أبو علي: (رِئْيٌ فعل من رأيت، وكأنه اسم لما ظهر وليس

стр. 8166

المصدر، إنما المصدر الرأي والرؤية، ومنه قوله: ﴿رأي العين﴾ [آل عمران: ١٣] فالرأي الفعل، والرئي المرئي كالطَّحْن والطِّحْن، والسَّقْي والسِّقْي، والرَّعْي والرِّعْي) (١). وقول المفسرين في تفسير الرئي: (المنظر)، قاله ابن عباس وغيره (٢). وقال الحسن: (الصور) (٣). وهو راجع إلى النظر. وقرئ: وريا بغير همز. قال أبو إسحاق: (وله تفسيران: على معنى الأول بطرح الهمز، وعلى معنى أن منظرهم مُرْتو من النعمة، كأن النعيم بين فيهم) (٥). قال أبو علي: (ريا بغير همز يجوز أن يكون بمعنى رئيا فخففت الهمزة، وإذا خففت لزم أن يبدل منها الياء لانكسار ما قبلها، كما تبدل في: ذيب، وبير، فإذا أبدل منها الياء وقعت ساكنة قبل حرف مثله فلابد من الإدغام، وليس يجوز الإظهار لاجتماع المثلين الأول ساكن، ويجوز أن يكون أصله غير الهمز من الري الذي هو ضد العطش، والمراد به في الآية الطراوة والنضارة؛ لأن الري يتبعه ذلك، كما أن العطش يتبعه الذبول والجهد).

стр. 8167

قال الفراء: (والقراءة بغير همز وجه جيد؛ لأنه مع آيات ليست بمهموزات الأواخر) (١). وروي عن عاصم في بعض الروايات: وَرِئيًا مثل وريعًا (٢). وهذا على الهمز التي هي عين إلى موضع اللام ويكون تقديره: فَلِعًا، ومن العرب من يقول: رَاءَني زيدٌ بقلب الهمز فيؤخره فرئيا من رآني (٣). والمعنى: أن الله تعالى قد أهلك قبلهم أقوامًا كانوا أكثر متاعًا، وأحسن منظرًا فأهلك أموالهم، وأفسد عليهم صورهم فليخافوا نقمة الله بالإهلاك كسنة من قبلهم من الكفار. ٧٥ - قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ في الضَّلَالَةِ﴾ قال ابن عباس: (قل لهم يا محمد من كان في العماية) (٤). يعني عن التوحيد ودين الله ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ قال أبو إسحاق: (فليمدد لفظ أمر في معنى الخبر، وتأويله إن الله جعل جزاء ضلالته أن يتركه، ويمده فيها إلا أن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر، كان لفظ الأمر يريد به المتكلم نفسه إلزامًا، كأنه يقول أفعل ذلك وآمر نفسي، فإذا قال قائل: من زارني فلأكرمه، فهو ألزم من قوله أكرمه، كأنه قال: من زارني فأنا آمر نفسي بإكرامه وألزمها ذلك) (٥). وقال أبو علي: (هذا لفظه كلفظ أمثله الأمر ومعناه الخبر ألا ترى أنه

стр. 8168

لا وجه للأمر هاهنا، وأن المعنى مده الرحمن مدا) (١). وابن عباس فسره أيضًا بالخبر فقال: (يريد فإن الله يمد له فيها حتى يستدرجه) (٢). وقد تقدم القول في وضع بعض الأمثلة موضع البعض في آيات. ومعنى المد في الضلالة ذكرناه في قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]. وقال صاحب النظم: (من شرط وللشرط جزاء واجتمع في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ جزاء الشرط والفاء دليل عليه، وابتداء الأمر ولو تمحض جزاء لكان يمدد ولكنه دعاء عليهم بأن يمدهم الله في الضلالة والدعاء يكون بلفظ الأمر كأنه أمر النبي ﷺ أن يدعوا على من كان في الضلالة بهذا الدعاء، وهذا كما تقول في الكلام: من سرق مالي فليقطع الله يده، فهذا دعاء على السارق وهو جواب للشرط) (٣). هذا معنى كلامه. وعلى ما ذكر لا يكون ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ خبرًا كما قاله الزجاج، وأبو علي، وأكد ابن الأنباري هذا الوجه فقال: (اللام في ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ لام الدعاء وتقديرها في الآية: قل يا محمد من كان في الضلالة فاللهم مد له في العمر مدا) (٤). وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا﴾ هو متصل بالمد؛ لأن المعنى مده الله في ضلالته حتى يرى ما يوعد من العذاب أو الساعة، وإنما قال ﴿رَأَوْا﴾ بعد

стр. 8169

قوله ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ لأن لفظ من يصلح للواحد والجمع، وإذا مع الماضي يكون بمعنى المستقبل، والمعنى: حتى يروا ما يوعدون. وقوله تعالى: ﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ منصوبان على البدل من ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾ (١). قال أبو إسحاق: (و ﴿الْعَذَابَ﴾ هاهنا ما وعدوا به من نصر المؤمنين عليهم، فإنهم يعذبونهم قتلاً، وأسرًا، و ﴿اَلسَّاعَةُ﴾ يعني بها يوم القيامة وما وعدوا فيها من الخلود في النار) (٢). والمعنى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ بالنصر والقتل أيهم ﴿وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ كما قاله الزجاج وأبو علي (٣)، أهم أم المؤمنون، ويعلمون بمكانهم من جهنم ومكان المؤمنين من الجنة ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ قال ابن عباس: (أراد الله هذا الرد عليهم في قولهم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾) (٤). ٧٦ - قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ الله الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ قال [الربيع بن أنس: (يزيد الله الذين اهتدوا] (٥) بكتابه هدى بما ينزل عليهم من الآيات فيصدقون بها) (٦). وقال الكلبي: (ويزيد الله الذين اهتدوا بالمنسوخ هدى

стр. 8170

بالناسخ) (١). وقيل معناه: (يزيدهم إخلاصًا وإيمانًا) (٢). وقيل: (يزيدهم هدى بالتوفيق حتى يستكثروا من الطاعات) (٣). وقال أبو إسحاق: (المعنى أن الله تعالى يجعل جزاء المؤمنين أن يزيدهم يقينًا كما جعل جزاء الكافر (٤) أن يمده في ضلالته) (٥). ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ الأذكار والأعمال الحسنة من الطاعات التي تبقى لصاحبها ولا تحيط (٦). ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ جزاء في الآخرة مما يفتخر به الكفار من مالهم وحسن معاشهم. ومضى القول في الباقيات الصالحات في سورة الكهف (٧). وقوله تعالى: ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ المراد هاهنا مصدر مثل الرد، والمعنى: وخير ردًّا على عامليها للثواب، ليست كأعمال الكفار التي خسروها فبطلت، ويقال: هذا الأمر أرد عليك أي: أنفع لك (٨). والمعنى: أنه يرد

стр. 8171

عليك ما تريد، كذلك أعمال المؤمنين ترد عليهم الجنة التي فقدوها بإخراج أبيهم آدم منها (١). ويجوز أن يكون المرد بمعنى: المرجع وكل واحد يرد إلى عمله الذي عمله، فيجمع بينه وبين ما عمل فالأعمال الصالحة خير مردًا من الأعمال السيئة (٢). ٧٧ - قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ قال ابن عباس وجماعة أهل التفسير: (نزلت في العاص بن وائل (٣)، وذلك أن خباب بن الأرت كان له عليه دين فأتاه يتقاضاه فقال: لا أقضيك حتى تكفر بآلهة محمد، فقال خباب: والله لا أكفر بإله محمد حيًا ولا ميتًا ولا حين أبعث، فقال: أوتبعث أيضًا؟ فدع مالك قبلي، فإذا بعثت أعطيت مالًا وولدًا وقضيتك مما أعطى، يقول ذلك مستهزءًا) (٤). وقال مقاتل والكلبي: (قال لخباب: لئن كان ما تقول حقًا فإني لأفضل ثَمَّ نصيبًا منك، فأنزل الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ يعنىِ: العاص كفر بالقرآن) (٥). ﴿وَقَالَ لَأُوتَيَن﴾ لأعطين أي: والله لأوتين القسم

стр. 8172

مضمر ﴿مَالًا وَوَلَدًا﴾ يعني في الجنة بعد البعث. وقرئ: وَلَدا، ووُلْدا (١). قال الليث: (الولد اسم يجمع الواحد والكثير والذكر والأنثى) (٢). قال الزجاج: (الوَلَدُ والوُلْدُ واحد مثل العَرَبُ، والعُرْبُ، والعَجَمُ، والعُجْمُ، والبَخَل، والبُخْلُ) (٣). ونحو ذلك قال الفراء (٤)، وأنشد (٥). وَلَقَدْ رَأَيْتُ مَعَاشِرًا ... قَدْ ثَمَّرُوا مَالًا وَوُلدَا واحتج على استعمال المضموم في الواحد بقول العرب في المثل: (وُلْدُكِ مَنْ دَمَّى عَقِبَيْكِ) (٦)، وأنشد (٧):

стр. 8173

فَلَيْتَ فُلاَنًا كَانَ في بَطْنِ أُمَّه ... وَلَيْتَ فُلاَنا كَانَ وُلْدَ حِمَارِ فهذا واحد قال: (وقيس تجعل الوُلْد جمعًا، والوَلَد واحدًا) (١). وقال ابن السكيت: (الوُلْدُ يكون واحدا وجمعًا) (٢). قال أبو علي: (هو كالفُلْك الذي يكون مرة جمعًا ومرة واحدًا، ويكون لفظ واحده [موافقًا للفظ جمعه] (٣)، قال: ويجوز أن يكون الوُلْدُ جمع وَلَد مثل أَسَدٍ، وأُسْدٍ، وثَمَرٍ، وثُمْرٍ) (٤). ٧٨ - قال الله تعالى مكذبًا له ومنكرًا عليه ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد: (يريد أعلم ما غاب عنه حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا) (٥). وقال الكلبي: (معناه: انظر في اللوح المحفوظ) (٦). وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: من قال: لا إله إلا الله فارحمه بها) (٧).

стр. 8174

وقال قتادة: (يعني: أقدم عملًا صالحًا فهو يرجوه) (١) (٢). وقال السدي: (العهد: الطاعة لله ) (٣). وهذا القول منتزع مما روى أن النبي ﷺ قال: "يقول الله: من صلى الصلوات لوقتها ولم يذرها استخفافا بها لقيني يوم القيامة وله عندي عهدًا أدخله به الجنة، ومن لم يصلها لوقتها وتركها استخفافًا بها لقيني يوم القيامة وليس له عندي عهد" (٤). وعلى [هذا المعنى فالآية] (٥): أم صلى الصلوات الخمس فاتخذ بها عندي عهدًا. وقال الكلبي: (أعهد إليه الله أنه يدخله الجنة) (٦). وهو اختيار الزجاج يقول: (أم أعطى عهدًا) (٧). ٧٩ - وقوله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ (٨) هذه الكلمة ترد في القرآن بمعنيين

стр. 8175

أحدهما: الرد لكلام تقدم (١). والثاني: بمعنى: حقًّا (٢). قال الفراء: (كلا بمنزلة سوف، وتجيء حرف رد فكأنها نعم ولا) (٣). وهذا الذي قاله (٤) الفراء هو أصل معنى كلا، فإنه ينفي ما قبله ويحقق ما بعده، ولذلك اختلف المفسرون في معناه فجعله (٥) بعضهم بمنزلة حقًا، وبعضهم جعله ردًا لما قبله وردعًا، وهو متضمن للمعنيين كما ذكره الفراء (٦). وقال الكسائي: (لا تنفي حسب، وكلا تنفي شيئًا وتوجب شيئًا كقولك لرجل قال لك: أكلت شيئًا؟ قلت: لا، ويقول آخر: أكلت تمرًا فتقول (٧): كلا، أردت أنك أكلت عسلًا لا تمرًا، قال: وتأتي كلا بمعنى قول حقًّا) قال ذلك كله أحمد بن يحيى عن سلمة عن الفراء عن الكسائي (٨). قال الفراء: (ويجوز أن تجعلها صلة لما بعدها كقولك: كلا ورب الكعبة، فتكون بمنزلة: إي ورب الكعبة، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾

стр. 8176

[المدثر:٢٢] فإذا جعلتها صلة لما بعدها لم تقف عليها كقوله: ﴿كَلَّا وَالْقَمَر﴾ والوقف على ﴿كَلَّا﴾ قبيح؛ لأنها صلة لليمين) (١). وقال الأخفش: (﴿كَلَّا﴾ ردع وزجر) (٢). وهذا مذهب سيبويه (٣)، وإليه ذهب الزجاج ﷺ في جميع القرآن (٤). قال أبو حاتم: (وتجيء ﴿كَلَّا﴾ بمعنى "أَلَا" التي هي للتنبيه يستفتح بها الكلام كما يستفتح بأَلَا) (٥)، واحتج بقول الأعشى (٦): كَلَّا زَعَمْتُمُ بِأَنَّا لاَ نُقَاتِلكُمْ ... إِنَّا لأَمْثَالِكُمْ يَا قَوْمَنَا قُتل قال ابن الأنباري: (هذا غلط منه ﴿كَلَّا﴾ لا تكون افتتاح الكلام، والذي في البيت بمعنى "لا"، أي: ليس الأمر على ما يقولون) (٧). واحتج أيضًا بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦]، قال معناه: (أَلَا أن الإنسان ليطغى) (٨).

стр. 8177

قال ابن الأنباري: (معنى ﴿كَلَّا﴾ في هذه الآية الذي احتج بها حقًا، كأنه قال: حقًّا إن الإنسان ليطغى، قال: ويجوز أن يكون بمعنى "لا" كأنه لا ليس الأمر على ما تظنون يا معشر الكفرة، كما قال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَة﴾ [القيامة: ١]، ولا راد لكلامه ثم ابتداء فقال: أقسم) هذا كلام أبي بكر (١). وقد ذكر سيبويه أن كلا بمعنى: (حقًّا) (٢). وعلى هذا يجوز أن تكون بمعنى (أَلَا)، ولا يجوز على الوجه الذي ذكره أبو حاتم؛ لأنه يجعله افتتاحًا لا بمعنى حقًا. واختلفوا في الوقف على كلا؛ فقال أبو العباس أحمد بن يحيى: (لا يوقف على ﴿كَلَّا﴾ في جميع القرآن؛ لأنها جواب والفائدة تقع فيما بعدها) (٣). ومنهم من قال: (يوقف على ﴿كَلَّا﴾ في جميع القرآن) (٤). ومنهم من قال: (يوقف على ما قبل ﴿كَلَّا﴾ ويبتدأ بها) (٥). فأما في هذه الآية فقال ابن الأنباري: (الوقف على ﴿كَلَّا﴾ جائز؛ لأن المعنى ليس الأمر) (٦). كذا قال، ويجوز أن يوقف على قوله:

стр. 8178

﴿عَهْدًا﴾ أي لم يطلع الغيب ولم يتخذ عند الله عهدا. ومنهم من قال: (معناه: ليس الأمر كما يظنه من أنه يؤتى المال والولد) (١). وقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ أي: سنأمر الحفظة بإثباته لنجازيه في الآخرة ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ نزيده عذابًا فوق العذاب. ٨٠ - وقوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ فيه قولان أحدهما: (نرثه ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه وإبطال ملكه). وهذا قول ابن عباس، وقتادة، وابن زيد (٢). ويدل عليه قراءة ابن مسعود: (ونرثه ما عنده) (٣). وما بعده من قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ يدل على هذا القول؛ أي: أنه يأتي الآخرة بلا مال ولا ولد. القول الثاني: ما قاله السدي قال: (نرثه أهله وماله الذي في الجنة) (٤). وهو قول الكلبي قال: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ في الجنة من الذهب والفضة والحرير فنجعله لغيره من المسلمين) (٥). وعلى هذا معنى الآية: لا نعطيه ما يقول ونسلبه الذي آتيناه في الدنيا حتى يأتينا خاليًا منه. وهو قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ أي: خاليًا من الأموال والأولاد.

стр. 8179

٨١ - قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ معنى العز: الامتناع من الضيم، والعزيز: المنيع من أن ينال بسؤ (١). والمعنى: عبدوها ليمتنعوا بها من عذابي. قال أبو إسحاق: (﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ أي: أعوانًا) (٢). وقال الفراء: (ليكونوا له شفعاء في الآخرة) (٣). وهذا معنى قول ابن عباس: (ليمنعوهم مني) (٤). وذلك أنهم رجوا منها الشفاعة والنصرة والمنع من عذاب الله، ووحد العز؛ لأنه مصدر وكان من حق هذا المعنى أن يقال: واتخذوا من دون الله آلهة ليعزوا بها أعزة؛ لأنهم رجوا منها العز، ولكن جعلت الآلهة عزًا في اللفظ لحبهم عبادتها وقوة رجائهم في العز بها، فلغلوهم في حبها والطمع في الامتناع بها جعلت هي في اللفظ العز، وإن كانوا إنما يرجون العز بها في الحقيقة كما يقال: السخاء حاتم (٥)، والشعر زهير، والشجاعة عنترة، وهو لا يكونون نفس هذه الأحاديث وإنما توجد بهم.

стр. 8180

٨٢ - قال الله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ قال ابن عباس: (يجحدون بعبادتهم) (١). وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن العابدين يجحدون أنهم عبدوها، وذلك لما رأوا من سوء عاقبتها (٢). الثاني: تجحد الآلهة عبادة المشركين لها، كما قال الله في موضع آخر: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] وذلك أن تلك الآلهة كانت جمادًا لا تعلم العبادة (٣). وقيل معناه: (ما كانوا إيانا يعبدون بأمرنا وإرادتنا) (٤). وقوله تعالى: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ قال ابن عباس: (يقول أعوانًا) (٥).

стр. 8181

وهو اختيار أبي إسحاق قال: (أي يصيرون أعوانًا عليهم) (١). وقال مجاهد: (تكون عونًا عليهم) (٢). وهو قول الفراء (٣). والمعنى: أن الأصنام التي عبدوها تكون أعوانًا على عابديها يكذبونهم ويلعنونهم ويتبرؤون منهم، وهو معنى قول عكرمة ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ قال: (أعداء) (٤). وهذا اللفظ اختيار ابن قتيبة قال في قوله: (ضِدًّا): (أي أعداء يوم القيامة وكانوا في الدنيا أولياءهم) (٥). قال الأخفش: (الضَّد يكون واحد أو جماعة مثل الرَّصد والأَرْصَاد، قال: والرَّصَدُ يكون للجماعة) (٦). وروى ثعلب عن الفراء أنه قال: (معناه في التفسير: ويكونون عليهم عونًا) (٧). فلذلك وحده، يقال: فلان ضد فلان، إذا كان مخالفًا كالبياض ضد للسواد، فإذا قلت: فلان ضد على فلان، كان المعنى أنه مخالف معاد له. وروى عن قتادة أنه قال في قوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ قال: (قرناء في النار) (٨).

стр. 8182

والصحيح ما عليه الجماعة (١)، لقوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ولو قال لهم ضدا احتمل ما قاله قتادة؛ لأن الضد قد ورد في اللغة بمعنى مثل الشيء حكاه ابن السكيت عن أبي عمرو (٢)، فلما قال: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ كان المعنى: أنهم عون عليهم أعداء لهم، ويبعد أن يفسر بالقرناء. قال ابن الأنباري: (ويجوز أن تكون الهاء في عليهم ترجع على الأصنام بتأويل ويكون الكفار على الأصنام ضد؛ لأنه يبيحون بعيبها ويخبرون بعجزها عند البراءة منها) (٣). ٨٣ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ قال الكلبي: (نزلت في المستهزئين بالقرآن) (٤). وذكر أبو إسحاق في قوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ وجهين: أحدهما: (أن المعنى خلينا الشياطين وإياهم فلم نعصمهم من القبول منهم) (٥). قال أبو علي: (الإرسال يستعمل على معنى التخلية بين المرسل وبين

стр. 8183

ما يريد وليس يراد به معنى البعث، كما قال الراجز (١): أَرْسَلَ فِيْهَا بَازِلًا يَقدمه وَهُوَ بِهَا بخوا طَرِيْقًا يَعْلَمُه يريد خلى، يريد: بين الفحل وبن طروقته ولم يمنعه منها. قال فمعنى الآية: خلينا بين الشياطين وبين الكافرين. أي: لم نعصمهم منهم ولم نعذهم، بخلاف المؤمنين الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان﴾ [الحجر: ٤٢]، [الإسراء:٦٥] هذا كلام أبي علي في شرح أحد وجهي الإرسال (٢). وإلى هذا الوجه يذهب القدرية في معنى الآية. وليس المعنى على ما يذهبون إليه (٣).

стр. 8184

قال أبو إسحاق: (والوجه الثاني وهو المختار: أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم بكفرهم كما قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، وكما قال: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [فصلت: ٢٥] الآية. قال: ومعنى الإرسال هاهنا: التسليط، تقول: قد أرسلت فلانًا علي فلان، إذا سلطته عليه كما قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فأعلم أن من اتبعه هو مسلط عليه) (١). وقد بان بما ذكره أبو إسحاق أن الوجه في معنى الآية هذا. وقوله تعالى: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ معنى الأز في اللغة: التحريك والتهييج (٢). قاله ابن الأعرابي وأبو عبيدة (٣)، وأنشد لرؤبة (٤):

стр. 8185

لاَ يَأْخُذُ التَّأْفِيْكُ والتَّحَزَّي ... فِيْنَا ولاَ طَيْخُ العِدَى ذُو الأَزَّ ومنه يقال لغليان القدر: الأزيز، وذلك أن الماء يتحرك عند الغليان، ومنه الحديث: (إنه كان لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء) (١). قال أبو عبيدة: (الأزيز الإلتهاب والحركة كالتهاب النار في الحطب، يقال: أُزَّ قِدْرَك، أي: ألهب تحتها النار، وائْتَزَّتِ القدر إذا اشتد غليانها) (٢). وقال شمر: (أقرأنا ابن الأعرابي عن المفضل: أن لقيم بن لقمان قال لأبيه: اطْبَخْ جَزُورَكَ فَأُزَّ مَاء أو وغَلَّه حَتى ترى الكَرَاديْسَ (٣) كأنها رُؤُوس شُيُوخٍ صُلْعٍ، في كلام ذكر) (٤). وقد حصل للأز معنيان، أحدهما: التحريك. والثاني: الإيقاد والإلهاب، وأحدهما قريب من الآخر. وكلام المفسرين غير خارج عن الأصلين، واختلفت عبارات ابن عباس وغيره في تفسير الأَزّ، فقال في

стр. 8186

رواية الوالبي: (﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ أي: تغويهم إغواء) (١). وهو قول سعيد بن جبير (٢)، وسفيان (٣)، ومجاهد إلا أنه ذكر لفظًا آخر فقال: (تشليهم أشلًا) (٤). وقال في رواية الضحاك: (تحرضهم تحريضًا) (٥). وقال في رواية عطاء: (تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا) (٦). وهو قول قتادة (٧)، واختيار أبي إسحاق، وابن قتيبة (٨). وروى ميمون بن مهران أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس: (أخبرني عن قول الله: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ قال: توقدهم) (٩). والمعنى أنها تحركهم كما تحرك الماء بالإيقاد تحته، وهذا كما قال الأخفش والمؤرج: (توهجهم وتحركهم) (١٠).

стр. 8187

وقال الضحاك: (تأمرهم أمرًا) (١). وهذا أضعف العبارات. ٨٤ - قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي: بطلب العذاب لهم ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي: أجلناهم إلى أجل يبلغونه بالعدد. وروي عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ قال: (أنفاسهم التي (٢) يتنفسون في الدنيا فهي معدودة كستيهم وآجالهم) (٣). وقال في رواية عطاء: (يريد الأنفاس) (٤). وقال الكلبي: (﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ الليالي والأيام والشهور والسنين والساعات) (٥). والمعنى: أنا لم نغفل عنهم نعد لهم هذه الأشياء إلى الأجل الذي أجلنا لعذابهم، وهذا من أبلغ الوعيد. ومثله: كقول عمرو بن معد يكرب في الوعيد والتهديد (٦): أَغْنَى عَنَا المَيْتِين ... أَعُدُّ الأَعْدَاء عَدًا قيل في تفسيره: أعدا أنفاسهم لأنتهز الفرصة في الإيقاع بهم. والمعنى: لا أغفلهم، وهذا مأخوذ من الآية.

стр. 8188

٨٥ - وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: اذكر لهم يا محمد هذا اليوم الذي يجمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته واجتناب معاصيه إلى الجنة، هذا معنى قوله: ﴿إِلَى الرَّحْمَنِ﴾ أي: إلى جنته ومحل كرامته، قاله قتادة (١). ﴿وَفدًا﴾ قال الفراء، والأصمعي (﴿وَفدًا﴾ الوَفْدُ، يَفِدُ، وَفْدًا، وَوِفَادَةً، وَوُفُودًا إذا خرج إلى ملك وأمير في فتح أوامر، ويقال: وَفَّدَ الأمير إلى الذي فوقه وأَوْفَدَ) (٢). قال الفراء: (والوَفْدُ اسم الوَافدِين كما قالوا: صوم وفطر وزور) (٣). وقال ابن قتيبة: (الوَفْدُ جمع الوَافِدِ، كما يقال: رَاكِب ورَكْب، وصَاحِب وصَحْب) (٤). قال ابن عباس في رواية الوالبي: (وفدا: ركبانًا) (٥). وقال أبو هريرة: (على الإبل) (٦). وقال سفيان: (على النوق) (٧). وجمع ابن عباس في رواية عطاء بين

стр. 8189

هذه الأقوال فقال: (من كان يحب ركوب الخيل وفد إلى الله على خيل، لا تَرُوث، ولا تبول، لَجْمُها (١) من الياقوت (٢) الأحمر، ومن الزَّبَرْجَد (٣) الأخضر، ومن الدّر (٤) الأبيض وسُرُوحُهَا (٥) من السندس (٦)، ومن كان

стр. 8190

يحب ركوب الإبل فعلى نَجَائِب (١) لا تبعر ولا تبول، أَزِمَّتُها (٢) الياقوت والزبرجد، ومن كان يحب ركوب السفن فعلى سفن من زبرجد وياقوت قد أمنوا الغرق وأمنوا الأهوال) (٣) وقال أهل اللغة: (الوفد: الركبان المكرمون) (٤). وإلى هذا ذهب الربيع بن أنس فقال في قوله: ﴿وَفْدًا﴾ قال: (يُحيَّون ويعطون ويكرمون ويشفعون) (٥). قال صاحب النظم: (هذا من باب الإيماء بالشيء إلى الشيء؛ لأن قوله: ﴿وَفدًا﴾ دليل على أنهم يثابون ويجزون؛ لأن الوفد هم الرسل يقدمون على الملوك بالصلح وبالفتوح والبشارات فهم يتوقعون الجوائز، وكذلك أهل الجنة بهذه الحال) (٦). وقال أصحاب العربية: (اسم الوفد لا يقع إلا على الركبان؛ لأن

стр. 8191

اشتقاقه من قولهم أوفد على الشيء إذا أشرف عليه، وأنشدوا (١): تَرَى العِلاَفِيَّ عَلَيْهَا مُوْفَدًا ... كَأَنَّ بُرْجًا فَوْقَهَا مُشَيَّدَا ويقال: رأيت فلانًا مسْتَوْفِدًا إذا قعد منتصبًا غير مطمئن. فهذا الاسم من حيث الاشتقاق يدل على أنه يقع على الركبان؛ لأنهم أشرفوا علي مركوبهم) (٢). ويدل على صحة هذا ما روي عن علي ﵁ أنه قال: (لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله قد رأيت الملوك ووفودهم، فلم أرى وفدًا إلا ركبانًا فما وفد الله؟ الحديث بطوله) (٣). ومن حيث العرف يدل على أن هذا

стр. 8192

الاسم يقع على من يُحيَّا ويكرم كما ذكره صاحب النظم، فإذا معنى الوفد: الركبان المكرمون، كما ذكره أهل اللغة، وهو اختيار أبي إسحاق (١). ٨٦ - قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك: (الكافرين) (٢) ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ قال جماعة أهل التفسير: (عطاشا) (٣). وزاد أبو عبيدة والفراء، والزجاج: (مشاة) (٤). والوُرُوْدُ في اللغة معناه: الجماعة التي تَرِد الماء من طير أو إبل (٥). قال ابن السكيت: (الوِرْدُ وُرُوْدُ القوم الماء، والوِرْدُ الماء الذي يُوْرَدُ، والوِرْدُ الإبل الوَارِدَة) (٦). قال رؤبة (٧): لَوْ دَقَّ وِرْدِي حَوْضَه لَمْ يَنْدَهِ

стр. 8193

قال صاحب النظم: (هذا من باب الإيماء بالشيء إلى الشيء؛ لأن الوِرْد وُرُوْد الماء، ولا يَرِدُ أحدًا الماء إلا بعد العطش ليشرب، فأوماء بهذا إلى أنهم عطاش يساقون إلى النار) (١). ومضى الكلام في الورد عند قوله: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]. ٨٧ - قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة﴾ أي: لا يملك هؤلاء الكافرون الشفاعة. والمعنى: لا يشفعون ولا يشفع لهم حين يشفع أهل الإيمان بعضهم لبعض وهو قول: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ﴾ و ﴿مِّن﴾ في موضع نصب على استثناء ليس من الأول على معنى: لا يملك الشفاعة المجرمون، ثم قال: ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ على معنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا فإنه يملك الشفاعة (٢). قال ابن عباس في رواية الوالبي: (العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله) (٣). ومضى الكلام في تفسير اتخاذ العهد عند قوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨]. ٨٨ - قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ يعني: اليهود،

стр. 8194

والنصارى، ومن زعم من المشركين أن الملائكة بنات الله. ٨٩ - قال الله تعالى مخاطبًا لهم: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ أي: (عظيمًا)، في قول ابن عباس، وجميع المفسرين (١). قال الراجز (٢): قَدْ لَقِي الأَعْدَاءُ مِنَّي مُنْكرَا دَاهِيَةً دَهْيَاءَ إِدًا إِمْرَا قال الفراء، والزجاج: (يقال: إِدًّا وأَدًّا، وهي قراءة السلمي (٣) (٤)، وآدّ بوزن: مَاد ومعناه: الشيء العظيم) (٥). وأنشد الليث لرؤبة (٦): وَالإِدَدَ الإِدَادَ وَالعَضَائِلاَ

стр. 8195

قال: (وواحد الإِدَد إِدَّة، وواحد الأَدَاد أَدّ) (١). ومعنى الآية: قلتم قولًا عظيمًا. ٩٠ - قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾ وقرئ: بالياء (٢). وكلاهما حسن، وقد تقدم ذلك. قال أبو علي: (إلحاق علامة التأنيث أحسن؛ لأن الجمع بالألف والتاء في الأصل للجمع القليل، والجمع القليل يشبه الآحاد، وكما أن الأحسن في الآحاد إلحاق العلامة في هذا النحو فكذلك مع الألف والتاء) (٣). وأهل التأويل على أن المعنى ﴿تَكَادُ﴾ هاهنا: تدنو من الانشقاق، كما يقال: كاد يفعل ذلك إذا دنا من أن يفعله. وزعم أبو الحسن الأخفش أن ﴿تَكَادُ﴾ هاهنا معناه: نريد من غير دنو فقال: (هممن به إعظامًا لقول المشركين، ولا يكون من هم بالشيء أن يدنو منه، ألا ترى أن رجلاً لو أراد أن ينال السماء لم يدن من ذلك وقد كانت منه إرادة، ونحو هذا قال في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُف﴾ [يوسف: ٧٦]، أي: أردنا له) (٤)، وأنشد: كَادَتْ وَكِدْتُ وَتِلْكَ خَيْرُ إِرَادَةٍ ... لَوْ عَادَ مِنْ لَهْمِ الصَّبَابَةِ مَا مَضَى (٥).
следующие страницы →