← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 9416–9455 · переход к 9421.

стр. 9416

أهلها وعلى من فيها من المسلمين، وليسلم بعضكم على بعض عند دخول البيت والمنازل. وعلى هذا معنى قوله ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي على أهل ملتكم. قاله السدي (١). وقال مقاتل: على أهل دينكم (٢). وقال زيد بن أسلم: يقول (٣) على المسلمين (٤). وقال الحسن: هذا كقوله ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] (٥). القول الثالث: أنَّ هذا في دخول البيوت الخالية. روى منصور (٦) عن إبراهيم (٧) -في هذه الآية- قال: إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (٨). وقال مجاهد -في هذه الآية-: إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا من ربنا، السلام علينا (٩) وعلى عباد الله الصالحين (١٠).

стр. 9417

وهذا قول ابن عمر (١)، والحكم (٢)، وماهان (٣). وروى عمرو بن دينار، عن ابن عباس في هذه الآية قولًا رابعًا في قوله ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ قال: هو المسجد إذا دخلتم فسلموا على من فيه، وقيل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (٤). فالبيوت في هذا القول المساجد. قوله ﴿تَحِيَّةً﴾ ذكرنا معناها عند قوله ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [النساء: ٨٦]. قال أبو إسحاق: هو نصبٌ على المصدر لأن قوله (فسلموا) بمعنى (٥)

стр. 9418

فتحيَّوا (١) ويحيي بعضكم تحية (٢). وقوله ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: أي هذه تحية حياكم الله بها (٣). وقال الفراء (٤): أي من أمر الله أمركم بها تفعلونه (٥) طاعة له (٦). وقوله ﴿مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ قال ابن عباس: يريد حسنة جميلة (٧). وقال الزجاج: أعلم الله أن السلام مبارك طيب لما فيه من الأجر والثواب (٨). قوله ﴿كَذَلِكَ﴾ أي كبيانه في هذه الآية. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ يفصل الله لكم معالم دينكم كما بيّن في أمر الطعام والتسليم (٩) (١٠).

стр. 9419

﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لكي تفقهوا (١) عن الله أمره ونهيه وأدبه. ٦٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ قال مجاهد (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، والمفسرون (٤): يعني الجمعة والغزو. وقال مقاتل بن حيان: يقول على أمر طاعة يجتمعون عليها نحو الجمعة والنحر والفطر والجهاد وأشباه ذلك (٥). وقوله: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ قال مقاتل: نزلت في عمر بن الخطاب استأذن النبي ﷺ في غزوة تبوك في الرجعة إلى أهله، فأذن له وقال: "انطلق فوالله ما أنت بمنافق". يريد بذلك أن يسمع المنافقين (٦). وقال ابن عباس: الذي استأذنه عمر بن الخطاب، وذلك (٧) أنه استأذن رسول الله ﷺ في العمرة فأذِن له، ثم قال: "يا أبا حفص لا تنسنا في صالح (٨) دعائك" (٩).

стр. 9420

وقال الثُّمالي (١) -في هذه الآية-: إن رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر لم يخرج حتى يقوم بحيال (٢) رسول الله ﷺ حيث يراه، فيعرف أنَّه (٣) إنّما قام ليستأذن، فيأذن لمن شاء (٤) منهم (٥). قال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده (٦). قال الكلبي: كان ذلك مع رسول الله ﷺ فأما اليوم فإذنه أن يأخذ بأنفه وينصرف (٧).

стр. 9421

وذكر في سبب نزول هذه الآية: أن رسول الله ﷺ كان إذا خطب يوم الجمعة عرّض بالمنافقين في خطبته وعابهم، فربما كانوا يخرجون من المسجد ولا (١) يصلّون معه الجمعة فأنزل الله هذه الآية (٢). وقال أبو إسحاق في هذه الآية: أعلم الله أن المؤمنين إذا كانوا مع نبيّه فيما يحتاج فيه إلى الجماعة لم يذهبوا حتى يستأذنوه، وكذلك ينبغي أن يكونوا مع أئمتهم لا يخالفونهم، ولا يرجعون عنهم في جمع من جموعهم إلا بإذنهم، وللإمام أن يأذن وله أن لا يأذن على قدر ما يرى من الحظ لقوله ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ فجعل المشيئة إليه في الإذن (٣). ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ أي استغفر لهم لخروجهم عن الجماعة إن رأيت لهم عذرًا. قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ قال ابن عباس -في رواية عطاء-: يريد من بعيد: يا أبا القاسم. ولكن افعلوا كما قال -في الحجرات-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ [الحجرات: ٣] (٤).

стр. 9422

وعلى هذا معنى الآية: أنهم أمروا بخفض الصوت إذا دعوا رسول الله ﷺ ونُهوا أن يصيحوا به من بعيد. وقال مجاهد: أمرهم أن يدعوا (١) رسول الله ﷺ في لين وتواضع، ولا يقولوا: يا محمد في تجّهم (٢) (٣). وقال سعيد بن جبير: لا تقولوا يا محمد. قولوا: يا رسول الله (٤). وقال قتادة: أمرهم أن يُفخِّموه ويشرِّفوه (٥). وقال المقاتلان: يقول لا تدعوا النبي باسمه: يا محمد، يا بن عبد الله (٦). إذا دعوتموه كما يدعو بعضكم بعضًا باسمه: يا فلان ويا ابن فلان، ولكن عظّموه وفخّموه وشرّفوه، وقولوا: يا رسول الله ويا نبي الله (٧).

стр. 9423

وهذا قول أكثر المفسرين (١)، واختيار الفراء (٢) والزَّجَّاج، قال: أعلمهم الله فضل النبي ﷺ على سائر البرية (٣) في المخاطبة (٤). وروي عن ابن عباس قول آخر قال (٥): نهى الله المؤمنين (٦) أن يتعرضوا لدعاء الرسول عليهم يقول: دعوة الرسول عليكم موجبة فاحذروها (٧). وهذا قول الحسن، قال -في هذه الآية-: لا تجعلوا دعاء الرسول عليكم كدعاء بعضهم على بعض (٨) (٩). وذكر المبرد وجهًا آخر فقال: يجوز أن يكون المعنى: لا تجعلوا أمره

стр. 9424

إياكم ودعاءه لكم كما يكون من بعضكم لبعض، إذ (١) كان أمره فرضًا لازمًا (٢). قال: ومثله قوله ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. وعلى هذا المصدر يكون مضافًا إلى الفاعل والدعاء يكون من الرسول، وهو أليق بما بعده من التهديد لمن تأخر عن الرسول وخالف أمره، وهو قوله ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ (٣). قال الليث: التَّسلل: إنسلال (٤) جماعة، إذا ذهبوا (٥). والسَّل: الإخراج، والتَّسلل والانسلال: الخروج. يقال: تسلل فلان من بين أصحابه، إذا خرج من جملتهم (٦). وذكرنا هذا عند تفسير (٧) السلالة (٨). وقوله ﴿لِوَاذًا﴾ هو من الملاوذة، وهو (٩) أن يستتر بشيء مخافة من

стр. 9425

يراه (١). قال الطِّرمَّاح: تلاوذ (٢) من حرِّ كأن أواره (٣) ... يُذيب دماغ الضَّب فهو خدوع (٤) أي: تستتر (٥) بكنسها (٦) يعني بقر الوحش. قال الفراء: إنَّما قيل لواذًا لواذًا؛ لأنها مصدر "لاوذت"، ولو كانت مصدرًا لـ"لذتُ" لكان لياذًا، كما تقول: قمت إليك قيامًا، وقاومتك قواما (٧). ونحو هذا قال الزجاج (٨). وذكر المبرد العلّة فقال: صحت الواو في لواذا؛ لأن فعلها صحيح، لاوذته لواذًا وعاودته عوادا، ولو اعتل الفعل لاعتل مصدره في "فعَال" نحو: قمت قيامًا، ونمت نيامًا، ولو قلت: قاومته، لقلتا قواما (٩).

стр. 9426

قال ابن عباس -في هذه الآية-: يلوذ بغيره ويهرب. وقال المقاتلان: إنَّ المنافقين كان يثقل عليهم يوم الجمعة قولُ النبي ﷺ وخطبته، فيلوذون ببعض أصحاب محمد ﷺ حتى يخرجوا من المسجد، [فيقوم المنافق فينسل] (١) مستخفيًا مستترًا (٢) بغيره من غير استئذان (٣). وعلى هذا التهديد في الخروج عن المسجد يوم الجمعة. وقال ابن قتيبة: ويقال: بل نزلت هذه في حفر الخندق، فكان (٤) قوم يتسللون بلا إذن (٥). ومعنى ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾ التهديد بالمجازاة. وهو اختيار الفراء، قال: إن المنافقين كانوا يشهدون الجمعة فيعيبهم النبي ﷺ بالآيات التي تنزل فيهم، فيضجرون، فإن خفي لأحدهم القيام قام (٦). ثم حذَّرهم الفتنة والعذاب فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي يعرضون عن أمره، ودخلت (عن) لتضمن (٧) المخالفة معنى الإعراض (٨). ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ قال ابن عباس: ضلالة (٩).

стр. 9427

يعني الكفر. قاله المقاتلان (١). وقال الحسن، والكلبي: بليَّة تُظهر ما في قلوبهم من النفاق (٢). ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يعني القتل في الدنيا (٣). وهذا دليل على أنَّ من خالف الرسول فهو معرض (٤) الفتنة والقتل. ثم عظم نفسه فقال: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني عبيدًا (٥) وملكًا وخلقًا (٦). وفيه بيان أنه لا يجوز للعبد أن يخالف أمر مالكه الذي له ما في السموات والأرض (٧).

стр. 9428

وقوله ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ قال مقاتل: من الإيمان والنفاق (١). وقال الكلبي: من الاستقامة وغير ذلك (٢). قوله: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ وهي النفخة الأخيرة يخرجون من قبورهم (٣). ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ من الخير والشر ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من أعمالهم ﴿عَلِيمٌ﴾ (٤).

стр. 9429

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) سورة الفرقان تحقيق د. سليمان بن إبراهيم الحصين

стр. 9430

تفسير سورة الفرقان (١)

стр. 9431

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿تَبَارَكَ﴾ قال ابن عباس: تعالى عما قال القائلون. وروي عنه: جاء بكل بركة (١). وقال الفراء: البركة والتقدس: العظمة، وهما سواء، وهو كقولك: تقدس ربنا (٢). وذكرنا الكلام في ﴿تَبَارَكَ﴾ في سورة: الأعراف (٣).

стр. 9432

﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ قال المفسرون: يعني القرآن (١). قال ابن عباس: قرآنا فرقت فيه بين الحق والباطل، وجعلت فيه المخرج من جميع الشبهات (٢). والكلام في ﴿تَبَارَكَ﴾ ماض (٣). وذكر أبو علي، في "المسائل الحلبية"، الفرق بين: ﴿الْفُرْقَانَ﴾ و ﴿الْقُرْآنَ﴾ فقال: الفرقان: صفة لأنه بمعنى الفارق (٤). ويقوي كونه صفة

стр. 9433

مجيئه على وزن يجيء عليه الصفات، نحو: عُرْيَان، وخُمْصَان (١)، وهو صفة لا تجري على موصوف بل استعمل (٢) استعمال الأسماء، كالعبد، والصاحب، فإنهما صفتان في الأصل، وقد استعملا استعمال الأسماء، ومن ثمّ لم يعمل: صاحبٌ، أعمال أسماء الفاعلين، نحو: ضارب، وقاتل، وكذلك الأَجرَعُ (٣)، والأَبْطَح (٤)، والأُدْم (٥)، حيث كُسِّرت (٦) على الأفاعل فتَعَدَّوا فيها: فُعْلا وفُعْلان، والحمر (٧) والحمران، والسود والسودان، وإذا كثر في كلامهم هذا النحو من الصفات التي تجري مجرى الأسماء، وأن لا تجري على موصوف، كذلك: الفرقان والقرآن في الأصل مصدر وليس بصفة، إلا أن القرآن أضيف إلى ضمير التنزيل في

стр. 9434

قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ولو كانت صفة لم تجز إضافته إلى نفسه (١). وسنذكر هذا الفصل مشروحًا إذا انتهينا إلى هذه الآية (٢) ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد ﵇ (٣). ليكون محمد بالقرآن ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ يعني الجن، والإنس (٤) ﴿نَذِيرًا﴾ مخوفًا من عذاب الله، هذا قول المفسرين في النذير أنه: محمد ﵇، وأجاز آخرون أن يكون النذير هو: القرآن، وقالوا: إنه نذير للعالمين إلى يوم القيامة (٥).

стр. 9435

٢ - قال ابن عباس ومقاتل: ثم عظم نفسه فقال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ عزيرًا، ولا عيسى، ولا الملائكة، كما قالت اليهود، والنصارى، والمشركون (١). ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ كما قال عبدة الأوثان. وقال الكلبي ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ فيعازه في عظمته (٢). ﴿وَخَلَقَ كُلَّ﴾ أي مما يطلق له صفة المخلوق ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ قال ابن عباس: فجرت المقادير على ما خلق الله تعالى إلى يوم القيامة، وبعد القيامة (٣).

стр. 9436

وقال الكلبي: جعل لكل شيء خلقًا، ومنتهى، وأجلًا ينتهي إليه (١). وقال أبو إسحاق: خلق الله الحيوان وقدر له ما يصلحه ويقيمه، وقدر جميع ذلك لخلقه بحكمته وتقديره (٢). وعلى هذا المعنى يكون: وقدر له تقديرًا من الأجل والمعيشة. وقال الآخرون: سوَّى كل ما خلق وهيأه لما يصلح له (٣) . ٣ - قال ابن عباس: ثم ذكر ما صنع المشركون فقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ يعني: الأصنام اتخذها أهل مكة (٤). ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي: وهي مخلوقة ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ قال مقاتل: لا تقدر الآلهة أن تمتنع ممن أراد بها سوءًا (٥). والمعنى: لا يملكون دفع ضر ولا جلب نفع فحذف المضاف. وهذا معنى قول المفسرين: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ فيدفعونه عن أنفسهم ﴿وَلَا نَفْعًا﴾ فيجرونه إلى أنفسهم. ويجوز أن يكون المعنى: ولا يقدرون أن يضروا أنفسهم أو ينفعونها بشيء ولا لمن يعبدها؛ لأنها جماد لا قدرة لها. وهذا معنى قول الكلبي (٦). ولا يحتاج في هذا إلى تقدير المضاف. ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا﴾ قال مقاتل: أن تميت أحدًا (٧) ﴿وَلَا حَيَاةً﴾ ولا

стр. 9437

يحيون أحدًا ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ ولا تقدر الآلهة أن تبعث الأموات (١). أي: فكيف تعبدون من لا يقدر على أن يفعل شيئًا من هذا وتتركون عبادة ربكم الذي يملك ذلك كله (٢). ٤ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ ما هذا القرآن إلا إفك: كذب افتراه محمد واختلقه من تلقاء نفسه (٣). ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قال مجاهد: يعني اليهود (٤). وقال مقاتل: قالوا: أعان محمدًا على هذا القرآن عدَّاس، مولى حويطب بن عبد العزى، ويسار غلام عامر بن الحضرمي (٥)، وجبر مولى عامر. وكان هؤلاء الثلاثة من أهل الكتاب (٦).

стр. 9438

قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ قال مقاتل: يقول: فقد قالوا شركًا، وكذبًا، حين زعموا أن القرآن ليس من الله (١)! قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث، كان يقول للمشركين: ما يقول محمد لأصحابه إلا كما كنت أحدثكم عن رستم وأسفنديار (٢). وقال أبو إسحاق: نصب ﴿ظُلْمًا وَزُورًا﴾ على: فجاءوا بظلم وزور، فلما سقطت الباء أفضى الفِعلُ فَنَصبَ (٣). وقال الكسائي ﴿جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ كما تقول: أتيت أمرًا عظيمًا، وجئت أمرًا عظيمًا، وجئت شيئًا إدًّا، وشئت شيئًا نكرًا (٤). يعني أن القول واقع عليه، وليس بمعنى حذف الخافض. وهذا أحسن وأليق مما ذكره

стр. 9439

المفسرون (١). ٥ - قوله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿أَسَاطِيرُ﴾ خبر ابتداء محذوف. المعنى: وقالوا: الذي جاء به أساطير الأولين، معناه: ما سطَّره الأولون (٢). قال المفسرون: يعني قول النضر: هذا القرآن أحاديث الأولين حديث رستم واسفنديار (٣). ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ انتسخها محمد من: عداس، وجبر، ويسار. ومعنى ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ هنا: أمر أن تكتب له، كما يقال: احتجم، وابتنى، إذا أمر بذلك. وقد يكون اكتتب بمعنى: كتب، وليس هاهنا بمعنى: كتب بنفسه؛ لأن النبي ﷺ لم يكن كاتبًا، ولكنهم نسبوه إلى أنه أمر هؤلاء بأن ينسخوا له ويكتبوه له. قوله تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ فأبدلت اللام الأخيرة ياءً هربًا من التضعيف (٤).

стр. 9440

كقولهم: تَظَنَّيْتُ (١)، و: تَقَضِّيَ البازي ....... (٢) قال المفسرون، وأهل المعاني: فهي تقرأ عليه؛ ابن عباس، ومقاتل، وأبو عبيدة، وغيرهم (٣). والإملاء المعروف يستعمل مع الكتابة، يُملِي الرجلُ على من يكتب، وهاهنا استعمل لا مع الكتابة؛ لأن النبي لم يكن يكتب، والمعنى: يُملَى عليه ليحفظ كما يُملَى على الكاتب ليكتب، فلما كان الإملاء هاهنا مع الحفظ فُسر بالقراءة.

стр. 9441

قوله تعالى: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ قال ابن عباس: غدوةً وعشيًا (١). وقال مقاتل: يقولون: هؤلاء النفر الثلاثة يعلمون محمدًا طرفي النهار بالغدوة والعشي (٢). ٦ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد (٣) ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أنزل القرآن الذي لا يخفى عليه شيء. قال مقاتل: وذلك (٤) أنهم قالوا بمكة سرًّا هل هذا إلا بشر مثلكم ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء ٣] (٥)، كما أخبر الله عنهم في سورة: الأنبياء ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الآية، فأنزل الله في هذه السورة: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال ابن عباس: لأوليائه رحيمًا بهم (٦). وقال مقاتل: ﴿غَفُورًا﴾ في تأخير العذاب عنهم ﴿رَحِيمًا﴾ لا يعجل عليهم بالعقوبة (٧) . قال أهل المعاني في قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أنزله على ما يقتضيه العلم بباطن الأمور لا على ما تقتضيه أهواء النفوس (٨). ٧ - قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: المشركين (٩) ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ

стр. 9442

يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ قال أبو إسحاق: أي شيء لهذا الرسول في حال أكله الطعام ومشيه في الأسواق، التمَسوا أن يكون الرسول على غير بِنْية الآدميين، والواجب أن يكون الرسول إلى الآدميين آدميًا ليكون أقرب إلى الفهم عنه (١). والمعنى: أنهم أنكروا أن يكون الرسول بشرًا يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق لطلب المعيشة، وهذا هو الصحيح؛ ألا ترى أنهم قالوا ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أي: ليستغني عن طلب المعاش. وعبر بعض البلغاء عن معنى هذه الآية فقال: يعنون أنه ليس بملَك ولا ملِك؛ وذلك أن الملائكة لا يشربون ولا يأكلون، والملوك لا يتسوقون ولا يتبذَّلون (٢) فعجبوا أن يكون مثلَهم في الحال يمتاز من بينهم بعلو المحل والجلال، و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ قال محمد بن إسحاق: إنهم قالوا للنبي ﷺ : سل ربك أن يبعث معك ملَكًا يصدقك بما تقول ويجعل لك جنانًا وقصورًا وكنوزًا من ذهب وفضة يغنيك بها عمّا نراك تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق، وتبتغي المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم (٣). وقال أبو إسحاق: طلبوا أن يكون في النبوة شركة وأن يكون الشريك ملَكًا، والله يقول: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] أي:

стр. 9443

لم يكن ليُفهمهم حتى يكون رجلاً (١). وقال الفراء: ﴿لَوْلَا﴾ بمنزلة هلَّا (٢). ونصب ﴿فيكونَ﴾ على الجواب بالفاء للاستفهام (٣). ٨ - قوله تعالى: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قال الفراء: هو مرفوع بالرد على ﴿لَوْلَا﴾ كقولك في الكلام: أو هلا يلقى إليه كنز (٤)، ونحو هذا قال الزجاج: هو عطف على الاستفهام (٥). قال ابن عباس، ومقاتل: أو ينزل إليه مال من السماء ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستان (٦) ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس: يأكل من ثمارها. قال أبو علي الفارسي: قال الكفار: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ليَبِين منا باقتران الملَك به وكونه معه نذيرًا، ويفترق من جملتنا. وكذلك اقترحوا عليه إلقاء كنز عليه، أو كون جنة تختص بما يأكل منها، حتى يتبين في (٧) مأكله منهم، كما تبين باقتران الملَك به عليهم من الكفار، فقالوا فيما أخبر الله عنهم: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦] وأنكروا أن يكون لمن ساواهم في البشرية حال ليست لهم! وقد احتج الله سبحانه عليهم في ذلك بقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾ الآية [الأنعام: ٩] وبقوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ الآية [يوسف: ١٠٩، النحل: ٤٣]. ومن قرأ:

стр. 9444

﴿نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ (١) فكأنه أراد أنه يكون له بذلك مزية علينا في الفعل بأكلنا من جنته (٢). وقوله: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: وقال المشركون للمؤمنين (٣): ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ أي: ما تتبعون إلا مخدوعًا مغلوبًا على عقله (٤). وذكرنا تفسير المسحور عند قوله: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء ١٠١] (٥). ٩ - قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ قال مقاتل: وصفوا لك الأشياء حين زعموا أنك مسحور (٦). وذلك أنهم كانوا يقولون له مرة: ساحر، ومرة: هو شاعر، ومرة: هو مجنون ومسحور، كما أخبر الله تعالى عنهم في آي كثيرة (٧)، فذلك ضربهم له

стр. 9445

الأمثال، وتشبيههم حاله بحال الساحر، والشاعر، والمجنون، والمسحور. وقال أهل المعاني: مثلوه بالمسحور، وبالمحتاج المتروك، والناقص عن القيام بالأمور (١). قال الله تعالى: ﴿فَضَلُّوا﴾ قال مقاتل: عن الهدى (٢) ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ قال ابن عباس: يريد سبيل الهدى (٣). وهذا قول أعظم المفسرين (٤). والمعنى: أنهم ضلوا عن قصد الطريق بتكذيبك ولا يجدون إلى الحق طريقًا (٥). وهذه الآية بهذا التفسير تدل على أن الكافر غير مستطيع

стр. 9446

للإيمان باستطاعته الكفر (١) وقال مجاهد: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ مخرجًا يخرجهم من الأمثال التي ضربوها لك (٢). وهو قول مقاتل؛ يقول: لا يجدون مخرجًا مما وقالوا: إنك ساحر (٣). يعني: أنهم كذبوا فيما زعموا فلزمهم هذا الكذب حتى لا يجدون منه مخرجًا بحجة أو برهان على ما قالوا.

стр. 9447

وقال الفراء: يقول: لا يستطيعون في أمرك حيلة (١). وهذا قول ثالث في الآية (٢). والمعنى: لا سبيل لهم في دفع ما أتيتهم به من الحق ولا حيلة لهم في إبطاله. ١٠ - ثم أعلم الله تعالى أنه لو شاء لأعطى نبيه ﷺ من الدنيا خيرًا مما اقترحوا أن يكون له فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ أي: خيرا مما قالوا (٣) من إلقاء كنز، وأن تكون لك جنة تأكل منها. وقال مقاتل: يعني أفضل من الكنز والجنة (٤). ثم بَيَّن ذلك الذي هو خير مما قالوا بقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.

стр. 9448

وقال الكلبي: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ تحت غرفها وشجرها ومساكنها (١). يعني في الدنيا؛ لأنه قد شاء أن يعطيه إياها في الآخرة. قال خيثمة (٢): قيل للنبي ﷺ : إن شئت أعطيناك مفاتيح الأرض وخزائنها لا ينقصك ذلك عندنا شيئًا في الآخرة، ونزلت هذه الآية (٣)، فزهد فيها رسول الله ﷺ وآثر أمر الآخرة (٤)؛ وذلك أنه شاور جبريل في ذلك؛ فقال جبريل: تواضع لله، فقال النبي ﷺ : "الفقر أحب إليّ وأن أكون عبدًا صابرًا شكورًا". وهذا معنى قول ابن عباس في رواية جويبر عن الضحاك عنه (٥).

стр. 9449

قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾. قرئ بجزم اللام ورفعه (١)؛ فمن جزم فلأن المعنى: إن يشأ يجعلْ لك جنات ويجعلْ لك قصورًا. هذا قول أبي إسحاق (٢). وشرحه أبو علي؛ فقال: من جزم ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ﴾ عطفه على موضع: جعل؛ لأن موضع جعل جزم بأنه جزاء الشرط فإذا جزم ﴿يَجْعَلْ﴾ حمله على ذلك، وإذ كانوا قد جزموا ما لم يلِه فعل لأنه في موضع جزم كقراءة من قرأ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦] (٣) فالفعل أولى أن يحمل عليه من حيث كان الفعل بالفعل أشبه منه بغير الفعل، وحكم المعطوف أن يكون مناسبًا للمعطوف عليه ومشابهًا له. ومن رفع قطعه مما قبله واستأنف، والجزاء في هذا النحو موضع استئناف ألا ترى أن الجمل من الابتداء والخبر تقع فيه كقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وقوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٤) [البقرة: ٢٧١] هذا

стр. 9450

كلامه (١). وبين القراءتين فرق في المعنى؛ وهو: أن يقف على ﴿الْأَنْهَارُ﴾ واستأنف ﴿ويجعلُ﴾ فيكون المعنى: ويجعلُ لك قصورًا في الآخرة (٢). قال أبو إسحاق: أي سيعطيك الله قصورًا في الآخرة أكثر مما قالوا (٣). قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿قُصُورًا﴾ بيوتًا مبنية مشيدة كانت قريش ترى البيت من حجارة قصرا كائنًا ما كان (٤). وقال مقاتل: إن قريشًا يسمُّون كلَّ شيء من الصوف والشعر: البيوت، ويسمون بيوت الطين: القصور (٥). ومعنى القصر في اللغة: الحبس (٦). وسمّي هذا المبني: قصرًا؛ لأن مَنْ فيه مقصور عن أن يوصل إليه (٧). وكل محوط على شيء فهو قصر. ١١ - ثم أخبر عن تكذيبهم بالبعث فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ (٨)

стр. 9451

ومعنى ﴿بَلْ﴾ هاهنا: تحقيق لتكذيبهم، وإيذان أن القصة الأولى قد تمت. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ في سورة: الكهف [٤٨] (١) ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ﴾ بيوم القيامة (٢) ﴿سَعِيرًا﴾ نارًا تتلظى عليهم. ١٢ - ثم وصف ذلك السعير فقال: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾ أنث فعل السعير وهو مذكر؛ لأنه أراد النار (٣). قال أبو عبيدة: ووصفها بالرؤية (٤)، وقد قال النبي ﷺ : "من يقل عليّ ما لم أقل فليتبوّأ بين عيني جهنم مقعدًا"، قيل يا رسول الله: وهل لها عينان، قال: "نعم، ألم تسمعوا إلى قول الله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ " (٥). قال الكلبي والسدي ومقاتل: من مسيرة مائة

стр. 9452

عام (١). ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ التغيظ: الاغتياظ، يقال اغتاظ عليه، وتَغيَّظ عليه، بمعنى: أنكر عليه أمرًا، وغضب عليه، وغظته أغيظه غيظًا إذا حملته علي الغضب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ [الشعراء: ٥٥] ويقال أيضًا: تغيظت الهاجرة إذا اشتد حَمْيُها (٢). قال الأخطل: لدُنْ غُدْوَةً حتى إذا ما تغَيَّظَتْ ... هواجِرُ من شعبانَ حامٍ أصيلُها (٣)

стр. 9453

قال مقاتل في هذه الآية: ﴿سَمِعُوا لَهَا﴾ من شدة غيظها عليهم (١) (تغيظا) وفي سماع الغيظ قولان؛ أحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف، أي: صوت تغيظ، وغليان تغيظ، كالغضبان إذا غلا صدره من الغضب، وهذا قول أبي إسحاق (٢). ويجوز أن يكون التغيظ بمعنى: الغضب، كقوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] ويجوز أن يكون بمعنى: الحمي والحرارة، كما ذكرنا في قول الأخطل. القول الثاني: أن المعنى: رأوا لها تغيظا وسمعوا لها زفيرًا، كما قال: متقلدًا سيفًا ورمحًا (٣) وقد تقدم لهذا نظائر (٤)، وهذا قول قطرب. والزفير: آخر نهيق

стр. 9454

الحمار (١). وقد مر الكلام في تفسيره (٢). وقال المبرد: الزفير: الصوت يسمع من جوف المتغيظ، يقال: ست لفلان زفيرًا عليك (٣). وهذا شائع في الكلام. قال عبيد بن عمير في هذه الآية: إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى نبي ولا ملَك إلا خر ترعد فرائصه (٤).

стр. 9455

وقال الكلبي: سمعوا تغيظًا كتغيظ بني آدم، وصوتًا كصوت الحمار (١). [وقال ابن قتيبة: قال قوم: بل يسمعون فيها تغيظ المعذبين، وزفيرهم واعتبروا ذلك بقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود ١٠٦]] (٢) قال: والتفسير الأول أشبه بما أريد إن شاء الله؛ لأنه قال: ﴿سَمِعُوا لَهَا﴾ ولم يقل: سمعوا فيها، ولا منها (٣). ١٣ - قوله: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا﴾ من جهنم (٤) ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ قال ابن عباس، والمفسرون: يضيق عليهم كما يضيق الزُّجُّ في الرمح (٥). وسئل
следующие страницы →