← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 9381–9420 · переход к 9386.

стр. 9381

وهذا الوجه هو اختيار المبرد لأنَّه قال: أي عابدين لي غير مشركين. قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون استئنافًا على طريق الثناء عليهم وتثبيتًا كأنه قال: يعبدونني (١) المؤمنون لا يشركون بي شيئًا (٢). وهذا معنى قول ابن عباس: يريد عصمة مني لهم. يعني أعصمهم عن عبادة غيري والإشراك بي. قال مقاتل: لا يشركون بي شيئًا من الآلهة (٣). وهو قول العامة (٤). وروى [ليث، عن] (٥) مجاهد، عن ابن عباس: لا يخافون أحدًا غيري (٦).

стр. 9382

فجعل الإشراك في هذه الآية أن يخافوا أحدًا (١) غير الله. قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ يعني بهذه النعم (٢)، وليس يعني (٣) الكفر بالله؛ لأن الكافر بالله فاسق بعد هذا الإنعام وقبله، والله [تعالى يقول: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي جحد حق هذه النعم بعد إنْعام الله] (٤) بها. وهذا معنى قول الربيع، وأبي العالية (٥)، وأبيّ بن كعب (٦)، ومقاتل ابن حيان (٧).

стр. 9383

وقوله ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد العاصون لله (١). وهذا يدل على أن الكفر هاهنا كفر بالنعمة لا كفر بالله [ ] (٢) ٥٧ - قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ لا تحسبن يا محمد الكافرين. قال مقاتل: يعني أهل مكة يعجزوننا ويفوتوننا (٣). قال الزجاج: أي قدرة الله محيطة بهم. وقرئت (لا يحسبن) بالياء (٤) على حذف المفعول الأول من يحسبن [على معنى: لا يحسبن الذين كفروا إياهم معجزين، كما تقول: زيد حسبه (٥) قائمًا، تريد: حسب نفسه قائمًا (٦). وكأنَّه قيل: لا يحسبن] (٧) الذي كفروا أنفسهم معجزين، وهذا في باب ظننت، تطرح فيه النفس يقال: ظننتني أفعل، ولا يقال: ظننت نفسي. ولا يجوز ضربتني، استغني عنها بضربت نفسي.

стр. 9384

هذا كلامه (١). وقال أبو علي: من قرأ بالياء جاز أن يكون فاعل الحسبان أحد شيئين: إنما أن يكون قد أضمر (٢) ضمير النبي ﷺ كأنه قال: لا يحسبن النبي الذين كفروا معجزين (٣)، ويجوز أن يكون فاعل الحسبان: الذين كفروا، ويكون المفعول الأول محذوفًا تقديره: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم (٤). وهذا هو الوجه الذي ذكره أبو إسحاق. والوجه قراءة العامة بالتاء لظهور مفعولي الحسبان. قال مقاتل (٥)، والكلبي في هذه الآية: لا يحسبن الذين كفروا فايتين في الأرض هربًا حتى يخزيهم بكفرهم. وقوله: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [قال صاحب النظم: لا يحتمل أن يكون هذا متصلًا بقوله ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، [لأن ذلك نفيٌ، وقوله ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾] (٦) إيجاب لا نفي. فهو معطوف بالواو على مضمر قبله تقديره: لا يحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض]] (٧) بل مقدور عليهم ومحاسبون ومأواهم النار (٨).

стр. 9385

٥٨ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ الآية. قال الكلبي: بعث رسول الله ﷺ غلامًا من الأنصار يقال له: مُدلج (١) إلى عمر بن الخطاب ﵁ ظهيرة ليدعوه، فوجده نائمًا قد أغلق عليه الباب، فدفع الغلام الباب، وناداه ودخل، فاستيقظ عمر وجلس؛ فانكشف منه شيء، فرآه الغلام، وعرف عمر أنَّ الغلام رأى ذلك منه، فقال عمر: وَدِدْتُ -والله- أنَّ الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا علينا هذه الساعات (٢) إلاَّ بإذن، ثم انطلق معه إلى رسول الله ﷺ فوجده وقد نزل عليه الوحي بهذه الآية (٣) (٤).

стр. 9386

وقال المقاتلان: نزلت في أسماء بنت مرشدة (١) قالت للنبي ﷺ : إنه ليدخل على المرأة وزوجها وهما في ثوب واحد غُلامُهما بغير إذن؛ فأنزل الله: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني العبيد والإماء والولائد والخدم (٢). قال ابن عباس: يريد من النساء والرجال (٣). وقال عطاء: ذلك على كل صغير وكبير أن يستأذن (٤). [وقال أبو عبد الرحمن السُّلمي -في (٥) هذه الآية-: هي (٦) خاصة للنساء. الرجال يستأذنون على كل حال بالليل والنهار (٧).

стр. 9387

قال أبو عبيد: يعني أنَّ الإماء ينبغي لهن أن يستأذنَّ] (١) على مواليهن في هذه الحالات الثلاث المسمَّات (٢) هاهنا، فأما ذكور المماليك فإن عليهم الاستئذان في الأحوال كلها (٣). وروى ليث، عن نافع، عن ابن عمر: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال: هي للرجال دون النساء (٤). قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ قال مقاتل بن حيّان: من أحراركم من الرجال والنساء (٥). وقوله ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ يعني ثلاثة أوقات، لأنَّه فسرهن بالأوقات وهو قوله ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾. قال ابن عباس: ثلاث مرات. ثم أخبر بأوقاتها فقال: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ يريد المقيل ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ يريد العتمة (٦) حين يأوي

стр. 9388

الرجل مع امرأته (١). وقال صاحب النظم: قوله: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ هاهنا بمعنى: ثلاثة (٢) أوقات؛ لأنها لو كانت على ظاهرها لوجب أن يكون الأمر واقعًا على ثلاث دفعات، فإذا جاوزها ارتفع الأمر، وأن يكون الاستئذان ثلاث دفعات (٣) [فلا يكون دخول إلا بعد (٤) استئذان ثلاث دفعات] (٥)، ويدل علي أنَّ المراد به الأوقات قوله في أثره واصفًا للأوقات-: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ ثم سمّى هذه الأوقات عورات؛ لأن الإنسان يضع فيها (٦) ثيابه فتبدو عورته. انتهى كلامه. وإنَّما قيل ثلاث مرات للأوقات؛ لأنَّه أراد مرة في كل وقت من الأوقات التي ذكرها. قال مجاهد: يجزيهم أن يستأذنوا مرّة في هذه الأوقات (٧) (٨). وقال أبو إسحاق وأبو علي: أمر الله بالاستئذان في الأوقات التي يتخلَّى (٩) الناس فيها ويتكشَّفُون (١٠)، وبيّنها فقال: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ

стр. 9389

تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ ففصَّل الثلاث بهذه الأوقات، ثم أجمل بعد التفصيل فقال: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾، فأعلم أنها عورات، والمعنى: هي ثلاث عورات [أو هذه ثلاث عورات] (١) فهي خبر ابتداء محذوف. ومن قرأ (ثلاث عورات) بالنصب (٢) جعله بدلاً من قوله (ثلاث مرات). فإن قيل: قوله: (ثلاث مرات) زمان، بدلالة أنَّه فسر بزمان -على ما بيَّنا- وليس العورات بزمان، فكيف يصح البدل منه؟ وليس هي هي. قيل: يكون ذلك على أن يُضمر (٣) الأوقات كأنه: أوقات ثلاث عورات، فلما حذف المضاف أعرب ما كان يقع الإضافة إليه بإعراب المضاف، فعلى هذا يوجَّه (٤) (٥). والاختيار في العورات إسكان الواو، وحكم ما كان على فَعْلَه: من الأسماء أن تُحرك العين منه في فعلات نحو: صحفة (٦) وصحفات، وجفنة (٧) وجفنات. إلَّا أن التَّحريك فيما كان العين منه ياءً أو واوًا كرهه

стр. 9390

عامة العرب؛ لأنَّ العين بالتحريك تصير على صورة ما يلزمه الانقلاب من كونه متحركًا بين متحركين، فكرهوا ذلك، وعدلوا عنه إلى الإسكان، فقالوا: عوراتٌ وجوزات وبيضات، ومثل هذا في اطّراد التحريك في الصَّحيح وكراهية ذلك في المعتل قولهم في حنيفة: حنفي، وفي جديلة وربيعة: جدلي وربعيّ، فإذا أضافوا إلى مثل طويلة وجويزة قالوا: طُويلي وجويزي، كراهة: طُوليّ وجُوزيّ، لأنه يصير على ما يجب فيه القلب، وكذلك قالوا في شديد: شَديديّ، ورفضوا شدديّ الذي أثروا نحوه في ربعي كراهية التقاء التضعيف. هذا كلام أبي علي (١). وقال السدي -في هذه الآية-: كان أناس من أصحاب النبي ﷺ يعجبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا (٢) إلى الصلاة، فأمرهم الله أن يأمروا الغلمان والمملوكين أن يستأذنوا في هذه الثلاث ساعات (٣). وقال مقاتل بن حيان: هذا من المفروض يحق على الرجل أن يأمر بذلك من كان عنده من حر أو عبد أن لا يدخلوا تلك الساعات الثلاث إلا بإذن (٤).

стр. 9391

قال أبو عبيدة (١): ولا نعلم أحدًا من العلماء أخبر عن هذه الآية بنسخ بل غلَّظُوا شأنها (٢). قال عطاء: سمعت ابن عباس يقول: ثلاث آيات من كتاب الله تركهن الناس لا أرى أحدًا يعمل بهن. قال عطاء: حفظت آيتين ونسيت واحدة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية، وقال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ إلى قوله ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ثم (٣) يقول الرجل بعد هذا للرجل-: أنا أكرم منك، وليس أحدٌ أكرم من أحد إلا بتقوى (٤). وقال موسى بن أبي عائشة (٥): قلت للشعبي -في هذه الآية-: أمنسوخة هي؟ قال: لا. فقلت: قد تركها (٦) الناس؟ فقال: الله المستعان (٧).

стр. 9392

وادعى قوم النسخ في هذه الآية، واحتجوا بما روي عن عكرمة عن ابن عباس: أن ناسًا من أهل العراق سألوه عن هذه الآية، فقال: إن الله رفيق رحيم بالمؤمنين يحب الستر عليهم، وكان الناس ليست لهم ستور ولا حجاب (١) فربما دخلت الخادم أو الولد (٢) -والرجل على أهله- فأمروا بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله بالستور والخير، فلم (٣) أر أحدًا يعمل بذلك (٤) (٥).

стр. 9393

قال أبو عبيد: وليس وجه هذا أن يكون على الرخصة من أجل أن ابن عباس لم يخبر أنَّه نسخها قرآن، ولا أن السنّة جاءت برخصة فيها. إنما قال: لم أر أحدًا يعمل ذلك، وقد حكى عنه عطاء هذا اللفظ (١) على وجه الإنكار والاستبطاء للناس ألا تسمع قوله: ثلاث آيات من كتاب الله تركهن الناس لا أرى أحدًا يعمل بهن. فرواية عطاء عندنا مفسرة للذي روى عكرمة. وليس المذهب في الآية إلا أنها محكمة قائمة لم ينسخها كتاب ولا خبر عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه ولا التابعين بعدهم بالتَّسهل في ذلك، إلا شيئًا يروى عن الحسن أنه كان يقول: والخادمة التي تبيت مع أهل الرجل لا بأس أن تدخل بغير إذن (٢). وقوله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أي ليس عليكم جناح ولا عليهم في أن لا يستأذنوا بعد أن يمضي كل وقت من هذه الأوقات (٣). قال مقاتل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ معشر المؤمنين ﴿وَلَا عَلَيْهِمْ﴾ يعني

стр. 9394

الخدم والغلمان ﴿جُنَاحٌ﴾ حرج ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ يعني بعد العورات (١). وقال صاحب النظم: دلّ بقوله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ﴾ على أن ما عزمه على المماليك من الاستئذان في هذه الأوقات معزوم أيضًا على الموالي؛ لأنه لا يذكر رفع الجناح في شيء إلا عمَّن يلزمه جناحه، ثم أوضح ذلك بقوله: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: أنكم كما يطوفون (٢) عليكم تطوفون عليهم في هذه الأوقات. هذا كلامه. ويجوز أن يعود رفع الجناح في قوله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ إلى أنه لا جناح على الموالي إذا لم يأمروا المماليك (٣) بالاستئذان في غير هذه الأوقات الثلاثة. وقوله ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ يريد أنهم خدمكم، ولا بأس أن يدخلوا في غير هذه الأوقات الثلاثة بغير إذن. قال مقاتل: يتقلبون فيكم ليلًا ونهارًا (٤). وقال الفراء والزجاج: ﴿طَوَّافُونَ﴾ استئناف، كقولك في الكلام: إنَّما هم خدمكم (٥) [وطوافون عليكم (٦).

стр. 9395

قال ابن قتيبة: يريد أنهم خدمكم] (١)، قال الله تعالى ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] أي: يطوف عليهم ولدان (٢) في الخدمة، وقال النبي ﷺ في الهرة: "إنَّما هي من الطوافين عليكم والطوافات" (٣) جعلها بمنزلة العبيد والإماء (٤). وقال صاحب النظم: يقال إن معنى الطواف هاهنا الخدمة ومنه قوله ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] (٥) أي يخدمهم، وفي الخبر "إنَّها من الطوافين عليكم والطوافات" فشبّه السنانير (٦) بخدم البيت. وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ قال الزجاج: على معنى: يطوف بعضكم على بعض (٧). وقال أبو الهيثم: الطائف: هو الخادم الذي يخدمك برفق وعناية وجمعه الطوَّافون (٨).

стр. 9396

﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ﴾ قال المفسرون: يعني من الأحرار (١). ﴿الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ أي في جميع الأوقات في الدخول عليكم، فالبالغ يستأذن في كل الأوقات، والطفل والمملوك يستأذنان في الثلاث عورات. قال سعيد بن المسيب: ليستأذن الرجل على أمه فإنما نزلت ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ﴾ في ذلك (٢). وقال مقاتل بن حيان: الأحرار إذا بلغوا الحلم فليستأذنوا على كل حال وفي كل حين، كما استأذن الذين بلغوا الحلم من قبلهم الذين أمروا بالاستئذان على كل حال (٣). فالمراد بقوله ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الأحرار الكبار من الرجال في قول جميع المفسرين (٤)، إلا فيما روى عطاء، عن ابن عباس فإنه قال: يريد الذين كانوا مع إبراهيم وإسماعيل (٥). ٦٠ - قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قال ابن السكيت: امرأة قاعد، إذا قعدت عن المحيض، فإذا أردت القعود قلت: قاعدة (٦). وقال أبو الهيثم: القواعد من صفات الإناث، لا يقال: رجال

стр. 9397

قواعد، يقال: رجل قاعد عن الغزو، وقوم قعَّاد وقاعدون [عن الغزو] (١) (٢). والمفسرون كلهم قالوا في القواعد: هنّ اللاتي قعدن عن الحيض والولد من الكبر (٣). قال اللَّيث: امرأة قاعد (٤) وهي التي قعدت عن الولد وانقطع عنها الحبل من كبر (٥)، وهن القواعد (٦). وقال الزجاج: هي التي قعدت عن الزوج. وهذا معنى قوله ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ (٧). قال ابن عباس: يعني تزويجها (٨). وقال السدي: هن اللاتي قد (٩) تركن الأزواج وكبرن (١٠) (١١). وقال الفراء: لا يطمعن أن يتزوجن من الكبر (١٢).

стр. 9398

ويرجون في فعل جميع (١) النساء كقوله ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وقد مرّ. وقوله ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال عامّة المفسرين (٢): يعني الجلباب والرداء والقناع الذي (٣) فوق الخمار. فالمراد (٤) بالثياب هاهنا: بعضها لا كلها. وهو ما ذكره المفسرون. يدل عليه ما روي أنَّ في حرف ابن مسعود (من ثيابهن) (٥)، وفسر فقال: أن يضعن الملحفة والرداء ويقمن في الدروع وفي خمرهن (٦).

стр. 9399

وقال الحسن: رخص لها أن تمشي في درع (١) وخمار وتصلي فيهما (٢). وكان ابن عباس يقرأ: [أن يضعن] (٣) جلابيبهن (٤). وروى السدي عن أصحابه: فليس عليهن جناح أن يضعن خمرهن عن رؤوسهن (٥). وروى خالد الحذاء، عن أبي قلابة قال: يرخصون للمرأة الكبيرة (٦) التي قد آيست من النكاح أن يرى الشيء من شعرها (٧). فعلى هذا القول يجوز لها أن تضع الخمار. والصحيح ما عليه المفسرون.

стр. 9400

قوله تعالى ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ التَّبرج: التكشف وهو أن تظهر المرأة محاسنها من وجهها وجسدها (١). قال أبو إسحاق: التبرج إظهار الزينة وما يستدعى (٢) به شهوة الرجل (٣) (٤). وقال المبرد: ﴿مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي مبديات من زينة يستدعين بها. وقال المفسرون: يعني من غير أن يردن بوضع (٥) الجلباب أن ترى زينتهن (٦). قال مقاتل: لا تريد (٧) بوضع الجلباب أن تُرى زينتها، يعني الحلي (٨). وقال مقاتل بن حيان: يقول: ليس لها أن تضع [الجلباب] (٩) يريد

стр. 9401

بذلك أن تظهر قلائدها وقرطها وما عليها من الزينة (١). وقال قتادة: إن المرأة تكون (٢) قد حلت فيكون العضو من أعضائها حسنا فلا ينبغي لها أن تبدي ذلك لتلتمس به الزينة (٣). وقال عطاء: تضع الجلباب في بيتها فأما إذا خرجت فلا يصلح (٤). فعلى هذا معنى ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ غير خارجات من (٥) بيوتهن (٦). ثم قال ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ قال ابن عباس: يستعففن فلا يضعن الجلباب (٧). وقال مجاهد: يلبسن جلابيبهن خيرٌ لهنّ من وضع (٨) الجلباب (٩). قوله ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لقولكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في قلوبكم (١٠). ٦١ - ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى﴾ روى الزهري، عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله في هذه الآية أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلّفوا

стр. 9402

زَمْناهم، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون: قد أحللناكم أن تأكلوا مما في بيوتنا. فكانوا يتحرجون من ذلك وقالوا (١): لا ندخلها وهم غُيَّب. فنزلت هذه الآية رخصة لهم (٢). وهذا قول عائشة ﵂ روي أنها قالت في هذه الآية: كان المسلمون يرغبون مع رسول الله ﷺ في المغازي، ويدفعون مفاتيحهم إلى الضمناء (٣) ويقولون: قد أحللناكم أن تأكلوا مما في منازلنا. فكانوا يتوقَّون

стр. 9403

أن يأكلوا من منازلهم حتى نزلت هذه الآية (١). فعلى هذا معنى الآية: نفي الحرج عن الزَّمنى في أكلهم من بيوت (٢) أقاربهم، أو بيت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج للغزو. وروى الكلبي، عن أبي صالح، [عن ابن عباس] (٣) - في هذه الآية: أن الأنصار كانوا قومًا يتنزَّهون في أشياء؛ كانوا لا يأكلون مع الأعمى يقولون: الأعمى لا يبصر طيَّب الطعام ونحن نُبصره (٤) فنسبقه إليه (٥)؛ فيعزلونه على حده. وكانوا لا يأكلون مع المريض يقولون: لا يقدر أن يأكل مثل ما أكلنا (٦) يمنعه من ذلك المرض، وكانوا يعزلونه على حدة؛ وكانوا لا يأكلون مع الأعرج يقولون: لا يستمكن من المجلس فإلى أن يأكل هو لقمة قد أكلنا لقمتين، فيعزلونه على حدة. فنزل في ذلك ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ يقولون: ليس على من أكل (٧) مع الأعمى حرج (٨).

стр. 9404

وهذا معنى قول مقسم -في هذه الآية-: كانوا لا يأكلون مع الأعمى والأعرج والمريض؛ لأنهم كانوا لا ينالون من الطعام كما ينالون. فنزلت هذه الآية (١). ونحو هذا ذكر مقاتل بن سليمان في سبب النزول (٢). واختار الفراء هذا القول وقال: معنى الآية: ليس عليكم في مؤاكلتهم (٣) حرج (٤) و (في) تصلح مكان (على) هاهنا (٥). وعلى هذا قوله ﴿عَلَى الْأَعْمَى﴾ (٦) معناه: في الأعمى. أي في مؤاكلة الأعمى فـ (على) بمعنى: في، والمضاف محذوف. وقال آخرون: كان (٧) هؤلاء يتنزَّهون عن مؤاكلة الأصحاء؛ لأن

стр. 9405

الناس يتقذَّرون منهم، فكان الأعمى لا يؤاكل الناس؛ لأنَّه لا يُبصر الطعام فيخاف أن يستأثر، وكان الأعرج يتوقَّى ذلك لأنَّه يحتاج لزمانته أن ينفسخ في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه، وكان المريض يخاف أن يفسد على الناس طعامهم بأمور قد تعتري مع المريض من رائحة بتغير أو جرح يبض (١) أو أنف يذن (٢) أو بول يسلس (٣) وأشباه ذلك فأنزل الله [ ] (٤) هذه الآية. يقول: ليس على هؤلاء حرج في مؤاكلة الناس. وهذا معنى قول (٥) سعيد بن جبير، والضحاك (٦)، والسدي، قالوا: كان ناس من الأنصار لا يأكلون مع هؤلاء يتقذَّرون منهم. وقال ابن عباس -في رواية عطاء-: يريد ليس على هؤلاء حرج في التخلف عن الغزو مع رسول الله ﷺ . وهذا قول الحسن وابن زيد (٧). وعلى هذا تم الكلام عند قوله ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾، وقوله ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ كلام منقطع عما قبله (٨).

стр. 9406

قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] ترك الناس مؤاكلة الصغير والكبير وقالوا: لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد فأنزل الله تعالى ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ (١). أي: ليس عليكم حرج في أنفسكم أن تأكلوا من أموال عيالكم وأزواجكم. فمعنى ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ من بيوت أزواجكم وعيالكم، أضاف إليه؛ لأن بيت (٢) المرأة كبيت (٣) الزوج. ذكر هذا المعنى الفرَّاء (٤) وابن قتيبة. قال [ابن قتيبة: وقال] (٥) بعضهم: أراد أن تأكلوا من بيوت [أولادكم فنسب بيوت] (٦) الأولاد إلى بيوت الآباء؛ لأن الأولاد كسبهم وأموالهم كأموالهم، يدلك على أن المراد بالآية (٧) ما ذكرنا: أنَّ الناس لا يتوقون أن يأكلوا من بيوتهم حتى ينفى الحرج عنهم، وأيضًا فإنه عدَّد القرابات وهم أبعد نسبًا من الولد ولم يذكر الولد، وقد قال المفسرون في قوله: ﴿مَا أَغْنَى

стр. 9407

عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] أراد ما أغنى عنه ماله وولده، فجعل ولده كسبا (١). وذكر مجاهد في سبب نزول الآية غير ما ذكر هؤلاء وقال: كانت رجال زمنى: عميًا عرجًا أولي (٢) حاجة يستتبعهم (٣) رجال إلى بيوتهم، فإن لم يجدوا طعامًا ذهبوا إلى بيوت آبائهم ومن عدَّدهم معهم، فكره ذلك (٤) المستتبعون، فأنزل الله في ذلك ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ (٥) وأحل لهم الطعام حيث وجدوه (٦). وعلى هذا معنى الآية: لا جناح على هؤلاء الزمنى ولا على من استتبعهم أن يأكلوا من بيوت أزواجهم وعيالهم أو بيوت آبائهم وأقاربهم الذين ذكروا. وقال السدي: كان الرجل يدخل بيت أبيه أو بيت أخيه [أو بيت

стр. 9408

أخته] (١)، فتتحفه المرأة بشيء من الطعام، فلا (٢) يأكل لأنه ليس ثمَّ رب البيت، فأنزل الله الرخصة (٣). قال ابن قتيبة: وهذا من رخصته للقرابات (٤) وذوي الأواصر (٥)، كرخصته في الغرباء والأباعد لمن دخل حائطًا وهو جائع أن يصيب من ثمره، أو مرَّ في سفر بغنم وهو عطشان أن يشرب من رِسْلها (٦)، وكما أوجب للمسافر على من مرَّ به الضيافة، توسعة منه ولطفًا بعباده، ورغبة بهم عن دناءة الأخلاق وضيق النَّظر (٧). وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: يريد مماليككم (٨)، وذلك أن السيد يملك منزل عبده. وقال الفراء: يعني: أو بيوت ﴿مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ (٩) يعني: بيوت عبيدكم وأموالهم. قال: ويجوز أن تكون المفاتح (١٠) -هاهنا -: الخزائن، ويجوز أن

стр. 9409

تكون التي يفتح بها (١). وذكرنا المفاتح بمعنى الخزائن في (٢) قوله ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ﴾ [الأنعام: ٥٩]. وهذا معنى قول مقاتل بن سليمان (٣)، والضحاك (٤). وقال آخرون: معنى قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ أي ما خزنتموه لغيركم. يريد الزَّمنى الذين كانوا يخزنون للغزاة (٥). وقال ابن عباس: عني بذلك وكيل الرجل وقيِّمه (٦) في ضيعته (٧) وماشيته، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته (٨). قال عكرمة: إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير (٩).

стр. 9410

وقال السدي: الرجل يوليه الرجل طعامه يقوم عليه فلا بأس أن يأكل منه (١). وقال مقاتل بن حيان: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [يعني: ما ملكتم (٢) خزائنه (٣). وقال قتادة: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾] (٤) مما تحتبس يا ابن آدم (٥). ونحو هذا يروى عن مجاهد (٦). والمعنى: أو بيوت أنفسكم مما اختزنتم وملكتم. وهذا أبعد الوجوه؛ لأن الناس لا يتوقّون أن يأكلوا من بيوتهم. وقوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ قال المقاتلان: انطلق رجل غازيًا يدعى الحارث بن عمرو (٧) واستخلف مالك بن زيد (٨) في أهله وخزائنه (٩)، فلما رجع (١٠) الحارث من غزاته (١١) رأى مالكًا مجهودًا قد أصابه الضرّ، فقال:

стр. 9411

ما أصابك؟ قال مالك (١): لم يكن عندي سعة. فقال الحارث: أما تركتك في أهلي ومالي؟ قال: بلى، ولكن لم يكن يحلّ (٢) لي مالك، ولم أكن لآكل ما لا يحلّ لي. فأنزل الله ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ يعني الحارث بن عمرو حين خلَّف مالكًا في أهله (٣). والمعنى: ليس عليكم جناح أن تأكلوا من منازل هؤلاء إذا دخلتموها وإن لم يحضروا ولم يعلموا (٤) من غير أن تتزودوا أو تحملوا (٥). وكان الحسن وقتادة (٦) يريان دخول (٧) الرجل بيت صديقه والتحرم من طعامه (٨) من غير استئذان بهذه الآية. قال معمر: ودخلت على قتادة فقلت له (٩): أشرب من هذا الحُبّ (١٠)؟ -حب فيه ماء- فقال: أنت لنا صديق، ثم قرأ ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ (١١).

стр. 9412

وقال ابن عباس- في رواية عطاء: أو صديقكم إذا دعاكم (١). وقوله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ قال أكثر المفسرين: نزلت في بني ليث بن بكر (٢) -وهم حيّ من كنانة- كان الرجل لا يأكل وحده، يمكث يومه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئًا، وربما كانت معه الإبل الحُفَّل (٣) فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه، فأعلم الله أن الرجل منهم إن أكل وحده فلا إثم عليه (٤). ونصب ﴿جَمِيعًا﴾ على الحال. ومعنى ﴿أَشْتَاتًا﴾: متفرقين، جمع شت، والشت المصدر بمعنى: التفرق، يقال: شت القوم، إذا تفرقوا. ثم يوصف به ويجمع (٥). وهذا معنى قول قتادة، ومقاتل، والضحاك، وابن جريج، ورواية الوالبي عن ابن عباس (٦).

стр. 9413

وقال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعامًا عزلوا للأعمى (١) على حدى، وللأعرج على حدة. فنزلت هذه الآية [رخصة لهم (٢)] (٣) (٤). وذهب قوم إلى (٥) أنَّ هذا عام أباح الله تعالى للناس الأكل إن شاءوا مجتمعين وإن شاءوا متفرقين. وهذا قول مقاتل بن حيان (٦)، ومعنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٧). وقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاءوا مجتمعين أو متفرقين (٨).

стр. 9414

وقوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ثلاثة أقوال: أحدها: أن هذا في دخول الرجل بيت نفسه والسلام على أهله ومن في بيته. وهذا قول جابر بن عبد الله، والزهري، وقتادة، وعطاء، والأعمش، ومعنى قول ابن عباس في رواية عطاء (١). وروى أبو الزبير، عن جابر قال: إذا دخلت على أهلك فسلّم عليهم ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (٢). وروى عنه مرفوعًا أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخلتم بيوتكم فسلموا على أهلها" (٣).

стр. 9415

وقال الزهري وقتادة -في قوله ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ - قالا: بيتك إذا دخلت فقل: السلام عليكم (١). وقال عطاء: إذا دخلت على أهلك فسلّم (٢). وقال الأعمش: يقول: فسلموا على أهليكم إذا دخلتم بيوتكم (٣). وقال ابن عباس -في رواية عطاء-: هذا (٤) أدب من الله أمر أولياءه بالسلام على أهلهم. وعلى هذا قال: ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ وهو يريد أهليكم، لأن أهل الرجل في نفسه. القول الثاني: أن معنى الآية: ليسلم بعضكم على بعض إذا دخلتم بيوتًا. وهو قول الحسن، وزيد بن أسلم وابنه، والسدي، والكلبي، والمقاتلين (٥)، كل هؤلاء قالوا: معنى الآية إذا دخلتم بيوتًا فسلموا على

стр. 9416

أهلها وعلى من فيها من المسلمين، وليسلم بعضكم على بعض عند دخول البيت والمنازل. وعلى هذا معنى قوله ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي على أهل ملتكم. قاله السدي (١). وقال مقاتل: على أهل دينكم (٢). وقال زيد بن أسلم: يقول (٣) على المسلمين (٤). وقال الحسن: هذا كقوله ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] (٥). القول الثالث: أنَّ هذا في دخول البيوت الخالية. روى منصور (٦) عن إبراهيم (٧) -في هذه الآية- قال: إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (٨). وقال مجاهد -في هذه الآية-: إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا من ربنا، السلام علينا (٩) وعلى عباد الله الصالحين (١٠).

стр. 9417

وهذا قول ابن عمر (١)، والحكم (٢)، وماهان (٣). وروى عمرو بن دينار، عن ابن عباس في هذه الآية قولًا رابعًا في قوله ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ قال: هو المسجد إذا دخلتم فسلموا على من فيه، وقيل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (٤). فالبيوت في هذا القول المساجد. قوله ﴿تَحِيَّةً﴾ ذكرنا معناها عند قوله ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [النساء: ٨٦]. قال أبو إسحاق: هو نصبٌ على المصدر لأن قوله (فسلموا) بمعنى (٥)

стр. 9418

فتحيَّوا (١) ويحيي بعضكم تحية (٢). وقوله ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: أي هذه تحية حياكم الله بها (٣). وقال الفراء (٤): أي من أمر الله أمركم بها تفعلونه (٥) طاعة له (٦). وقوله ﴿مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ قال ابن عباس: يريد حسنة جميلة (٧). وقال الزجاج: أعلم الله أن السلام مبارك طيب لما فيه من الأجر والثواب (٨). قوله ﴿كَذَلِكَ﴾ أي كبيانه في هذه الآية. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ يفصل الله لكم معالم دينكم كما بيّن في أمر الطعام والتسليم (٩) (١٠).

стр. 9419

﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لكي تفقهوا (١) عن الله أمره ونهيه وأدبه. ٦٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ قال مجاهد (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، والمفسرون (٤): يعني الجمعة والغزو. وقال مقاتل بن حيان: يقول على أمر طاعة يجتمعون عليها نحو الجمعة والنحر والفطر والجهاد وأشباه ذلك (٥). وقوله: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ قال مقاتل: نزلت في عمر بن الخطاب استأذن النبي ﷺ في غزوة تبوك في الرجعة إلى أهله، فأذن له وقال: "انطلق فوالله ما أنت بمنافق". يريد بذلك أن يسمع المنافقين (٦). وقال ابن عباس: الذي استأذنه عمر بن الخطاب، وذلك (٧) أنه استأذن رسول الله ﷺ في العمرة فأذِن له، ثم قال: "يا أبا حفص لا تنسنا في صالح (٨) دعائك" (٩).

стр. 9420

وقال الثُّمالي (١) -في هذه الآية-: إن رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر لم يخرج حتى يقوم بحيال (٢) رسول الله ﷺ حيث يراه، فيعرف أنَّه (٣) إنّما قام ليستأذن، فيأذن لمن شاء (٤) منهم (٥). قال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده (٦). قال الكلبي: كان ذلك مع رسول الله ﷺ فأما اليوم فإذنه أن يأخذ بأنفه وينصرف (٧).
следующие страницы →