قال أبو إسحاق: الرحمن: اسم من أسماء الله ، مذكور في الكتب الأُوَل، ولم يكونوا يعرفونه من أسماء الله (١). فلما سمعوه أنكروا، فقالوا ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ (٢). وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] (٣).
стр. 9592
قوله تعالى: ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ خطاب للنبي ﷺ وكأنهم تلقوا أمره بالرد والإنكار عليه (١). ومن قرأ: بالياء (٢)؛ فقال أبو عبيد: تراه أراد لما يأمرنا الرحمن. وليس بالوجه؛ لأنهم لو أقروا أن الرحمن ﵎ هو الآمر، ما كانوا كفارًا، إنما كانت مقالتهم تلك للنبي ﷺ فيما يقول أهل التفسير؛ وذلك أنهم قالوا: يعنون أنسجد لما يأمرنا رحمن اليمامة (٣). تكبرًا منهم واستهزاء. ونحو هذا ذكر الفراء، في قراءة من قرأ: بالياء (٤).
وقال أبو علي: من قرأ بالياء فالمعنى: أنسجد لما يأمرنا محمد ﷺ بالسجود له، على وجه الإنكار منهم لذلك. ولا يكون على: أنسجد لما يأمرنا الرحمن بالسجود له؛ لأنهم أنكروا الرحمن بقولهم: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ (٥).
стр. 9593
وقوله: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ قال مقاتل: يقول (١): زادهم ذكر الرحمن تباعدًا من الإيمان (٢).
وقال غيره: زادهم أمر النبي ﷺ إياهم بالسجود نفورًا عما أمروا به من ذلك (٣).
روى مِسْعَر، عن عبد الأعلى (٤)، أنه كان يقول في سجوده: زادنا لك خشوعًا ما زاد أعداءك عنك نفورًا (٥)، فلا تُكبَّ وجوهنا في النار بعد سجودها لك.
٦١ - قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ قال ابن عباس، في رواية عطاء: يريد بروج النجوم (٦). يعني: منازلها الاثني عشر، كل برج منها: منزلان، ونصف منزل للقمر، وهو: ثلاثون درجة للشمس، ولكل برج اسم على حده، وأساميها معروفة (٧).
стр. 9594
وقال أبو صالح: هي النجوم الكبار العظام. وهو قول مقاتل، ومجاهد، والحسن؛ قالوا في تفسير البروج: هي النجوم والكواكب (١).
قال أبو إسحاق: وإنما قيل للكواكب بروج، لظهورها، وبيانها، وارتفاعها، والبَرَجُ: تباعد ما بين الحاجبين. وكل ظاهر مرتفع فقد بَرُج (٢).
وقال عطية العوفي: هي قصور فيها الحرس. وهو قول الأعمش، وأصحاب عبد الله (٣). وذكر الكلبي القولين؛ النجوم، والقصور (٤).
стр. 9595
والبروج، بمعنى: القصور؛ ذكرنا تفسيرها عند قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] (١).
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ قالوا: هو الشمس، نظيره قوله: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (٢) [نوح: ١٦]. وقرأ حمزة والكسائي: (سُرُجًا) (٣) قال الزجاج: أراد الشمس، والكواكب معها (٤). ومن حجة هذه القراءة قوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك:٥] فشبهت الكواكب بالمصابيح في قوله: (سُرُجًا) كما شبهت المصابيح بالكواكب؛ في قوله: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ﴾ [النور: ٣٥] والمعنى: مصباح الزجاجة، ويدلك قول امرئ القيس:
سموت إليها والنجوم كأنها ... مصابيح رهبان تشب لقُفَّال (٥)
стр. 9596
واختار أبو عبيد (سُرُجًا) وقال: من قرأ (سُرُجًا) أراد النجوم، وهي قد ذكرت قبل هذا، في قوله: ﴿جَعَلَ في السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ وهذا الذي ذكره لا يقدح في قراءة حمزة؛ لأنه يحمل البروج على غير الكواكب (١).
٦٢ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ ذكر أهل اللغة، والمفسرون، في الخلفة، قولين (٢)؛ قال أبو عبيدة: الخلفة كل شيء بعد شيء (٣).
وقال الأصمعي: خلفة الثمر: الشيء يجيء بعد الشيء. والخلفة من نبات الصيف بعد ما يبس العشب، ومن الزروع، ما زرع بعد إدراك الذي زرع أولاً؛ لأنها تُستَخلف (٤)، وأنشد:
ولها بالماطرون إذا ... أكل النمل الذي جمعا
стр. 9597
خِلْفة حتى إذا ارتبعت ... سكنت من جِلَّق بِيَعَا (١)
قال المبرد: يقول: يخلف هذا المكان في هذا الوقت المكان الآخر. قال: ومن هذا يقال للمبطون: أصابته خلفة لتردده بين أن يخلف المشي القعود، والقعود المشي. فعلى هذا القول: الليل خلفة للنهار، والنهار خلفة لليل؛ لأن أحدهما يخلف الآخر ويأتي بعده.
قال الفراء: يقول يذهب هذا ويجيء هذا (٢). وهذا قول ابن عباس، في رواية عطاء، ومقاتل، وابن زيد، والضحاك، والحسن؛ قال ابن عباس: يريد من فاته شيء من الخير بالليل عمله بالنهار (٣).
стр. 9598
وقال مقاتل: جعل النهار (١) خلفًا من الليل، لمن نام بالليل، وجعل الليل خلفًا من النهار، لمن كانت له حاجة، وكان مشغولًا (٢).
وقال ابن زيد: يخلف أحدهما صاحبه؛ إذا ذهب أحدهما جاء الآخر، فهما يتعاقبان في الضياء والظلام، والزيادة والنقصان (٣).
وقال الضحاك: من عجز عن عمل الليل فعمل بالنهار كان له خلفًا، ومن عجز عن عمل بالنهار فعمل بالليل كان له خلفًا. وقال الحسن: جعل أحدهما خلفًا للآخر فإن فات رجلًا من النهار شيء أدركه بالليل، وإن فاته شيء بالليل أدركه بالنهار (٤). وهذا القول اختيار الليث؛ قال: أي: إذا فاته أمر بالنهار تداركه بالليل، وإذا فاته بالليل تداركه بالنهار (٥) من العبادة،
стр. 9599
والذكر، وغير ذلك (١).
القول الثاني، قال الكسائي: يقال لكل شيئين اختلفا: هما خِلْفَان، وخِلْفَتَان، يقال: له ابنان خِلْفان، وله عبدان خِلْفان، وله أَمَتَان خلفان، إذا كان أحدُهما طويلاً، والآخر قصيرًا، أو كان أحدُهما أبيضَ، والآخرُ أسودَ (٢)، قال الراجز:
دَلْوَاي خِلْفان وساقياهما (٣)
يقول: إحداهما مُصْعِدَةٌ، والأخرى مُنْحَدِرة (٤)، واحد الساقين طويل، والآخر قصير (٥)، أو أحدهما أسود، والآخر أحمر. وقال غيره: يقال: ولد فلان خلفة، أي: نصف صغار، ونصف كبار، ونصف ذكور، ونصف إناث (٦). وعلى هذا (٧) الخلفة من الاختلاف الذي هو ضد الاتفاق. وهذا قول مجاهد، قال: جعل كل واحد منهما مخالفًا لصاحبه، فجعل هذا أسود، وهذا أبيض (٨).
стр. 9600
وذكر الفراء، والزجاج، القولين جميعًا (١)، وأنشدا قول زهير:
بها العِينُ والآرام يَمشِين خِلْفةً (٢)
أي: مختلفات، في أنهما ضربان في ألوانها، وهيئتها، وتكون خلفة في مِشْيَتها، تذهب كذا، وتجيء كذا (٣). وحكى الكلبي، القولين أيضًا؛ فقال: ﴿خِلْفَةً﴾ يخلف كل واحد منهما صاحبه. قال: ويقال الخلفة: اختلاف ألوانها (٤). والخلفة: اسم من الاختلاف، أقيم مقام المصدر. والاختلاف يحتمل المعنيين جميعًا. وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ في سورة البقرة [آية: ١٦٤] (٥)
стр. 9601
ولهذا لم يثنَّ، كما يقال: رجلان عدل. ويحتمل أن يكون الأمر من باب حذف المضاف، على تقدير: ذوي خلفة (١).
قوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ أي: يتذكر، فيتبين شكر الله، وموضع النعمة، وإتقان الصنعة، فيستدل به على التوحيد. والتشديد، على أنه: يتذكر، ويتفكر ليدرك العلم بقدرته، ويستدل على توحيده. وقرأ حمزة، مخففًا (٢)، على معنى (٣) أنه: يذكر ما نسيه في أحد هذين الوقتين، في الوقت الآخر. ويجوز أن يكون: على تذكر تنزيه الله تعالى، وتسبيحه فيهما؛ كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] هذا كلام أبي علي (٤).
وقال الفراء: (ويذكر، ويتذكر) يأتيان بمعنى واحد؛ قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] في حرف عبد الله: (وتذكَّروا) ما فيه انتهى كلامه (٥). وفي جعل الله تعالى الليل والنهار متعاقبين، يخلف أحدهما
стр. 9602
صاحبه اعتبارٌ واستدلال على قدرته، ومتسع لذكره، وطاعته أيضًا (١). وهذا قول المفسرين كما حكينا عنهم في القول الأول في الخلفة. وعلى قول جاهد، الظاهر أنه أراد بالتذكير: الاعتبار، والاستدلال على قدرته، لا الذكر الذي هو التسبيح، والتنزيه (٢).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ الشُكُور: مصدر شَكَر يَشْكُر، شُكْرًا وشُكُورًا، كما يقال: كَفَر يَكْفُر، كُفْرًا وكُفُورًا، قال الله تعالى: ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] قال ابن عباس في هذه الآية: يريد لمن أراد أن يتعظ، ويطيعني (٣). وقال مجاهد: يشكر نعمة ربه عليه فيهما (٤).
٦٣ - قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ قال الليث (٥): الهون: مصدر الهَيِّن في معنى (٦) السكينة والوقار. تقول: هو يمشي هَوْنًا، وجاء عن علي ﵁: (أحبب حبيبك هونًا ما) (٧).
стр. 9603
قال شمِر في تفسيره: الهَوْنُ: الرِّفق، والدَّعَة، والهِينَة، يقول: لا تُفرط في حُبه ولا بغضه (١)، وأنشد:
تَهادَى في رِداءِ المِرْط هَونًا (٢)
قال ابن عباس: يريد بالسكينة والوقار (٣). وهو لفظ مجاهد (٤).
стр. 9604
وقال الحسن، وعطاء، والضحاك، ومقاتل: حلماء متواضعين، يمشون في اقتصاد (١)
وقال قتادة: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ تواضعًا لله لعظمته (٢).
وروى أسامة بن زيد، عن أبيه، قال: لا يشتدون (٣).
وقال ابن وهب: لا يتكبرون على الناس، ولا يتجبرون (٤).
وانتصب ﴿هَوْنًا﴾؛ لأنه صفة مصدر محذوف، أي: يمشون مشيًا
стр. 9605
هونًا (١). قال المفسرون: هذا من صفة خواص عباد الله، أضافهم إليه لاصطفائه إياهم، كما يقال: بيت الله، وناقة الله (٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ قال مقاتل: يعني السفهاء (٣) ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ يقول: إذا سمعوا الأذى من كفار مكة، ردوا معروفًا (٤). قال الكلبي: نسختها آية القتال (٥).
وقال ابن عباس: ردوا سدادًا من القول (٦)، لا يجهلون مع من يجهل. وهذا قول مجاهد؛ قال: قالوا سدادًا (٧).
وقال الحسن: إن جهل عليهم جاهل حلموا ولم يجهلوا (٨).
стр. 9606
وقال قتادة. كانوا لا يجاهلون أهل الجاهلية (١) والجهل (٢).
стр. 9607
وقال مقاتل بن حيان: ﴿قَالُواْ سَلَمًا﴾ أي: قولًا يسلمون فيه من الإثم (١).
قال أبو إسحاق، وأبو علي: نتسلم منكم سلامًا لا نجاهلكم كأنهم قالوا: تسلمًا منكم لا نتلبس بشيء من أمركم (٢).
وقال أبو الهيثم: معناه: سدادًا من القول، وقصدًا لا لغو فيه (٣). وهو معنى قول ابن حيان. وذكرنا معنى: السلام فيما تقدم (٤). والأولى أن لا تكون هذه الآية منسوخة؛ لأنها صفة لخواص من عباد الله، لا يجهلون، ولا يرفثون، بل يحلمون (٥).
стр. 9608
قال أبو إسحاق: ﴿وَعِبَادُ﴾ مرفوع بالابتداء، والأحسن أن يكون الخبر: ما جاء في آخر السورة؛ من قوله: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ ويجوز أن يكون خبره: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ (١) ويكون قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ﴾ صفة للذين يمشون (٢).
قال الحسن: هذا صفة نهارهم إذا انتشروا في الناس، وليلُهم (٣) خير ليل إذا خلو فيما بينهم وبين ربهم يراوحون بين أطرافهم (٤)؛ وهو:
٦٤ - قوله تعالى: ميووَ ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ قال الليث: البَيْتُوتَة: دخولُك في الليل، تقول: بِتُّ أصنع كذا. ومن قال: بات فلان إذا نام؛ فقد أخطأ (٥).
стр. 9609
وقال الزجاج: كل من أدركه الليل فقد بات يَبِيت، نام أو لم ينم. يقال: بات فلان قلقًا (١). قال الكلبي ومقاتل: يبيتون لربهم بالليل في الصلاة سجدًا وقيامًا (٢). وذكر الكلبي، عن ابن عباس، قال: من صلي ركعتين، أو أكثر بعد العشاء، فقد بات لله ساجدًا وقائمًا (٣).
٦٥ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ قال ابن عباس: إنهم يقولون ذلك في سجودهم وقيامهم (٤).
стр. 9610
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ قال الليث: الغرام: العذاب اللازم، أو الشر اللازم، والغُرْمُ: أداءُ شيء يَلزم (١).
وقال الفراء: العرب تقول: إن فلانًا لَمُغرَمٌ بالنساء، إذا كان مُولَعًا بهن. وإني بك لَمُغرم إذا لم يَصبِر عنه. ونرى أن الغريم إنما سمي غريمًا؛ لأنه يطلب حقه، وُيلح حتى يقبضه، فمعنى: ﴿غَرَامًا﴾ مُلِحًا دائمًا (٢).
قال مقاتل: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ يعني: لازمًا له لا يفارقه (٣) كلزوم الغريم للغريم. وقال الحسن: الغرام: اللازم الذي لا يفارق صاحبه أبدًا، وكل عذاب يفارق صاحبه فليس بغرام، وكل غريم مفارق غريمه إلا غريم جهنم (٤). وقال سليمان التيمي: كل أسير لابد أن يفك أُساره يومًا، أو يموت، إلا أَسير جهنم، فهو الغرام لا يُفك أبدًا (٥). وقال الكلبي: ﴿كَانَ غَرَامًا﴾ مُولَعًا، ويقال مُلِحًا (٦).
وقال القرظي: إن الله سأل الكفار ثمن نعمه فلم يؤدوها إليه،
стр. 9611
فأغرمهم، فأدخلهم النار (١). هذا الذي ذكرنا في تفسير الغرام هو الموافق لما قيل في أصل اللغة. وقريب من هذا ذكره الزجاج، في تفسير الغرام؛ فقال: هو أشد العذاب، وأنشد قول بشر بن أبي خازم:
ويومُ النِّسَارِ ويومُ الجِفَا ... رِ كانا عذابًا وكانا غرامًا (٢)
وقد ذُكر في تفسير الغرام أقوال، هي من معنى الغرام، وليس بتفسير له؛ قال ابن عباس، في رواية عطاء: إن عذابها كان قطعيًّا. وسأله نافع بن الأزرق، عن معنى الغرام؛ فقال: هو الموضع، وأنشد لعبد الله بن عجلان (٣):
ما أكلةٌ إن نلتها بغنيمةٍ ... ولا جوعةٌ إن جعتها بغرامٍ (٤)
стр. 9612
وقال أبو عبيدة: ﴿كَانَ غَرَامًا﴾ أي: هلاكًا. وهو اختيار المبرد وابن قتيبة (١)
٦٧ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ فيه ثلاثهَ أوجه من القراءة؛ ضم الياء، من ﴿يَقْتُرُوا﴾ وضم التاء، وكسر التاء مع فتح الياء (٢)، يقال: قَتَر الرجل على عياله، يَقْتِرُ ويَقْتُرُ قَتْرًا، مثل: يَعْكُف
стр. 9613
ويعكِف، ويفسُق ويفسِق، ويحشُر ويحشِر، إذا ضَيَّق ولم يُنفق إلا قدر ما يُمسك الرَّمَق (١). ومثله: أقتر.
قال أبو عبيد: وهي ثلاث لغات، معناها: لم يضيقوا في الإنفاق (٢). وقال غيره: قَتَر إذا ضَتَّق، وأقتر إذا أَقلَّ وافتقر، والمقتر، ضدُ الموسر، قال الله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقال الشاعر:
لكم مسجد الله المزوران والحصا ... لكم قِبصُهُ من بين أثْرى وأقترا (٣)
تقديره من بين رجل أثرى، ورجل أقتر، فأقام الصفة مقام الموصوف، وعلى هذا معنى: ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ لم يفتقروا في إنفاقهم؛ لأن المسرف مُشرف على الافتقار لسرفه في إنفاقه (٤).
واختلفوا في معنى هذا الإسراف والإقتار؛ فقال الكلبي، والنخعي: هذا في الإنفاق على العيال، إذا أنفقوا على أهلهم وعيالهم وعلى أنفسهم
стр. 9614
لم يسرفوا في النفقة (١).
وقال إبراهيم: لا يجيعهم ولا يعريهم، ولا ينفق نفقة يقول الناس: إنك قد أسرفت فيها (٢).
وقال أبو علي الفارسي: معنى ﴿لَمْ يُسْرِفُوا﴾ لم يخرجوا في إنفاقهم من السِّطَةِ (٣) والاقتصاد ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ لم يمسكوا ولم ينقصوا عن الاقتصاد فيقصروا عن التوسط فمن كان في هذا الطرَف فهو مذموم، كما أن من جاوز الاقتصاد كان كذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ الآية [الإسراء: ٢٩] ويبين هذا قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أي: كان إنفاقهم بين ذلك لا إسرافًا، يدخل به في حد التبذير، ولا تضييقًا
стр. 9615
يصير في حد المنع (١) لما يجب (٢). وهذا هو المحمود من النفقة: أن تكون في غير إسراف ولا تقتير (٣).
وذُكر أن عبد الملك بن مروان، دخل على عمر بن عبد العزيز، بعد ما زوجه ابنته، فقال له: كيف نفقتك على عيالك؟ قال: الحسنة بين السيئتين، قال: كيف ذاك؟ قال: كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ
стр. 9616
﴿يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (١). وعد عمر ﵁ من السرف: أن لا يشتهي الرجل شيئًا إلا أكله، وقال: كفى بالمرء سرفًا أن يأكل كل ما يشتهي (٢). وهذا القول هو الاختيار في تفسير هذه الآية (٣).
стр. 9617
وروى الضحاك عن ابن عباس، في هذه الآية، قال: من أنفق مائة ألف في حق فليس بسرف، ومن أنفق درهمًا في غير حق فهو سرف، ومن منع من حق فقد قتر (١).
وقال سفيان في هذه الآية: لم يضعوا في غير حقه، ولم يقصروا عن حقه. وقال الحسن: لم ينفقوا في معاصي الله، ولم يمسكوا عن فرائض
стр. 9618
الله (١). وهذا أيضًا قول جيِّد. وما سوى هذين القولين مما ذكر في تفسير هذه الآية لا وجه له.
قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أي: بين الإسراف والإقتار (٢) ﴿قَوَامًا﴾ القِوام من العيش: ما أقامك وأغناك. وقِوام الجسم: تمامه، وقِوام كلِّ شيء ما استقام به (٣). قال سفيان: عدلاً (٤). وقال مقاتل: مقتصدًا (٥). وقال الفراء: القَوام قَوام الشيء بين الشيئين. قال: وفي نصب: القَوام وجهان؛ أحدهما: أن يضم الاسم، من الإنفاق، على تقدير: وكان إنفاقهم قوامًا بين ذلك، وإن شئت جعلت ﴿بَيْنَ﴾ في معنى رفع كما تقول: كان دون هذا كافيًا. تريد: أقلّ من هذا فيكون معنى قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وكان الوسط قوامًا (٦).
стр. 9619
٦٨ - وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (١) روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن ناسًا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدًا ﷺ فقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة؟ فنزلت هذه الآيات (٢).
стр. 9620
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 9621
وقوله: ﴿وَمَن يَقعَل ذَلِكَ﴾ قال مقاتل: هذه الخصال جميعًا (١).
стр. 9622
﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ قال يونس وأبو عبيدة: يلق عقوبة (١). وأنشد أبو عبيدة؛ فقال:
جزى الله ابنَ عروةَ حيثُ أمسى ... عَقُوقًا والعُقوق له أثام (٢)
أي: عقوبة مجازاة العقوق (٣).
وقال أبو عمرو الشيباني: يقال: لقي فلان آثام ذلك، أي: جزاء ذلك (٤). ونحو هذا قال الفراء: أَثَمَه الله يأثِمُه إثمًا وأثامًا، أي: جازاه جزاء الإثم، والعبد مأثوم أي: مجزي جزاء إثمه، وأنشد:
стр. 9623
وهل يَأثَمنِّي الله في أن ذكرتُها ... وعَلَّلْتُ أصحابي بها ليلةَ النَّفر (١)
معناه: هل يجزيني الله جزاء إثمي بأن ذكرت هذه المرأة في غنائي (٢).
وقال أبو إسحاق: تأويل الأثام: المجازاة، قال: وسيبويه، والخليل، يذهبان إلى أن معناه: يلق جزاء الأثام (٣). واختار أبو علي، هذا القول، وجعله من باب حذف المضاف؛ قال: ومثله مِن حذف الجزاء الذي هو مضاف، قوله تعالى: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٢٢] أي: من جزاء ما كسبوا (٤) لقوله: ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ هذا قول أهل اللغة، في معنى الأثام؛ وهو قول ابن عباس، لما سأله نافع بن الأزرق، عن الأثام، قال: الجزاء، وأنشد لعامر بن الطفيل:
وروَّينَا الأسنَّة من صُداءٍ ... ولاقتْ حمير منا أثاما (٥)
стр. 9624
وقال السدي: يلق أثامًا: جزاء (١).
وأما المفسرون، فإنهم يقولون: أثام: واد في جهنم من دم وقيح. وهو قول مجاهد، ومقاتل (٢).
وقال شفي بن ماتع (٣)، في هذه الآية: إن في جهنم واديًا يُدعى: أثامًا، فيه حيات وعقارب، في فقار (٤) أحدهن، سبعون قلة سم، والعقرب فيها (٥) مثل البغلة الموكفة (٦).
стр. 9625
وهذا قول عبد الله بن عمرو بن العاص (١) وروي أبو أمامة الباهلي حديثًا طويلًا فيه أن الغي والأثام بئران يسيل فيهما صديد أهل النار (٢).
٦٩ - وقوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أكثر القراء الجزم في ﴿يُضَاعَفْ﴾ ﴿وَيَخْلُدْ﴾ (٣) على البدل، من الفعل الذي هو جزاء الشرط، وهو قوله: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ وذلك أن تضعيف العذاب لُقِيُّ جزاء الأثام في المعنى (٤)، فلما كان إيَّاه أُبدل منه، كما قال:
إن يَجْبُنُوا أو يَغدِروا ... أو يبخلوا لا يحفلوا
يغدوا عليك مُرَجَّليـ ... ـن كأنهم لم يفعلوا (٥)
стр. 9626
فغدوهم مُرَجَّلين في المعنى، تركٌ للاحتفال. وهذا مثل إبدال ﴿يُضَعِفُ﴾ وقد أبدل من الشرط كما أبدل من جزائه، وذلك في قوله:
متى تأتنا تُلْممْ بِنا في ديارنا ... تَجدْ حَطبًا جَزْلًا ونارًا تأجَّجَا (١)
فأبدل: تُلمم، من: تأتنا؛ لأن الإلمام إتيان في المعنى (٢).
وأما من رفع فإنه لم يُبدل ولكنه قطعه مما قبله واستأنف (٣).
٧٠ - وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بمكة؛ وكان المشركون قالوا: [ما يغني عنا اتباعك، وقد عدلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأتينا الفواحش، فنزلت: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ الآية (٤).
وقال السدي: قال المشركون]: (٥) كيف نتبعك يا محمد وأنت تقول:
стр. 9627
من أشرك أو زنا أو قتل فهو في النار؟ فأنزل الله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. وذكر ابن عباس: أن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] وقال: التي في هذه السورة لمن كان مشركًا ثم تاب وآمن، فأما من دخل في الإسلام، وعقل ثم قتل فلا توبة له (١). وقال: هذه مكية، نسختها آية مدنية وهي التي في سورة النساء (٢). ونحو هذا قال زيد بن ثابت: نزلت الغليظة، بعد اللينة بستة أشهر، فنسخت الغليظة اللينة (٣).
وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعم الذي الإسلام؛ بالشرك إيمانًا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانًا. قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي، والضحاك، وابن زيد، وسعيد بن جبير (٤).
стр. 9628
وذهب قوم إلى أن الله تعالى يمحو السئية عن العبد، ويثبت له بدلها الحسنة بحكم هذه الآية. ويحتجون بما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات! قيل: من هم؟ قال: الذين بدل الله سيئاتهم حسنات" (١). وهذا مذهب سعيد بن المسيب، ومكحول، وعمرو بن ميمون، قال سعيد: صيَّر سيئاتهم حسنات لهم يوم القيامة (٢).
стр. 9629
وقال مكحول: يغفرها الله لهم فيجعلها حسنات (١). وقال عمرو بن ميمون: يتمنى العبد أن سيئاته أكثر مما هي (٢).
وقوله: ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: ﴿غَفُورًا﴾ لما صنعوا في الشرك ﴿رَحِيمًا﴾ بهم في الإسلام (٣).
٧١ - [قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: ومن آمن: يريد رجلاً قبل هؤلاء ممن كان
стр. 9630
آمن من أهل مكة، وهاجر ولم يكن قتل، ولا زنا ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يريد الفرائض] (١) ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا﴾ يريد: أي فضلتهم وقدمتهم على من قاتل نبيي ﵇، واستحل محارمي (٢).
وعلى هذا معنى الآية: من آمن وأدى ما افتُرض عليه، ولم يكن ممن قتل وزنا، فإنه يصير إلى ما آتاه الله من التفضيل والتقديم على من قتل وزنا ثم تاب. وقال الكلبي: ومن تاب من الشرك وعمل صالحًا بعد التوحيد فإنه يتوب إلى الله متابًا، يقول: يجد عند الله متابًا (٣).
وقال مقاتل: ﴿وَمَنْ تَابَ﴾ من الشرك ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا﴾ يعني: مناصحًا (٤) لا يعود في شركه، ولا إلى ذلك الذنب (٥).
هذا ما ذكره أهل التفسير في هذه الآية؛ وهو غير مقنع، ولا شاف. وكشف أرباب المعاني عن معنى الآية؛ قال صاحب النظم: ليس في نظم العرب، أن يقولوا: من قام وصلى فإنه يصلي صلاة؛ لأنه ليس في ظاهره فائدة إلا بأن يكونا مختلفين في المعنى، فالتأويل -إن شاء الله-: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فإنه يرجع يوم القيامة إلى الله فيكافئه ويثيبه بعمله. وعلى هذا التوبة الأولى: رجوع عن الشرك والمعصية، والثانية: رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة، كقوله: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ