فغدوهم مُرَجَّلين في المعنى، تركٌ للاحتفال. وهذا مثل إبدال ﴿يُضَعِفُ﴾ وقد أبدل من الشرط كما أبدل من جزائه، وذلك في قوله:
متى تأتنا تُلْممْ بِنا في ديارنا ... تَجدْ حَطبًا جَزْلًا ونارًا تأجَّجَا (١)
فأبدل: تُلمم، من: تأتنا؛ لأن الإلمام إتيان في المعنى (٢).
وأما من رفع فإنه لم يُبدل ولكنه قطعه مما قبله واستأنف (٣).
٧٠ - وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بمكة؛ وكان المشركون قالوا: [ما يغني عنا اتباعك، وقد عدلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأتينا الفواحش، فنزلت: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ الآية (٤).
وقال السدي: قال المشركون]: (٥) كيف نتبعك يا محمد وأنت تقول:
стр. 9627
من أشرك أو زنا أو قتل فهو في النار؟ فأنزل الله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. وذكر ابن عباس: أن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] وقال: التي في هذه السورة لمن كان مشركًا ثم تاب وآمن، فأما من دخل في الإسلام، وعقل ثم قتل فلا توبة له (١). وقال: هذه مكية، نسختها آية مدنية وهي التي في سورة النساء (٢). ونحو هذا قال زيد بن ثابت: نزلت الغليظة، بعد اللينة بستة أشهر، فنسخت الغليظة اللينة (٣).
وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعم الذي الإسلام؛ بالشرك إيمانًا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانًا. قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي، والضحاك، وابن زيد، وسعيد بن جبير (٤).
стр. 9628
وذهب قوم إلى أن الله تعالى يمحو السئية عن العبد، ويثبت له بدلها الحسنة بحكم هذه الآية. ويحتجون بما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات! قيل: من هم؟ قال: الذين بدل الله سيئاتهم حسنات" (١). وهذا مذهب سعيد بن المسيب، ومكحول، وعمرو بن ميمون، قال سعيد: صيَّر سيئاتهم حسنات لهم يوم القيامة (٢).
стр. 9629
وقال مكحول: يغفرها الله لهم فيجعلها حسنات (١). وقال عمرو بن ميمون: يتمنى العبد أن سيئاته أكثر مما هي (٢).
وقوله: ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: ﴿غَفُورًا﴾ لما صنعوا في الشرك ﴿رَحِيمًا﴾ بهم في الإسلام (٣).
٧١ - [قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: ومن آمن: يريد رجلاً قبل هؤلاء ممن كان
стр. 9630
آمن من أهل مكة، وهاجر ولم يكن قتل، ولا زنا ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يريد الفرائض] (١) ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا﴾ يريد: أي فضلتهم وقدمتهم على من قاتل نبيي ﵇، واستحل محارمي (٢).
وعلى هذا معنى الآية: من آمن وأدى ما افتُرض عليه، ولم يكن ممن قتل وزنا، فإنه يصير إلى ما آتاه الله من التفضيل والتقديم على من قتل وزنا ثم تاب. وقال الكلبي: ومن تاب من الشرك وعمل صالحًا بعد التوحيد فإنه يتوب إلى الله متابًا، يقول: يجد عند الله متابًا (٣).
وقال مقاتل: ﴿وَمَنْ تَابَ﴾ من الشرك ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا﴾ يعني: مناصحًا (٤) لا يعود في شركه، ولا إلى ذلك الذنب (٥).
هذا ما ذكره أهل التفسير في هذه الآية؛ وهو غير مقنع، ولا شاف. وكشف أرباب المعاني عن معنى الآية؛ قال صاحب النظم: ليس في نظم العرب، أن يقولوا: من قام وصلى فإنه يصلي صلاة؛ لأنه ليس في ظاهره فائدة إلا بأن يكونا مختلفين في المعنى، فالتأويل -إن شاء الله-: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فإنه يرجع يوم القيامة إلى الله فيكافئه ويثيبه بعمله. وعلى هذا التوبة الأولى: رجوع عن الشرك والمعصية، والثانية: رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة، كقوله: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ
стр. 9631
مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠] أي: مرجعي في المعاد (١).
وقال ابن الأنباري: يُسأل عن هذه الآية فيقال: ما الفائدة في قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ﴾ بعد قوله: ﴿وَمَنْ تَابَ﴾ وهل يجوز لقائل أن يقول: من قام فإنه يقوم، ومن ركب فإنه يركب؟ والجواب: أن التكرير وجب لزيادةٍ في المعنى؛ ومعنى الآية: من أراد التوبة وقصد حقيقتها ينبغي أن يريد الله بها، ولا يخلط بها أمرًا من أمور الدنيا. كما يقول الرجل: من تجر فإنه يتجر في البَزِّ (٢)، ومن ناظر فإنه يناظر في النحو. أي: من أراد التجارة فينبغي له أن يتجر في البَزِّ، ومن أراد حسن المناظرة ودقة الاستخراج فينبغي له أن يناظر في النحو (٣).
وقال أبو علي الفارسي: وجه دخول الفاء في قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ﴾ كما ذكرنا في قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ﴾ [البقرة: ١٥٨] ومعنى قوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ﴾ فالقول في هذا: أن اللفظ على شيء، والمعنى على غيره، وذلك غير ضيق في كلامهم، ألا ترى أنهم قد قالوا: ما أنت وزيد، والمعنى لم تؤذيه، واللفظ إنما هو على المسألة من المخاطب، وزيد معطوف عليه، وكذلك قولهم: أمكنك الصيد، والمعنى: ارمه، وكذلك: هذا الهلال أي: انظر إليه، فكذلك قوله: ﴿وَمَن تَابَ﴾ كأنه: ومن عزم على التوبة فينبغي أن يبادر إليها ويتوجه بها إلى الله سبحانه، وهذا كما قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨] أي: إذا عزمت على ذلك، وعلى هذا المعنى قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا﴾ أي: ينبغي أن يتوب، كقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ
стр. 9632
يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: ينبغي أن يتربصن. هذا كلامه (١).
وأمثل هذه الأقوال ما ذكره صاحب النظم.
٧٢ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (٢) معنى ﴿الزُّورَ﴾ هاهنا: الشرك بالله في قول أكثر المفسرين؛ وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، ومقاتل، والضحاك (٣). ونحو هذا قول من فسر: ﴿الزُّورَ﴾ بأعياد المشركين (٤). وهو قول الضحاك، فيما روى عنه حسين بن عقيل (٥)، وقول مجاهد، فيما روى عنه يحيى بن اليمان (٦). ونحو هذا قال ابن سيرين؛ هو:
стр. 9633
الشعانين (١).
قال أبو إسحاق: الذي جاء في الزور أنه الشرك جامع لأعياد النصارى، وغيرها (٢).
و ﴿اَلزُّورَ﴾ في اللغة: الكذب (٣). ولا كذب فوق الشرك بالله .
وقال ابن الحنفية: معنى الزور هاهنا: الغناء (٤).
وهو رواية ليث عن مجاهد (٥).
وقال الكلبي: لا يحضرون مجالس الباطل والكذب (٦). وهو قول قتادة (٧). وقال عمرو بن قيس: مجالس الخنا (٨).
стр. 9634
وقال علي بن أبي طلبة: يعني شهادة الزور (١).
وهو قول وائل بن ربيعة (٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ معنى اللغو، في اللغة: كل ما يُلغى وُيطرح (٣). والمعنى: إذا مروا بجميع ما ينبغي أن يُلغى؛ وهو: المعاصي كلها؛ قاله الحسن، والكلبي (٤).
стр. 9635
وقال ابن زيد: يعني ما يشتغل به المشركون من الباطل (١).
وروى جويبر عن الضحاك: مروا بالشرك (٢).
﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ قال الكلبي: يعني حلماء لا يشهدونه، ولا يحضرونه (٣).
وقال أبو إسحاق: لا يجالسون أهل المعاصي، ولا يمالئونهم عليها (٤). والمعنى: مروا مر الكرماء، الذين لا يرضون باللغو؛ لأنهم يجلون عن الدخول فيه، والاختلاط بأهله. وقيل: أصل هذا من قولهم: ناقة كريمة، وبقرة كريمة، إذا كانت تعرض عند الحلب تكرمًا؛ كأنها لا تبالي بما يحلب منها (٥).
وقال الليث: يقال: تكرم فلان عما يَشِينُه، إذا تنزه وأكرم نفسه عنها (٦). ومعنى الآية: مروا منزهين أنفسهم، معرضين عنه (٧). يدل على
стр. 9636
صحة هذا المعنى ما روى ابن ميسرة (١): أن ابن مسعود مر بلهو معرضًا فقال رسول الله ﷺ : "إن أصبح ابن مسعود لكريمًا" (٢).
وقال مقاتل في هذه الآية: إذا سمعوا من كفار مكة الشتم والأذى مروا معرضين، كقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] (٣).
وهذا رواية ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: إذا أُوذوا صَفحوا (٤). ولهذا قال السدي: هي منسوخة بآية القتال (٥) وقال في قوله: ﴿كِرَامًا﴾ لا
стр. 9637
يكلمونهم ويعرضون عنهم، واللغو: الوقيعة من المشركين في المسلمين (١).
وروى العوام بن حوشب، عن مجاهد قال: كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح كَنَوا عنه (٢). وهو اختيار الفراء؛ قال: ذُكِر أنهم كانوا إذا أَجروا ذكر النساء كَنَوا عن قبيح الكلام فيهن وذلك مرورهم به (٣).
وقال أبو علي الفارسي في هذه الآية: يجوز أن يكون المعنى: إذا مروا بأهل اللغو، [وذوي اللغو] (٤) مروا كرامًا فلم يجاروهم فيه ولم يخوضوا معهم فيه (٥)، قال: ويجوز أن يكون مِثل: فمرت بي آية كذا، ومرت بي سورة كذا؛ أي: تلوتها، وقرأتها، إذا أتوا على ذكر ما يُستفحَش ذكره كَنَوا عنه ولم يصرحوا.
وليس هذا في كل حال ولكن في بعض دون بعض؛ فإذا كانت الحال تقتضي التبيين فالتصريح أولى، كما روي في الحديث: "فأعِضُّوه بِهِنِ أبيه،
стр. 9638
ولا تَكْنُوا" (١) وكما رُوي عن بعض الصحابة، أنه قال لبعض المشركين: اعضض (٢) بظر اللات (٣).
﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ قال مقاتل: إذا وعظوا بالقرآن ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ يقول لم يقعوا عليها و ﴿وصُمَّا﴾ لم يسمعوه ﴿وَعُمْيَانًا﴾ لم يبصروه، ولكنهم سمعوا وأبصروا وانتفعوا به (٤). ونحو هذا
стр. 9639
قال المفسرون كلهم (١)؛ قال ابن عباس: لم يكونوا عنها صمًا ولا عميًا بل كانوا خائفين، خاشعين.
وقال الكلبي: يخرون عليها سمعاء، وبصراء (٢).
قال الفراء: يقول: إذا تلي عليهم القرآن لم يقعدوا على حالهم الأولى كأنهم لم يسمعوه فذلك الخرور، وسمعت العرب تقول: قعد يشتمني كقولك: قام يشتمني وأقبل يشتمني (٣).
ومعنى ﴿لَمْ يَخِرُّوا﴾ على ما ذكر: لم يقعدوا، ولم يصيروا عندها صمًا وعميًا.
وقال الزجاج: تأويله: إذا تليت عليهم خروا سجدًا [وبكيًا، سامعين مبصرين، لما أمروا به ونهوا عنه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]] (٤) قال: ومثل هذا من الشعر
стр. 9640
قول الشاعر:
بأيدي رجالٍ لَمْ يَشيمُوا سيوفَهم ... ولَمْ تَكثر القتلى بها حين سُلَّتِ (١)
تأويله: بأيدي رجال شاموا سيوفهم، أي: أغمدوها وقد كثرت القتلى، فتأويل الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ خروا ساجدين سامعين مبصرين (٢). وقال ابن قتيبة: أي: لم يتغافلوا عنها كأنهم صم لم يسمعوها، وعمي لم يروها (٣).
٧٤ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ (٤) وتقرأ و ﴿وذريتنا﴾ (٥) والذرية، تكون واحدًا وجمعًا. فكونها
стр. 9641
للواحد، قوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] فهذا كقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ [مريم ٥، ٦] وكونها للجمع قوله: ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: ٩] فمن أفرد في هذه الآية، فإنه أراد به الجمع، فاشغنى عن جمعه لما كان جمعًا، ومن جمع (١) فكما تجمع هذه الأسماء التي تدل على الجمع، نحو: قوم وأقوام، ورهط وأرهاط. وقد جمعوا بالألف والتاء، والواو والنون، الجموع المكسرة، كقولهم: الجُزُرات (٢)، والطُّرقات.
وجاء في الحديث: "صواحبات يوسف" (٣). وقال العجاج:
جَذْبُ الصَّرارِيِّين بالكُرُور (٤)
стр. 9642
وإنما الصراري جمع صُرَّاءٍ، وهو مفردٌ نحو: حُسَّانٍ (١)، فَكَسَّرَه ككُلَّابٍ، وكَلاَليب؛ لأن الصفة تُشَبَّه في التكسير بالأسماء. ويدل على أن الصُرَّاء واحدٌ قول الفرزدق:
أَشاربُ قهوةٍ وخدينُ زِيرٍ ... وصُرَّاءٍ لفسوته بُخارُ (٢)
قوله: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (٣) قال الفراء: ولو قرئت: قُرَّاتِ أعين؛ لأنهم كثير، كان صوابًا. والوجه التقليل: ﴿وقُرَّةَ﴾؛ لأنه فعل، والفعل لا يكادون يجمعونه، ألا ترى أنه قال: ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤] فلم يجمعه، وهو كثير. والقُرَّة: مصدر، تقول: قَرَّت عينُك قُرَّةً (٤).
стр. 9643
قال ابن عباس، في هذه الآية: يريد أبرارًا أتقياء (١).
وقال مقاتل: يقولون: اجعلهم صالحين، فتقر أعيننا بذلك (٢).
وقال الكلبي: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ في الدنيا، صالحين مطيعين لك (٣).
وقال الضحاك: اجعلهم أبرارًا صالحين.
وقال القرظي: ليس شيء أقرَّ لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله (٤).
قوله : ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: يُقتدى بنا في الخير (٥).
стр. 9644
وقال أبو صالح: يُقتدى بهدانا (١). وقال عكرمة: إمامًا مثالًا (٢).
وقال مكحول: أئمة في التقوى، يَقتدي بنا المتقون (٣).
قال الفراء: إنما قال: ﴿إِمَامًا﴾ ولم يقل: أئمة، كما قال: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، للاثنين، وعلى هذا هو من الواحد الذي أُريد به الجمع (٤)، كقول الشاعر:
يا عاذلاتي لا تُردْن ملامتي ... إن العواذل لسن لي بأمير (٥)
وحكى أبو علي الفارسي، عن الأخفش قال: الإمام هاهنا جمع: آمّ فاعل من: أمَّ، يُجمع على: فِعَال، نحو: صَاحب، وصِحَاب (٦).
ونحوه قول الحطيئة:
стр. 9645
.... الأَطِبَّةُ والإسَاءُ (١)
جمع آسٍ.
وقال غيره: الإمام، هاهنا: مصدر سمي به؛ يقال: أمَّ فلان فلانًا إمامًا، كقولك: قام قيامًا، وصام صيامًا (٢).
وروي عن مجاهد، في هذه الآية روايتان؛ إحداهما: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ قال: مؤتمين بهم مقتدين بهم (٣). وعلى هذا يجب أن تكون الآية من باب القلب؛ على تقدير: واجعل المتقين لنا إمامًا (٤).
стр. 9646
والثانية قال: اجعلنا نقتدي بمن قبلنا حتى يَقتدي بنا مَنْ بعدنا (١). وعلى هذا في الكلام محذوف يدل عليه الباقي؛ حُذف سؤالهم الاقتداء بمن قبلهم من المتقين، وذُكر سؤالهم أن يقتدي بهم المتقون؛ لأنهم لا يصيرون قادة متبعين حتى يقتدوا أولاً ويتبعوا.
وحكى الفراء، والزجاج، هذا القول الأخير (٢). قال مقاتل: أخبر الله
стр. 9647
تعالى عن أعمالهم ثم أخبر عن ثوابهم (١).
٧٥ - فقال: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ (٢) الغُرْفَة معناها في اللغة: العلِّيَّة، وكلُ بناء عالٍ مرتفع فهو: غُرْفة. ويقال للسماء السابعة غرفة، وهو في شعر لبيد (٣). ويحتمل أن يكون أصلها من الغَرْف، بمعنى: القطع والفصل، يقال غَرَفْتُ ناصيتَه، أي: قطعتها.
قال الأصمعي: ومنه قول قيس بن الخطيم:
.......... تكاد تنغرف (٤)
أي: تنقطع (٥). فُسمي البيت العالي: غُرْفة، بمعنى: المغروف، أي: المقطوع من غيره بعلوه وارتفاعه. قال مقاتل: يعني: غرف الجنة، نظيرها
стр. 9648
في: الزمر (١). وقال ابن عباس: يريد غرف الزبرجد، والدر، والياقوت (٢). وقال السدي والضحاك: ﴿الْغُرْفَةَ﴾ الجنة (٣).
قوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ قال ابن عباس: على دينهم، وعلى أذى المشركين (٤). وقال مقاتل: على أمر الله (٥).
وقوله: ﴿وَيُلَقَّوْنَ﴾ قرئ بالتشديد، والتخفيف (٦). فمن شدد فحجته
стр. 9649
قوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]، ومن خفف فحجته قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (١) [مريم: ٥٩].
وقال الفراء: التخفيف أعجب إلي؛ لأن القراءة لو كانت على التشديد، كانت بالباء؛ لأنك تقول: فلان يُتَلقَّى بالسلام والخير (٢). وهذا الذي قاله ينتقض بقوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾؛ لأنه بغير الباء على أن قال: وكل صواب: يُلَقَّونه، ويُلَقَّون به (٣).
وقوله: ﴿فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ قال ابن عباس: التحية والسلام، من عند الرحمن (٤). وقال الكلبي: يحيي بعضهم بعضًا بالسلام، ويرسل إليهم الرب بالسلام (٥).
وقال مقاتل: ﴿تَحِيَّةً﴾ يعني: السلام ﴿وَسَلَامًا﴾ يقول: سلم الله لهم أمرهم وتجاوز عنهم (٦).
стр. 9650
٧٦ - وقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من قوله: ﴿يُلَقَّوْنَ﴾ قال ابن عباس: لا يموتون، ولا يهرمون، ولا يسقمون ﴿فِيهَا﴾ في: الغرفة ﴿حَسُنَتْ﴾ أي الغرفة ﴿مُسْتَقَرًّا﴾ موضع قرارٍ ﴿وَمُقَامًا﴾ موضع إقامة. قال ابن عباس: طاب لهم المستقر والمقام مع الحور العين، والولدان المخلدين (١).
٧٧ - قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾، قال الليث: تقول: ما أعبأ بهذا الأمر، أي: ما أصنع به، كأنك تستقلُّه وتستحقرُه. تقول: عَبَأَ يَعْبَأُ عَبْأً وعِبَاءً ممدود (٢). وقال الكسائي: عبى مقصور.
وقال أبو عبيدة: يقال ما عَبأتُ به شيئًا، أي: لم أعده شيئًا (٣).
[وقال شَمِر: قال أبو عبد الرحمن: ما عَبَأت به شيئًا، أي: لم أعده شيئًا] (٤)
وقال أبو عدنان، عن بعض أهله، يقال: ما يعبأ الله بفلان، إذا كان فاجرًا، أو مائقًا (٥) وإذا قيل: قد عبأ الله به فهو رجل صدق. قال: وأقول: ما عبأت بفلان، أي: لم أقبل منه شيئًا؛ ولا من حديثه (٦). وقال أبو إسحاق: تأويله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ﴾ أيُّ وزنٍ يكون لكم عنده، كما يقول:
стр. 9651
ما عبأت بفلان، أي: ما كان له عندي وزن، ولا قدر. وأصل العِبْء في اللغة: الثِقل، ومن ذلك: عبأت المتاع، جعلت بعضه على بعض (١).
وقال بعض أهل اللغة: أصل هذا الحرف، من: تهيئة الشيء، قال: عَبَأت الطيب، أَعْبَؤُه عَبْأ إذا هيأته، قال:
كأنَّ بِنَحرِه وبِمنْكبيه ... عَبيرًا باتَ يعبؤه عَروس (٢)
قال أبو زيد: يقال: عَبَأت الأمر والطيب عَبْأ إذا ما صنعته وخلطته، وعَبَأت المتاع عَبْأ إذا هيأته. ويقال: عَبَّأته تعبئة، وكل من كلام العرب، وعبأت الخيل تعبئة وتعبيئًا. انتهى كلامه (٣). والعِبء: الثقل؛ لأنه يُهيأ له ما يُحمل به، وما أَعْبَأ به: أي لا أهبأ به أمرًا (٤). هذا كلام أهل اللغة في هذا الحرف.
قال مجاهد، ومقاتل: يقول: ما يفعل بكم ربي (٥). وهو اختيار الزجاج (٦).
стр. 9652
وقال ابن عباس، والكلبي، وابن زيد: ما يصنع بكم ربي (١). وهذا اللفظ اختيار الفراء (٢).
وقوله: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ قال مجاهد، والكلبي: لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه وتطيعوه (٣). واختاره القراء؛ فقال: لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام (٤). ومعنى الآية على هذا: أي مقدار ووزن لكم عند الله لولا أنه خلقكم لتعبدوه، وتطيعوه. وهذا معنى قول ابن عباس، أي: إنما أريد منكم أن توحدني. والدعاء على هذا مصدر مضاف إلى المفعول. قال: لولا عبادتكم (٥). وهو قول الكلبي (٦).
وقال أبو إسحاق: أي: لولا توحيدكم إياه (٧). وعلى هذا: المصدر مضاف إلى الفاعل، وفيه تنبيه على أن من لا يعبد الله، ولا يوحده ولا يطيعه لا وزن له عند الله (٨). وهذه الآية عند ابن عباس، خطاب لجميع
стр. 9653
الخلق؛ لأنه قال: ثم رجع إلى جميع الخلق (١). وعند الكلبي: أنه من خطاب أهل مكة (٢).
وقال ابن قتيبة، في هذه الآية: أي ما يعبأ بعذابكم ربي، لولا ما تدعونه من دونه من الشريك والولد (٣).
стр. 9654
قال ابن الأنباري: وهذا لم يقل به أحد من السلف، وهو عندي غير صحيح؛ لأن الدعاء يجوز أن يقع على شيئين متضادين، فيقال: لولا دعاؤكم الأصنام، ولولا دعاؤكم الله، وإذا احتمل الحرف الوقوع على معنيين متضادين، لم يجز حذف المنوي؛ لأنه يلتبس؛ ألا ترى أن من قال: أنا أكره كلامك، لم يحسن له أن يقول: أنا أكره. ويسكت؛ لأن المخاطب لا يدري أكراهته تقع على الكلام، أم على السكوت، فإضمار ابن قتيبة الشركاء، والآلهة، في الآية غير صحيح (١). وأيضًا فإنه لا خلاف بين النحوين أنهم إذا قالوا: ما عبأت بفلان، معناه: ما عددته شيئًا؛ ولم يقل منهم أحد: إن معناه: ما عبأت بكلامه، أو بغضه، أو رضاه؛ لأن المضمر مجهول المعنى، وما جهل معناه لم يخذف؛ ثم قال: وتأويل الآية: ما يعبأ بكم ربي، لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه وتطيعوه، أي: لولا هذا ما عدكم الله شيئًا، ولا كانت له فيكم حاجة.
قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ الخطاب لأهل مكة، أي: كذبتم محمدًا ﷺ (٢). واتصال هذا الكلام بما قبله على معنى: أنه دعاكم إلى توحيده وعبادته فقد كذبتم الرسول ولم تجيبوا دعوته (٣).
стр. 9655
قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ قال الليث: اللزام الذي يلزمك ولا يفارقك (١). وأنشد أبو عبيدة، لصخر الغي (٢):
فإما ينجوَا من حَتفِ أرضٍ ... فقد لَقيا حُتوفهما لزامًا (٣)
أي: أنه واقع لا محالة. قال الزجاج: وتأويل هذا: أن الحتف إذا كان مقدرًا فهو لازم، إن نجا من حتف مكان لقيه الحتف في مكان آخر لازمًا له لزامًا (٤). والمفسرون ذكروا في تفسير اللزام: أنه يوم بدر، وهو قول ابن مسعود، وأبي بن كعب، ومجاهد، ومقاتل، والسدي، ورواية عطاء عن ابن عباس؛ قال: يريد القتل يوم بدر، وعذاب الدنيا متصل بعذاب الآخرة (٥).
стр. 9656
قال أبو إسحاق: وتأويله: فسوف تلزمكم العقوبة بتكذيبكم، [فيدخل في هذا يوم بدر، وغيره مما يلزمهم من العذاب. وذكر وجهًا آخر، فقال: تأويله -والله أعلم-: فسوف يكون تكذيبكم] (١) لزامًا يلزمكم، فلا تعطون التوبة (٢).
وقال الكلبي: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أخذًا باليد، والقتل يوم بدر؛ وهو من عذاب الدنيا فأسروا يوم بدر وقتلوا (٣).
وقال الفراء: فسوف يكون تكذيبكم يوم بدر لزامًا، عذابًا لازمًا لكم (٤). وحكى أبو إسحاق، عن أبي عبيدة: ﴿لِزَامًا﴾ فيصلًا (٥). ونحو هذا روى ثعلب، عن ابن الأعرابي، وقال: اللَّزْمُ: فَصْل الشيء، من قوله تعالى: ﴿يَكُونُ لِزَامًا﴾ أي: فيصلًا (٦). والمعنى على هذا: فسوف يكون
стр. 9657
القتل والهلاك، أو العذاب أو تكذيبكم، على معنى: جزاء تكذيبكم فيصلًا بينكم وبين المؤمنين، ثم كان ذلك يوم بدر، والقول الأول، من: اللَّزام، وهذا من: اللِّزام، وهما ضدان (١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 9658
المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
عمادة البحث العلمي
التَّفْسِيرُ البَسِيْط
لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي
(ت ٤٦٨ هـ)
من أول سورة الشعراء إلى سورة العنكبوت
تحقيق
د. سليمان بن إبراهيم بن محمد الحصين
أشرف على طباعته وإخراجه
د. عبد العزيز بن بسطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي
الجزء السابع عشر
стр. 9659
المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
عمادة البحث العلمي
التَّفْسِيرُ البَسِيْط
لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي
(ت ٤٦٨ هـ)
من أول سورة الشعراء إلى سورة العنكبوت
تحقيق
د. سليمان بن إبراهيم بن محمد الحصين
أشرف على طباعته وإخراجه
د. عبد العزيز بن بسطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي
الجزء السابع عشر
стр. 9660
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الواحدي، علي بن أحمد
التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد
الواحدي (ت ٤٦٨ هـ)./ سليمان بن إبراهيم بن محمد الحصين،
الرياض ١٤٣٠ هـ.
٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)
ردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)
١ - ٨٧٤ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٧)
١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي, علي بن أحمد
أ- العنوان ... ب- السلسلة
ديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠
رقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ
ردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)
١ - ٨٧٤ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٧)
стр. 9661
التَّفْسِيرُ البَسِيْط
لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي
(ت ٤٦٨ هـ)
[١٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ﴿طسم﴾ قال الوالبي عن ابن عباس: ﴿طسم﴾ قسم، وهو من أسماء الله (١)
وقال عكرمة عنه: عجزت العلماء عن علم تفسيرها (٢).
وقال مجاهد: ﴿طسم﴾ اسم السورة (٣).
وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن (٤).
وقال محمد بن كعب: أقسم الله سبحانه بطوله وسنائه وملكه (٥)