← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 9906–9945 · переход к 9911.

стр. 9906

وأنشد هو وغيره بيت أبي ذؤيب: بهن نَعَام بناها الرجال ... تشبه أعلامهن الصروحا (١) قال أبو عبيدة: كل بناء بنيته من حجارة فهو: نَعَامة، والجماع: نَعَام (٢). وقال أبو إسحاق: الصرح في اللغة: القصر والصحن، يقال هذه ساحة الدار، وصحنة الدار، وباحة الدار، وقاعة الدار، كله في معنى الصحن (٣). ونحو هذا ذكر ابن قتيبة؛ فقال: الصرح: بلاط اتُّخِذ لها من قوارير، وجعل تحته ماء وسمك (٤). وقال مجاهد: الصرح: بركة ماء، ضرب عليها سليمان قوارير؛ ألبسها (٥).

стр. 9907

﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ وهي معظم الماء (١). ولُجَّة البحر حيث لا ترى أرضًا ولا جبلًا (٢). ومر الكلام في اللجة عند قوله: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠] (٣)، قال المفسرون: حسبته ماءً (٤). ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ والساق: لكل دابة وشجرة وطائر وإنسان، والأَسْوَق: الطويل عَظْم الساق، والمصدر السَّوَق (٥)، قال رؤبة: قُبُّ من التَّعداءِ حُقْبٌ في سَوَق (٦) ونذكر باقي الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣] (٧)، وقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] إن شاء الله (٨).

стр. 9908

قال ابن عباس: لما كشفت عن ساقها رأى سليمان قدمًا لطيفًا، وساقًا حسنًا خَدَلَّجًا، أَزَّبَّ (١)، فقال لناصحه من الشياطين. كيف لي أن أقلع هذا الشعر من غير مضرة للجسد؟ فدله على عمل النُّورَة (٢)، والحمامات من يومئذ (٣). وقال مقاتل: نظر إليها سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقين وقدمين، ورأى على ساقها شعرًا كثيرًا، فكره سليمان من ذلك، فقالت: إن الرمانة لا تدري ما هي حتى تذوقها، فقال سليمان: ما لا يحلو في العين لا يحلو في الفم (٤).

стр. 9909

قوله: ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ أي: قال سليمان لما رأى ساقها وقدمها، ناداها: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ أي: مملس بالزجاج، وليس ببحر (١). وذكرنا الكلام في الممرد عند قوله: ﴿كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] (٢). قال مقاتل: لما رأت السرير والصرح، علمت أن ملكها ليس بشيء عند ملك سليمان، وأن ملكه من الله، فقالت حين دخلت الصرح: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ يعنيِ: بعبادة الشمس ﴿وَأَسْلَمْتُ﴾ وأخلصت ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ بالتوحيد ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ خرت لله ساجدة، وتابت إلى الله من شركها، فاتخذها سليمان لنفسه، وولدت له داود بن سليمان بن داود، وأمر لها بقرية من الشام لها خراجها، وكانت عذراء فاتخذت الجن الحمامات من أجلها (٣). وقال النبي ﷺ : "كانت من أحسن نساء العالمين ساقين، وهي من أزواج سليمان في الجنة" فقالت عائشة -أم المؤمنين- للنبي ﷺ : هي أحسن ساقًا مني؟ فقال النبي ﷺ : "أنت أحسن ساقين منها في الجنة" (٤).

стр. 9910

فكان سليمان يسير بها معه إذا سار، هذا قول مقاتل (١). وقال محمد بن إسحاق: أدخلها سليمان الصرح ليريها ملكًا وسلطانًا هو أعظم من سلطانها، فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله تعالى فأسلمت، وحسن إسلامها، فقال لها سليمان حين أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلاً أزوجكه، فقالت: ومثلي يا نبي الله ينكِح الرجال؟ وقد كان لي من الملك والسلطان ما كان! قال: نعم؛ إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك، فقالت: زوجني إذا كان ذلك: ذا تُبَّع، ملك همدان، فزوجه إياها ثم ردها إلى اليمن (٢). وقال عون بن عبد الله: جاء رجل إلى عبد الله بن عتبة فسأله: هل كان سليمان تزوجها؟ قال: عهدي بها أن قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣). يعني: أنه لا يعلم ذلك، وآخر ما سمع من حديثها أن قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾. ٤٥ - وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ إلى قوله: ﴿هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ قال مجاهد ومقاتل: مؤمنون وكافرون (٤).

стр. 9911

وقال الكلبي: مصدق ومكذب. وهو قول قتادة (١). ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ يقول كل فريق منهم: الحق معي (٢). قال ابن عباس ومقاتل: وخصومتهم الآية التي في الأعراف: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥، ٧٦] (٣). ٤٦ - وقوله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ الآية، كان هذا القول من صالح ﷺ ، للفريق المكذب. قال أبو إسحاق: وطلبَ الفرقة الكاذبة على تصديق صالحٍ العذاب؛ فقال: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٤). وقال مقاتل: قالوا يا صالح ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فرد عليهم صالح: ﴿يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٥) وحذف هاهنا ذكر طلبهم العذاب؛ لذكره في سورة الأعراف، وغيرها (٦). وقوله: ﴿بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: بالعذاب

стр. 9912

قبل الرحمة (١). أي: لِمَ قلتم: إن كان ما أتيت به حقًا فأتنا بالعذاب (٢). والحسنة والسيئة جاءتا في التنزيل لا بمعنى الطاعة والمعصية، كقوله: ﴿بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: ٩٥] (٣)، وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ الآية [الأعراف: ١٣١] وقيل مر (٤). قوله تعالى: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ قال مقاتل: هلا تستغفرون الله من الشرك، لكي ﴿تُرْحَمُونَ﴾ فلا تعذبوا في الدنيا (٥). ٤٧ - قوله : ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ (٦) قال ابن عباس والمفسرون: تشاءمنا بك وبمن معك على دينك (٧).

стр. 9913

قال مقاتل: وذلك أنه قحط المطر عنهم وجاعوا فقالوا: أصابنا هذا الشر من شؤمك وشؤم أصحابك، فقال لهم صالح: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١) قال ابن عباس: الشؤم أتاكم من عند الله بكفركم (٢). وقال أبو إسحاق: أي ما أصابكم من خير أو شر فمن الله (٣). وقال الفراء: يقول هو في اللوح المحفوظ عند الله، قال: وهو بمنزلة قوله: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾] يس: ١٩] أي: لازم لكم ما كان من خير أو شر، فهو في رقابكم لازم، وقد بينه الله في قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] (٤). وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ الآية، [الأعراف: ١٣١] (٥). وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ قال ابن عباس: تختبرون بالخير والشر (٦). وقال عطاء عنه والقرظي: تعذبون بذنوبكم (٧).

стр. 9914

وقال الكلبي: تفتنون حتى تجهلون أنه من عند الله (١). يعني: أن تطيركم بي فتنة. وقيل: تختبرون بإرسالي إليكم (٢). ٤٨ - وقوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد المدينة التي كان فيها صالح وهي: الحِجْر (٣) ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ ذكرنا الكلام في تفسير الرهط عند قوله: ﴿أَرَهْطِي﴾ [هود: ٩٢] ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ﴾ [هود: ٩١] (٤). ويُجمع الرهط: أَرْهُطًا، وأراهط، ومنه: يا بؤسَ للحرب التي ... وضعتْ أراهطَ فاستراحوا (٥)

стр. 9915

ولا واحد للرهط من لفظه (١). فلذلك قيل: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ والمراد به تسعة رجل، وليس المراد به: رهط تسعة، على أن يجمع الرهط فيبلغوا خمسين أو قدره. قال ابن عباس: كانوا تسعة من أشرافهم، وهم غواة قوم صالح (٢) ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعملون فيها بالمعاصي ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ لا يطيعون الله. قاله مقاتل (٣). وقال الكلبي: لا يدعون إلى توحيد الله (٤). ٤٩ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ ﴿تَقَاسَمُوا﴾ لفظٌ يصلح أن يراد به مثال الماضي، ويصلح أن يراد به مثال الأمر (٥).

стр. 9916

وفي قوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ و: ﴿لَنَقُولَنَّ﴾ وجهان من القراءة؛ أحدهما: التاء وضم اللام من الفعلين على مخاطبة الجماعة (١). والثاني: النون وفتح اللام على إخبار الجماعة عن أنفسهم (٢)، فمن قرأ بالتاء كان قوله: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ أمرًا؛ والمعنى: قال بعضهم لبعض: احلفوا لتهلكن صالحًا، وجعل: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ جوابًا لتقاسموا؛ لأن هذه الألفاظ التي تكون من ألفاظ القسم تُتَلقى بما تُتَلقى به الأيمان، كقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٩] و: ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى﴾ [فاطر ٤٢] ومن قرأ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ بالنون جاز أن يكون: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ أمرًا؛ كأنهم قالوا: أَقْسِموا لنفعلن كذا وكذا (٣)، والذين أمروهم بالقسم داخلون معهم في الفعل، ألا ترى أنك تقول: قوموا نذهبْ إلى فلان، ويجوز على هذا الوجه من القراءة أن يكون قوله: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ خبرًا، والمعنى: قالوا متقاسمين لنفعلن كذا. وهذا قول الفراء، والزجاج، وأبي علي (٤). ومعنى: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ لنقتلنه ﴿وَأَهْلَهُ﴾ بياتًا. قاله ابن عباس (٥). ومضى تفسير

стр. 9917

البيات عند قوله: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] (١). قوله: (وَأَهْلَهُ) قال ابن عباس: يريدون بني عبيد، وكانوا آمنوا معه (٢). ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ قال مقاتل: يعني: ذا رحم صالح، إن سألونا عنه (٣). وقال ابن عباس: يريدون قومه ولد عبيد، وهم: نفر من ثمود ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ ما قتلناه وما ندري من قتل صالحًا وأهله (٤). والمهلك يحتمل أمرين: يجوز أن يكون إهلاك أهله، ويجوز أن يكون الموضع (٥). وروى أبو بكر عن عاصم: (مَهلَك) بفتح الميم واللام يريد: الهلاك، يقال: هلك يهلك مَهلَكًا، كما أن المصدر في: ضرب، يضرب مَضرَبًا بفتح الراء، ولكون المصدر مضافًا إلى الفاعل؛ كما تقول: هلاك أهله. وحكي أنه يقال: هلك بمعنى: أهلك، في لغة تميم، فيكون المهلَك على هذا مصدرًا مضافًا إلى المفعول به، وروى حفص بفتح الميم وكسر اللام ﴿مَهْلِكَ﴾ فيجوز أن يكون اسم المكان على: ما شهدنا موضع هلاكهم ومكانه فيكون المهلِك: كالمجلس في أنه يراد به موضع الجلوس، ويجوز

стр. 9918

أن يريد به المصدر؛ لأنه قد جاء المصدر من فَعَل يفعِل على مَفْعِل؛ كقوله: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٥] و ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والأول أكثر (١). قال أبو إسحاق: وكان هؤلاء النفر تحالفوا أن يبيتوا صالحًا ويقتلوه وأهله في بياتهم، ثم ينكرون عند أولياء صالح أنهم شهدوا مهلكه، ومهلك أهله، ويحلفون إنهم لصادقون، وكان هذا مكرًا عزموا عليه (٢). ٥٠ - قال الله : ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ أي: حين أرادوا قتل صالح (٣) ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ جازيناهم جزاءَ مكرهم بتعجيل عقوبتهم ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بمكر الله بهم. ٥١ - قوله تعالى ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ وقرئ: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ بالفتح (٤). قال الفراء: مَنْ كَسَرَ استأنف، وهو

стр. 9919

يُفَسَّرُ به ما كان قبله؛ مثل قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٤، ٢٥] (١). ومن فتح رده على إعراب ما قبله، فتكون (أَنَّا) في موضع رفع بجعلها متابعة للعاقبة (٢)، وإن شئت جعلتها نصبًا من جهتين؛ إحداهما: أن تردها على موضع (كَيْفَ) (٣)، والأخرى: أن تكون خبر (كَانَ) على معنى: كان عاقبة مكرهم تدميرَنا إياهم (٤). قال أبو علي: من كسر (إِنَّا) فهو استئناف وتفسير للعاقبة، كما أن قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٩] تفسير للوعد (٥)، وتكون: كان، التي بمعنى: وقع (٦)، والمعنى: فانظر على أي حال وقع عاقبة مكرهم؛ أي: أحسنًا وقع عاقبة مكرهم (٧) أم سيئًا، ومن فتح جاز أن يكون: (كَانَ) على ضربيها فإن حملته على: وقع، جاز في (أَنَّا) أمران؛

стр. 9920

أحدهما: أن يكون بدلاً من قوله: ﴿عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ والثاني: أن يكون محمولاً على مبتدأ مضمر؛ كأنه: هو أنا دمرناهم، أو ذاك أنا دمرناهم. وإن حصلت (كَانَ) على المقتضية الخبر جاز في: (أَنَّا) أمران؛ أحدهما: أن يكون بدلاً من اسم كان الذي هو العاقبة، وإذا حملته على ذلك كان (كَيْفَ) في موضع خبر كان، [والآخر: أن يكون خبرَ كان (١)، ويكون موضعه نصبًا بأنه خبر كان] (٢) كأنه كان عاقبة مكرهم تدميرَهم، ويكون: (كَيْفَ) في موضع حال (٣). قال أبو إسحاق: من قرأها بالكسر كان المعنى: (فَانْظُرْ) أي شيء ﴿عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ ثم فسر فقال: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ فدل على أن العاقبة: الدمار، ومن قرأ: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ أضمر في الكلام شيئًا، على تقدير: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ العاقبة: أنا دمرناهم، فتكون (أَنَّا) في موضع رفع على هذا التفسير (٤). واختلف قول المفسرين في كيفية هلاك هؤلاء النفر؛ فقال ابن عباس: أرسل الله الملائكة تلك الليلة إلى دار صالح يحرسونه فأتى التسعة دار صالح شاهرين (٥) سيوفهم، فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة، ولا يرون الملائكة فقتلتهم (٦). وهذا قول الكلبي.

стр. 9921

وقال قتادة: سلط الله عليهم صخرة فدمغتهم (١). وقال مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضًا؛ ليأتوا دار صالح فجثم عليهم الجبل، فأهلكهم (٢). وقال السدي: خرجوا ليأتوا صالحًا، فنزلوا جُرُفًا (٣) من الأرض يكمنون فيه فانهار عليهم (٤). وقوله: ﴿وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يعني: بصيحة جبريل (٥). ٥٢ - قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ قال الزجاج: نصب (خاويةً) على الحال، المعنى: فانظر إلى بيوتهم خاويةً (٦)، وهذا كقوله: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥٢] (٧) ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود

стр. 9922

٧٢] وقد مر (١). قال ابن عباس: يريد ليس فيها داع ولا مجيب. وقال مقاتل: يعني خرابًا ليس لها ساكن (٢). ومضى تفسير الخاوية في سورة: البقرة (٣). قوله: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: بما أشركوا (٤). أي: بشركهم بالله أهلكناهم، حتى صارت منازلهم خاوية. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني: في هلاكهم ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ لعبرة لمن علم توحيد الله (٥)، وقدرته. ٥٣ - ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صدقوا صالحًا من العذاب ﴿وَكَانُوا

стр. 9923

يَتَّقُونَ﴾ الشرك. قاله مقاتل (١). ٥٤ - قوله: ﴿وَلُوطًا﴾ قال الزجاج: نصب لوط من جهتين؛ علي معنى: وأرسلنا لوطًا. وعلى معنى: واذكر لوطًا؛ لأنه قد جرت أقاصيص رسل فدخل معنى إضمار: اذكر هاهنا (٢). قوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ يعني: اللواط، في قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والجميع (٣) ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أنهم كانوا يدَّعون البصر بالدين. والمعنى: وأنتم تدَّعون البصر بالدين فلمَ تأتون الفاحشة. وقال الكلبي: وأنتم تعلمون أنها فاحشة (٤). وهو قول الفراء والزجاج (٥). وإذا كانوا يعلمون أنها فاحشة فهو أعظم لذنوبهم، فهذا من البصر الذي هو بمعنى العلم. وقيل: يرى بعضكم بعضًا، وكانوا لا يستترون عتوًا وتمردًا (٦).

стр. 9924

وهذه الآيات التي في هذه القصة مفسرة في سورة الأعراف (١). ٥٥ - قوله : ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ قال ابن عباس: تجهلون بالقيامة، وعاقبة العصيان (٢). ٥٧ - قوله: ﴿قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [قال مقاتل: تركناها (٣). والمعنى: جعلناها بتقديرنا من الغابرين (٤)] (٥) أي: قدرناها بما كتبنا عليها، وقضينا أنها ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: الباقين في العذاب (٦). ٥٨ - وقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: على شذاذها مطرًا وهو الحجارة (٧) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مر تفسيره في سورة الشعراء

стр. 9925

[الآية ١٧٣]. ٥٩ - قوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ المفسرون على أن هذا خطاب لرسول الله ﷺ ، أُمِر أن يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (١). قال مقاتل: على هلاك كفار الأمم الخالية (٢). وقال الفراء: قيل للوط: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هلاك من هلك (٣). والتقدير على هذا: وقلنا للوط: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ والمفسرون على ما ذكرنا. قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ قال مقاتل: هم الأنبياء الذين اختارهم الله لرسالته (٤). وقال ابن عباس في رواية أبي مالك: هم أصحاب محمد ﷺ (٥). وهو قول السدي، وسفيان بن سعيد (٦).

стр. 9926

وقال عطاء عنه: يريد الذين وحدوني وآمنوا بي (١). وعلى هذا هم جميع المؤمنين (٢). وقال الكلبي: هم أمة محمد ﷺ ، اصطفاهم الله لمعرفته وطاعته (٣). ومعني السلام عليهم: أنهم سَلِموا مما عاب به الكفار. ثم قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤) قال ابن عباس: ثم رجع إلى المشركين فقال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يا أهل مكة، يريد: الذين جعلتموهم لي أندادًا. وقال مقاتل: أراد يشركون به. يقول: الله أفضل أم الآلهة التي يعبدونها، يعني: كفار مكة، قال: وكان النبي إذا قرأ هذه الآية قال: "بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم" (٥).

стр. 9927

وهذا مذهب أهل التفسير (١). وجعل الفراء هذه الآية من باب حذف المضاف؛ فقال: يقول: أعبادة الله خير أم عبادة الأصنام (٢). وأحسن من هذا أن يقال: الله خير لمن عبده أم الأصنام؛ يدل على صحة هذا أن هذا ذُكر بعد ذكر هلاك الكفار وسلامة المؤمنين، إلزامًا للحجة على المشركين، فقيل لهم بعد ما ذُكر هلاك الكفار: الله خير أم الأصنام. والمعنى: أن الله نجَّى مَنْ عبده من الهلاك، والأصنامُ لم تغن شيئاً عن عابديها عند نزول العذاب. وهذا معنى ما ذهب إليه المفسرون؛ وإن لم يبينوا هذا البيان. وقال أهل المعاني: يجوز في الخير الذي لا شر فيه، والشر الذي لا خير فيه إذا كان يتوهم بعض الجهال الأمر على خلاف ما هو به أن يقال: هذا الخير خير من الشر، فلما كان المشركون يتوهمون في الأصنام وفي عبادتها خيرًا، قيل لهم احتجاجًا عليهم: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣). ٦٠ - قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٤) تقدير الكلام: أما تشركون خير أم من خلق السموات والأرض، فحذف ذكر الأول لقرب

стр. 9928

ذكره في قوله: ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وهذا معنى قول أبي حاتم (١). وقوله: (حَدَائِقَ) قال الليث: الحديقة: أرض ذات شجر مثمر، والحديقة من الرياض: كل روضة قد أحدق بها حاجزٌ، أو أرضٌ مرتفعة، وأنشد لطرفة: تَرَبعت القُفَّين في الشَّول ترتعي ... حدائق مَولِيِّ الأسرةِ أَغْيدِ (٢) وكل شيء استدار بشيء فقد أحدق به (٣). وقال أبو عبيدة: الحديقة والجنة في الدنيا مثل الحائط (٤). قال الفراء: إنما يقال حديقة لكل بستان عليه حائط، وما لم يكن عليه حائط لا يقال له: حديقة (٥).

стр. 9929

وقال ابن قتيبة: إنما يقال حديقة؛ لأنها يُحدَق عليها، أي: يُحْظَر (١). قال ابن عباس: يريد الأجنة والشجر (٢). وقال مقاتل: يعني حيطان النخل والشجر (٣). وقال الكلبي: الحدائق من البساتين: ما أحيط عليه حائط (٤). قوله: ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ قال الكلبي: ذات منظر حسن (٥). وقال ابن عباس ومقاتل: ذات حُسن (٦). وقال قتادة: النخل الحسان (٧). والبهجة: الحُسْن يبتهج به مَنْ رآه، أي: يُسر. قوله: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ أي: ما ينبغي لكم ذلك؛ لأنكم لا تقدرون عليها (٨).

стр. 9930

ثم قال مستفهمًا منكرًا عليهم: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أي: هل معه معبود سواه أعانه على صنعه (١) ﴿بَلْ﴾ أي: ليس معه إله ﴿هُمْ قَوْمٌ﴾ يعني: كفار مكة ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يشركون به غيره. هذا معنى قول المفسرين (٢). وقال أبو إسحاق: يعدلون عن القصد والحق، أي: يكفرون (٣). ٦١ - وقوله: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾ قال مقاتل: مستقرًا لا تميد بأهلها (٤) ﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا﴾ فيما بينها (٥) ﴿أَنْهَارًا﴾ كقوله: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف ٣٣]. ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ قال ابن عباس: يريد الجبال الثوابت أَثْبَتَ بها الأرض (٦). ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ قال: يريد قضاء من قضائه، وسلطانًا من قدرته، حجز بين العذب والمالح، فلا المالح يغير العذب، ولا العذب يغير المالح. وهذا قول أكثر المفسرين (٧). ومعنى الحجز في اللغة: المنع.

стр. 9931

قال أبو إسحاق: حجز بينهما بقدرته فلا يختلط العذب بالملح (١). وقال أهل المعاني: ويكون ذلك بكف كل واحد منهما عن صاحبه، وفيه دليل على أن الله تعالى قادر على كف النار عن الحطب حتى لا تحرقه، ولا تسحقه، كما كف الماء الملح عن العذب المجاور له أن يختلط به. وقال السدي: قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ هي البرزخ، وهو الحجر المحجور، وهو بحر الشام وبحر العراق والناس فيما بينهما؛ وعلى هذا معنى الحاجز بين البحرين: الجزائر والأرض والبلاد كما بين بحر فارس وبحر الروم (٢). والناس على القول الأول. قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ توحيدَ ربهم، وسلطانَه وقدرته. قاله ابن عباس ومقاتل (٣).

стр. 9932

وقال أهل المعاني: لا يعلمون ما لهم وما (١) عليهم في العبادة إن أخلصوها أو أشركوا فيها (٢). ٦٢ - قوله : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ (٣) قال عطاء عن ابن عباس: المضطر: المكروب. وعنه أيضًا: هو المجهود (٤). ومعنى المضطر في اللغة: المحوج الملجأ إلى الشيء. وقد مر (٥). قال أهل المعاني: ومعنى إجابة المضطر هو فِعل ما دَعا إليه؛ وهذا لا يكون إلا من قادر على الإجابة مختار لها؛ لأنها وقعت على حسب ما دعا به الداعي (٦).

стр. 9933

﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ الضر (١) ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ قال السدي: خلفاء مَنْ قبلكم من الأمم (٢). وقال غيره: معناه: جعلكم خلفاء (٣) يخلف كل قرن منكم القرن الذي قبله، وأهلُ كل عصر أهل العصر الأول (٤). والمعنى: يهلك قرنًا وينشئ آخرين (٥). وهذا معنى (٦) قول ابن عباس: يريد: أولادُكم خلفاءُ منكم. قوله : ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ قال ابن عباس: قليلاً ما تتعظون. ومن قرأ بالياء فالمعنى: قليلاً يذَّكر هؤلاء المشركون الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى (٧). ٦٣ - وقوله: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾ أي: يرشدكم (٨) ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [قال ابن عباس: يريد إلى البلاد التي يتوجهون إليها في البر والبحر. وهذا كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾] (٩) [الأنعام: ٩٧].

стр. 9934

٦٤ - قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قال ابن عباس: يبدأُ الخلق في الأرحام من نطفة ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بعد الموت (١). وقال مقاتل: بدأ الخلق فخلقهم ولم يكونوا شيئًا، ثم يعيدهم في الآخرة (٢). ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المطر. ومن ﴿وَالْأَرْضِ﴾ النبات (٣). ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ حجتكم (٤) أن لي شريكًا، قاله ابن عباس (٥). وقال مقاتل: هاتوا حجتكم بأنه صنع شيئًا من هذه الأشياء غيرُ الله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ بأن مع الله آلهة كما زعمتم (٦). ٦٥ - وقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يعني: الملائكة ﴿وَالْأَرْضِ﴾ يعني: الناس (٧) ﴿الْغَيْبَ﴾ قال مقاتل: يعني الساعة ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وحده ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني كفار مكة (٨).

стр. 9935

قال ابن عباس: يريد: هم ولا من اتخذوه عن دوني أولياء ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ متى يكون البعث (١). وهذا احتجاج عليهم بأن الله هو الذي يعلم ما غاب عن العباد، وأنه هو الذي يعلم متى البعث، لا غيره. ٦٦ - قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ﴿ادَّارَكَ﴾ معناه: تدارك، فأدغم التاء في الدال لمقاربتها لها، وكونها من حيزها، فلما سكنت للإدغام اجتلبت لها همزة الوصل، كما اجتلبت في قوله: ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ [البقرة: ٧٢]، و ﴿اطَّيَّرْنَا﴾ [النمل: ٤٧]، ونحوه. ومنه قوله: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٣٨]، أي: تلاحقوا (٢). وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿بَلْ أَدْرَكَ﴾ (٣).

стр. 9936

[ومعنى أدرك:] (١) بلغ ولحق، يقال: فلان أدرك الحسن، إذا لحق أيامه. وتقول على هذا: أدركه علمي، أي: بلغه ولحقه (٢). وقال شمر: أدرك، وتدارك، وادَّارك، وادَّرَك، واحد؛ يقال: أَدْرَكته، وتدارَكته، وادَّارَكته، وادَّرَكته (٣)، وأنشد لزهير: تداركتما عَبْسًا وذُبيانَ بعدما (٤) وأنشد للطِرمَّاح: فلما أدركناهن أبدينَ للَّهوى (٥) قال ابن عباس: يريد ما جهلوا في الدنيا، وسقط علمه عنهم علموه في الآخرة (٦).

стр. 9937

وقال مقاتل: يقول: بل علموا في الآخرة حين عاينوها ما شَكُّوا وعموا عنه في الدنيا (١). وقال السدي: اجتمع عليهم يوم القيامة فلم يَشُكُّوا ولم يختلفوا (٢). قال أبو معاذ النحوي: من قرأ: ﴿بَلْ أدْرَكَ﴾ أو قرأ: في ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ فمعناهما واحد؛ يقول: هم علماءُ في الآخرة، [ومعناها عنده: علموا في الآخرة أن الذي] (٣)، كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨] (٤). وروى (٥) أبو تراب عن أبي سعيد الضرير (٦) أنه قال: أما أنا فأقرأ: (بَلْ أدرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الأَخِرَةِ) ومعناها عنده: علموا في الآخرة أن الذي

стр. 9938

كانوا يوعدون حق (١). وأنشد للأخطل: وأدْركَ علمي في سواءةَ أنها ... تُقيم على الأوتار والمشربِ الكَدْر (٢) أي: أحاط علمي بها أنها كذلك (٣). وأما الفراء وكثير من المفسرين وأهل المعاني فقد تخبطوا في هذه الآية [وذهبوا إلى ما لا وجه له (٤)؛ قال الأزهري: والقول في أدرك، وادارك، في هذه الآية] (٥) ما قال السدي وأبو معاذ (٦). ولا معنى لما قال الفراء، ولم أحك قوله، ولا قول من حذا حذوه، لتشوشه واضطرابه. وروي عن مجاهد أنه قال: بل تواطأ علمهم في الآخرة (٧).

стр. 9939

قال الأزهري: وهذا يوافق قول السدي؛ لأن معنى: تواطأ تحقق واتفق حين لا ينفعهم (١). وقال أبو إسحاق: من قرأ: (بَلِ ادَّارَكَ) وهو الجيد؛ فعلى معنى: بل تدارك، أي: بل تكامل علمهم يوم القيامة بالبعث، وبأن كلَّ ما وعدوا حق. قال: ومن قرأ: (بَلْ أدْرَكَ) فهو على معنى: التقرير والاستخبار؛ كأنه قيل: لم يُدرك علمهم بالآخرة، أي: ليس يقفون في الدنيا على حقيقتها، ثم بيَّن ذلك في قوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ وقالوا في تفسير: (بَلْ أدرَكَ) أم أدرك. هذا كلامه (٢). وقد فَصَل الزجاج بين القراءتين، فجعل القراءة الثانية استفهامًا بمعنى الإنكار، وحرف الاستفهام: (بل)، الذي هو بمعنى: (أم)، وبهذا قال جماعة، وأنشدوا أبياتًا؛ منها قوله: أمِ النومُ أمْ كلٌّ إليَّ حبيبُ (٣)

стр. 9940

بمعنى: بل، وقالوا: إن أحدهما يقوم مقام الآخر (١). وإلى هذا ذهب أبو علي؛ فقال: المعنى: إنهم لم يدركوا علم الآخرة، أي: لم يعلموا حدوثها وكونها، ومعنى قوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ معنى الباء، أي: علمهم بالآخرة، قال: وهذا كما تقول: أجئتني بالأمس أي: لم تجئ، والمعنى: لم يدرك علمهم بحدوث الآخرة (٢). وهذا الوجه غير ما حكينا عن مقاتل وابن عباس والسدي، ولم يَفصل أبو علي بين القراءتين -كما فصل أبو إسحاق- وأجراهما على الاستفهام الذي معناه الإنكارة ويؤكد هذا الوجه قراءة ابن عباس: ﴿بَلى أدَّارَكَ﴾ بالاستفهام (٣). قال الأزهري: هو استفهام فيه رد وتهكم، ومعناه: لم يدرك علمهم في الآخرة (٤).

стр. 9941

وروى شعبة عن أبي حمزة (١) عن ابن عباس: ﴿بَلى أدَّارَكَ﴾ بقطع الألف؛ لأنه استفهام، فحذف ألف الوصل (٢). قال الفراء: وهو وجه جيد؛ لأنه أشبه بالاستهزاء بأهل الجحد، كقولك للرجل تكذبه: بلى لعمري لقد أدركتَ السلف، فأنت تروي ما لا نروي، وأنت تُكذِّبُه (٣). فهذا وجهٌ عليه أهل المعاني. والأول عليه أهل التفسير. قال شمر: ورُوي لنا حرفٌ عن الليث، ولم أسمعه لغيره، ذَكر أشبه يقال: أدركَ الشيءُ إذا فَنِيَ (٤)، فإن صح فهو في التأويل: فني علمهم عن معرفة الآخرة. هذا كلامه (٥). و ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ على هذا القول يكون أيضًا بمعنى: بالآخرة، كما ذكره أبو علي. وقرأ عاصم في بعض الروايات

стр. 9942

(أدرَكَ) على افتعل، وهو بمعنى: أدرك وتدارك، كما حكينا عن شمر. قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [قال مقاتل: بل هم اليوم في الدنيا في شك منها] (١) يعني: من الساعة (٢). وقال أبو علي: ﴿مِنْهَا﴾: من علمها وحدوثها. يعني: علم الآخرة (٣). ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا﴾ من علمها (٤) ﴿عَمُونَ﴾ في الدنيا (٥). والعمي عن علم الشيء أبعد منه من الشاك فيه؛ لأن الشك قد يَعرض عن ضرب من النظر، والعمي عن الشيء: الذي لم يدرك منه شيئًا (٦). وقال الكلبي في قوله: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ يقول: هم جهلة بها (٧). وقال المبرد: ﴿عَمُونَ﴾ جمع عمٍ، وأكثر ما يستعمل في القلب، وأنشد: ولكنني عن علم ما في غدٍ عَمِ (٨) قال ابن عباس في هذه الآية: أعمى قلوبهم عما أعد لأوليائه من النعيم، وعما أعد لأعدائه من العذاب. والكلام في العمي قد تقدم عند

стр. 9943

قوله: ﴿عَمِينَ﴾ في سورة الأعراف (١). ٦٧ - وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مفسر في سورة: المؤمنون (٢)، إلى قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا﴾ [٦٩]، والآية ظاهرة. ٧٠ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ قال مقاتل: يعني على كفار مكة إن تولوا عنك ولم يجيبوك (٣) إلى الإيمان, والمعنى: على تكذيبهم إياك وإعراضهم عنك (٤). ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾ (ضِيْقٍ) (٥) وهما لغتان (٦)؛ قال ابن السكيت: يقال: في صدر فلان ضِيْق وضَيْق، ومكان ضَيِّق وضَيْق (٧)، وقد ضاق الشيء ضِيْقًا (٨)، والنعت ضَيِّق (٩) والاسم ضَيْق. وروى أبو عبيد عن أبي عمرو: الضِّيْق: الشيء الضَّيَق، والضَّيْق

стр. 9944

المصدر (١). وقال الفراء: الضَّيْق: ما ضاق عنه صدرك، والضَّيِّق: ما يكون في الذي يتسع ويضيق؛ مثل: الدار والثوب. قال: وإذا رأيت الضَّيْق قد وقع في موضع الضِّيْق، كان على أمرين؛ أحدهما: أن يكون جمعًا للضَيْقة، كما قال الأعشى: كشفَ الضَيْقةَ عنا وفَسحَ (٢) والوجه الآخر: أن يكون مخففًا من ضَيْق، مثل: هَيْن ولَيْن (٣). وقد حصل من هذا: أن الضَّيِّق بالتشديد: نعت، ويجوز فيه التخفيف [فيما يتسع ويضيق، ويكون لغة في الضيق. قال أبو علي: والقراءة:] (٤) (الضَيق) بالفتح والتخفيف اسم، وليس بنعت، وهو ما يضيق عنه الصدر، ويقال فيه بالكسر. والضيق بالكسر المصدر، والاسم فيما يتسع ويضيق، ويكون لغة في الضيق. قال أبو علي: والقراءة بالوجهين يحمل على أنهما لغتان، ولا يحمل الضيق بالفتح على التخفيف من ضيق؛ لأنك إن حملته على ذلك أقمت

стр. 9945

الصفة مقام الموصوف، ولا ينبغي أن يحمل على ذلك ما وجد مندوحة عنه (١). قوله تعالى: ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أن مكرهم يبور، ويرجع إلى الذل والقتل. وقال مقاتل: يقول: لا يضيق صدرك بما يقولون (٢). وهذه الآية مذكورة في آخر سورة النحل، وقد مر تفسيرها (٣). ٧١ - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ الذي تعدنا يا محمد به من العذاب (٤) ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ بأنه يكون، وأن العذاب نازل بنا. قاله مقاتل والكلبي (٥). ٧٢ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ يقال: رَدِفَه يَرْدِفه (٦) رِدْفًا؛ إذا تبعه. قال أبو زيد: يقال: رَدِفْتُ الرجلَ وأردفَته؛ إذا ركبت خلفه، وأنشد: إذا الجوزاء أردفت الثريا (٧)
следующие страницы →