← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 9871–9910 · переход к 9876.

стр. 9871

هو الذي يستحق العبادة لا غيره، و ﴿هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ لا ملكة سبأ؛ لأن عرشها وإن كان عظيمًا لا يبلغ عرش الله في العِظَم (١). قال ابن إسحاق وابن زيد: من قوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ إلى منتهى هذه الآية، من كلام الهدهد (٢). والسجود على مذهب الشافعي ﵁ يكون عقيب هذه الآية. ٢٧ - قوله: ﴿قَالَ سَنَنْظُر﴾ قال سليمان للهدهد: سننظر فيما أخبرتنا من هذه القصة ﴿أَصَدَقْتَ﴾ فيم قلت ﴿أَمْ كُنْتَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل وصاحب النظم: يعني: أم أنت من الكاذبين (٣). والكلام في الكاذبين في مخاطبة الطير كالكلام في قوله: ﴿مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ وقد مر (٤). ٢٨ - قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ قال مقاتل: كتب سليمان كتابًا وختمه بخاتمه، ودفعه إلى الهدهد، وقال له: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ يعني: أهل سبأ (٥). وفي قوله: (أَلْقِهِ) أوجه من القراءة؛ أجودها: وصل الهاء بالياء: (فَأَلْقِهِي) (٦)، وترك وصله بالياء إنما يكون في الشعر؛ كقوله:

стр. 9872

ما حجَّ ربُّهُ في الدنيا ولا اعتمرا (١) وأنشد الزجاج: سأجعلُ عينيه لنفْسِه مَقْنَعًا (٢)

стр. 9873

قال: ولو قال: لنفسهي، لكسر الشعر ولكنه ترك الياء وأبقى الكسرة لإقامة الوزن، وأكثر ما يقع هذا في الشعر. ومن أسكن الهاء فغالط؛ لأن الهاء ليست مجزومة، وليس له وجه من القياس؛ لأنه يُجري الهاء في الوصل على حالها في الوقف (١)، وزعم الأخفش أن هذا لغة كقوله: .. مشتاقانِ لَهْ أَرِقان (٢) ولم يحك ذلك سيبويه، وحمله على الضرورة (٣).

стр. 9874

قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ قال مقاتل: انصرف عنهم (١). وقيل: أعرض عنهم. [قال ابن زيد: هذا على التأخير والتقديم، المعنى: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم، فانظر ماذا يرجعون، ثم قول عنهم (٢). قال: لأن رجوعه من عندهم] (٣) والتولي عنهم بعد أن ينظر ما الجواب. قال الزجاج: وهذا حسن، والتقديم والتأخير كثير في الكلام (٤). ومن لم يحمل الآية على التقديم والتأخير قال: معناه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ مستترًا من حيث لا يرونك فانظر ما يردون من الجواب (٥). فيقال: إن الهدهد فعل ذلك: ألقى الكتاب وطار إلى كَوَّة (٦) في مجلسها متواريًا

стр. 9875

عنها (١). ٢٩ - قوله: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾ قال أبو إسحاق: تقدير الكلام: فمضى الهدهد فألقى الكتاب إليهم (٢) فقالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ قال قتادة: أتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها (٣). وقال مقاتل: أتاها الهدهد حتى وقف على رأسها فرفرف ساعة، والناس ينظرون، فرفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها، فقرأت الكتاب. وكانت عربية من قوم: تبع الحميري، فأخبرت قومها وقالت: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ (٤). قال عطاء عن ابن عباس: مطبوع (٥). وهو: قول الضحاك قال: سمته كريمًا؛ لأنه كان مختومًا (٦).

стр. 9876

ويدل عليه ما روى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "كرامة الكتاب ختمه" (١). وقال قتادة ومقاتل: ﴿كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ حسن (٢). وهو اختيار الزجاج، قال: حسن ما فيه (٣). ويدل على هذا قوله: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨، والدخان: ٢٦] أي: مجلس حسن، ويقال: سمته كريمًا لكرم صاحبه؛ وذلك أنها رأت

стр. 9877

كتاب مَلِك (١)، رسوله الطير! فوصفت كتابه بالكرم، لكرم صاحبه (٢). وهذا معنى ما روي عن ابن عباس: شريف، بشرف صاحبه (٣). ثم بينت ما في الكتاب فقالت: ٣٠ - ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ قال الكلبي: لما أتاها الهدهد كانت في قصرها فدار حول القصر وطلب السبيل إليها حتى وصل من كوة كانت في القصر ثم قطع سبعة أبيات، حتى انتهى إليها نائمة مستلقية، فوضع الكتاب إلى جنبها، ونقرها نقرة، ثم رجع إلى مكانه من الكوة، فاستيقظت فزعة، فنظرت فإذا كتاب إلى جنبها مختوم؛ فأخذته ونظرت فإذا الأبواب مغلقة، والحرس قد أحاطوا بقصرها، فقالت: هل رأيتم أحدًا دخل إليَّ؟ قالوا: ما رأينا أحدًا دخل، ولا فتح بابًا، فوقع في قلبها أنه ألقي عليها من السماء، فعند ذلك قالت: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ السماء، ثم فتحت الكتاب، وكانت كاتبة قارئة، فإذا فيه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من سليمان بن داود، إلى بلقيس بنت ذي الشرح، فقالت عند ذلك لمن حولها وكرهت الكذب: إنه من سليمان؛ أي: أن الكتاب من سليمان (وَإِنَّهُ) وإن المكتوب فيه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٤). ونحو هذا قال السدي؛ قال: لما ألقاه الهدهد في حِجرها ظنت أنه من عند الله فقالت: ﴿أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ وذلك قبل أن تقرأه فلما قرأته

стр. 9878

قالت: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ وفيه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١). ٣١ - ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ قال أبو إسحاق: (أَن) يجوز أن تكون في موضع نصب على معنى: كتاب بأن لا تعلوا. أي: كتاب بترك العلو، ويجوز أن يكون في موضع رفع على معنى: ﴿أُلْقِيَ إِلَيَّ﴾ أن لا تعلوا. وفيها وجه آخر حسن على معنى: قال: لا تعلوا عليَّ، وهو تأويل ما ذكره سيبويه، والخليل؛ قالا: (أَنْ) في هذا الموضع في تأويل: أي، على معنى: أي لا تعلوا علي، كقوله : ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [سورة ص: ٦]. قال أبو إسحاق: وتأويل أي هاهنا تأويل القول والتفسير، كأنها قالت: قال: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ كما تقول: فعل فلان كذا وكذا، أي: إني جواد، كأنك قلت: يقول: إنى جواد (٢). وقد بان بهذا أنَّ (أَنْ) لم تكن في كلام سليمان المكتوب في الكتاب؛ وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم، لا تعلو عليَّ (٣).

стр. 9879

قال ابن عباس: يريد لا تتكبروا عليَّ (١). أي: لا تترفعوا عليَّ وإن كنتم ملوكًا ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ منقادين طائعين (٢). قال قتادة: وكذلك كانت الأنبياء تكتب جَمْلًا لا تطيل (٣). يعني: أن هذا القدر الذي ذكره الله كان كتاب سليمان (٤). قال الكلبي: كان في الكتاب: فإن كنتم من الجن فقد عُبدتم لي، وإن تكونوا من الإنس فعليكم السمع والطاعة والإجابة، مع أشياء كتب بها إليها (٥). فعلى هذا كان الكتاب طويلاً، وذكر الله تعالى منه ما هو القصد وهو أنه دعاها إلى الطاعة. قال الكلبي ومقاتل: أرسلت إلى قومها فاجتمعوا إليها فاستشارتهم فيما أتاها من سليمان فقالت:

стр. 9880

٣٢ - ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ يعني: الأشراف وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر قائدًا، وهم أهل مشورتها (١). وهذا قول قتادة والثُّمالي والكلبي ومقاتل قالوا: وكان كل رجل منهم على عشرة آلاف (٢). وقال مقاتل: كان مع كل قائد: مائة ألف (٣). وقوله: ﴿أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ قال ابن عباس: أشيروا عليَّ: أي: بينوا لي مما أعمل (٤) ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ فاعلة أمرًا وقاضيته (٥) ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ حتى تحضرون، أي: إلا بحضوركم ومشورتكم؛ قاله ابن عباس ومقاتل (٦). قالوا مجيبين لها: ٣٣ - ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ (٧) قال عطاء عن ابن عباس: كانت من قوة أحدهم أنه يُرَكِّض الفرس حتى إذا امتلأ فُرُوجُه ضم فخذيه فحبسه بقوته (٨).

стр. 9881

وقال مقاتل: يعني عدة كثيرة من الرجال، كقوله: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: ٩٥] يعني: بالرجال (١). فتحمل القوة هاهنا على العدة والكثرة (٢). قوله تعالى: ﴿وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ يعني الشجاعة والقوة في الحرب (٣). قال ابن زيد: عرَّضوا لها بالقتال؛ بأن ذكروا لها قوتهم وشجاعتهم، ثم قالوا: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ (٤) أي: في القتال وفي تركه ﴿فَانْظُرِي﴾ من الرأي ﴿مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ ماذا تشيرين علينا (٥). قالت مجيبة لهم عن التعريض بالقتال: ٣٤ - ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ قال مقاتل: أهلكوها، كقوله : ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١] يعني: لهلكت (٦). وقال غيره: خربوها (٧).

стр. 9882

وقال الزجاج: معناه: إذا دخلوها عَنْوة أي: جهارًا عن قتال وغلبة (١). ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ قال مقاتل: أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر (٢). قال الفراء: قالت لهم: إنهم إن دخلوا بلادكم أذلوكم وأنتم ملوك (٣). ومعنى الآية: أنها حذرتهم مسير سليمان إليهم، ودخوله بلادهم، وتناهى الخبر عنها، وصدَّقها الله تعالى فقال: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ يعني: كما قالت هي. وهذا معنى قول ابن عباس والكلبي ومقاتل (٤). قال الزجاج: هو من قول الله ؛ لأنها قد ذكرت أنهم يفسدون فليس لتكرير هذا منها فائدة (٥).

стр. 9883

٣٥ - قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ قال مقاتل: أصانعهم على ملكي إن كانوا أهل دنيا (١). وقال السدي: تختبر بذلك سليمان وتعرفه أملِك هو أم نبي (٢). قال ابن عباس: أرسلت إليهم بمائة وصيف ومائة وصيفة. وهو قول مقاتل (٣). وقال مجاهد: مائتي غلام، ومائتي جارية (٤). وهذا قول أكثر المفسرين؛ قالوا: الهدية كانت غلمانًا وجواري. وان اختلفوا في مبلغ عدد الفريقين (٥). وقال ثابت البناني: أهدت له صفائح الذهب في أوعية الديباج (٦).

стр. 9884

﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ من عنده بقبولٍ أم بِرَدٍ (١). قال الفراء: انقصت الألف من (بِمَ)؛ لأنها في معنى: بأي شيء، وإذا كانت (مَا) في موضع: أي، ثم وصلت بحرفٍ خافضٍ نُقصت الألف من (مَا) ليعرف الاستفهام من الخبر، ومن ذلك قوله: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء٩٧] و ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] وإن أتممتها فصواب (٢)، وأنشدني المفضل (٣): إنا قتلنا بقتلانا سَراتَكم ... أهلَ اللواء ففيما يكثرُ القِيلُ (٤) قال: وأنشدنىِ أيضًا: على ما قام يشتمني لئيمٌ ... كخنزيرٍ تمرَّغَ في رمادِ (٥) وقال الزجاج: حروف الجر مع (ما) في الاستفهام تحذف معها الألف من (ما)؛ لأنهما كالشيء الواحد، وليُفصل بين الخبر والاستفهام، تقول: قد رغبت فيما عندك، فتثبت الألف، وتقول: فيم نظرت يا هذا؟

стр. 9885

فتحذف الألف (١). قال المفسرون: دعت بلقيس رجلاً من أشراف قومها يقال له: المنذر بن عمرو، وضمت إليه رجالًا أصحاب رأي وعقل، وبعثتهم وفدًا إلى سليمان مع الهدية، وهم المرسلون في قوله: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٢). ٣٦ - قوله : ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ أي: جاء الرسول سليمان؛ قاله الفراء والزجاج؛ زاد أي: الزجاج: ويجوز أن يكون فلما جاء بِرُّها سليمان إلا أن قوله: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ مخاطبة للرسول (٣). ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ روى المسيبي (٤) عن نافع: ﴿أَتُمِدُّونَ﴾ خفيفة النون بنون واحدة، وياء على حذف النون الثانية التي تصحب ضمير

стр. 9886

المتكلم (١)، ولا يجوز حدف الأولى لأنه لحن (٢)، والثانية قد حذفت في مواضع من الكلام نحو: قَدِي (٣). وقرأ حمزة: ﴿أَتُمِدُّونَي﴾ بنون واحدة مشددة أدغم الأولى في الثانية، ومن قرأ بنونين وجمع بين المثلين ولم يدغم؛ فلأن الثانية ليست بلازمة؛، ألا ترى أنه يجزئ في الكلام من غير الثانية نحو: أتمدون زيدًا (٤).

стр. 9887

ومعنى قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ إنكار عليهم إهداءهم إليه، وما أتوه به من المال. قوله: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ أي: ما أعطانىِ من الإسلام والنبوة والملك خير مما أعطاكم ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ يعني: إذا أهدى بعضكم إلى بعض، وأما أنا فلا أفرح بها إنما أريد منكم الإسلام. قاله مقاتل (١). ثم قال سليمان لأمير الوفد: ٣٧ - ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: بالهدية. هذا قول أكثر المفسرين (٢). وقال الكلبي: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ خطاب للَّهدهد كتب إليها كتابًا آخر (٣). قوله تعالى: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ قال ابن عباس والمفسرون وأهل اللغة: لا طاقة لهم بها (٤).

стр. 9888

﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾ قال الكلبي: من قرية سبأ (١) ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أذلاء. قال المفسرون: فلما رجعت إليها الرسل قالت: قد عرفنا ما هذا بملِك وما لنا به من طاقة. ثم تجهزت للمسير إليه (٢). ٣٨ - قال ابن عباس: وأخبره جبريل أنها خرجت من اليمن مقبلة إليه (٣). فقال سليمان: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ قال عبد الله بن شداد: كانت بلقيس على رأس فرسخ (٤) من سليمان لما قال سليمان: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ وكان ما بينه وبينها كما بين الكوفة والحيرة (٥) وذلك أنه لم يُخبر بمسيرها إليه حتى رأى يومًا رهجًا (٦) قريبًا منه فسأل عنه فقيل: بلقيس يا رسول الله فحينئذ قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ هذا قول وهب بن

стр. 9889

منبه، وجميع المفسرين (١). واختلفوا في السبب الذي خص سليمان ﵇ العرش بالطلب؛ وقال قتادة: لأنه قد وُصِف له عرشها بالعِظَم فأعجبه ذلك وأحب أن يراه (٢). وقال مقاتل وأكثر المفسرين: أحب سليمان أن يأخذ عرشها قبل أن تُسلِم فلا يحل أخذ مالها (٣). فذلك قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أي: مخلصين بالتوحيد. قاله مقاتل (٤). وقال ابن جريج: ﴿مُسْلِمِينَ﴾ بحرمة الإسلام فيمنعنا الإسلام أموالهم (٥).

стр. 9890

وقال ابن عباس: ﴿مُسْلِمِينَ﴾: طائعين منقادين (١). وعلى هذا يحل له أخذ مالها بعد إتيانها. قال مقاتل: وكان قد أوحي إلى سليمان أنها تأتي مسلمة، فلذلك قال: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (٢). فهذان قولان في سبب طلب العرش. وقال ابن زيد: أراد سليمان أن يعاتبها بالعرش ويختبر عقلها (٣). ويدل على هذا قوله: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ ألَّا يتبين. وقال آخرون: أراد سليمان أن يريها آية معجزة في عرشها ليجعل ذلك حجة عليها، فقال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أي: طائعين منقادين (٤). كما قال ابن عباس. ٣٩ - قوله تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ العفريت: النافذ في الأمر المبالغ فيه مع خبث ودهاء. يقال: رجل عِفْرٌ وعِفْريتٌ، وعِفْرية وعُفارية، بمعنى واحد (٥).

стр. 9891

وقال الفراء: من قال عفرية، فجمعه: عَفَارٍ. ومن قال: عفريت، جمعه: عفاريت، وجائز أن يقول: عفارٍ، كقولهم في جمع الطاغوت: طواغيت وطواغ (١). قال المفسرون في تفسير العفريت: إنه المارد الداهية القوي الخبيث الغليظ القوي الشديد. كل هذا من ألفاظهم (٢). وقال ابن قتيبة: أصله: عِفْر، زيدت التاء فيه، يقال: عِفْريت ونِفْرِيت وعُفَارِية، ولم يسمع بنُفَارِية (٣). وقوله: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ يعني: من مجلسك الذي تقضي فيه؛ وكان سليمان يجلس في مجلسه للقضاء غُدْوة إلى نصف النهار. قاله ابن عباس والمفسرون (٤).

стр. 9892

فمعنى المقام هاهنا: المقعد والمشهد، لا موضع القيام. وقال أبو الحسن: إنهم يقولون للمقعد والمشهد: مقام، كالذي في هذه الآية، وكقوله: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨، الدخان: ٢٦] يعني ومجلس حسن. قال الكلبي: كانت قوة العفريت أنه يضع قدمه حيث ينال بصره. وقال مقاتل: قال العفريت: أنا أضع قدمي عند منتهى بصري فليس شيء أسرع مني (١). ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ﴾ أي: على حمله (أَمِينٌ) على ما فيه من الذهب والفضة والجواهر. قاله ابن عباس (٢). فقال سليمان: أريد أسرع من ذلك (٣). ٤٠ - ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قال محمد بن إسحاق: هو آصف بن بَرْخيا، وكان صدِّيقًا، يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به الله أجاب (٤). وهو قول مقاتل والكلبي والأكثرين، ورواية الضحاك عن ابن عباس (٥).

стр. 9893

وقال قتادة: هو رجل من بني إسرائيل كان يعلم الاسم الذي إذا دعىِ به أجاب، اسمه كليخا (١). وقال أبو صالح وشعيب بن حرب (٢): هو رجل من بني آدم (٣). وقال عطاء عن ابن عباس: هو جبريل (٤). وقال ابن زيد: هو رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر، فخرج ذلك اليوم ينظر مَنْ ساكن الأرض، فوجد سليمان، فدعا باسم من أسماء الله فجيء بالعرش (٥). ومعنى: ﴿عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ علم اسم الله الأعظم، على ما ذكره

стр. 9894

المفسرون (١). وقال محمد بن المنكدر: ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ هو سليمان ﵇ (٢). وإلى هذا القول ذهب المعتزلة (٣)، إنكارًا لكرامة الولي (٤). وهذا القول لا يصح؛ لأنه خلاف ما عليه المفسرون، ولأن

стр. 9895

الخطاب في قوله: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ لسليمان. وكيف يصح أن يقال: ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ هو سليمان؟. وقوله: ﴿أَنَا آتِيكَ﴾ أمال حمزة (ءَاتِيكَ) أشم الهمزة شيئًا من الكسر (١) من أجل لزوم الكسرة في آتي، وإذا لزمت الكسرة جازت الإمالة فأمال الفتحة التي على همزة المضارعة ليميل الألف في آتي نحو الياء، وإمالة الكسائي فتحة الياء في (ءَاتَانِ الله) أحسن من إمالة حمزة؛ لأن (ءَاتَى) مثال الماضي، والهمزة في (ءَاتِيكَ) همزة المضارعة، فإمالتها لا تحسن، ألا ترى أنه لو كانت الياء التي للمضارعة في الفعل، لم تجز الإمالة، وإذا لم تجز الإمالة في حرف من حروف المضارعة، كان ما بقىِ من الحروف في حكمه، ألا ترى أنهم قالوا: يَعِدُ، فأتبعوا سائر الحروف الياء، وكذلك أُكرِمُ (٢). وقوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قال محمد بن إسحاق: قال له آصف: تمد عينيك، فلا ينتهي إليك طرفك إلى مداه حتى أُمثِّلَه بين يديك (٣). ثم قال: امدد عينيك حتى ينتهي طرفك، فمد سليمان عينيه ينظر نحو اليمن، ودعا آصف فانخرق العرش مكانه الذي هو فيه، ثم نبع بين يدي سليمان (٤).

стр. 9896

ونحو هذا روى عكرمة عن ابن عباس، في كيفية حصول العرش عند سليمان؛ قال: لم يخر عرش صاحبة سبأ بين السماء والأرض، ولكنه انشقت به الأرض، فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان (١). وقال ابن سابط: دخل السرير فصار له نفق في الأرض حتى نبع بين يدي سليمان (٢). وقال مجاهد: خرج العرش من نفق في الأرض (٣). وقال الكلبي: خر آصف ساجدًا ودعا باسمه الأعظم، فعاد عرشها تحت الأرض حتى نبع عند كرسي سليمان (٤). وقال مقاتل: احتمل السرير احتمالًا فوضع بين يدي سليمان (٥). هذا قول المفسرين. وقال أهل المعاني: الله قادر على ذلك بأن يُعدمه من حيث كان، ثم يوجده، حيث كان سليمان بلا فصلٍ، بدعاء ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٦). وتفسير ذلك العلم: هو اسم الله الأعظم على ما ذكرنا عن

стр. 9897

المفسرين. واختلفوا في ذلك الاسم، فقال مجاهد ومقاتل: يا ذا الجلال والإكرام (١). وقال شعيب بن حرب: قال الذي جاء بعرشها: إلهنا وإله كل شيء إلهًا واحداً لا إله إلا أنت أئت به؛ فإذا هو مستقر عنده (٢). ونحو هذا قال الزهري (٣). وروت عائشة عن النبي ﷺ أن الاسم الذي دعا به آصف: يا حي يا قيوم. وهو قول الكلبي (٤). وأما تفسير قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ فقد ذكرنا فيه قول محمد ابن إسحاق؛ وهو انتهاء طرفه إلى مداه، وهذا ضد الارتداد وإنما يصح تفسيره بتقدير محذوف في الآية؛ كأنه: قبل أن يرتد إليك طرفك بعد

стр. 9898

الانتهاء، فحذف ذكر الانتهاء؛ لأن الارتداد يدل عليه، وذلك أنه لا يرتد إليه طرفه إلا بعد مده إياه، حتى ينتهي طرفه ثم يعود إليه (١). وقال سعيد بن جبير: قال لسليمان: انظر إلى السماء فما طَرُف (٢) حتى جاء به فوضعه بين يديه (٣). وعلى هذا حتى يرتد إليك طرفك من السماء. ومعنى: ﴿يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ يعود إليك بصرك بعد مده إلى منتهاه. وفسر مجاهد ارتداد الطرف تفسيرًا صالحًا؛ فقال: هو إدامة النظر حتى يرتد طرفه خاسئًا (٤). وعلى هذا معنى الآية: أن سليمان يمد بصره إلى أقصاه وهو يديم النظر، فقبل أن ينقلب إليه بصره حسيرًا، يكون قد أتى بالعرش. وقال مقاتل: يقول قبل أن ينتهي إليك الذي هو على منتهى بصرك وهو جاءٍ إليك (٥). وقال الكلبي: يقول قبل أن يأتيك الشخص من مد النظر (٦). وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء. وكذلك قال أبو صالح: قبل أن يأتيك

стр. 9899

الشيء من مد البصر (١). واختاره الفراء (٢). وعلى هذا التفسير يجب أن يكون التقدير: قبل أن يرتد إليك مَنْ على منتهى طرفك؛ وهذا التقدير بعيد، ثم إتيان الشخص إليه من مد البصر لا يسمى ارتدادًا إلا أن يكون قد خرج من عنده، فالقول هو الأول؛ ولهذا قال قتادة: هو أن يبعث رسولاً إلى منتهى طرفه، فلا يرجع حتى يؤتى به (٣). فعلى هذا يصح أن يقال للرسول إذا رجع إليه: ارتد إليه، ولو صح أن يحمل الطرف على من ينظر إليه ويبصره من بعيد، يصح هذا التفسير الثاني؛ ولكنه بعيد. وفي ارتداد الطرف قول ثالث؛ قال أبو إسحاق: قيل هو مقدار ما يفتح عينه ثم يَطْرُف؛ قال: وهذا أشبه بارتداد الطرف، ومثله من الكلام: فَعَل ذلك في لحظة عين؛ أي: في مقدار ما نظر نظرة واحدة (٤). وعلى هذا معنى الآية: إذا نظرت إلى شيء فقبل أن تَطْرُف يكون العرش عندك. والإتيان بالعرش كان كرامة للولي، ومعجزة للنبي، فلا ينكر سرعة حصول ذلك، إذ كان الله تعالى قادرًا على تحصيله عنده في أسرع من لمحة ولحظة. فهذه ثلاثة أقوال في تفسير قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾ في الآية محذوف تقديره: فدعا الله فأتى به ﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾ أي: رأى العرش مستقرًا عنده ثابتًا بين يديه ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ

стр. 9900

رَبِّى﴾ هذا النصر والتمكين في المُلك من فضل ربي وعطائه (١). قال قتادة: والله ما جعله فخرًا ولا بطرًا، ولكن جعله منة لله وفضلًا منه ونعمة (٢) ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ﴾ على ما أعطاني ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾. وقال مقاتل: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ هذا السرير ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ أعطانيه (٣). يعني: جيء به في حال شركها قبل أن تسلم ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ قال: يقول: ليختبرني ﴿أَأَشْكُرُ﴾ الله في نعمه إذ أُتيت بالعرش ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ إذ رأيت مَنْ هو دوني أعلم مني. ثم عزم الله له على الشكر فقال: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: لأجل نفسه يفعل ذلك (٤)؛ لأن ثواب شكره يعود إليه ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عن شكره ﴿كَرِيمٌ﴾ بالإفضال على من كفر نعمه (٥). ٤١ - وقوله: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾ قال وهب، ومحمد ابن كعب، والمفسرون: خافت الشياطين أن يتزوج سليمانُ بلقيسَ فتفشي عليه أسرار الجن، ولا ينفكون من تسخير سليمان وذريته بعده، فأساءوا

стр. 9901

الثناء على بلقيس ليزهدوه فيها؛ وقالوا: إن في عقلها شيئًا، وإن رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان أن يختجر عقلها بتنكير عرشها، فذلك قوله. ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ (١). قال المفسرون: يقول: غيروا لها سريرها (٢). يقال: نكرته فتنكر أي: غيرته فتغير (٣). ومعنى التنكير في اللغة: التغيير إلى حال ينكرها صاحبها إذا رآها (٤). قال قتادة ومقاتل: نكرته: أن يزاد فيه وينقص (٥)، يقول: زيدوا في

стр. 9902

السرير وانقصوا منه، فننظر إذا جاءت ﴿أَتَهْتَدِي﴾ أتعرف السرير، أي: أتهتدي لمعرفته ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ لا يعرفون (١). والقوم تقع على الرجال والنساء، فلما جاءت المرأة قيل لها: ٤٢ - ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ قال قتادة: شِبْهُه، وكانت تركته خلفها (٢). وقال مجاهد: جعلت تعرف وتنكر، وعجبت من سرعته؛ فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ (٣). وقال مقاتل: عرفته، ولكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها؛ ولو قيل لها: أهذا عرشك؟ لقالت نعم (٤). وقال عكرمة: كانت حكيمة؛ قالت: إن قلت: هو هو، خشيت أن أكذب، وإن قلت: لا، خشيت أن أكذب، فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ شبهه (٥). وقال الفراء: كانت تعرف وتنكر فلم تقل: هو هو، ولا: ليس هو، فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ (٦). قوله تعالى: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ مذهب مجاهد ومقاتل: أن هذا من قول سليمان (٧).

стр. 9903

وعلى هذا للآية تأويلان: أحدهما: وأوتينا العلم بقدرة الله على ما يشاء من قبل هذه المرأة؛ أي: من قبل مجيئها ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾: مخلصين لله بالتوحيد ﴿مِنْ قَبْلِهَا﴾ (١). والثاني: وأوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ خاضعين لله. وقال آخرون: هذا من كلام المرأة وذلك أنها لما قالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ قيل لها: فإنه عرشك، فما أغنى عنك إغلاق الأبواب (٢). قالت: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ بصحة نبوة سليمان ﴿مِنْ قَبْلِهَا﴾ أي: من قبل الآية في العرش ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ أي: طائعين منقادين لأمر سليمان من قبل أن جئنا. وهذا القول أليق بالمعنى، وأشبه بظاهر التنزيل (٣). ٤٣ - قوله تعالى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: منعها من الإيمان بالله والتوحيد ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهو الشمس (٤).

стр. 9904

قال الفراء: معنى الكلام: صدها من أن تعبد الله ما كانت تعبد، أي: عبادتها الشمس والقمر. وقد قيل: ﴿وَصَدَّهَا﴾ منعها سليمان ما كانت تعب، و (مَا)] نصب، والفعل لسليمان. ويجوز أن يكون الفعل لله على معش: وصدها الله ما كانت تعبد (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ كسرت الألف من (إِنَّ) على الاستئناف (٢). أخبر الله تعالى أنها كانت من قوم يعبدون الشمس فنشأت فيما بينهم، ولم تعرف إلا عبادة الشمس. وذُكر في التفسير أنها كانت عاقلة، ولم يصدها عن عبادة الله نقص العقل؛ إنما صدها: عبادة الشمس (٣). وذكر الكسائي وجهًا آخر؛ فقال: هذه الآية متصلة بالتي قبلها؛ والمعنى: قال سليمان: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا﴾ أن تؤتى العلم وأن تسلم عبادةُ غير الله وكفرها السابق (٤). وإذا جعلنا (مَا) في محل النصب جعلنا الصد متعديًا إلى مفعولين، وليس يتعدى الصد إلى مفعولين إلا بواسطة حرف الجر، كما تقول: صددت زيدًا عن كذا (٥)، قال الله تعالى: ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ [الرعد: ٣٣] ولكن يجوز أن تجعل الصد بمعنى: النفع، فيتعدى إلى مفعولين. أو يقال: التقدير: صدها عما كانت تعبد، فحذف الجار، كقوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَه﴾ [الأعراف: ١٥٥].

стр. 9905

٤٤ - وقوله: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ﴾ الآية، قد ذكرنا أن الشياطين قالت لسليمان: إن رجلها كحافر الحمار. قال ابن عباس: وكان لسليمان ناصح من الشياطين، فقال له: كيف لي أن أرى قدمها من غير أن أسألها كشفه؟ فقال: أنا أهريق لك في هذا الصرح، يعني: القصر ماء، وأبلط فوق الماء بالزجاج، حتى تظن أنه ماء فترفع ثوبها فترى قدمها. وقال المفسرون: أراد سليمان أن يعلم حقيقة ما قالت الجن، وينظر إلى قدمها وساقها، فهيئ له بيتٌ من قوارير فوق الماء، وأُرسل فيه السمك لتحسب أنه الماء، ووُضع سرير سليمان في صدر البيت، و ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ (١). والصرح في اللغة معناه: القصر. قال ذلك أهل اللغة، والتفسير (٢)، وهو قول ابن عباس ومقاتل (٣). وقال أبو عبيد: كل بناء موثق من صخر أو غير ذلك فهو صرح (٤)،

стр. 9906

وأنشد هو وغيره بيت أبي ذؤيب: بهن نَعَام بناها الرجال ... تشبه أعلامهن الصروحا (١) قال أبو عبيدة: كل بناء بنيته من حجارة فهو: نَعَامة، والجماع: نَعَام (٢). وقال أبو إسحاق: الصرح في اللغة: القصر والصحن، يقال هذه ساحة الدار، وصحنة الدار، وباحة الدار، وقاعة الدار، كله في معنى الصحن (٣). ونحو هذا ذكر ابن قتيبة؛ فقال: الصرح: بلاط اتُّخِذ لها من قوارير، وجعل تحته ماء وسمك (٤). وقال مجاهد: الصرح: بركة ماء، ضرب عليها سليمان قوارير؛ ألبسها (٥).

стр. 9907

﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ وهي معظم الماء (١). ولُجَّة البحر حيث لا ترى أرضًا ولا جبلًا (٢). ومر الكلام في اللجة عند قوله: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠] (٣)، قال المفسرون: حسبته ماءً (٤). ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ والساق: لكل دابة وشجرة وطائر وإنسان، والأَسْوَق: الطويل عَظْم الساق، والمصدر السَّوَق (٥)، قال رؤبة: قُبُّ من التَّعداءِ حُقْبٌ في سَوَق (٦) ونذكر باقي الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣] (٧)، وقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] إن شاء الله (٨).

стр. 9908

قال ابن عباس: لما كشفت عن ساقها رأى سليمان قدمًا لطيفًا، وساقًا حسنًا خَدَلَّجًا، أَزَّبَّ (١)، فقال لناصحه من الشياطين. كيف لي أن أقلع هذا الشعر من غير مضرة للجسد؟ فدله على عمل النُّورَة (٢)، والحمامات من يومئذ (٣). وقال مقاتل: نظر إليها سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقين وقدمين، ورأى على ساقها شعرًا كثيرًا، فكره سليمان من ذلك، فقالت: إن الرمانة لا تدري ما هي حتى تذوقها، فقال سليمان: ما لا يحلو في العين لا يحلو في الفم (٤).

стр. 9909

قوله: ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ أي: قال سليمان لما رأى ساقها وقدمها، ناداها: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ أي: مملس بالزجاج، وليس ببحر (١). وذكرنا الكلام في الممرد عند قوله: ﴿كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] (٢). قال مقاتل: لما رأت السرير والصرح، علمت أن ملكها ليس بشيء عند ملك سليمان، وأن ملكه من الله، فقالت حين دخلت الصرح: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ يعنيِ: بعبادة الشمس ﴿وَأَسْلَمْتُ﴾ وأخلصت ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ بالتوحيد ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ خرت لله ساجدة، وتابت إلى الله من شركها، فاتخذها سليمان لنفسه، وولدت له داود بن سليمان بن داود، وأمر لها بقرية من الشام لها خراجها، وكانت عذراء فاتخذت الجن الحمامات من أجلها (٣). وقال النبي ﷺ : "كانت من أحسن نساء العالمين ساقين، وهي من أزواج سليمان في الجنة" فقالت عائشة -أم المؤمنين- للنبي ﷺ : هي أحسن ساقًا مني؟ فقال النبي ﷺ : "أنت أحسن ساقين منها في الجنة" (٤).

стр. 9910

فكان سليمان يسير بها معه إذا سار، هذا قول مقاتل (١). وقال محمد بن إسحاق: أدخلها سليمان الصرح ليريها ملكًا وسلطانًا هو أعظم من سلطانها، فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله تعالى فأسلمت، وحسن إسلامها، فقال لها سليمان حين أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلاً أزوجكه، فقالت: ومثلي يا نبي الله ينكِح الرجال؟ وقد كان لي من الملك والسلطان ما كان! قال: نعم؛ إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك، فقالت: زوجني إذا كان ذلك: ذا تُبَّع، ملك همدان، فزوجه إياها ثم ردها إلى اليمن (٢). وقال عون بن عبد الله: جاء رجل إلى عبد الله بن عتبة فسأله: هل كان سليمان تزوجها؟ قال: عهدي بها أن قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣). يعني: أنه لا يعلم ذلك، وآخر ما سمع من حديثها أن قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾. ٤٥ - وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ إلى قوله: ﴿هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ قال مجاهد ومقاتل: مؤمنون وكافرون (٤).
следующие страницы →