← Тараджим

Тараджим · id 13235

طبقات النحويين واللغويين

الزبيدي، أبو بكر

Полный текст (285 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ذخائر العرب ٥٠ طبقات النحويين واللغويين لأبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي الأندلسي تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم الطبعة الثانية دار المعارف مقدمة المحقق

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المؤلف قال أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي -رحمة الله عليه-: الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلَقه وبدأ خلقَ الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، وفضَّله على سائر الحيوان، بما آتاه من حاسة العقل وبيان اللسان، ثم جبل كل أمة من الأمم على لغة أنطقهم بها، ويسرهم لها، وجعل اللسان العربيَّ أعذب الألسنة مخرجًا، وأعدلها منهجًا، وأوضحها بيانًا، وأوسعها افتنانًا، وجعل الإعراب حَلْيًا للسان، وزمامًا وفصلًا لما اختُلف فيه من معانيه. ولم تزل العرب تنطق على سجيَّتها في صدر إسلامها وماضي جاهليتها؛ حتى أظهر الله الإسلام على سائر الأديان، فدخل الناس فيه أفواجًا، وأقبلوا إليه أرسالًا، واجتمعت فيه الألسنة المتفرقة، واللغات المختلفة، ففشا الفساد في اللغة والعربية، واستبان منه في الإعراب الذي هو حَلْيها، والموضِّح لمعانيها؛ فتفطَّن لذلك مَن نافر بطباعه سوء أفهام الناطقين من دخلاء الأمم بغير المتعارَف من كلام العرب، فعظم الإشفاق من فُشُوِّ ذلك وغلَبته؛ حتى دعاهم الحذرُ من ذهاب لغتهم وفساد كلامهم، إلى أن سبَّبوا الأسباب في تقييدها لمن ضاعت عليه، وتثقيفها لمن زاغت عنه. فكان أولَ مَن أصَّل ذلك وأعمل فكره فيه، أبو الأسود ظالم بن عمرو الدُّؤليُّ، ونصر بن عاصم، وعبد الرحمن بن هُرْمز. فوضعوا للنحو أبوابًا، وأصَّلوا له أصولًا؛ فذكروا عوامل الرَّفْع والنصب والخفض والجزم، ووضعوا باب الفاعل

стр. 3

والمفعول والتعجب والمضاف. وكان لأبي الأسود في ذلك فضل السبق وشرف التقدم. ثم وصل ما أصَّلوه من ذلك التَّالون لهم، والآخذون عنهم؛ فكان لكل واحد منهم من الفضل بحسب ما بسط من القول، ومدَّ من القياس، وفتَق من المعاني، وأوضح من الدلائل، وبيَّن من العلل. ولم تزل الأئمة من الصحابة الراشدين ومَن تلاهم من التابعين، يحضُّون على تعلُّم العربية وحفظها، والرعاية لمعانيها؛ إذ هي من الدين بالمكان المعلوم، فبها أنزل الله كتابه المهيمن على سائر كتبه، وبها بلَّغ رسولُه ﵇ وظائفَ طاعته، وشرائع أمره ونهيه. وكذلك كانوا يحضُّون على رواية الشعر الذي هو حكمة العرب في جاهليَّتها وإسلامها، وديوانها الذي أقامته مقام الكتاب لما تقدَّم من مآثرها وأيامها، فكانوا يتناشدونه في مجالسهم، ويتذاكرونه عند محافلهم. ومصداق ذلك ما حدثنا به قاسمُ بن أَصْبَغَ، قال: حدثنا عبد الله بن رَوْحٍ قال: قال المدائنيُّ: حدثنا شَبَابةُ بن سَوَّارٍ قال: حدثنا شعبةُ، عن عاصمٍ، عن أبي عثمان النَّهديِّ؛ سمعته يقول: إن كتاب عمر بن الخطاب أتاهم وهم بأَذْرَبِيجان يأمرهم بأشياء، وذكر فيه: (تعلَّموا العربية).

стр. 4

حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا أبو عثمان العناقي، عن الخُشَنيِّ قال: حدثنا الرِّياشيُّ، حدثنا أبو مَعْمَر، عن عبد الوارث التَّنُّوريِّ، عن أبي مسلم قال: قال عمر بن الخطاب: (تعلَّموا العربية؛ فإنها تُشبِّب العقل، وتزيد في المروءة). ورُوي عن عمر أيضًا أنه قال: (تعلموا الفرائض والسنة واللحن، كما تتعلمون القرآن). ويُروى عن أبانَ بن عثمان أنه قال: اللحن في الرجل السَّريِّ، كالتغيير في الثوب الجديد. وقال مالك بن أنس: الإعراب حَلْي اللسان؛ فلا تمنعوا ألسنتكم حَلْيَها. وقال ابن شُبْرمة: إن الرجل ليلحن وعليه الخز الأدكن، فكأن عليه أخلاقا؛ ويعرب وعليه أخلاق، فكأن عليه الخز الأدكن.

стр. 5

وحدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا القاضي إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني أخي، عن سليمان، عن محمد بن أبي عتيق، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن مَرْوان بن الحكم أخبره: أن عبد الرحمن بن الأسود أخبره: أن أُبيَّ بن كعب أخبره: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً". حدثنا سعيد بن فَحْلونٍ أبو عثمان قال: حدثنا أبو سعيد عبد الرحمن

стр. 6

ابنُ عبيدٍ البصريُّ بالقيروان، قال: سألت النضر بن طاهر -راوية مالك عندنا بالبصرة- فقلتُ له: حدثكم عبد الله بن وهب، عن أبي الزِّناد؟ فقال: يابن أخي، ما تحتاج إلى ابن وهب! حدثنا ابن أبي الزناد، عن هشام بن عُرْوة، عن عائشة، أن النبي ﷺ بنى لحسان بن ثابت منبرًا في المسجد ينشد عليه الشعر. وحدثناه أبو بكر القرشي، عن أبي عبد الرحمن النسائي، في إسنادٍ ذكره. حدثنا قاسمٌ قال: حدثنا ابن أبي خيثمة قال: حدثنا أبو نُعَيم قال: حدثنا عبد الله بن عامر الأسلمي، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيِّب قال: بينما حسان بن ثابت ينشد الشعر في مسجد

стр. 7

رسول الله ﷺ ، فجاء عمر فقال: يا حسان، تنشد الشعر في مسجد رسول الله ﷺ ! فقال: أنشدتُ فيه وفيه مَن هو خيرٌ منك. وجدتُ بخطِّ أبي ﵀: حدثنا العباس بن موسى المكِّيُّ بالمسجد الحرام، قال: حدثنا علي بن حرب قال: حدثنا ابن فُضَيل، عن الوليد بن جميع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ بمتماوتين ولا متحزقين؛ كانوا يتجالسون في مجالسهم، ويتناشدون الأشعار، ويتذاكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد واحد منهم عن شيء من أمر دينه دارت حماليق عينيه كأنه مجنون. حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا الأعناقيُّ قال: حدثنا الخُشَني قال: حدثنا نصر بن علي قال: حدثنا الأصمعي، عن أبي الزِّناد قال: قيل لسعيد بن المسيب: إن أناسًا يكرهون إنشاد الشعر. فقال: نَسَكُوا نُسُكًا أعجميًّا. وحدثنا قال: حدثنا أحمد بن خالد قال: حدثنا مَرْوان الفَخَّار قال: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفرٍ ويحيى قالا:

стр. 8

حدثنا شُعبةُ قال: سمعت قَتَادة يحدث عن مُطرِّف بن الشِّخِّير قال: صحبت عمران بن الحُصَين من الكوفة إلى البَصْرة، فما أتى علينا يومٌ إلا أنشدَنا فيه شعرًا. قال محمد: وإنَّ أمير المؤمنين الحَكَم المستنصر بالله ﵁ لما اختصه الله به، ومنحه الفضيلة فيه؛ من العناية بضروب العلوم، والإحاطة بصنوف الفنون، أمرني بتأليف كتاب يشتمل على ذكر من سلف مَن النحويين واللغويين في صدر الإسلام، ثم مَن تلاهم مِن بعدُ إلى هَلُمَّ جَرًّا، إلى زماننا هذا، وأن أُطبِّقهم على أزمانهم وبلادهم؛ بحسب مذاهبهم في العلم ومراتبهم، وأذكر مع ذلك موالدهم وأسنانهم ومدد أعمارهم وتاريخ وفاتهم على قدر الإمكان في ذلك، وبحسب الإدراك له، وأجلُب جملة من نتف أخبارهم، وتاريخ وفاتهم، والحكايات المتضمنة لفضائلهم، المشتملة على محاسنهم؛ ليكون ذلك شكرًا لجميل سعيهم، وحميد مقامهم؛ إذ كان ذلك من حقِّهم على مَن أَدَّوْا إليه علمَهم، وأعملوا في صلاحه جُهْدهم. وكان في تقييد أخبارهم، وتخليد مآثرهم، ما يُبقِي لهم لسانَ الصدق الذي هو بدل البقاء والخُلْد؛ وقد قال حكاية عن إبراهيم ﷺ : ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. ثم قال الأول: فَأَثنُوا علينا لا أبا لأَبيكمُ ... بإحساننا إنَّ الثَّناءَ هو الخلدُ

стр. 9

وإن كان قد جرى فيما جلبْناه حكايات يسيرة، فيما نُسِب إلى بعضِهم من مذهب نُيِزَ به، أو خُلُقٍ عيب عليه. قال محمد: فألَّفتُ هذا الكتاب على الوجه الذي أمرني به أمير المؤمنين أعزه الله، وأقمته على الشكل الذي حده، وأمدني -أبقاه الله- في ذلك بعنايته وعلمه، وأوسعني من روايته وحفظه، إذ هو البحر الذي لا تُعبَر أواذيه، ولا تُدرَك سواحله، ولا يُنزَح غَمْره، ولا تنضِب مادَّته. ونسأل الله بألطف الوسائل الزاكية لديه أن يُوزِعنا -معشر أهل العلم والنظر خاصة، وجماعة المسلمين عامة- شكر ما أنعم به علينا، وأعظم فيه المنَّة لدينا، من بركة أيامه، وسعد خلافته، ويمن دولته التي هي نظام الدنيا والدين، وعصمة الإسلام والمسلمين، وحياة العلم وشرف أهله، وزينة الأدب ونفاق سوقه، وأن يطيل فيها عمره، ويزيد نصره؛ ويظهر فَلْجَه، ويزيده من أفضل عوائده عنده؛ إنه سميع قريب. وصلى الله على محمد خاتم النبيين خاصة، وعلى جماعة النبيين والمرسلين عامة. * * * قال محمد: نبدأ بذكر النحويين على طبقاتهم، واللغويين بعدهم، ونُقدِّم البصريين من كلتا الطبقتين؛ لتقدمهم في علم العربية، وسبقهم إلى التاليف فيها.

стр. 10

النحويون البصريون

стр. 11

الطبقة الأولى من النحويين البصريين ١ - أَبُو الأَسودِ الدُّؤَلِيُّ هو أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يَعمر بن حُلَيْس بن نُفاثة بن عدي بن الدِّيل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. وكان علَوِيَّ الرأي، وكان رجل أهل البصرة. وهو أول من اسس العربية، ونهج سُبُلَها، ووضع قياسها؛ وذلك حين اضطرب كلام العرب، وصار سَراة الناس ووجوههم يلحنون، فوضع باب الفاعل، والمفعول به، والمضاف، وحروف النصب والرفع والجر والجزم. قال أبو علي إسماعيل بن القاسم بن عَيْذون بن هارون القالي، ثم البغدادي: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن السَّري الزَّجَّاج النحوي قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي قال: أوَّلُ مَن وضع العربية ونقط المصاحف أبو الأسود ظالم بن عمرو. وقال أبو العباس محمد بن يزيد: سئل أبو الأسود الدؤلي عمن فتح له الطريق إلى الوضع في النحو وأرشده إليه، فقال: تلقيتُه من عليِّ بن أبي طالبٍ ﵀. وفي حديث آخر قال: ألقى إليَّ عليٌّ أصولًا احتذيتُ عليها. ورُوي أن الذي أوجب عليه الوضعَ في النحو ابنته قعدت معه في يوم قائظٍ شديد الحرِّ، فأرادت التعجب من شدة الحر فقالت: (ما أشدُّ الحرِّ)! فقال أبوها: القيظ، وهو ما نحن فيه يا بنية. جوابًا عن كلامها لأنه استفهام. فتحيَّرت وظهر لها خطؤها، فعلم أبو الأسود أنها أرادت التعجب، فقال لها: قولي يا بنية: ما أشدَّ الحرَّ! فعمل باب التعجب، وباب الفاعل، والمفعول به

стр. 12

وغيرها من الأبواب. وذكر ابن أبي سعد، عن عمر بن شبَّة، عن أبي بكر بن عيَّاش، عن عاصم بن أبي النَّجود قال: أولُ مَن وضع العربية أبو الأسود الدؤلي، جاء إلى زياد بالبصرة، فقال: إني أرى العرب قد خالطت هذه الأعاجم، وتغيرت ألسنتهم، أفتأذن لي أن أضع للعرب كلامًا يقيمون به كلامهم؟ قال: لا. فجاء رجل إلى زياد، فقال: أصلح الله الأمير، توفي أبانا وترك بنون. فقال زياد: تُوفي أبانا وترك بنون!! ادع لي أبا الأسود. فقال: ضع للناس الذي كنتُ نهيتُك أن تضع لهم. وقال أبو الأسود: إني أجد للحن غَمَرًا كغَمَر اللحم. ابن أبي سعد قال: حدثنا علي بن محمد الهاشمي قال: سمعت أبي يذكر، قال: كان بدء ما وضع أبو الأسود الدؤلي النحو أنه مر به سعد -وكان رجلًا فارسيًّا قدم البصرة مع أهله، وهو يقود فرسه- فقال: مالك يا سعد؟ ألا تركب؟ فقال: (فرسي ضالع)، فضحك من حضره. قال أبو الأسود: هؤلاء الموالي قد رغبوا في الإسلام ودخلوا فيه، وصاروا لنا إخوة، فلو علمناهم الكلام! فوضع باب الفاعل والمفعول، لم يزد عليه. قال أبي: فزاد في ذلك الكتاب رجل من بني ليث أبوابًا، ثم نظر فإذا في كلام العرب ما لا يدخل فيه فأقصر عنه، فلما كان عيسى بن عمر قال: أرى أن اضع الكتاب على الأكثر، وأسمِّي الأخرى لغات. فهو أول من بلغ غايته في كتاب النحو.

стр. 13

ويقال: وضع عيسى بن عمر في النحو كتابين: سمى أحدهما "الجامع"، والآخر "المكمل"، فقال الخليل بن أحمد: بطل النحو جميعا كلُّه ... غيرَ ما أحدث عيسى بن عمرْ ذاك "إكمال" وهذا "جامع" ... فهما للناس شمس وقمرْ ورُوي أن أبا الأسود كتب إلى علي بن أبي طالب ﵀: أما بعد؛ فإن الله جعلك مُؤتَمَنًا وراعيًا مسؤولًا، وقد بلوتُك -رحمك الله- فوجدتُك عظيمَ الأمانة، ناصحًا للرعية، توفِّر فيئَهم، وتُنزِّه نفسك عن دنياهم، فلا تأكل أموالهم، ولا ترتشي في أحكامهم. وإن ابن عمك ابن عباس قد أكل ما تحت يديه بغير علمك، فلم يسعني كتمانك ذلك، فانظر -رحمك الله- فيما هناك، وتقدَّم إليَّ فيما أحببتَ أتبعْه إن شاء الله. فكتب إليه عليٌّ ﵀: أما بعد؛ فإنك ناصح للإمام والأمة، وأنت ممن وَالَى أهل الحق، وبارز أهل الباطل والجوْر. وقد كتبتُ إلى صاحبك فيما كتبتَ فيه إليَّ من أمره، ولم أعلِمْه كتابَك إليَّ، فلا تَدَعْ إعلامي بما يكون بحضرتك مما النظر فيه للأمة صلاح، فإنك بذلك جدير، وهو حق واجب عليك إن شاء الله. وقعد إلى أبي الأسود غلام، فقال له أبو الأسود: ما فعل أبوك؟ فقال: أخذته الحمَّى، ففضختْه فضخًا، وطبخته طبخًا، وفنخته فنخًا، فتركته فرخًا. قال: فما فعلت امرأته التي كانت تُشارُّه، وتُجارُّه، وتُهارُّه، وتُضارُّه، وتُزارُّه؟

стр. 14

قال: طلَّقها، فتزوجت غيره، فرضِيَت وحَظِيَت وبَظِيَتْ. قال أبو الأسود: وما "بَظِيَتْ" يا بني؟ قال الغلام: حرف من اللغة لم يبلغك. قال: يا بني، ما لم يبلغ عمَّك؛ فاستره كما تستر الهرة خُرأها. حدثنا أحمد، حدثنا ابن خالد، حدثنا مروان، حدثنا أبو حاتم، حدثنا الأصمعي، حدثنا عيسى بن عمر قال: قال رجل لأبي الأسود الدؤلي ومعه بعير يبيعه: هلمَّ أقاربْك. فقال: إن لم تقاربْني باعدتك. فقال: أعطِيتُ به كذا وكذا، وهو لك بكذا وكذا. فقال: ما تزال تحدِّث عن خيرٍ قد فات! قال الأصمعي: قال أبو الأسود: ليس للسائل الملحف خيرٌ من المنع الجامس. قال أبو حاتم: يريد الجامد. يقال: أصبح الماء جامسًا، وكذلك السمن. وروى حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، أن ابن عباس استخلف أبا الأسود على البصرة، والرواة والنُّسَّاب وأصحاب السِّيَر والتاريخ على هذا. وقيل: إنه خرج مع أصحابه إلى الصيد، فلما جلسوا للطعام، جاء أعرابي فقال: السلام عليكم. فقال أبو الاسود: كلمة مقولة! قال الأعرابي: أدخلُ؟ فقال أبو الأسود: وراءَك أوسعُ لك! فقال الأعرابي: إن الرَّمضاء قد أحرقت

стр. 15

رجليَّ. فقال أبو الأسود: بُلْ عليهما. فقال: هل عندك شيء تطعمنيه؟ فقال أبو الأسود: نأكل ونُطعم العيال، فإن فضل شيء فأنت أحقُّ به من الكلب! قال: ما رأيتُ ألأمَ منك. قال أبو الأسود: بلى! ولكنَّك نسيتَ. وبلغني أن أبا الأسود انتبه ليلة ودابَّته تقضم شعيرها. فقال: لا أراكِ تسْرين وأنا نائم. فلما أصبح باعها. حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا الطحاوي قال: حدثنا يونس قال: حدثنا أحمد بن الغمر الدمشقي قال: دخل أبو الأسود الدؤلي على الجارود في أخلاق له، فقال له: ما هذا؟ قال: أصلح الله الأمير! رُبَّ مملولٍ لا يُستطاع فراقه! ففطن له الجارود، فبعث إليه بثياب ونفقة، فأنشأ أبو الأسود يقول: كَسَاك ولم نَسْتكسِه فحمِدتَه ... أَخ لك يُعطيك الجزيل وناصرُ وإنَّ أحقَّ الناس -إن كنتَ حامدًا- ... بحمدك مَن أعطاك والعِرض وافرُ حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا أحمد بن خالد قال: حدثنا مروان الفخار قال: حدثنا أبو حاتم قال: حدثنا الأصمعي قال: سمعت عيسى بن عمر ينشد قول أبي الاسود: ذكرتُ ابنَ عبَّاسٍ بباب ابنِ عامرٍ ... وما مرَّ من عيشي ذكرت وما فَضَلْ

стр. 16

أميريْن كانا آخيًا لي كلاهما ... فكلًّا جزاه الله عنِّي بما فَعَلْ فإن كان خيرًا كان خيرًا جزاؤه ... وإن كان شرًّا كان شرًّا بما عَمِلْ وتُوفِّي أبو الأسود سنة تسع وستين في طاعون الجارف، وهو ابن خمس وثمانين سنة. ٢ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزٍ ابن أبي سعد قال: حدثنا أحمد بن سعد بن إبراهيم الزهري قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير قال: حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن أبي النضر قال: كان عبد الرحمن بن هرمز من أول من وضع العربية، وكان من أعلم الناس بالنحو وأنساب قريش. قال محمد: وابنُ هُرْمز مدنيٌّ، فذكرناه هاهنا لتقدمه. ويُروى أن مالكًا اختلف إلى ابن هرمز عدة سنين في علم ما لم يبثّه في الناس، يَرَوْن أن ذلك من علم أصول الدين، وما يردُّ به مقالة أهل الزيغ والضلالة.

стр. 17

الطبقة الثانية ٣ - نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ اللَّيْثِيُّ ابن أبي سعد: حدثنا خَلَف بن هشام البزَّاز قال: حدثنا محبوب البصري، عن خالد الحذاء قال: سألت نصر بن عاصم -وهو أول من وضع العربية-: كيف تقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾؟ فلم يُنوِّن. فأخبرتُه أن عروة ينوِّن، فقال: بئسما قال، وهو للبئس أهل. فأخبرتُ عبدَ الله بن أبي إسحاق بقول نصر بن عاصمٍ، فما زال يقرأ بها حتى مات. وقال عمرو بن دينار: اجتمعتُ أنا والزهري ونصر بن عاصم، فتكلَّم نصرٌ، فقال الزهري: إنه لَيُفلِّق بالعربية تفليقًا. وذكر ابن سلَّام أن نصر بن عاصم أخذ عن يحيى بن يَعْمَر. ٤ - يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ هو يحيى بن يَعمُر، رجل من عَدْوان، وكان عِداده في بني ليث، وقد تَدَّعي هُذَيل أن يحيى بن يعمر حليفهم -وكان مأمونًا عالمًا- يُروَى عنه الفقه.

стр. 18

ورَوَى عن ابن عمر، وابن عباس -رحمهما الله-، وغيرِهما. ورَوَى عنه قتادةُ، وإسحاق بن سويد العَدَوي، وغيرُهما من العلماء. وأخذ النحو يحيى بن يعمر عن أبي الأسود. وذكر يونس بن حبيب قال: قال الحجاج لابن يعمر: أَتَسْمَعُنِي ألحنُ على المنبر؟ قال: الأمير أفصح من ذلك. فألحَّ عليه، فقال: حرفًا. قال: أيًّا؟ قال: في القرآن. قال الحجاج: ذلك أشنع له، فما هو؟! قال: تقول: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله : ﴿أَحَبَّ﴾، فتقرؤها: "أَحَبُّ" بالرفع، والوجه أن تُقرأ بالنصب على خبر كان. قال: لا جرم! لا تسمع لي لحنًا أبدًا. فألحقه بخراسان وعليها يزيد بن المهلب. قال: فكتب يزيد إلى الحجاج: "إنَّا لقينا العدوَّ، فمنحَنا اللهُ أكتافهم، فأسرْنا طائفةً، وقتلْنا طائفةً، واضطررناهم إلى عُرْعُرة الجبل، ونحن بحَضِيضه وأثناء الأنهار". فلما قرأ الحجاج الكتابَ قال: ما لابنِ المهلَّب ولهذا الكلام! حسدًا له. قيل له: إنَّ ابنَ يعمرَ هناك. قال: فذاك إذًا. وقال يحيى بن يعمر لرجل خاصمته امرأته: أأنْ سألتْك ثمنَ شَكْرِها وشَبْرِك، أنشأتَ تَطُلُّها وتَضْهَلُها! حدثنا أحمد، حدثنا أحمد قال: قال مروان بن عبد الملك الفخار:

стр. 19

سمعت أبا حاتم يقول: يحيى بن يعمر العدواني حليف لبني ليث، وكان فصيحًا عالمًا بالغريب، وهو من التابعين، من القراء من أهل البصرة. وحكى ابن دريد: أن يحيى بن يعمر اشترى جارية خُراسانية ضخمة، فدخل عليه أصحابه، فسألوه عنها، فقال: نعم المِطَخَّة. حدثنا الأصمعي قال: حدثنا عيسى بن عمر قال: خاصم رجل رجلًا إلى ابن يعمر، فقال: أصلحك الله، إنه باعني غلامًا بَيَّاقًا. فقال يحيى: لو قلتَ: أَبُوقًا! قال أبو حاتم: كذا الصواب، رجلٌ أَبُوقٌ، وأَبَّاقٌ، وآبِقٌ. يقال: أَبَقَ يَأْبِقُ. والعامَّة تقول: يأبَق، وهو خطأ. وروى خالد الحذاء قال: كان لابن سيرين مصحف منقوط، نقطه يحيى بن يعمر. وتوفي سنة تسع وعشرين ومئة. ٥ - عَنْبَسَةُ الْفِيلُ هو عنبسة بن مَعْدان مولى مَهْرَة، وهو المعروف بالفيل. أخذ عن أبي الأسود. وهجاه الفرزدق فقال:

стр. 20

لقد كان في مَعْدَانَ والفيلِ شاغلٌ ... لِعَنْبَسَةَ الرَّاوي عَلَيَّ القصائدا ٦ - مَيْمُونٌ الأَقرنُ هو ميمون الأقرن. أخذ أيضًا عن أبي الأسود، ويقال: عن عنبسة الفيل.

стр. 21

الطبقة الثالثة ٧ - ابن أبي عقرب حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا أحمد بن خالد قال: حدثنا أبو عبد الملك مروان قال: حدثنا أبو حاتم قال: حدثنا الأصمعي قال: حدثني شعبة قال: كنت أختلف إلى ابن أبي عقرب، فأسأله عن الفقه، ويسأله أبو عمرو بن العلاء عن العربية، فنقوم وأنا لا أحفظ حرفًا مما سأله، ولا يحفظ حرفًا مما سألتُه. ٨ - عبد الله بن أبي إسحاق هو عبد الله بن أبي إسحاق مولى آل الحضرمي، وهم حُلفاء بني عبد شمس بن عبد مناف. أخذ عن الأقرن. وهو أول من بَعج النحو، ومدَّ القياس، وشرح العلل، وكان مائلًا إلى القياس في النحو. وكان بلال بن أبي بُردة جمع بين ابن أبي إسحاق، وأبي عمرو بن العلاء بالبصرة -وهو يومئذٍ والٍ عليها- عمَّله خالد بن عبد الله القسري زمان أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك ﵄. قال أبو عمرو: فغلبني ابنُ أبي إسحاق بالهمز يومئذٍ، فنظرتُ فيه بعد ذلك وبالغتُ. قال ابن سلام: سمعت أبي يسأل يونس عن ابن أبي إسحاق وعِلمِه، فقال: هو والبحر سواء. أي هو الغاية. قال: فأين علمُه من علم الناس اليومَ! قال:

стр. 22

لو لم يكن في الناس اليومَ أحد لا يعلم إلا علمه يومئذ لضُحك منه، ولو كان فيهم مَن له ذهنه ونفاذه، ونظر نظرَه؛ لكان أعلمَ الناس. قال ابن سلام: فقلت أنا ليونس: هل سمعت من ابن أبي إسحاق شيئًا؟ قال: نعم، قلتُ له: هل يقول أحدٌ "الصَّوِيق" يعني السويق؟ قال: نعم، عمرو بن تميم تقولها. وما تريد إلى هذا؟ عليك بباب من النحو يطّرد وينقاس. قال: وكان ابن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر يَطْعُنان على العرب. قال ابن أبي إسحاق للفرزدق في مديحه لأمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك -رضوان الله عليهما-: مستقبلينَ شمالَ الشام - تضرِبُنا ... بحاصب كنديفِ القُطْن مَنْثُورِ على عمائمنا يُلْقى، وأَرْحُلِنَا ... على زواحف تُزْجَى مُخُّهَا رِيرِ أسأتَ، إنما هو "مُخُّهاريرُ"، وكذلك قياس النَّحو في هذا الموضع. قال يونس: والذي قال جائز حسن. فلما ألحُّوا على الفرزدق قال: * على زواحفَ تُزجيها محاسيرُ * فترك الناس هذا، ورجعوا إلى الأول. وفي ابن أبي إسحاق يقول الفرزدق يهجوه: فلو كان عبدُ الله مولًى هجوتُهُ ... ولكنَّ عبدَ الله مولَى مواليَا

стр. 23

وكان ابنُ أبي إسحاق يقرأ: ﴿يا ليتنا نردُّ ولا نكذبَ بآيات ربنا ونكونَ من المؤمنين﴾ بالنصب. وكان يقرأ: ﴿الزانيةَ والزانيَ﴾، ﴿والسارقَ والسارقةَ﴾ بالنصب، وهو خلاف ما قرأ به القُرَّاءُ. وأَخَذ على الفرزدق بيتًا في شعره، فقال: أين هذا الذي يَجُرُّ خصييه في المسجد؟ ألا يصلحه! يعني ابن أبي إسحاق. وتُوفِّي ابنُ أبي إسحاق سنةَ سبع عشرة ومئة.

стр. 24

الطبقة الرابعة ٩ - أبو عمرو بن العلاء اسمه كنيته. وفي بعض الروايات اسمه زبّان بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين التيمي المازني. وهو بصري، أخذ عن ابن أبي إسحاق، وكان أوسع علما بكلام العرب ولغاتها وغريبها من عبد الله بن أبي إسحاق. وكان من جِلَّة القراء والموثوق بهم. كان يقرئ الناس القرآن في مسجد البصرة، والحسن بن أبي الحسن حاضر. قال يونس: لو كان أحد ينبغي أن يؤخذ بقوله كله في شيء واحد لكان ينبغي لقول أبي عمرو أن يؤخذ كله. ولكن ليس من أحد إلا وأنت آخذ من قوله وتارك. قال: وكان أبو عمرو يُسلِّم للعرب ولا يطعُن عليها. وفي أبي عمرو بن العلاء يقول الفرزدق: ما زلت أفتح أبوابا وأغلِقها ... حتى أتيتُ أبا عمرو بنَ عَمَّارِ وأخافه الحجاج بن يوسف فكان يتستر. قال: فخرجت في الغَلَس أريد التنقل من الموضع الذي كنت فيه إلى غيره، فسمعت منشدًا يُنشد: ربَّما تكرَه النُّفوس من الأَمْـ ... ـرِ له فَرْجَةٌ كَحَلِّ العِقَالِ وسمعتُ عجوزًا تقول: مات الحجاج. فما أدري بأيهما كنت أسرَّ، أبقول المنشد: "فَرجة" بالفتح، أم بقول العجوز: مات الحجاج؟ قال أبو علي: الفَرْجة في الأمر بالفتح، والفُرْجة بالضم في الحائط وغيره. قال: وسئل أبو عمرو بن العلاء عن اشتقاق الخيل، فلم يعرف، فمرَّ أعرابيٌّ

стр. 25

مُحْرِم، فأراد السائل سؤال الأعرابي، فقال له أبو عمرو: دَعْنِي، فأنا ألطف بسؤاله وأعرف. فسأله، فقال الأعرابي: اشتقاق الاسم من فعل المسمى. فلم يعرف من حضر ما أراد الأعرابي، فسألوا أبا عمرو عن ذلك، فقال: ذهب إلى الخُيلاء التي في الخيل والعُجْب؛ ألا تراها تمشي العِرَضْنة خُيلاءً وتكبُّرًا! وقال الأصمعي: كان لأبي عمرو بن العلاء من غَلَّته كل يوم فَلْسان: فَلْس يشتري به كوزًا، وفَلْس يشتري به ريحانًا، فيشم الريحان يومه، ويشرب في الكوز يومه، فإذا أمسى تصدَّق بالكوز، وأمر الجارية أن تجفِّف الريحان وتدقَّه في الأُشنان. وحدثني أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي قال: سمع أبو عمرو رجلًا ينشد: * ومَن يَغْوَ لا يَعْدَمْ على الغيِّ لائما * فقال: أُقوِّمُك أم أتركك تتسكع في طُمَّتك؟ فقال: بل قوِّمني. فقال: قل: ومَن يَغْوِ -بكسر الواو-، ألا ترى إلى قول الله : ﴿فَغَوَى﴾! قال أبو علي: ويقال: غَوِي الفصيلُ من لبن أمه إذا تخثَّر، أي بَشِم. وقال: تتسكَّع: تتلوَّث. والطُّمَّة الخُرْأة. قال الأصمعي: وقال أبو عمرو بن العلاء في قول النبي ﷺ : "في الجنين غُرَّة عبد أو أَمَة": لولا أن رسول الله ﷺ أراد بالغُرَّة معنًى لقال: في الجنين عبد أو أَمَة. ولكنه عَنَى البياض، لا يُقبل في الدية إلا غلام أبيض أو جارية بيضاء.

стр. 26

وقال أبو حاتم: حدثني الأصمعي قال: حدثني شعبة قال: كنت أختلف إلى ابن أبي عقرب، فأسأله عن الفقه، ويسأله أبو عمرو عن العربية، فيقوم وأنا لا أحفظ حرفًا مما سأل عنه، ولا يحفظ حرفًا مما سألتُ عنه. وكان أبو عمرو قد زار محمد بن سليمان بن علي الهاشمي واليَ الكوفة سنة أربع وخمسين ومئة. حدثنا أحمد، حدثنا أحمد، حدثنا مروان بن عبد الملك الفخار قال: سمعت عباس بن محمد يقول: سمعت يحيى يقول: أبو عمرو بن العلاء ثقة، وأبو سفيان بن العلاء ومعاذ بن العلاء أخوا أبي عمرو، يروي عنهما وكيع. قال مروان: وحدثنا أبو حاتم، حدثنا الأصمعي قال: قال أبو عمرو: أخذت في طلب العلم قبل أن أُخْتَن. قال الأصمعي: وسمعت أبا عمرو يقول -ولم يقله إن شاء الله بغيًا أو تطاولًا-: ما رأيتُ أحدًا قطُّ أعلمَ منِّي. قال الأصمعي: قال أبو عمرو: ما سمع حمَّادٌ الرَّاويةُ حرفًا قطّ إلا سمعتُه. وكان أسنَّ من حماد. سمعت عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي يقول: حدثني عمي قال: كنت إذا سمعت أبا عمرو بن العلاء يتكلم ظننت أنه لا يحسن شيئًا ولا يَلحَن؛ يتكلم كلامًا سهلًا. أبو حاتم عن الأصمعي قال: كان أبو عمرو بن العلاء يوسّع لي، وربما حلف ألَّا يُخبِرَني بحرف حتى آكل، وكانت ابنته تجيء وتجلس عندنا في مجلسه وقد حَجَمَ الثديُ على نحرها. قال: وعيسى بن عمر وضَرْبُه

стр. 27

إنما كانوا يلقوْنه أيامَ الجُمَع. وقال الأصمعي: سألت الخليل بن أحمد النحوي عن قول الراجز: ختى تحاجزن عن الذواد ... تحاجُزَ الرِّي ولم تَكادِي لِمَ قال: "تكادي" ولم يقل: "ولم تَكَدْ"؟ قال: فطحن يومًا أجمع. قال: وسألت أبا عمرو بن العلاء -وكأنما كان على طرف لسانه- فقال: ولم تكادي أيتها الإبل. حدثنا العباس بن الفرج الرياشي، حدثنا الأصمعي، عن أبي عمرو قال: شهدت عند سوَّار، قال له: كيف تعلم هذا؟ قلت: أعلمه كما أعلم أنك سوار بن عبد الله بن قدامة بن عَنَزة بن نقَب. حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن سعيد بن عمر بن مهران البصري بفسطاط مصر، قال: حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: حدثنا أبو عبيدة، عن أبي عمرو قال: كنا عند بلال بن أبي بُردة، فخرج الفرزدق يتخلَّع، فسمعني أُنشِد بيت التَّغلبي: نُعاطي الملوك القِسْط ما قصدوا لنا ... وليس علينا قَتْلُهمْ بمحرَّم فقال الفرزدق: أأرشُدك أم أدعُك؟ قلت: أرشدْني. قال: "ما قصدوا بنا". حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا أبو إسحاق الشيزري قال: حكى أبو العباس الأديب، عن الأصمعي، عن أبي عمرو قال: بينا أنا ذات يوم -أحسبه قال: في ضيعتي- سمعتُ قائلًا يقول: وإن امرأً دنياه أكبر همِّه ... لَمُسْتمسك منها بحبْل غرور قال: فكتبت هذا البيت على فَصِّ خاتمي، فكان نقشه هذا. حدثنا أحمد قال: حدثنا أحمد قال: حدثنا مروان قال: حدثنا أبو حاتم

стр. 28

وابن أخي الأصمعي قالا: حدثنا الأصمعي قال: لم أرَ مَسانّ قطّ أذْكرَ من أبي عمرو بن العلاء، وسلَمة بن عياش، وأبي هلال الراسبي، وأبي الأشهب العطاردي. ابن أبي سعد قال: قال أبو عمرو بن العلاء: كانت العرب إذا أرادت أن تنشد قصيدة المتلمِّس توضؤوا لها: تُعيِّرني أُمِّي رجالٌ ولن ترى ... أخا كرمٍ إلَّا بأَنْ يَتكرَّما ابن أبي سعد قال: قال ابن نوفل: سمعتُ أبي يقول لأبي عمرو بن العلاء: أخبرني عما وضعتَ مما سميتَه عربية، أيدخل فيها كلام العرب كله؟ فقال: لا. فقلت: كيف تصنع فيما خالفتك فيه العربُ وهم حُجَّة؟ قال: أعمل على الأكثر، وأسمي ما خالفني لغات. وقال أبو الحسن الباهلي: مر أبو عمرو بن العلاء بعمرو بن عبيد وهو يتكلم في الوعد والوعيد ويثبته، فقال له أبو عمرو: ويلك يا عمرو! إنك أَلْكَن الفهم، ألم تسمع إلى قول القائل: وإنِّي وإن أوعدتُه أو وعدتُهُ ... لمخلفُ إيعادي ومنجز مَوْعِدي

стр. 29

إنما أراد أن الله ﵎ قد وعد وأوعد، وهو قادر على أن يعفو عمن أوعده، وقادر أن ينجز لمن وعده. قال محمد: وفي بعض الروايات أن ابن عبيد قال لأبي عمرو: يا أبا عمرو، شغلك الإعراب عن معرفة الصواب. وأنشد بعضهم بيتًا قبل البيت المذكور: لا يَرْهَبُ ابنُ العم والجارُ صَوْلتِي ... ولا أَختفي من خَشْية المتَهَدِّدِ وقال ابن قتيبة: وكانت وفاة أبي عمرو في طريق الشام، وذلك أنه خرج إليها يجتدي عبد الوهاب بن إبراهيم، فمات سنة أربع وخمسين ومئة، وله عقب بالبصرة. ١٠ - أبو سفيان بن العلاء هو أخو أبي عمرو، واسمه كنيته، وكان من النحويين، وأصحاب الغريب، والرواة. توفي سنة خمس وستين ومئة. ١١ - الأخفش الكبير هو أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد، أخذ عنه يونس. وروي عن أبي الخطاب أنه قال: لا أقول: "جُثَّة الرجل" إلا لشخصه على سرْج أو رحل، ويكون معمَّمًا. ولم تُسمع من غيره. وحكى ابن دُرَيْدٍ عن أبي الخطاب أنه قال: الخُفْخُوف طائر. قال: ولم يذكره أحدٌ من أصحابنا. ١٢ - عيسى بن عمر هو مولى خالد بن الوليد المخزومي، نزل في ثَقِيف، وأخذ عن ابن أبي إسحاق

стр. 30

وكان يطعُن على العرب. قال عيسى بن عمر: أساء النابغة في قوله: فبتُّ كأَنِّي ساورتْني ضئيلةٌ ... من الرُّقْشِ في أنيابها السمُّ ناقعُ ويقول: وجهه أن يكون: "السمُّ ناقعًا". وكان عيسى بن عمر يختار "السُّمّ، والشُّهد" بالضم، وهي عُلْوية. وكان يقرأ: ﴿هؤلاء بناتي هنَّ أطهرَ لكم﴾، وهذا مخالف لما قاله النحويون أجمعون ولِمَا قرأتْ به القَرَأَة، وأنكرها أبو عمرو بن العلاء عليه، فقال: كيف تقول: هؤلاء بَنيّ، هم ماذا؟ فقال: عشرين رجلا. فأنكرها أبو عمرو. وكان عيسى وأبو عمرو يقرآن: ﴿يا جبال أوبي معه والطيرَ﴾ بالنصب، ويختلفان في التأويل؛ كان عيسى يقول: هو على النداء، كما تقول: يا زيد والحارثَ؛ لمَّا لم يمكنْه "ويا الحارث". وقال أبو عمرو: لو كان على النداء لكان رفعًا، ولكنها على إضمار: "وسخَّرنا الطير"؛ لقوله على إثر هذا: ﴿ولسليمان الريحَ﴾. وكان عيسى بن عمر صاحب تقعير في كلامه واستعمال الغريب فيه وفي قراءته. وضربه عمر بن هبيرة فكان يقول: والله إن كانت إلا أثيَّابًا في أسَيْفاط، قَبَضها عَشَّاروك. قال أبو حاتم: قال الأصمعي: كان عيسى لا يدع الإعراب لشيء. وقال الأصمعي: كان ابن هبيرة اتهم عيسى بن عمر بأن بعض العمال

стр. 31

استودعه مالا، فضربه مقطعا نحوا من ألف سوط فجعل يقول له: ما عندك؟ فيقول: والله ما كانت إلا أثيابا في أسيفاط، قبضها عشاروك، فيقول: إنك لخبيث -وكان دقيق الصوت- قال الأصمعي: ورأيت يده إذ كان ذلك الوقت أجلبت من أثر الجامعة، وكان ظهره متقطعا. حدثنا أحمد قال: حدثنا ابن الأعرابي، قال سمعت الدوري يقول: سمعت ابن معين يقول: عيسى بن عمر بصري، وزاد غير ابن الأعرابي: ثقة. وجمع الحسن بن قحطبة عند مقدمه مدينة السلام الكسائي والأصمعي وعيسى بن عمر، فألقى عيسى على الكسائي هذه المسألة: همك ما أهمك، فذهب الكسائي يقول: يجوز كذا ويجوز كذا، فقال له عيسى: عافاك الله، إنما أريد كلام العرب، وليس هذا الذي تأتي به كلام العرب. قال أبو العباس ثعلب: وليس يقدر أحد أن يخطئ في هذه المسألة؛ لأنه كيف عرب فهو مصيب، وإنما أراد عيسى من الكسائي أن يأتيه باللفظة التي وقعت إليه. وقال أبو عبيدة قال عيسى: كنت وأنا شاب أقعد بالليل، أكتب حتى ينقطع سوائي أي وسطي, وفيه يقول الشاعر: ذهب النحو جميعا كله ** غير ما أحدث عيسى بن عمر وهما بابان صارا حكمة ** وأراحا من قياس ونظر قال أبو الحسن: حدثني أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن أبي محمد اليزيدي

стр. 32

قال أخبرني عمي إسماعيل بن أبي محمد قال: حدثنا أبو محمد قال: جاء عيسى بن عمر الثقفي ونحن عند أبي عمرو بن العلاء إلى أبي عمرو فقال: يا ابا عمرو، ما شيء بلغني أنك تجيزه؟ قال: وما هو، قال: بلغني أنك تجيز ليس الطيب إلا المسك بالرفع، قال: فقال أبو عمرو: نمت يا أبا عمر، وأدلج الناس! ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب وليس في الأرض تميمي إلا وهو يرفع. قال أبو محمد: ثم قال أبو عمرو: تعال يا يحيى وتعال أنت يا خلف -لخلف الأحمر- اذهبا إلى أبي المهدي فلقناه الرفع، فإنه لايرفع، واذهبا إلى المنتجع التميمي فلقناه النصب فإنه لا ينصب، قال: فذهبت أنا وخلف فأتينا أبا المهدي، فإذا هو يصلي - وكان به عارض وإذا هو يقول في الصلاة: اخسأنان عني، قال: ثم قضى صلاته وانفتل إلينا، فقال: ماخطبكما؟ قلنا: جئنا نسألك عن شيء من كلام العرب، فقال: هاتيا، فقال له خلف: تقول: (ليس الطيب إلا المسك)؟ فقال: أتأمرانني بالكذب على كبرة السن! فأين الجادي! وأين كذا وكذا! فقال له خلف: ليس الشراب إلا العسل. قال: فما تصنع سودان هجر؟ ما بعمان شراب إلا هذا التمر. قال أبو محمد: فلما رأيت ذلك منه قلت له: ليس ملاك الأمر إلا طاعةُ الله، والعمل بها، فرفعتُ، فقال: هذا كلام لا دخل فيه، ثم قال: ليس ملاك الأمر إلا طاعةَ الله والعمل بها، فنصب، قال أبو محمد: فقلت له: ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها، فرفعت. فقال: ليس هذا من لحني ولا لحن قومي، قال: فكتبنا منه ما سمعنا. قال: فقال: ألا أنشدكما أبياتا قلتها حين سمعت تراطن هذه الأعاجم حولي؟ قلنا: بلى، فأنشدنا:

стр. 33

يقولون لي: "شَنْبِذْ"، ولستُ مُشَنْبِذًا ... طَوَالَ اللَّيَالِي أو يزولَ ثَبِيرُ ولا قائلا "زُوذا" لأُعجِل صاحبِي ... وَ"بِسْتَان" في صدري عليّ كبيرُ ولا تاركًا لَحْنِي لأُحْسِنَ لحنَهم ... ولو دارَ صَرْفُ الدَّهْرِ حيث يدورُ قال: فكتبنا هذه الأبيات، ثم أتينا المنتجع، فأتينا رجلًا يعقل، فقال له خلَف: ليس الطيب إلا المسكُ. قال: فرفع. قال: فلقَّنَّاه النصب وجهِدنا به في ذلك فلم ينصب، وأبى إلا الرفع. قال: فأتينا أبا عمرو فأعلمناه، وعنده عيسى بن عمر لم يَبْرح. قال: فأخرج عيسى بن عمر خاتمه من يده، فقال: لك الخاتم، بهذا والله فُقْت الناس. وأخبرنا أبو الحسن، حدثنا أبو القاسم عبيد الله بن محمد، حدثنا أبو علي عمي، عن محمد بن سلام الجمحي قال: كان أبو المهدي هذا من باهلة، يضرب حنكَه يمينًا وشمالًا، ويقول: اخْسأنانِّ عني، فسألناه عن ذلك فقال: جِنَّان تدْأَمُني -يعني: تركبني-. قال أبو عبد الملك مروان بن عبد الملك: أخبرنا عسى بن إسماعيل، حدثني بكر بن محمد أبو عثمان المازني، حدثنا الأصمعي قال: جاء عيسى بن عمر يومًا إلى أبي عمرو بن العلاء، فقال: مررت بقنطرة قرة، فلقيني بعيران مقرونان في قَرَن، فما شعرت شَعرة حتى وقع قرانهما في عنقي، فَلُبِجَ بي، فافرنقع عني والناس قيامٌ ينظرون. قال: فكاد أبو عمرو ينشق غيظًا من فصاحته. ابن أبي سعد قال: حدثني علي بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحارث الهاشمي، عن أبيه قال: كان بعض أَحْبَاء خالد بن عبد الله عند وقوع البلية بخالد وأصحابه استودعه وديعة -يعني عيسى بن عمر- فنُمِي ذلك إلى يوسف بن عمر، فكتب إلى واليه بالبصرة يأمره أن يحمله إليه مُقيَّدًا. فدعا به،

стр. 34

ودعا بالحداد فأمر بتقييده، فلما عمد قال له الوالي: لا بأس عليك! إنما أرادك الأمير أن تؤدِّب ولده. قال: فما بال القيد إذًا! فبقيت مثلًا بالبصرة، فلما أُتِي به يوسف بن عمر سأله عن الوديعة فأنكر، فأمر به فضُرِب بالسياط، فلما أخذه السوط جزع فقال: أيها الأمير، إنما كانت أثيَّابًا في أسَيْفَاط. فلافع الضرب عنه، ووكَّل به حتى أخذ الوديعة منه. قال محمد: الأحْبَاء: جلساء الأمير، واحدهم: حبا وحبأ، مقصور مهموز. قال علي بن محمد بن سليمان: قال أبي: فرأيته طول دهره يحمل في كمه خِرْقةً فيها سُكّر العُشَر والإجَّاص اليابس. وربما رأيتُه عندي وهو واقف عَلَيَّ، أو سائر، أو عند ولاة البصرة، فتصيبه نَهْكة على فؤاده يَخفِق حتى يكاد يُغْلَب، فيستغيث بإجاصة وسكَّرة يلقيهما في فيه، ثم يمصّهما. فإذا سَرَط من ذلك شيئًا سكن ما به، فسألته عن ذلك، فقال: أصابني هذا من الضرب الذي ضربني يوسف بن عمر، فتعالجتُ له بكل شيء، فلم أجد له شيئًا أصلح من هذا. قال: وقلت له يومًا: خبرني عن هذا الذي وضعتَ، يدخل فيه كلام العرب كله؟ فقال: لا. قال: قلت: فمن تكلم بخلافك، واحتذى على ما كانت العرب تتكلم به، أتراه مخطئًا؟ قال: لا. قلتُ: فما ينفع كتابك! وتوفي عيسى بن عمر سنة تسع وأربعين ومئة، قبل أبي عمرو بن العلاء بخمس سنين أو ست. ١٣ - مَسْلَمة بن عبد الله هو مَسْلَمة بن عبد الله بن سعد بن محارب الفهري، مولى لهم. وكان ابنُ أبي إسحاق خاله، وكان حَمَّاد بن الزِّبْرقان ويونس يفضلانه.

стр. 35

١٤ - بكر بن حبيب السَّهمي هو بكر بن حبيب السَّهمي، والد عبد الله بن بَكْر المحدث. أخذ عن ابن أبي إسحاق أيضًا. ابن أبي سعد، عن الباهلي قال: أنبأنا الأصمعي، عن أبي عمرو أنه كان عند بلال بن أبي بُردة هو وعيسى بن عمر، فقال عيسى: كتبت سطْرًا. وقال أبو عمرو: كتبت سطَرًا. فأرسلوني إلى بكر بن حبيب السَّهمي، فحكَّموه، فقال: هذا سطر، فخفَّف، وهو أفصحهم. وقال ابن أبي إسحاق لبكر بن حبيب: ما ألحنُ في شيء. فقال: لا. قال: فخذ عليَّ كِلمةً. فقال: هذه، قل: "كَلِمَة". وقَرُبت سِنَّورة، فقال: اخْسَيْ. فقال: أخطأتَ، إنما هو "اخْسَئِي".

стр. 36

الطبقة الخامسة ١٥ - الخليل بن أحمد هو أبو عبد الرحمن بن أحمد بن عمرو بن تميم الفَراهيديُّ. وكان يونس يقول: الفُرْهوديّ مثل فُرْدُوس؛ وهو حيٌّ من الأزد. ولم يُسمَّ أحدٌ بأحمدَ بعد رسول الله ﷺ قبل والد الخليل. وكان الخليل ذكيًّا فطنًا شاعرًا، واستنبط من العَرُوض ومن عِلَل النحو ما لم يستنبط أحدٌ، وما لم يسبقه إلى مثله سابق، وهو القائل: اعمل بعلمي، ولا تنظر إلى عَملي ... ينفعك عِلْمي، ولا يضررْك تَقْصيري وكتب إليه سُليمان بن عليٍّ الهاشميُّ يستدعيه إلى صُحبته، وبعث إليه بطُرَفٍ وكُسًا ومال وفاكهة، فقبل الفاكهة، وصرف ما سوى ذلك، وكتب إليه: أَبلغْ سليمانَ أنِّي عنه في سَعَةٍ ... وفي غِنًى غير أنِّي لستُ ذا مال سَخَّى بنفسيَ أنِّي لا أرى أحدًا ... يموت هَزْلًا ولا يَبْقَى على حال فالرزق عن قَدَرٍ لا العجزُ يَنْقُصه ... ولا يَزِيدُك فيه حَوْلُ مُحْتَالِ والفقرُ في النَّفْس لا في المال تعرفه ... ومثلُ ذاك الغِنى في النَّفْس لا المال والمالُ يَغْشَى أُنَاسًا لا أُصول لهمْ ... كما تُغشى أصول الدِّنْدَن البالي قال: ونظر في النجوم فأبعد النظر، ثم لم يرضَ بذلك، فقال: أَبلغا عنِّي المنجِّمَ أنِّي ... كافرٌ بالذي قضتْه الكواكبْ عالم أنَّ ما يكون وما كا ... ن بحتْمٍ من المهيمن واجبْ

стр. 37

شاهدٌ أنَّ مَنْ يفوّض أو يُجْبرُ زارٍ على المقادير كاذبْ وهو القائل -وأكثر الناس يروونه للأخطل-: وإذا افْتَقَرْت إلى الذخائر لم تجدْ ... ذُخْرًا يكونُ كصالح الأعمالِ وقال الخليل: تربَّع الجهلُ بين الحياء والكِبْر في العلم. وقال: نوازع العلم بدائع، وبدائع العلم مسارح العقل، ومَن استغنى بما عنده جَهِل، ومَن ضمَّ إلى علمه علمَ غيره كان من الموصوفين بنعت الرَّبَّانيِّين. وقال الخليل: وجدت في بعض كتب العلماء: من أظهر حياء في التماس العلم، وقعد عنه؛ لَبِس الجهل، وتقنَّع قناع السَّفَه، ومن امتدت له أيامه في غُلَواء جهله حُشِر يوم القيامة أعمى. وقال: إني أدركتُ بعضَ ما أنا فيه من العلم باطِّراح الحِشْمة بيني وبين المعلمين، وبإلقائي الستر بيني وبين الذين كنت ألتمس ما عندهم. ومَن رَقَّ وجهُه عن طلب العلم؛ رقَّ علْمه. ووجدت الرقة في التماس العلم سفَها يدعو إلى سفاهٍ، وكلٌّ يدعو إلى ضلال. قال: حدثنا أحمد قال: حدثنا مَرْوان قال: حدثنا عيسى بن إسماعيل قال: سمعت العُتْبيَّ يقول: قال الخليل: زَلَّة العالِم مَضْروبٌ بها الطَّبْل. وقال المبرّد: جلس رجل إلى الخليل بن أحمد فقال: أحسبني قد ضيَّقْتُ عليك. فقال له: لا تقل ذلك؛ فإن شِبرًا من الأرض لا يَضيق على المتحابَّين، والأرض برُحْبِها لا تَسَعُ متباغضيْن. حدثنا أحمد قال: حدثنا أحمد قال: حدثنا مروان قال: حدثنا العباس بن الفرج، عن الأصمعي قال: كادت الإباضيَّةُ تغلب على الخليل؛ حتى منَّ الله عليه بمجالسة أيوب.

стр. 38

وكان الخليل يقول: القياس باطل. فذكر ذلك للأصمعي، فقال: هذا أخذه عن إياس. ومن قول الخليل في صفة بخيل: كفَّاه لم تُخْلقا للنَّدى ... ولم يكُ بخلُهما بدْعَهْ فكفٌّ عن الخير مقبوضَةٌ ... كما نقصتْ مئةٌ سَبْعَهْ وكفٌّ ثلاثة آلافها ... وتِسْعُ مِئِيها شِرْعَهْ وذكر عن شيوخ البصرة أن ابن المقفع اجتمع مع الخليل بن أحمد، فتذاكرا ليلة تامة، فلما افترقا سئل ابن المقفع عن الخليل، فقال: رأيتُ رجلًا عقلُه أكثرُ من علمِه. وقيل للخليل: كيف رأيتَ ابن المقفع؟ فقال: رأيتُ رجلًا علمُه أكثرُ من عقلِه. وابن المقفع من أهل الأهواز. وقيل: إن ابن المقفع لما برع كان أبوه يقول: ابني هذا علمُه أكثرُ من عقلِه، ويوشك أن يكون ذلك سببًا لهلاكه. فكان قتله بسبب العهد الذي كتبه لعمر بن هبيرة، ثم العهد الذي عمله لعبد الله بن علي. ابن أبي سعد قال: وحدثني عبد الرحمن بن نوح قال: لما صنع إسحاق بن إبراهيم كتابه في النَّغم واللحون عرَضه على إبراهيم بن المهديّ، فقال: أحسنت يا أبا محمد، وكثيرًا ما تُحسنُ. فقال إسحاق: بل أحْسَنَ الخليلُ؛ لأنه جَعَل السبيلَ إلى الإحسان. قال إبراهيم: ما أحسن هذا الكلام! فممن أخذتَه؟ قال: من ابن مُقبِل، إذ سمع حمامة من المطوّقات، فاهتاج لمن يحب، فقال:

стр. 39

فلو قبْل مبكاها بكيتُ صبابةً ... بليلي شفيتُ النَّفْسَ قَبْلَ التَّندُّم ولكنْ بكت قبلي فهاج لِيَ البكا ... بُكَاها فقلتُ: الفضلُ للمتقدم وأنشد أحمد بن سعيد قال: أنشدني أبو إسحاق الشيزري قال: أبو الحسين المعروف بالأصمعي بحمص قال: أنشدني عبد الله بن ثابت للخليل بن أحمد: لا يكون السريُّ مثل الدنـ ... ـيّ، ولا ذو الذكاء مثل العَيِيِّ قيمة المرء كل ما يحسن المرْ ... ءُ، قضاءٌ من الإمام عليِّ أي شيء من اللِّباس على ذي السَّـ ... ـرْو أَبْهى من اللسان البَهيِّ ينظِمُ الحجة الشَّتيتة في السِّلْـ ... ـكِ من القول مثل عِقْد الهَدِيِّ وترى اللَّحن بالحسيب أخي الهيـ ... ـئة مثل الصَّدَى على المشْرَفِيِّ فاطلب النحو للحِجاج ولِلشِّعْـ ... ـرِ مُقيمًا والمسنَد المرْويِّ والخطاب البليغ عند حِوار الْـ ... ـقَوْل يُزْهَى بمثله في النَّدِيِّ وارْفُض القول من طغامٍ جفوا عَنْـ ... ـه فعادَوْه نَصْبَةً للنَّبيِّ قال الأصمعي: كنا عند الخليل بن أحمد، فأنشدتُه أبياتَ اليهوديِّ حتى مررتُ بقوله: ينفع الطَّيِّب القليلُ من الكسب، ولا ينفع الكثير الخَبيثُ فقال: كيف؟ قال: قلت: ليس في كلامهم الثاء. فقال: كيف؟ قال: "الكثير"!

стр. 40

ويُروى أن ملك اليونانية كتب إلى الخليل كتابًا باليونانية، فخلا بالكتاب شهرًا حتى فهمه، فقيل له في ذلك، فقال: قلتُ: لا بد له من أن يُفتَح الكتاب ببسم الله أو ما أشبهه، فبنيت أول حروفه على ذلك، فاقتاس لي. فكان هذا الأصل الذي عمل له الخليل كتاب المعمَّى. وتوفي الخليل ﵀ سنة سبعين ومئة. وقالوا: سنة خمس وسبعين، وهو ابن أربع وسبعين سنة. ١٦ - حماد بن سلمة حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا العِناقيُّ قال: حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا أحمد بن سلمة قال: كان حمَّادُ بن سلَمةَ يمرُّ بالحسن البصري في المسجد الجامع، فيدعه ويذهب إلى أصحاب العربية يتعلم منهم. وروى ابن عائشة قال: قال يونس بن حبيب: أول مَن تعلمتُ منه النحو: حماد بن سلمة. ١٧ - يونس بن حبيب هو أبو عبد الرحمن الضبي، مولًى لهم. وكان من اهل جَبُّل. أخذ عن أبي عمرو. وكان النحو أغلب عليه. قال ابن عائشة: قال يونس بن حبيب: أول مَن تعلمتُ منه النحو: حماد بن سلمة. وعاش ثمانيًا وثمانين سنة. ودخل المسجد وهو يُهادَى بين اثنين من الكِبَر، فقال له رجل كان يتَّهِمه على مودَّته: بلغتَ ما أرى يا أبا عبد الرحمن! قال: هو الذي ترى، فلا بُلِّغْتَه. وقال أبو الخطاب زياد بن يحيى: قال أبو عبيدة: لم يكن عند يونس عِلْم إلَّا ما رآه بعينه. وقال أبو الخطاب: مثل يونس كمثل كوز ضيّق
следующие страницы →