← Тараджим

Тараджим · id 13235

طبقات النحويين واللغويين

الزبيدي، أبو بكر

Полный текст (285 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الطبقة الخامسة ١٥ - الخليل بن أحمد هو أبو عبد الرحمن بن أحمد بن عمرو بن تميم الفَراهيديُّ. وكان يونس يقول: الفُرْهوديّ مثل فُرْدُوس؛ وهو حيٌّ من الأزد. ولم يُسمَّ أحدٌ بأحمدَ بعد رسول الله ﷺ قبل والد الخليل. وكان الخليل ذكيًّا فطنًا شاعرًا، واستنبط من العَرُوض ومن عِلَل النحو ما لم يستنبط أحدٌ، وما لم يسبقه إلى مثله سابق، وهو القائل: اعمل بعلمي، ولا تنظر إلى عَملي ... ينفعك عِلْمي، ولا يضررْك تَقْصيري وكتب إليه سُليمان بن عليٍّ الهاشميُّ يستدعيه إلى صُحبته، وبعث إليه بطُرَفٍ وكُسًا ومال وفاكهة، فقبل الفاكهة، وصرف ما سوى ذلك، وكتب إليه: أَبلغْ سليمانَ أنِّي عنه في سَعَةٍ ... وفي غِنًى غير أنِّي لستُ ذا مال سَخَّى بنفسيَ أنِّي لا أرى أحدًا ... يموت هَزْلًا ولا يَبْقَى على حال فالرزق عن قَدَرٍ لا العجزُ يَنْقُصه ... ولا يَزِيدُك فيه حَوْلُ مُحْتَالِ والفقرُ في النَّفْس لا في المال تعرفه ... ومثلُ ذاك الغِنى في النَّفْس لا المال والمالُ يَغْشَى أُنَاسًا لا أُصول لهمْ ... كما تُغشى أصول الدِّنْدَن البالي قال: ونظر في النجوم فأبعد النظر، ثم لم يرضَ بذلك، فقال: أَبلغا عنِّي المنجِّمَ أنِّي ... كافرٌ بالذي قضتْه الكواكبْ عالم أنَّ ما يكون وما كا ... ن بحتْمٍ من المهيمن واجبْ

стр. 37

شاهدٌ أنَّ مَنْ يفوّض أو يُجْبرُ زارٍ على المقادير كاذبْ وهو القائل -وأكثر الناس يروونه للأخطل-: وإذا افْتَقَرْت إلى الذخائر لم تجدْ ... ذُخْرًا يكونُ كصالح الأعمالِ وقال الخليل: تربَّع الجهلُ بين الحياء والكِبْر في العلم. وقال: نوازع العلم بدائع، وبدائع العلم مسارح العقل، ومَن استغنى بما عنده جَهِل، ومَن ضمَّ إلى علمه علمَ غيره كان من الموصوفين بنعت الرَّبَّانيِّين. وقال الخليل: وجدت في بعض كتب العلماء: من أظهر حياء في التماس العلم، وقعد عنه؛ لَبِس الجهل، وتقنَّع قناع السَّفَه، ومن امتدت له أيامه في غُلَواء جهله حُشِر يوم القيامة أعمى. وقال: إني أدركتُ بعضَ ما أنا فيه من العلم باطِّراح الحِشْمة بيني وبين المعلمين، وبإلقائي الستر بيني وبين الذين كنت ألتمس ما عندهم. ومَن رَقَّ وجهُه عن طلب العلم؛ رقَّ علْمه. ووجدت الرقة في التماس العلم سفَها يدعو إلى سفاهٍ، وكلٌّ يدعو إلى ضلال. قال: حدثنا أحمد قال: حدثنا مَرْوان قال: حدثنا عيسى بن إسماعيل قال: سمعت العُتْبيَّ يقول: قال الخليل: زَلَّة العالِم مَضْروبٌ بها الطَّبْل. وقال المبرّد: جلس رجل إلى الخليل بن أحمد فقال: أحسبني قد ضيَّقْتُ عليك. فقال له: لا تقل ذلك؛ فإن شِبرًا من الأرض لا يَضيق على المتحابَّين، والأرض برُحْبِها لا تَسَعُ متباغضيْن. حدثنا أحمد قال: حدثنا أحمد قال: حدثنا مروان قال: حدثنا العباس بن الفرج، عن الأصمعي قال: كادت الإباضيَّةُ تغلب على الخليل؛ حتى منَّ الله عليه بمجالسة أيوب.

стр. 38

وكان الخليل يقول: القياس باطل. فذكر ذلك للأصمعي، فقال: هذا أخذه عن إياس. ومن قول الخليل في صفة بخيل: كفَّاه لم تُخْلقا للنَّدى ... ولم يكُ بخلُهما بدْعَهْ فكفٌّ عن الخير مقبوضَةٌ ... كما نقصتْ مئةٌ سَبْعَهْ وكفٌّ ثلاثة آلافها ... وتِسْعُ مِئِيها شِرْعَهْ وذكر عن شيوخ البصرة أن ابن المقفع اجتمع مع الخليل بن أحمد، فتذاكرا ليلة تامة، فلما افترقا سئل ابن المقفع عن الخليل، فقال: رأيتُ رجلًا عقلُه أكثرُ من علمِه. وقيل للخليل: كيف رأيتَ ابن المقفع؟ فقال: رأيتُ رجلًا علمُه أكثرُ من عقلِه. وابن المقفع من أهل الأهواز. وقيل: إن ابن المقفع لما برع كان أبوه يقول: ابني هذا علمُه أكثرُ من عقلِه، ويوشك أن يكون ذلك سببًا لهلاكه. فكان قتله بسبب العهد الذي كتبه لعمر بن هبيرة، ثم العهد الذي عمله لعبد الله بن علي. ابن أبي سعد قال: وحدثني عبد الرحمن بن نوح قال: لما صنع إسحاق بن إبراهيم كتابه في النَّغم واللحون عرَضه على إبراهيم بن المهديّ، فقال: أحسنت يا أبا محمد، وكثيرًا ما تُحسنُ. فقال إسحاق: بل أحْسَنَ الخليلُ؛ لأنه جَعَل السبيلَ إلى الإحسان. قال إبراهيم: ما أحسن هذا الكلام! فممن أخذتَه؟ قال: من ابن مُقبِل، إذ سمع حمامة من المطوّقات، فاهتاج لمن يحب، فقال:

стр. 39

فلو قبْل مبكاها بكيتُ صبابةً ... بليلي شفيتُ النَّفْسَ قَبْلَ التَّندُّم ولكنْ بكت قبلي فهاج لِيَ البكا ... بُكَاها فقلتُ: الفضلُ للمتقدم وأنشد أحمد بن سعيد قال: أنشدني أبو إسحاق الشيزري قال: أبو الحسين المعروف بالأصمعي بحمص قال: أنشدني عبد الله بن ثابت للخليل بن أحمد: لا يكون السريُّ مثل الدنـ ... ـيّ، ولا ذو الذكاء مثل العَيِيِّ قيمة المرء كل ما يحسن المرْ ... ءُ، قضاءٌ من الإمام عليِّ أي شيء من اللِّباس على ذي السَّـ ... ـرْو أَبْهى من اللسان البَهيِّ ينظِمُ الحجة الشَّتيتة في السِّلْـ ... ـكِ من القول مثل عِقْد الهَدِيِّ وترى اللَّحن بالحسيب أخي الهيـ ... ـئة مثل الصَّدَى على المشْرَفِيِّ فاطلب النحو للحِجاج ولِلشِّعْـ ... ـرِ مُقيمًا والمسنَد المرْويِّ والخطاب البليغ عند حِوار الْـ ... ـقَوْل يُزْهَى بمثله في النَّدِيِّ وارْفُض القول من طغامٍ جفوا عَنْـ ... ـه فعادَوْه نَصْبَةً للنَّبيِّ قال الأصمعي: كنا عند الخليل بن أحمد، فأنشدتُه أبياتَ اليهوديِّ حتى مررتُ بقوله: ينفع الطَّيِّب القليلُ من الكسب، ولا ينفع الكثير الخَبيثُ فقال: كيف؟ قال: قلت: ليس في كلامهم الثاء. فقال: كيف؟ قال: "الكثير"!

стр. 40

ويُروى أن ملك اليونانية كتب إلى الخليل كتابًا باليونانية، فخلا بالكتاب شهرًا حتى فهمه، فقيل له في ذلك، فقال: قلتُ: لا بد له من أن يُفتَح الكتاب ببسم الله أو ما أشبهه، فبنيت أول حروفه على ذلك، فاقتاس لي. فكان هذا الأصل الذي عمل له الخليل كتاب المعمَّى. وتوفي الخليل ﵀ سنة سبعين ومئة. وقالوا: سنة خمس وسبعين، وهو ابن أربع وسبعين سنة. ١٦ - حماد بن سلمة حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا العِناقيُّ قال: حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا أحمد بن سلمة قال: كان حمَّادُ بن سلَمةَ يمرُّ بالحسن البصري في المسجد الجامع، فيدعه ويذهب إلى أصحاب العربية يتعلم منهم. وروى ابن عائشة قال: قال يونس بن حبيب: أول مَن تعلمتُ منه النحو: حماد بن سلمة. ١٧ - يونس بن حبيب هو أبو عبد الرحمن الضبي، مولًى لهم. وكان من اهل جَبُّل. أخذ عن أبي عمرو. وكان النحو أغلب عليه. قال ابن عائشة: قال يونس بن حبيب: أول مَن تعلمتُ منه النحو: حماد بن سلمة. وعاش ثمانيًا وثمانين سنة. ودخل المسجد وهو يُهادَى بين اثنين من الكِبَر، فقال له رجل كان يتَّهِمه على مودَّته: بلغتَ ما أرى يا أبا عبد الرحمن! قال: هو الذي ترى، فلا بُلِّغْتَه. وقال أبو الخطاب زياد بن يحيى: قال أبو عبيدة: لم يكن عند يونس عِلْم إلَّا ما رآه بعينه. وقال أبو الخطاب: مثل يونس كمثل كوز ضيّق

стр. 41

الرأس، لا يدخله شيء إلَّا بعُسْر؛ فإذا دخله لم يخرج منه - يعني لا ينسى. وقال ابن سلام، عن أبي زيد النحوي: ما رأيتُ أبذلَ لعلمٍ من يونس. وحدثنا أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي قال: حدثنا أبو بكر بن دريد قال: حدثنا أبو حاتم قال: حدثنا أبو عبيدة، عن يونس قال: كنت عند أبي عمرو بن العلاء، فجاءة شُبَيْل بن عَزْرَةَ الضُّبَعيُّ، فقام إليه أبو عمرو فألقى له لِبْدَ بَغْلَتِه، فجلس عليه، ثم أقبل يحدثه، فقال شبيل: يا أبا عمرو، سألتُ رُؤَيبتكم هذا عن اشتقاق اسمه، فما عرفه. قال يونس: فلم أملك نفسي عند ذكره لرُؤْبَةَ، فزحفتُ إليه ثم قلتُ: لعلك تظن أن معدَّ بنَ عدنانَ أفصحُ من رُؤْبَةَ ومن أبيه! فأنا غلامُ رُؤبة؛ فما الرَّوْبَةُ، والرُّوبَةُ، والرُّوبَةُ، والرُّوبَةُ، والرُّؤْبَةُ؟ فلم يُحِرْ جوابًا، وقام مُغضَبًا. فأقبل عليَّ أبو عمرو وقال: هذا رجل شريف يقصد مجالسنا، ويقضي حقوقنا، وقد أسأتَ فيما واجهتَه به. فقلت له: لم أملك نفسي عند ذكره رؤبة. فقال له أبو عمرو: أَوَسُلِّطتَ على تقويم الناس! ثم فسر لنا يونس فقال: الرَّوْبَةُ خميرة اللبن. والروبة قطعة من الليل. وفلان لا يقوم بروبة أهله؛ أي بما أسندوا إليه من أمورهم. والروبة جمام ماء الفحل. والرؤبة -مهموزة-: القطعة تدخلها في الإناء يشعب بها الإناء. ولما مات سيبويه قيل ليونس: إن سيبويه ألَّف كِتابًا من ألْفِ ورقة في علم الخليل. فقال يونس: ومتى سمع سيبويه من الخليل هذا كله؟ جيئوني بكتابه. فلما نظر في كتابه ورأى ما حكى، قال: يجب أن يكون هذا الرجل قد صدق عن الخليل فيما حكاه، كما صدق فيما حَكى عنِّي. حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا المِهرانيّ قال: حدثنا يزيد المهلَّبيّ، عن الموصلي إسحاق، عن ابن سلام، عن يونس قال: ما بكتِ العربُ شيئًا

стр. 42

ما بكت الشباب، وما بلغتْ كُنْهَه. المهراني: حدثنا أبي، حدثنا ابن سلام، عن يونس قال: ليس لحاقن ذكاء. وقال أحمد بن يحيى: يقال: إن يونس جاوز المئة، وكان قد تفدع من الكِبَر، ويقال: قارب المئة. ابن أبي سعد قال: حدثنا محمد بن يحيى القشيري قال: حدثنا أبو بشر قال: قال محمد بن سلَّام: كان يونس يزورني، فأطلب له النبيذ الحلو، فيتهافت فيه الذباب، فيشرب منه القدحَ ثم يقول: قاتله الله! إنه لَيَشْحنُهنّ شَحْنًا. وربَّما أُتِي بالنبيذ الحازِر (أي الحامض الشديد) فيشرب منه قدحًا، ثم يقول: قاتله الله! إنه لَيَقْصعهنَّ قَصْعًا. قال محمد بن سلام: قال يونس: تقول العرب: طَسٌّ وطَسْتٌ، فمَن قال: "طَسّ" قال: "طِساس". ومَن قال: "طَسْت" قال: "طِسَات". وسمعتُه يقول: إنما سُمِّيتِ اللِّمَّةُ لِمَّةً لأنَّها ألمَّتْ بالأذنين. ابن سلام قال: سأل بكّارُ بنُ محمدٍ يونسَ فقال: ما العَجِيزُ مِن الرجال؟ قال: لا أعرفه. قال: فما المليخ؟ قال: أما إذا جئت بالمليخ؛ فالعجيز: الذي لا يأتي النساء، والمليخ: الذي لا يولد له. قال ابن سلام: وتذاكرنا القدر مرة في مجلس يونس، فقالوا: ما تقول يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: لا فكر لي فيه. قال ابن سلام: قلت ليونس: "إيَّاك زيدًا" تُجيزها؟ قال: أجاز ابن أبي إسحاق للفضل بن عبد الرحمن: إيَّاكَ إيَّاكَ المراءَ فإنه ... إلى الشر دعاءٌ وللشرِّ جالبُ وتوفي يونس ﵀ سنة اثنتين وثمانين ومئة.

стр. 43

١٨ - يعقوب بن إسحاق الحضرمي قال مروان بن عبد الملك: سمعت أبا حاتم يقول: يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق، من أهل بيت العلم بالقرآن، والعربية، وكلام العرب، والرواية الكثيرة للحروف، والفقه. وكان أقرأ القراء. وأُخِذ عنه عامَّةُ حروف القرآن، مُسنَدًا وغير مسند، من قراءة الحرميِّين والعراقيين والشام وغيرهم. قال أبو حاتم: وكان أعلمَ من أدركْنا ورأينا بالحروف، والاختلاف في القرآن وتعليله ومذاهبه، ومذاهب النحو في القرآن، وأروى الناس لحروف القرآن وحديث الفقهاء. وليعقوب كتاب سماه "الجامع"، جمع فيه عامة اختلاف وجوه القرآن، ونسب كل حرف إلى من قرأ به. وتوفي سنة خمس ومئتين. ١٩ - أبو عاصم النبيل حدثنا أحمد قال: حدثنا أحمد بن خالد قال: حدثنا مروان بن عبد الملك قال: سمعت عباسًا يقول: كان أبو عاصم قد نيَّف على التسعين، وما رأيت أحدًا أذكى منه. وقال لي أبو عاصم: كان دهرَنا الأدب والشعر وأيام العرب، وإنما وقعنا إلى الأحاديث اليوم. سمعت أبا حاتم يذكر عن أبي زيد الأنصاري قال: كان أبو عاصم في حداثته ضعيف العقل، وكان اسمه الضَّحَّاك، وكان يطلب العربية فيقال له: كيف تصغر الضحاك؟ فيقول: "ضُحيْكيك" قال: ثم نسأله فيقول: ولو كان له عقل كفاه مرَّة. قال أبو حاتم: ثم نَبُل، فكان هو يُزرِي على غيره.

стр. 44

الطبقة السادسة ٢٠ - النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ هو النضر بن شُمَيْل بن خَرَشة بن يزيد بن كلثوم بن عبْدةَ بن زُهَيْر السِّكِّيت الشاعر بن عروة بن حليمةَ بن حُجْر بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم المازني التميمي. من أهل مَرْو. قال أبو عليٍّ: ذكر أبو عبيدة في مثالب أهل البصرة قال: ضاقت المعيشةُ بالنضر بن شميل، فخرج يريد خُرَاسان، فشيَّعه من أهل البصرة نحوُ ثلاثة آلاف رجل، ما فيهم إلا محدِّث، أو لغوي، أو نحوي، أو عروضي، أو أخباري. فلما صار بالمِرْبد جلس، فقال: يا أهل البصرة، تَعِزُّ عليَّ مفارقتُكم، والله لو وجدتُ كلَّ يومٍ كِيلَجَةً من باقلَّا ما فارقتكم. قال: فلم يكن فيهم أحد يتكفل له بذلك، حتى وصل إلى خراسان، فأفاد أموالًا عظيمة. قال أبو علي: وطلب المأمون يومًا -وهو بمرو- رجلا من أهل الأدب يسامره، فخرج الحاجب يسأل عن رجل يصلح لمجالسة المأمون ومسامرته، فقيل له: هاهنا النضر بن شميل، فبعث فيه، فأدخله على المأمون فسامره، فقال المأمون في بعض كلامه: "سَدادٌ مِن عَوَز" بفتح السين، فأنكره النضر ولم يغيِّر عليه، ثم حدثه بأحاديث كثيرة، حتى ذكر هُشَيمًا، فقال: قال هُشَيمٌ -وكان لحَّانًا-: "سَدادٌ مِن عَوَز". فقال له المأمون: يا نضر، وكيف تقول؟ قال: "سِدادٌ مِن عَوَز" بكسر السين، فأمر له بخمسين ألف درهم.

стр. 45

وقال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي: حدثنا المسيح بن حاتم العُكليُّ بالبصرة بمِربَدها سنة ثمانين ومئتين، قال: حدثنا النضر بن شميل بن خَرَشة المازني قال: لمَّا قدم المأمون علينا خُرَاسان واستُخلِف، دخلنا عليه، فحدثنا عن هُشَيمٍ، عن مُجالِد، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن تَزوَّجَ امرأةً ذاتَ جمالٍ ومالٍ؛ فقد أصابَ سَدادًا مِن عَوَزٍ". فقلتُ له: يا أمير المؤمنين، حدثنا عوف الأعرابي، عن الحسن، عن علي بن أبي طالب -رحمة الله عليه ورضوانه-، أن رسول الله ﷺ قال: "مَن تَزوَّجَ امرأةً ذاتَ جمالٍ ومالٍ؛ فقد أصابَ سِدادًا مِن عَوَزٍ". فقال: أَتُلَحِّنني يا نضر؟! فقلت: أمير المؤمنين أفصح من ذلك، وهذا لَحْنُ هُشيمٍ، وكان لحَّانًا. فقال: وما حجتك؟ فقلتُ: قول العَرْجيّ: أضاعوني وأيّ فتًى أضاعوا ... ليوم كَريهة وسِداد ثَغْرِ قال: فسكت. قال أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن زُرَيق، مولى طلحة بن عبد الله الخزاعي: أخبرنا أبو القاسم إسحاق بن

стр. 46

إبراهيم بن محمد بن غالب بن حمَّاد الكِنَانيّ قال: حدثنا أحمد بن عبد الله الكندي قال: حدثني فورك بن ناصح قال: حدثني النضر بن شُمَيل المازني التميمي المروزي. وروى أحمد بن عمر التميمي، عن أبي بشر الأصبهاني قال: أخبرني النضر بن شميل المازني قال: كنتُ أدخلُ على المأمون في سَمَزه، فدخلتُ يومًا وعليَّ إزارٌ مَرْقوع، فقال لي: يا نضر، ما هذا التقشف؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ، وحرُّ مَرْوَ كما ترى، فأحببت أن أتبرد بهذه الخُلْقَان. قال النضر: فجرى بنا الحديث في ذكر النساء، فقال المأمون: حدثنا هُشيم بن بشير، حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما رجل تَزوَّجَ امرأةً لدينها وجمالها؛ كان في ذلك سَدادٌ مِن عَوَزٍ". قلت: يا أمير المؤمنين، صدق هشيم. حدثنا عوف بن أبي جميلة الأعرابي قال: حدثنا الحسن بن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما رجل تَزوَّجَ امرأةً لدينها وجمالها؛ كان في ذلك سِدادٌ مِن عَوَزٍ". قال: وكان متكئًا فاستوى جالسًا، ثم قال: يا نضرُ، كيف قال هشيم: "سَداد"، ولم يقل: "سِداد"؟ وما الفرق بينهما؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، السَّداد القصد في الدِّين والسَّبيل، والسِّداد -بالكسر- من الثّغر والثُّلْمة، وكل ما سددت به شيئًا فهو سِداد. قال: وتعرف العرب ذلك؟ قلتُ: نعم، قال الشاعر: أَضاعوني، وأَيَّ فتًى أضاعوا ... ليوم كريهة وسِداد ثَغْرِ كأنِّي لم أكنْ فيهمْ وسيطًا ... ولم تكُ نسبتي في آل عَمْرِو قال: قَبَّحَ اللهُ اللَّحنَ! قلتُ: يا أمير المؤمنين، إنه لحن هشيمٍ، وكان هشيم لحَّانة، فاتَّبع أميرُ المؤمنين لفظَه، وقد تُتْبَعُ أخبارُ الفقهاء. ثم قال: يا نضر، هل تروي من الشعر شيئًا؟ قلتُ: نعم، يا أمير المؤمنين. قال:

стр. 47

فأنشِدْني أخلْبَ بيت قالت العرب. قال: قلتُ: قول حمزة بن بِيض، حيث يقول في الحَكم: تقول لي والعيونُ هاجعةٌ: ... أَقِمْ علينا يومًا، فلم أُقِمِ أيَّ الوجوهِ انتجعتَ؟ قلتُ لها: ... وأين وجهٌ إلَّا إلى الحَكَمِ مَتَى يقلْ صاحبا سُرَادقه: ... هذا ابن بِيضٍ بالباب؛ يبتسمِ قال: أحسن والله ما شاء! قال: فأنشدني أنصف بيت قالت العرب. قال: قول أبي عَروبة المدنيِّ يا أمير المؤمنين، إذ يقول: إني وإن كان ابنُ عمي واغرًا ... لَمُزاحم من خَلْفِهِ وورائِهِ ومُعده نصري وإن كان امرأً ... متباعدًا في أرضه وسمائه وأكون والِيَ سِرِّه وأصونُه ... حتى أصيرَ إلى زمان إخائه وإذا الحوادثُ أَلحقَتْ بسَوامِه ... قُرِنَتْ صحيحتُنا إلى جَرْبائه وإذا دعا باسْمِي ليركب مَرْكَبًا ... صعبًا ركبتُ له على سِيسَائِهِ وإذا رأيتُ عليه بُرْدًا ناضرًا ... لم يُلْفِني متمنِّيًا لردائه قال: أجاد والله ما شاء! فأنشدني أقنع بيت قالته العرب. قال: قلت:

стр. 48

بيت الراعي حيث يقول: أطلبُ ما يطلبُ الكريم من الر ... زق لنفسي فأُجمِلُ الطلبَا وأحلبُ الثَّرَّةَ الصَّفِيّ ولا ... أحلُبُ أَخلاف غيرِها حلَبا إنِّي رأيت الكريمَ وهو إذا ... رغَّبْتَه في صنعية رغِبَا والنَّذْل لا يطلب العلا فهْو لا ... يُعطيك شيئًا إلا إذا رَهِبَا كمثل عَيْرٍ موقّع هُو لا ... يُحْسِن مشيًا إلا إذا ضُرِبا ولم أجد عزة الحياة سوى ذا الد ... ينِ لمّا اختبرت والحسبا قد يُدْرك الخافضُ المقيمُ وما ... شدَّ لعَنْسٍ رَحْلا ولا قَتَبا ويُحرمُ الرزقَ ذو المطيّةِ والرَّ ... حْل ومَنْ لا يزال مُغْترِبا قال: أحسن والله ما شاء! ما مالُك يا نضر؟ قلتُ: فريضة لي بمَرْوالرّوذ أتَضَهَّلُها وأتمَزَّزُ بها. قال: أفلا أفيدُك إلى مالك مالًا؟

стр. 49

قال: قلت: إني إلى ذلك لمحتاج. قال: فتناول الدواةَ والقرطاس وكتب، ولم أدر ما كتب. ثم قال لي: يا نضر، كيف تقول إذا أمرتَ أن تُتْرب كتابًا؟ قال: قلتُ: أَترِبْه. قال: فهو ماذا؟ قلتُ: مُتْرَب. قال: فمن الطين؟ قلتُ: طِنْه. قال: فهو ماذا؟ قلتُ: مطين. قال: قال: فمن السَّحاءة؟ قال: قلتُ: اسحه. قال: فهو ماذا؟ قلتُ: مَسحيٌّ ومسحوٌّ. قال: يا غلامُ، أَترِب واسْحُ وطِنْ. ثم قام فصلى بنا المغرب، ثم قال لغلام فوق رأسه: تبلّغ معه الكتاب إلى الفضل بن سَهْل. قال: فدخلنا عليه، فتناول الكتاب، فقرأه، وقال: يا نضر، إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين الف درهم، فما القصة؟ قال: فحدثته الحديث، ولم أكتمه شيئًا، قال: فقال لي: لحَّنتَ أميرَ المؤمنين! قال: قلتُ: كلَّا، إنما لحنَ هشيمٌ -وكان لحَّانة-، فتبع أميرُ المؤمنين لفظَه، وقد تُتَّبَعُ ألفاظ العلماء. فأمر لي بثلاثين ألف درهم، فأخذت بكلمة واحدة استفادها ثمانين ألف درهم. أبو بكر محمد بن يحيى الصولي قال: حدثنا أبو عمر الجرمي البصري قال: حدثني عبد الخالق بن منصور النيسابوري قال: حدثني محمد بن حاتم المؤدب قال: مرض النضر بن شميل بن خرشة المازني، فدخل الناس يعودونه، فقال له رجل من القوم: مَسَحَ اللهُ ما بك. فقال النضر: لا تقل: "مسح الله"، ولكن قل: "مصح"، ألم تنظر إلى قول الأعشى: وإذا ما الخمرُ فيها أَزبدتْ ... أَفَلَ الإِزبادُ فيها فمصَحْ فقال الرجل: لا بأس، السين قد تعاقب الصاد فتقوم مقامها. فقال النضر: إن كان هذا هكذا؛ فينبغي أن تقول لمن اسمه سليمان: "صليمان"، وتقول: "رصول الله"، وتقول لمن يكنى أبا صالح: "أبا سالح"! ثم قال النضر: لا يكون هذا في السين إلا مع أربعة أحرف: الطاء، والخاء، والقاف، والغين.

стр. 50

فيبدلون السين صادًا في هذه إذا وقعت السين قبلها، وربما أبدلوها بزاي، كما قالوا: سراط، وصراط، وزراط. -قال محمد: مَصَح الظلُّ؛ إذا زال وذهب. وقال: إذا ولَّى لونُ الزَّهر قيلَ: مَصَح يَمْصح مصوحًا-. وأنشد أبو زياد في صفة الهودج: يُكسَيْن رقْم الفارسيّ كأَنَّه ... زَهَرٌ تتابَع لونُه لَمْ يَمْصَح حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا أحمد بن خالد قال: حدثنا الخُشنِي، عن محمد بن المغيرة أبي العباس قال: حدثنا ابن أبي رِزْمة قال: سأل رجلٌ النضر بن شميل أن يقرأ عليه ويترسَّل ويزيده في الدَّوْلة، فقال النضر: تسأَلني أم الحسينِ جَمَلا ... يمشي رويدًا ويَكُون أَوَّلا وتوفي بمرو سنة ثلاث ومئتين. وكان عالمًا بفنونٍ من العلم، وكان صدوقًا ثقة. وقد رُوِي عنه الحديث، وكان صاحب حديث، وغريب، وشعر، وفقه، ومعرفة بأيام الناس. وزعم ابن الفراء المصري أنه كان يكنى أبا الحسن. ٢١ - أبو محمد اليزيدي هو يحيى بن المبارك، مولى بني عدي بن عبد مناة بن تميم. وكان مُعلِّمًا قُبالة دار أبي عمرو بن العلاء دهرًا. وقيل له: "اليزيدي" لأنه أدَّب أولاد يزيد بن منصور الحِمْيَرِيّ. وقال أبو حاتم: اليزيدي هو مولًى لبني عديٍّ، وليس أيضًا منهم، ولكن كذا يقولون، كان نازلًا فيهم، نُسب إلى اليزيد، وكان مُؤدِّبًا ليزيد بن مِزْيد.

стр. 51

وقال أبو حاتم: قال الاصمعي: كان هاهنا مؤدب يقطع الصيف في رداء وَذِرَةٍ، وكان سفيهًا. وكان جارًا لأبي عمرو بن العلاء، وكان لزم قراءة شعيب بن صخر. وقال الفضل بن الحُباب: قال لي محمد بن سلام: ما جالست أحدًا عنده من العلم إلَّا دون ما وجدتُ عند شعيب بن صخر. وقال ابن قتيبة: اسمه عبد الرحمن، والأشهر يحيى. وهو من غلمان أبي عمرو بن العلاء في النحو والغريب والقراءة، وكان مؤدب المأمون، وخرج معه إلى خراسان، وتوفي بها. قال محمد بن عبيد الله بن أبي محمد اليزيدي: أتانا النضر بن شميل بمرو يعزِّينا عن أبينا، فقال: كنتُ مع أبي محمد وأبي زيد الأنصاري في كتَّاب، وهأناذا قد جئتُ أعزّي بأبي محمد، النضرُ واللهِ لاحقٌ به. فلما صِرْنا إلى جرجان جاءنا نعيُه. وكان اليزيدي ظريفًا، حدَّث أبو حنيفة عن أبي الفضل اليزيدي قال: انصرف اليزيدي من كتَّابه يومًا، فقعد المأمون مع غلمانه ومَن يأنس به، وأمر حاجبَه ألَّا يأذن عليه لأحد -وهو صبيٌّ في ذلك الوقت- فبلغ اليزيدي خبرُه، فصار إلى الباب فمُنِع، فكتب إليه: هذا الطفيليُّ علَى البابِ ... يا خيرَ إخواني وأصحابِي فصيِّروني رجلًا منكمُ ... أو أخرِجوا لي بعضَ أَتْرابي فأذن له، فدخل، فانقبض المأمون، فقال: أيها الأمير عُدْ إلى انبساطك، فإني إنما جئت على أن أكون نديمًا لا مُعلِّمًا. ومن قول اليزيدي يعتذر إلى المأمون من شيء تكلَّم به وهو سكران:

стр. 52

أنا المذنبُ الخطَّاءُ، والعَفْوُ واسعٌ ... ولو لم يكنْ ذنبٌ لما عُرِفَ العفوُ سَكِرتُ فأَبدت مِنِّي الكأسُ بعض ما ... كرهتُ، وما إن يستوِي السُّكْرُ والصحوُ ولا سِيَّما إذْ كنتُ عند خليفةٍ ... وفي مجلسٍ ما إن يجوز به اللغوُ فإن تعفُ عني أُلْفِ خطويَ واسعًا ... وإلَّا يكن عفوٌ فقد قَصُرَ الخطوُ ومن قوله يهجو الأصمعيَّ في شعره: ومَنْ أَنت؟ هل أنت إلا امرؤٌ ... -وإن صحَّ أصلُك- من باهلهْ وحسبُك لُؤمُ قبيلٍ به ... لمن هي في كفِّه حاصلهْ فكيف لمن كان ذا دِعْوةٍ ... وكِفّةُ نِسْبَتِهِ شائلهْ حدثني محمد بن العباس الهاشميُّ الحلبيُّ قال: حدَّثنا محمد بن إبراهيم الأنماطيُّ قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدثنا شاذان بن محمد قال: حدثنا الأصمعي قال: سمعتُ أبا محمد اليزيدي يقول: كنت أؤدب المأمون وهو في حِجْر سعيدٍ الجوهري، فأتيته يومًا، فوجَّهت إليه بعضَ خدمه ليخرج إليّ فأبطأ، فوجهت رسولًا آخر فأبطأ، فقلت لسعيد: إن هذا ربما تأخر واشتغل بالبَطالة. فقال لي سعيد: إذا فعل ذلك؛ فقوِّمه بالأدب. فلما خرج أمرتُ بحمله، فقوَّمتُه بسبع دِرَرٍ، فإنه لَيَدْلُك عينيه بالبكاء إذْ قيل: جعفر بن يحيى بن بَرْمك قد أَقْبَل، فأخذ منديلًا فمَسح عينيه، وقام إلى فراشه مُسرعًا،

стр. 53

فجلس عليه ثم قال: يدخل. فدخل، وقمت عن المجلس إلى فراشه مُسرعًا، وخفتُ أن يشكوَني إليه، فألقى منه ما أكره. قال: فأقبل عليه بوجهه، وحدثه بوجه طَلْق وضحك. فلما همَّ بالحركة قال: يا غلام، دابَّته. وأمر غِلْمانه فمضوْا بين يديه، ثم سأل عني فجئته، فقال: ما حَملك على ما صنعت من خروجك عنا؟ فقلت: أيها الأمير، لقد خفتُ أن تشكوَني إلى جعفرٍ، ولو فعلتَ لنَكَّل بي. فقال: إنَّا لله يا أبا محمد! يغفر الله لك! لقد خطر ببالك ما لا يكون. قال: فكنتُ أهابه بعد ذلك، وأجلُّه. ومن قول أبي محمد اليزيديّ في عِنان جارية الناطفيّ وأبي ثعلب الأعرج، وكان شاعرًا: أبو ثعلبٍ للناطفيّ زَؤُورُ ... على خبئه والناطفيُّ غيورُ وبالبغْلةِ الشهباء رِقَّةُ حافرٍ ... وصاحبنا ماضِي الجَنان جسورُ ولا شك في أن الأعيرج آرها ... وما الناس إلا آيرٌ ومَئِيرُ ومن قوله - أنشدناه المدائنيُّ، ويقال: إنه أنشدهما الكسائي، وكان يماضّه، وقد رثاه اليزيدي بعد موته: يا رجلًا خفَّ عنده الثِّقَلُ ... حتى به صار يُضرَبُ المثلُ ثَقُلت حتى لقد خَفَفْتَ كما ... سَمُجْتَ حتى مَلُخْتَ يا رجُلُ قال إسماعيل بن أبي محمد: كان لأبي شعر كثير في الرشيد وجعفر بن

стр. 54

يحيى وغيرهما، فلما حضره الموت أخذ علينا ألَّا نخرِج له غير المواعظ. ومن قوله قصيدته المشهورة: مَنْ يَلُمِ الدهر ألَا ... فالدهرُ غير مُعْتِبِهْ وفيها أمثال حِسَان وحكمة. وتوفي سنة اثنتين ومئتين، وهي السنة التي خرج فيها المأمون من مرو إلى العراق، ودخل سنة أربع في صفر فيها. * * * قال أبو بكر محمد بن حسن الزبيدي: ووجدتُ بخط المستنصر ﵀: وَلَد أبو محمد يحيى بن المبارك اليزيدي: محمدًا، وعبدَ الله أبا عبد الرحمن، وأبا يعقوب إسحاق، وأبا إسحاق إبراهيم، وإسماعيل؛ بني أبي محمد يحيى بن المبارك. فولد محمد بن أبي محمد العباسَ أبا الفضل، والفضل أبا العباس، وعبيد الله أبا القاسم، وأحمد، وجعفرًا. فولد العباس محمدًا، وكان كأعمامه في الآداب. وكلهم أديب عالم. ومِمَّن نَبُلَ مِن أولادهم، وحُمِل عنه: محمد بن عبيد الله بن محمد، وإسحاق بن إبراهيم بن أبي محمد، وأحمد أخوه. قال الفرغاني: توفي أبو عبيد الله محمد بن أبي الفضل العباس بن محمد بن أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي النحوي في شهر جمادى الآخرة من سنة عشر وثلاثمئة في خلافة المقتدر بالله، وهي السنة التي مات فيها أبو جعفر الطبري -رحمهما الله-، وكان عالمًا بالعربية، حاملًا لعلم سلفه اليزيديين، أديبًا

стр. 55

فاضلًا، قد حدَّث، وكتب الناس عنه علمًا كثيرًا، ومولده للنصف من شهر ربيع الأول سنة ثلاثين ومئتين، وهو الذي ذكر المستنصر أولًا، وأثنى عليه، وألحقه بأعمامه. ٢٢ - سيبويه هو عمرو بن عثمان بن قَنْبَر، مولى بني الحارث بن كعب بن عمرو بن عُلَة بن جَلْد بن مالك بن أُدد. أخذ عن الخليل. قال أبو علي البغدادي: ولد سيبويه بقرية من قرى شيراز، يقال لها: "البيضاء" من عَمَل فارِس، ثم قدم البصرة ليكتب الحديث، فلزم حلقة حماد بن سلمة، فبينا هو يستملي على حماد قول النبي ﷺ : "ليس مِن أصحابي إلَّا مَن لو شئتُ لأخذتُ عليه ليس أبا الدرداء". فقال سيبويه: "ليس أبو الدرداء". فقال حماد: لحنت يا سيبويه، ليس هذا حيث ذهبت، وإنما "ليس" هاهنا استثناء. فقال: سأطلب علما لا تلحنني فيه. فلزم الخليل فبرع. وقال عبيد الله بن معاذ العنبري البصري: جاء سيبويه إلى حماد بن سلمة، فقال: أحدثك هشام بن عروة، عن أبيه، في رجل رَعُفَ في الصلاة؟ فقال حماد: أخطأتَ، إنما هو "رَعَفَ". فانصرف إلى الخليل، فشكا إليه ما لقيه من حماد، فقال: صدق حماد، ومثل حماد يقول هذا. و"رَعُفَ" لغة ضعيفة، والصحيح "رَعَفَ". وقال أحمد بن معاوية بن بكر العُلَيْمِيّ: ذُكِر سيبويه النحوي عند أبي، فقال: عمرو بن عثمان قد رأيته، وكان حَدَثَ السِّنِّ، كنت أسمع في ذلك

стр. 56

العصر أنه أثبتُ مَن حمل عن الخليل بن أحمد، وقد سمعته يتكلم ويناظر في النحو، وكانت في لسانه حُبسة، ونظرت في كتابه، فعلمه أبلغ من لسانه. وقال ابن قتيبة: حدثني أبو حاتم، عن أبي زيد الأنصاري قال: كان سيبويه غلامًا يأتي مجلسي، له ذؤابتان، فإذا سَمِعتَه يقول: حدَّثني مَن أثق بعربيَّته. فإنما يعنيني. وقال الأخفش سعيد بن مسعدة: كان سيبويه إذا وضع شيئًا من كتابه، عرضه عليَّ، وهو يرى أني أعلم منه، وكان أعلم مني، وأنا اليوم أعلم منه. وذكر محمد بن سلام قال: كان سيبويه النحوي جالسًا في حلقته بالبصرة، فتذاكرنا شيئًا من حديث قتادة، فذكر حديثًا غريبًا وقال: لم يروِ هذا إلا سعيد بن أبي العَروبة. فقال له بعض ولد جعفر بن سليمان: ما هاتان الزائدتان يا أبا بشر؟ فقال: هكذا يقال؛ لأن العروبة هي الجمعة، ومن قال: "عروبة" فقد أخطأ. قال ابن سلام: فذكرت ذلك ليونس، فقال: أصاب، لله دره! قال ابن عائشة: كنا نجلس مع سِيبويهِ النحويِّ في المسجد -وكان شابًّا جميلًا نظيفًا، قد تعلَّق من كل علمٍ بسبَب، وضرب فيه بسهم، مع حداثة سنه، وبراعته في النحو-، فبينا نحن عنده ذات يوم إذ هبَّت ريحٌ أطارت الوَرَق، فقال لبعض أهل الحلْقة: انظر أيُّ ريح هِي؟ وكان على منارة المسجد تمثال فرس من صُفْر - فنظر ثم عاد فقال: ما يثبُتُ الفرس على شيء. فقال سيبويه: العرب تقول في مثل هذا: تَذَاءَبت الريحُ، أي فعلت فعل الذئب لِيخْتِل، فيتوهمَ الناظر أنه عدَّة ذئاب. وقال ابن النطاح: كنت عند الخليل بن أحمد، فأقبل سيبويه، فقال الخليل: مرحبًا بزائر لا يُمَلُّ. قال أبو عمرو المخزومي -وكان كثير المجالسة للخليل-: ما سمعت الخليل يقولها إلا لسيبويه.

стр. 57

حدثنا أحمد قال: حدثنا أحمد قال: حدثنا مروان قال: حدثنا العباس بن الفرج الرياشي قال: كان سيبويه سُنِّيًّا على السُّنَّةِ. حدثنا مروان، حدثنا الرياشي قال: سمعتُ عمرو بن مرزوق يقول: رأيتُ سيبويهِ والأصمعيَّ يتناظران، قال: يقول يونس بن حبيب: الحق مع سيبويه، وقد غلب ذا -يعني الأصمعي- بلسانه. وحكى أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس النحوي المصري قال: قال أحمد بن يحيى ثعلب، ومحمد بن يزيد المبرد: لما ورد سيبويه العراق شقَّ أمرُه على الكِسائي، فأَتَى جعفرَ بن يحيى بن برمك، والفضلَ بنَ يحيى بن برمك وقال: أنا وليُّكما وصاحبُكما، وهذا الرجل إنما قدم ليُذهب محلي. قالا: فَاحْتَلْ لنفسك، فإنَّا سنجمع بينكما. فجُمِعا عند البرامكة، وحضر سيبويه وحده، وحضر الكسائي ومعه الفراء والأحمر وغيرهما من أصحابه. فسألوه: كيف تقول: "كنت أظن العقرب أشدَّ لَسْعَةً من الزُّنبور، فإذا هو هي" أو "هو إيَّاها"؟ قال: أقول: "فإذا هو هي". فأقبل عليه الجميع فقالوا: أخطأتَ ولحنتَ. فقال يحيى بن خالد بن برمك: هذا موضعٌ مُشكِلٌ؛ حتى يُحكَمَ بينكم. فقالوا: هؤلاء الأعراب على الباب. فأُدخِلَ أبو الجراح ومَن وُجد معه ممَّن كان يأخذ منه الكسائي وأصحابه، فقالوا: "فإذا هو إياها". فانصرم المجلس على أنَّ سيبويه قد أخطأ. فأعطاه البرامكة وأخذوا له من الرَّشيد، وبُعِث به إلى بلده، فيقال: إنه ما لبث إلا يسيرًا، ثم مات كمدًا. قال أبو الحسن علي بن سليمان: وأصحاب سيبويه إلى هذه الغاية لا اختلافَ بينهم أن الجواب كما قال سيبويه، وهو: "فإذا هو هي"؛ أي: فإذا هو مثلُها. وهذا موضع الرفع، وليس موضع النصب. فإن قال قائل: فأنت تقول: خرجتُ فإذا زيدٌ قائمٌ وقائمًا، فتنصب "قائمًا". ولم يكن "فإذا هو إياها"؛ لأن "إيَّا" للمنصوب، و"هي" للمرفوع؟ فالجواب في هذا أن "قائمًا" انتصب ثَمَّ على

стр. 58

الحال وهو نكرة، و"إيَّا" مع ما بعدها مما إليه معرفة، والحال لا تكون إلا نكرة، فبطل "إياها" ولم يكن إلا "هي" وهو خبر الابتداء، وخبر الابتداء يكون معرفة ونكرة، والحال لا تكون إلا نكرة، وكيف تقع "إياها" وهي معرفة موضعَ ما لا يكون إلا نكرة وهو موضع الرفع! ويقول أصحاب سيبويه: الأعرابُ الذين شهدوا الكسائي من أعراب الحُطَمة الذين كانوا يقوم بهم الكسائي ويأخذ عنهم. قال: وروى هذه الحكاية الأوارجِيُّ الكاتب بأتمَّ من هذا، وأنا مجتلبُها على حسب ما روى. قال: حدثني أبو جعفر أحمد بن محمد بن رستَم الطبري قال: حدثني أبو عثمان المازنيُّ قال: حدَّثني أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش: أن أبا بشْر عمرو بن عثمان بن قَنْبَر سيبويه لما قدِم على أبي عليٍّ يحيى بن خالد بن بَرْمك سأله عن خَبَره والحال التي وردَ لها. فقال: جئتُ لتجمعَ بيني وبين الكِسائيِّ. فقال له: لا تفعل؛ فإنه شيخ مدينة السلام وقارئُها، ومُؤدِّبُ ولد أمير المؤمنين، وكلُّ مَن في المِصْر له ومعه. فأبى إلا أن يَجمع بينهما، فعرَّف الرشيد خبرَه، فأمر بالجمْع بينهما، فوعده بيوم، فلما كان ذلك اليوم غدا إلى دار الرشيد، فوجد الفرَّاء، والأحمر، وهشام بن معاوية، ومحمد بن سَعْدان قد سبقوه، فسأله الأحمرُ عن مئة مسألة فأجابه عنها، فما أجابه بجواب إلا قال: أخطأتَ يا بصريُّ. فوجَم لذلك سيبويه. ووافى الكسائي ومعه خَلْق من العرب، فلما جَلس قال له: يا بصريُّ، كيف تقول: "خرجتُ فإذا زيدٌ قائمٌ"؟ فقال: "خرجتُ فإذا زيدٌ قائمٌ". فقال له: أيجوز: "فإذا زيدٌ قائمًا"؟ فقال: لا. فقال الكسائي: هذه العرب على باب أمير المؤمنين، وقد حضرتْ فتُسألُ. فقال: سَلْها. فقال لهم الكسائيُّ: كيف تقولون: "قد كنت أَحْسِب أنَّ العقربَ أشدُّ لَسعةً من الزُّنبور، فإذا الزُّنبور إيَّاها بعينها"؟ فقالت طائفة: "فإذا الزُّنبور هِي". وقالت أخرى: "إيَّاها بعينها". فقال: هذا خلافُ ما تقول يا بصريُّ. فقال: أمَّا عربُ بلدنا فلا تعرف إلا "هو

стр. 59

هي". فخطَّأته الجماعةُ وحَصِر، فأعطاه يحيى بن خالد عشرة آلاف درهم وصرفه. قال الأخفش: فلمَّا دخل إلى شاطئ البصرة وجَّه إليَّ فجئتُه، فعرَّفني خبرَه مع البغدادي، وودَّعني ومضى إلى الأهواز. وتزوَّدتُ وجلستُ في سُمَارِيَة حتى وردتُ بغداد، فوافيتُ مسجد الكسائي، فصلَّيتُ خلْفَه الغداةَ، فلمَّا انْفَتَلَ من صلاته، وقَعَد في محرابه، وبين يديه الفراء والأحمر وهشام وابن سَعْدان سألتُه عن مئة مسألة، فأجاب عنها بجوابات خطَّأتُه في جميعها. وأراد أصحابُه الوثوب عليَّ، فمنعهم من ذلك، ولم يقطعْني ما رأيتُهم عليه مما كنتُ فيه. فلما فرغت من مئة مسألة، قال الكسائي: بالله أنت أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش؟! قال: قلتُ: نعم. فقام إليَّ وعانقني وأجلسني إلى جانبه، ثم قال لي: أولادي أُحِبُّ أن يتأدَّبوا بكَ، ويخرَّجوا على يديك، وتكونَ معي غيرَ مفارِق لي. وسألني ذلك فأجبتُه فلما اتَّصلت الأيام بالاجتماع سألني أن أؤلف له كتابًا في "معاني القرآن"، فألَّفتُ كتابي في المعاني، فجعله إمامًا لنفسه وعمل عليه كتابًا في المعاني، وعمل الفرَّاءُ كتابه في المعاني عليهما. فأقام سيبويه مُديْدة في الأهواز، ثمَّ مات من ذَرَبٍ أصابَهُ، وما قتله إلا الغمُّ لما جرى عليه. أحمد بن يحيى قال: حدثني سلَمة قال: قال الفراء: قدم سيبويه على البرامكة، فعزم يحيى بن خالد على الجمع بينه وبين الكسائي، فجعل لذلك يومًا، فلما حضر تقدمتُ أنا والأحمر فدخلنا فإذا بمثال في صدر المجلس، فقعد عليه يحيى بنُ خالد، وقَعد إلى جانب المثال جعفر والفضل ومَنْ حضر بحضورهم، وحضرَ سيبويه فأقبل عليه الأحمرُ فسأله عن مسألة، فأجاب فيها سيبويه، فقال له: أخطأتَ. ثم سأله عن ثانية فأجابه، فقال: أخطأتَ. ثم سأله عن ثالثة فأجاب، فقال: أخطأتَ. فقال سيبويه: هذا سوء أدب. قال: فأقبلتُ عليه فقلت: إن في هذا الرجل جِدًّا وعَجَلة، ولكن ما تقول فيمن قال: هؤلاء أيُّون، ومررت

стр. 60

بأيِّين؟ وكيف تقول على مثال ذلك من وأيت أو أويت؟ فقدَّر وأخطأ، فقلت له: أعد النظر، فقدَّر فأخطأ، فقلت: أعد النظر، فقدَّر فأخطأ، فقلت له: أعد النظر، ثلاث مرات يُجيب ولا يصيب. فلما كَثُر ذلك عليه قال: لستُ أكلِّمكما أو يحضر صاحبكما حتى أناظره. قال: فحضر الكسائيُّ، فأقبل على سيبويه فقال: تسألُني أو أسألُك؟ فقال: لا، بل تسألني أنت. فأقبل عليه الكسائيُّ فقال: ما تقول، أو كيفَ تقول: "قد كنتُ أظنُّ العقربَ أشدَّ لسعةً من الزُّنبور فإذا هو هي"، أو "فإذا هو إيَّاها"؟ قال سيبويه: "فإذا هو هي"، ولا يجوز النصب. فقال له الكسائيُّ: لحنتَ. ثم سأله عن مسائلَ من هذا النوع: "خرجت فإذا عبد الله القائمُ" أو "القائمَ". قال سيبويه في ذلك كلِّه بالرفع دون النصب. فقال الكسائيُّ: ليس هذا كلامَ العرب، العربُ ترفعُ في ذلك كلِّه وتنصب. فدفع سيبويه قولَه. فقال يحيى بن خالد: قد اختلفتما، وأنتما رئيسا بلديكما، فمَن ذا يحكمُ بينكما؟! قال الكسائي: هذه العرب ببابك قد جمعتَهم من كل أوْب، ووفدتْ عليك من كل صُقْع، وهم فُصَحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المِصْرين، وسمع أهلُ الكوفة وأهلُ البصرة منهم، فيُحضَرون ويُسألون. فقال يحيى وجعفر: قد أنصفتَ. وأمر بإحضارهم، فدخلوا عليه وفيهم أبو فَقْعَس وأبو دثار وابو الجرَّاح وأبو ثَرْوان، فسُئِلوا عن المسائل التي جرتْ بين الكسائيِّ وسيبويه، فتابعوا الكسائيَّ وقالوا بقوله. فأقبل يحيى على سيبويه فقال: قد تَسْمَع أيها الرجل! قال: فاستكانَ سيبويه، وأقبل الكسائيُّ على يحيى فقال: أصلح الله الوزير! قد وفَد عليك مِن بلده مُؤمِّلًا، فإن رأيتَ ألَّا تردَّه خائبًا. فأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج وصيَّره ووجَّهه إلى فارس، فأقام هناك حتى مات ولم يَعُدْ إلى البصرة. قال: إنما أدخل العماد ونصب. وحكى أحمد أبو جعفر النحاس، أن كِتابَ سيبويه وُجِد بعضُه تحت

стр. 61

وِسادة الفرَّاء التي كان يجلس عليها. وقال أبو إسحاق الزّجاج: إذا تأمَّلتَ الأمثلة من كتاب سيبويه؛ تبينت أنه أعلمُ الناس باللغة. ورُوي أنه لما اعتلّ سيبويه وضَع رأسه في حِجر أخيه، فبكى أخوه لمَّا رآه لمآبه، فقطرتْ من دمعه قطرةٌ على وجْهه، فرفع سيبويه رأسه إليه فرآه يبكي فقال: أُخَيَّيْن كنَّا فَرَّق الدهر بيننا ... إلى الأَمَدِ الأقصى ومَنْ يأمن الدهرا! وقال أبو سعيد الطُّوال: رأيتُ على قبر سيبويه هذه الأبيات مكتوبة، وهي لسليمان بن يزيد العَدَويّ: ذهب الأَحِبَّةُ بعد طول تَزَاورٍ ... ونأَى المزارُ فأَسلموكَ وأَقْشَعوا تركوك أوْحشَ ما تكونُ بقَفرَةٍ ... لم يُؤنِسوك وكُرْبَةً لم يَدْفعوا قُضِيَ القضاءُ وصِرْتَ صاحبَ حُفْرةٍ ... عنك الأَحِبَّةُ أَعْرَضوا وتَصدَّعوا وحدثني أبو عبد الله بن طاهر العسكريُّ قال: سيبويه اسم فارسي، فالسي ثلاثون، وبويه رائحة، فكأنه في المعنى: ثلاثون رائحة. وكان فيما يقال حسنَ الوجه. وتوفي وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، سنة ثمانين ومئة. ٢٣ - أبو الحسن سعيد بن مَسْعَدة الأخفش هو سعيد بن مَسْعدة المجاشعيّ، مولى بني مُجاشع، يُكنَى أبا الحسن، أخذ عن سيبويه، ويُعرَف بالأخفش الصغير؛ لأن الأخفش الكبير هو

стр. 62

عبد الحميد بن عبد المجيد، ويُكنَى أبا الخطاب. وكان سعيد بن مَسْعَدَةَ أكبرَ من سيبويه، وصحب الخليل قَبْل صُحْبته لسيبويه. وكان مُعلِّمًا لولَد الكسائيِّ، وقرأ عليه الكسائيُّ كتابَ سيبويه، فوهَبَه سبعين دينارًا. حدثنا أحمد، حدثنا أحمد قال: حدثنا مروان، قال أبو حاتم: كان الأخفش قد أخذ كتاب أبي عبيدة في القرآن، فأَسْقَط منه شيئًا، وزاد شيئًا، وأَبْدَل منه شيئًا. قال أبو حاتم: فقلتُ له: أيُّ شيء هذا الذي تصنع؟ مَنْ أَعرفُ بالغريب: أنت، أو أبو عبيدة؟ فقال: أبو عبيدة. فقلت: هذا الذي تَصْنع ليس بشيءٍ. فقال: الكتابُ لِمَن أصلَحه، وليس لِمَن أَفْسَده. قال أبو حاتم: فلم يُلْتَفَتْ إلى كتابه، وصار مَطروحًا. قال أبو حاتم: وكان الأخفشُ يُنسَبُ إلى القَدَر. وقال: كتابُه في المعاني صُوَيلح، إلَّا أن فيه مذاهب سوء في القَدَر. وكان أبو حاتم يَعيب كتابه في القرآن في جمع الواحد. وقال أبو حاتم سَهْل بن السِّجِسْتَاني في كتابه في القراءات حيث ذكر القُرَّاء والعلماء: كان في المدينة عليٌّ الجمل -كان يلقب بالْجَمَل- وضع كتابًا في النحو لم يكن شيئًا فذَهَب، وأظنُّ الأخفش سعيد بن مسعدة وضع كتابه في النَّحو من كتاب الجَمَل؛ ولذلك قال: الزيت رطلان بدرهم. والزيت لا يُذكَر عندنا؛ لأنه ليس بإدامٍ لأهل البَصْرة. وقال الأوَارجيُّ الكاتب: حدثني أحمد بن محمد بن رستم الطبري، عن الْجَرمي، أن الأخفش حدَّثه قال: لما دخلتُ بغداذ أتاني هشامٌ الضَّرير، فسألني عن مسائل عملها وفروع فرَّعها، فلمَّا رأيتُ أنَّ اعتمادَه واعتماد غيره من الكوفيين على المسائل؛ عمِلْتُ كتاب المسائل الكبير، فلم يعرفوا أكثر ما أوردته فيه.

стр. 63

قال: وحدثني أبو بكر محمد بن أحمد الخيَّاط النحوي غلام أبي جعفر أحمد بن محمد بن رستم الطبري، أنه قَصَد يومًا أحمد بن يحيى ثعلبًا، فدقَّ عليه الباب، فخرج وبيده جزء من مسائل الأخفش، فقال له: ويحك! صاحبك هذا مجنون، ويتكلَّم بما لا يُفْهم. فقلتُ: وأيُّ شيء وقفتَ عليه من هذا؟ فقال: كَمْ مني مكان السَّارية رجل. وكم مني مكان السارية ذراع؛ في غير ذلك من المسائل. فقلت له: هذا رجل أشرفَ على بحر، فهو يتكلَّم منه بما يريد. فسكتَ. حدثنا أحمد قال: حدثنا أحمد بن خالد قال: حدثنا مروان قال: سمعت أبا حاتم -وذكر الأخفش- فقال: كان رجل سوء. وكان الأخفش قَدَرِيًّا شِمْرِيًّا؛ يعني صنفًا من القَدَرِيَّة نُسِبوا إلى أبي شِمْر. ولم يكن يغلُو في القَدَر. وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: أول مَن أمْلى غريب كل بيت من الشعر تحته الأخفش، وكان ببغداذ، وكان الطوسيُّ مسْتَمْليه. قال: ولم أدْرِكْه لأنه كان قَبْلَ عصرِنا، وكان يقال له: الأخفش الراوية. وتوفي الأخفشُ سعيد بن مسعدة سنة خمس عشرة ومئتين. ٢٤ - أبو عمر الجرمي هو أبو عمر صالح بن إسحاق البَجَلي، مولى لهم. نزل في جرْم فنُسِب إليهم. أخذ عن أبي الحسن الأخفش. قال أبو حاتم: كان الجرميُّ قد اختلط في آخر أمْره، وكان تَوْأَمًا، ولا يزال مَن خولط في الرَّحم يُصيبه شيءٌ. قال أبو حاتم: قال الجرميُّ: أنا لم أضع كتابًا في النحو؛ إنما اختصرت كتاب سيبويه. فقلتُ له: وذاك لو كنت تحسن تخْتصره.

стр. 64

وقال أبو حاتم -وهو يذمُّ مختصر الجَرْمي-: ما أحد يأخذ ذلك الكتاب إلَّا رمى به، وذلك كان يُحسِنُ أن يَضَع كتابًا؟! وقال العباس بن الفرج -وسأله ابنه: أيُّهما أحبُّ إليك: كتاب أبي عمر في النحو، أم كتاب الأخفش؟ فقال: كتاب أبي عمر. أبو بكر بن شقير: حدثني أبو جعفر الطبري قال: سمعت الجرمي يقول: أنا مذ ثلاثون أُفتِي الناس في الفقه من كتاب سيبويه. قال: فحدَّثتُ به محمد بن يزيد على وجه التعجب والإنكار، فقال: أنا سمعتُ الجرميَّ يقول هذا، وأومأ بيده إلى أذنيه، وذلك أن أبا عمر الجرمي كان صاحبَ حديث، فلما علم كتاب سيبويه تفقَّه في الحديث، إذ كان كتاب سيبويه يُتعلَّم منه النظر والتفتيش. قال الجرمي: نظرتُ في كتاب سيبويه، فإذا فيه ألفٌ وخمسون بيتًا، فأما الألف فعرفتُ أسماء قائليها، وأما الخمسون فلم أعرف قائليها. ٢٥ - علي بن نصر الجهضمي هو علي بن نصر الجَهْضَمِي. حدثنا أبو علي إسماعيل بن القاسم البغداذي، عن إبراهيم بن السري، حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال: لما أراد سيبويه أن يؤلف كتابه، قال لأبي: تعال نُحْيِي علم الخليل. قال أبو إسحاق: حدثني القاضي إسماعيل بن إسحاق قال: حدثني نصر بن علي قال: سمعتُ الأخفشَ يقول: نفِذَ من أصحاب الخليل في النحو أربعة: سيبويه، والنضر بن شميل، وعلي بن نصر -وهو أبو نصر بن عليٍّ هذا-، ومُؤرِّج السَّدُوسِيُّ. ٢٦ - مُؤرِّج بن عمرو هو مؤرج بن عمرو السدوسي، كان عالمًا بالعربية، إمامًا في النحويين، وتوفي سنة خمس وتسعين ومئة.

стр. 65

٢٧ - محمد بن أبي محمد اليزيدي هو محمد بن أبي محمد اليزيدي. وكان لأبي محمد أبناء، كلهم عالم شاعر كثير الرواية متَّسع في العلم، منهم: محمد بن أبي محمد، وإبراهيم بن أبي محمد، وإسماعيل، وأبو عبد الرحمن عبد الله بن أبي محمد، وأبو يعقوب إسحاق بن أبي محمد اليزيدي، وكلهم قد روى وألَّف في اللغة والعربية. وكان محمدٌ أسنَّهم، فأدَّب المأمون مع أبيه. قال أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل الأخفش: حدثنا أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن أبي محمد قال: أخبرني عمي أبو إسحاق إبراهيم بن أبي محمد قال: كان أخي محمد بن أبي محمد يقرئ المأمون في كل يوم، فلما ثقُل سَمْعُ أخي قال له المأمون: يا محمد، في قراءتي عليك مؤونة عليَّ؛ لأني أحتاج إلى أن أرفع صوتي بأكثر من طاقتي، فمر أخاك إبراهيم وابنك أحمد -وهو أبو جعفر- بأن يحضر كل واحد منهما في يوم لأقرأ عليه، وتكون حاضرًا، فإن شككتُ في شيء سألتك عنه. قال: فقرأ عليَّ في يوم نوبتي سورة مريم، قال: ﴿إنما أنا رسول ربِّك لِيَهَبَ لكِ﴾، فقال يحيى بن أكثم: لا أحبُّ لك يا أمير المؤمنين أن تقرأ هذه القراءةَ. فقال له المأمون: وَلِمَ؟ قال: لأنها تخالف المصحف. فالتفت إليَّ المأمون فقال: ما تقول يا إبراهيم؟ قلت: يا أمير المؤمنين، هذه قراءة قد قرأ بها غيرُ واحد من أصحاب النبي ﷺ ، أَوَّلُهم أبوك عبد الله بن العباس. قال: فالتفت إليَّ أخي محمدٌ فقال: ما أنتم فيه يا إبراهيم؟ قال: قلت: قرأ أمير المؤمنين: ﴿إنما أنا رسول ربِّكِ لِيَهَبَ لكِ﴾، فقال يحيى: لا أحب أن تقرأ بهذا الحرف. قال: فَلِمَ؟ قال: لأنه مخالف لما في المصحف. فقال أخي للمأمون: ما ليحيى ولهذا! هذا حرف قد قرأ به جماعة من أصحاب

стр. 66

النبي ﷺ ، ومن التابعين. أَوَكُلُّ ما في المصحف يُقرَأُ به؟ والله يا أمير المؤمنين لو لم يُقرأ بهذا إلا أن الله أخبرنا أن الملَك أتاها فقال: إنما أنا رسول ربِّكِ لِيَهَبَ اللهُ لك، ليس لأهب أنا لك؛ لكان ينبغي أن يقرأ به. قال: فسكتَ يحيى وما تكلَّم. ومِن قولِه، أنشده دِعْبل: أَتَظْعَنُ والذي تَهْوَى مقيمُ ... لَعَمْرُك إنَّ ذا خطرٌ عظيمُ إذا ما كنتَ للحدثَان عونًا ... عليك وللهموم فَمَنْ تلومُ! شقِيتُ به فما أنا عنه سالٍ ... ولا هوَ إذْ شقيتُ به رحيمُ وأنشد أبو هَفَّان لمحمد بن أبي محمد اليَزيدي يرثي حماره: أَلا يا حماري كنتَ زَيْني وحِلْيَتِي ... وكنتَ سِرَاجًا في الفِناء المعطَّلِ أأَرحلني منكَ الزمانُ وحِرْفتِي ... وما كان غير الله في الأرض مُرْحِلِي ووجدتُ في كتاب حمَّاد بن إسحاق الموصلي، عن أبيه، عن أيوب، عن أبي شمير قال: خرجت أنا ومحمد بن أبي محمد اليزيدي إلى متنزَّهٍ لنا بمرْو، فبينا نحن نشرب إذ أقبل قُنْفذ يدبُّ، فظنناه جائعًا، فقلنا: لو سقيناه. فوضعنا بين يديه نبيذًا، فشرب. قال محمد: هل لك أن أقول فيه شعرًا، ونغالط به سعيد بن سلْم الباهلي غدًا؟ قلت: شأنَك. فأنشأ يقول:

стр. 67

وطارق ليلٍ جاءَنا بعد هَجْعةٍ ... من اللَّيل إلا ما تحدَّثَ سَامِرُ قَرَيْنَاهُ صَفْو الوُدِّ حتى رأيتُه ... وقد جاء خَفَّاق الحشَا وهو سَادِرُ جميلَ المحيَّا في الرِّضَا فإذا أَبَى ... حمتْه من الضيْمِ الرماحُ الشواجرُ وَلستَ تراهُ واضعًا لسلاحِه ... يَدَ الدهر موتورًا ولا هو وَاتِرُ قال: وأنشد سعيد بن سلْم القصيدة، فاستحسنها، وقال: هكذا والله أشتهي أن يكون الفتى متيقظًا. فضحكنا، فقال: لكما والله قِصَّة، ولا تفارقاني حتى تخبراني بها. فأخبرناه. وأنشدني عبيد الله بن محمد بن يحيى اليزيدي قال: أنشدني أحمد بن محمد أخي قال: أنشدني أبي لنفسه، وأنشدَنيها أبو جعفر أحمد بن إبراهيم لعمه محمد بن أبي محمد: إن شيبًا صلاحُه بالخِضاب ... لعذَابٌ مُوَكَّلٌ بعذاب ولعمرُ الإله لولا هوى البـ ... ـيضِ وأَنْ تشمئزَّ نفسُ الكَعَاب لأَرحْتُ الخديْن من وَضَر الخِطْـ ... ـر وأذعنتُ لانقضاء الشَّبابِ وحدَّث عبيد الله بن محمد بن أبي محمد اليزيدي قال: حدثني أحمد بن محمد أخي، عن أبي قال: ما سرقت من الشعراء إلا بيتين، فإني غلبتُ عليهما، حتى ليس يُنسب معناهما إلَّا إليَّ؛ فقال منصور النَّمَرِيُّ: ذاك ظَبْيٌ تحيرَ الحسنُ في الخد ... ين منه وجَال كلَّ مكان عرضَتْ دونه الحِجَالُ فما يَلْـ ... ـقَاك إلَّا في النَّوْم أو في الأَماني فقلت أنا: يا بعيدَ الدار موصو ... لًا بقلبي ولساني

стр. 68

رُبَّما بَاعَدَكَ الدَّهْـ ... ـرُ فأَدْنَتْكَ الأَمَانِي وحدَّث أبو القاسم اليزيديُّ قال: حدثني أخي أبو جعفر أحمد بن محمد قال: سمعت أبي يقول: كنتُ أُجَالِسُ العباس بن الأحنف كثيرًا، فأقول له: أنت بقيةُ الشعراء، فإذا مِتَّ فقد ذهب الشعر. قال: فقال لي: تقول ذاك، وأنت الذي تقول: يا بعيدَ الدار موصو ... لًا بقلبي وَلساني رُبَّما بَاعَدَكَ الدهْـ ... ـرُ وأَدنتْك الأَماني والله لوَدِدْتُ أني سَبقْتُ إلى هذا المعنى، وأني لم أقلْ شعرًا. قال: قلت: جعلني اللهُ فِدَاك! وأين نحن منك! إنما نحنُ تلاميذك. فقال لي: والله لمَا وهبتَ من الشعر أكثرُ مما قلتُ. قال أبو عبد الله محمد بن أبي محمد: وكنت حين بدأتُ أقول الشعر وأنا [أحـ]ـتشم من ذلك، فإذا سئلتُ عنه قلتُ: هذا للعباس بن الأحنف. قال: قلت: وكيف أهبُ لك جعلني الله فِدَاءك! قال: لَسْت أعدَم أن أدخلَ المجلس، فأسمع جماعة يُنشدون شعرًا، فأقول: لِمَن هذا؟ فيقال لي: لك يا أبا الفضل. فأقول: ومَن أنشدكم؟ فيقال لي: محمد بن أبي محمد. فأقول: ذاك حَدَث يحفظ، وأَنْسَى. قال أبو جعفر: سمعت أخي محمد بن أبي محمد يقول: اسْتَحْسَنَ الناسُ هذا المعنى لي، وإنما أخذتُه من شعر مَنْصُورٍ النَّمَرِيِّ، واستحسنوا لي معنًى آخرَ أخذتُه من شعر أبي، فغلبتُ عليهما حتى سَقَطَ ما قالا، واستحسن الناس ما قلتُ. قال النَّمَرِيُّ: إِنَّ ظبيًا تحيَّرَ الحسنُ في العيـ ... ـنين منه وجَالَ في الأَركان

стр. 69

ضُربتْ دونه الحجالُ فما يَلْـ ... ـقاك إلا في النوم أو في الأَماني وقلت أنا: يا بعيدَ الدار موصو ... لًا بقلبي ولساني رُبَّما باعدَكَ الدهْـ ... ـرُ فأَدْنتكَ الأماني وقال أبو محمد: مَتَى ما تسمعي بقتيل حُبٍّ ... أُصيبَ؛ فإنني ذاك القتيلُ وقلت أنا: أَتَيْتُكِ عائذًا بك منْـ ... ـك لما ضَاقت الحيَلُ وصيَّرَني هواك وبي ... لحيْني يُضربُ المثلُ فإن ظفرتْ بكم نفسي ... فما لاقيتُهُ جَلَلُ قال أبو جعفر: سمعتُ أبي يقول: بعث إليَّ سُليم المغني: عندي مَنْ يشتاقك، وأعلم أنك تَشتاقه، وليس معنا ثالث؛ فبحياتي لَمَا صرتَ إلينا! قال: فصرتُ إليه، فأصبت عنده ابن جامع إسماعيل، فسلَّمتُ عليهما وجلستُ، فقال لي ابنُ جامعٍ: ويحك يا محمد! تعطي شِعرَك هذا المليح هؤلاء المخانيث، فيغنُّون به، وتَدَع شيخَ قريشٍ، ومَنْ يحسن شعرك! قال: قلتُ: جعلني الله فداءك! لم أعلمْ أنك تحبُّ ذاك؛ فأما إذْ علمتُ؛ فإني لا أقول شعرًا إلا عرضتُه عليكَ. قال: فقال لي: نحن في خلْوةٍ، فيمكن أن تعرض عَلَيَّ منه شيئًا.

стр. 70

قال: فأخذت الدواة، فكتبتُ: عاذلي بِتَّ نائما ... ثم أصبحتَ لائما ولَعمري لو ذقتَ ما ... ذقتُ ما زلت هائما فلْيَهْنِئْكَ أَن شقيـ ... ـتُ وأصبحتَ ناعما يَعْذِر العاشقين مَنْ ... كان بالحبِّ عالما قال: فأخذه فجعل ينظر فيه، ثم دخل إلى حجرة قد أخلِيتْ له ليتهيأ للصلاة، ومعه جَاريتُه الحَوْلاء، فأبطأ هُنيهة، ثم خرج، فقال: اضربي عَلَيَّ. فضربَتْ ثم غنَّى هو. وأنشد أبو القاسم اليزيدي لمحمد بن أبي محمد ممَّا عمله على لسانِ المأمون في عليِّ بن هشام: وصاحبٍ ونديمٍ ذي مُحَافظة ... سَبْط البَنان بشُرْب الراح مفتُونِ ناديتُه ورواقُ الليل مُنْسَدِلٌ ... تحت الظلام دفينًا في الرياحِين فقلتُ خذ قال كفِّي لا تُطَاوعني ... فقلت قُمْ قالَ رِجْلِي لا تُواتِيني إنِّي غفلتُ عن الساقي فصيَّرني ... كما تراني سليبَ العقل والدين قال: وحدَّث أبو العباس، عن أبي صالح بن يزداد قال: كنت في الديوان على باب المأمون، فجاء محمد بن أبي محمد، فقام إليه الحاجب، فقال: قد أخذ أمير المؤمنين دواء، وأمرني ألا أوذِنَه بأحد حتى يخرج من دوائه. قال: والله لقد كنا عنده إلى أن مضى الليل، فما ذكر من ذلك شيئًا. فقال: عزم على ذلك بعد انصرافكم. قال: فقلتُ: أفتوصِّل إليه رقْعة؟ قال: أمَّا هذه فنعم. فصاح: يا عبد الله، هاتِ الدّواةَ. فأتيتُه بالدواة والقرطاس، فكتب وهو راكب:

стр. 71

هديَّتِيَ التَّحيَّةُ للإِمامِ ... إمامِ العدل والملك الهمامِ لأَني لو بذلْتُ له حياتي ... وما أَحوِي لَقلَّا للإِمامِ أراكَ من الدواء الله نفعًا ... وعافيةً تكون إلى تمامِ وألبسَكَ السلامَةَ مِنه رَبٌّ ... يريكَ سلامةً في كلِّ عَامِ أَتأذنُ في الدخول بلا كلامٍ ... سوى تقبيل كفِّك والسلام! فدخل الحاجب بها، ثم خرج، فقال: ادخُل. قال أبو عبد الله: وكان يقال: ترْك الضحك من العَجب أَعْجَب من الضحك من غير عَجَب. وكان يقال: الناسُ بخير ما تعجَّبوا من العَجَب. وأنشدنا أبو القاسم لأبي عبد الله محمد بن أبي محمد اليزيديِّ: أنا قد جئتُ راغبَا ... بعدما كنتُ عَائبَا ومن الذنب لست أعـ ... ـرفُه جئت تَائبا صرتُ للصُّلْحِ بعدما ... كنتَ إِيَّاهُ طالبا زادني الله من صدو ... دك إن كنت كاذبا لا ترُدَّنَّ خاضِعا ... لك بالرِّقِّ خائبَا ٢٨ - أبو جعفر أحمد بن محمد بن أبي محمد اليزيدي هو أحمد بن محمد بن أبي محمد اليزيدي. كان راويةً شاعرًا متفننًا في العلوم. قال: قال أبو جعفر: أصبحتُ يومًا في غيم ورذَاذ، ففكَّرتُ فيمَنْ أبعث إليه، فخطَر بقلبي أبو جعفر محمد بن الفضل، فأخذتُ الدواةَ لأكتب إليه، فإذا أنا بالغلام قد دخل عليَّ، فقال: أبو جعفر محمد بن الفضل بالباب. فقلتُ: يدخل. فلما دخل قمتُ إليه، والقلم والقِرطاس في يدي. فقلت: هذا والله كتابي إليك، فالحمد لله الذي جاء بك. فقال: ليس والله

стр. 72

أقيم عندَك، ولا تقعدْ من قيامك؛ حتى تُوَافِيَني إلى البيت، ولستُ أنْتظرك؛ فإنّ عندي إنسانًا يشتَاقُك وتشتَاقه، ثم قال: يا غلام، أسْرِج الدابَّة، واذهبْ أنت يا غلام فجئني بثيابه، ثم مَضَى وتركني. فلبِستُ ثيابي ولحقت به. فدخلت وهو قاعد على مصلّى عند باب الرّواق، وبحذاء المصلَّى آخَرُ عليه مخارق، وقد أخْلِيَ لي الصدْر. فلما دخلتُ قام إليَّ مخارق فسلَّم عليَّ، ثم جلس، فأقبلنا نتذاكر أيامنا، فقال محمد بن الفضل: يا غلام، ما عندك من الطعام؟ قال: جَدْي بارد وفراريج وشرائح. قال: آتنا بما حَضَر. ثم بعث إلى الجواري يأمرهنَّ بالغَدَاء، فتغدَّينا، وتغدَّى الجواري، ثم خرجْن إلينا، ومع كلِّ واحدة وصيفة تَحْمِل عودَها، ومعها مِذبَّة. فقعدْن وأخذن عيدانهنَّ، فكان إذا مرَّ بي الصوت أستحسنُه من مخارق استعدتُه وأشرتُ إليهنَّ ليأخذنه، فغنَّى مخارق: يقولُ أُناس لو تبدَّلْتَ غيرَها ... لعلك تَسْلُو إنما الحُبُّ كالحِبِّ فاستحسنتُه واستعدتُه مرَّاتٍ، فقال لي مخارق: يا أبا جعفر، كأنَّه قد دار لك! قلتُ: إي والله. قال: ففيه عيب. قلتُ: وما ذاك يا أبا المهنَّأ؟ قال: هو فَذٌّ. قلتُ: فتحبُّ أن يكون تَوْأَمًا؟ قال: إي والله. فقلتُ: فقلت لهمْ: لو أَنَّ قلبي يُطيعني ... فَعَلْتُ ولكنْ لا يطاوعُني قَلْبي فاستحسنه وغنى فيه ثم قال لي يا أبا جعفر لي صوت عيبه كعيب هذا فقلت وما هو فقال: زرْ آل زينَب أيُّها الوجِعُ ... واسأَلْهُمُ أعطوْك أو مَنَعوا

стр. 73

فقلتُ: واشْف السقَام بأَن تَزُورَهُمُ ... فبقرْب زينب يَذْهَب الوَجع ومن شعر أبي جعفر أحمد بن محمد اليزيدي: فؤاديَ مشتاق وقَلْبيَ تَائقٌ ... إلى ذات دَلٍّ بينُها لِيَ شائقُ بجُمْلٍ صَبَا قلبي كما أنها صبتْ ... متَى تَدْنُ يومًا يأْلَف النومَ عاشقُ مُعَنًّى شكا ما تَشْتَكيه فإنما ... يحنُّ كلانا؛ ذاتُ وجدٍ ووامقُ كئيبٌ تراهُ يُظهر الصبْرَ جُهْدَهُ ... على أن دَمْع العين بالشوق ناطقُ وجُمْلٍ بأَرضٍ لو إليها تخلُّصٌ ... لولَّيتُ أسعى نحوها وأُسَابقُ تَضَنُّ علينا زينبٌ بنَوالها ... وهل إن دنتْ جُمْلٌ بنا لا تفارقُ وليستْ كجمْلٍ زينبٌ، جملُ إِن تُنِبْ ... أنيبُ وإن تَفْسُقْ فإنِّيَ فاسقُ تُثيب إذا أحسنتُ والعذْرُ عندها ... رحيبٌ إذا عاقتْ لديها العوائقُ يؤخذ من أول كل بيت كلمة تامة، فتكون: فؤادي بجُمْلٍ مُعَنًّى كئيبُ ... وجُمْلٌ تَضَنُّ وليست تُثِيبُ وله أيضًا: لَئِنْ بَعُدَتْ عن الأحباب دارُ ... فمالي بعدَ فُرْقَتِهمْ قَرَارُ هنا هُمْ عَيْشُهُمْ، وَصَفَاء عَيْشي ... يُكَدِّرُه حَنينٌ وادِّكَارُ كئيبٌ بالنّهار حليف حُزْن ... أخو ليلٍ إذا ذَهَبَ النهارُ أبيتُ إذا هُمُ باتوا نيامًا ... وبين حَشايَ للهِجْران نارُ أَأشقى يا عبادَ الله عُمْرِي ... ويَسْعَدُ أهلُ وُدِّي حيثُ ساروا يواصلهمْ أُناسٌ بعد ناسِ ... ويلهيهمْ سَمَاعٌ أو عُقارُ

стр. 74

بقيتُ بلا أخٍ إن رمتُ حتَّى ... أصارمَهم وإن قلَّ اصطبارُ علا في المكرُمات وفي المعالي ... سليمان فَتَمَّ له الفَخَارُ سأذكر يا أبا أَيُّوبَ فَضْلًا ... حوتْه لك الجحاجحةُ الكبارُ لَجَارُك في المُلمِّ أَعَزُّ جارٍ ... لأنك خير قَرْمٍ يُستجارُ كأنك حاتمٌ جُودًا وبذْلًا ... إذا أَزَمَتْ وعزَّ بها القُتارُ وله أيضًا: ولقد شجتْني طفلةٌ بَرَزَتْ ضُحًا ... كالشمسِ خَثْماء العظام بِذي غَضَا ومثله: فطلبتُها ومضى الفرزدقُ ظاعنًا ... إذْ ضَجَّ شخصٌ بالمغيثَةِ كهمسا في كل بيت منها حروف: أ، ب، ت، ث. وقال أيضًا: حجّ الزكيّ بخُنث ظاعنًا فطغى ... وضقتُ بالبين صدرًا إذْ هُمُ شسعوا فيه حروف: أ، ب، ت، ث. وقال أيضًا: نفسِي تحدِّثُنِي بأَنك غَادِرُ ... وهوايَ فيكَ على ذُنُوبك سَاترُ تَعِدُ الوفاءَ وأنت تُظهرُ غيرَهُ ... ولقد يَدُلُّ على الضمير الظاهرُ لك مُقْلَةٌ طَمَّاحةٌ مَقسُومَةٌ ... بين الجميع كما يَدُور الدَّائرُ

стр. 75

لو زار بيتَك كلَّ يومٍ عَسْكَرٌ ... أرضاهُمُ لحظٌ بعينك فاترُ ومن البلاء بأنَّ عينك فاتنٌ ... للعالمين وأنَّ وجهَك ساحرُ وإذا برزتِ فكلُّ قلبٍ طائر ... شوقًا إليكِ وكل طَرْفٍ ناظرُ ولديك إسعافٌ لهم وإجابةٌ ... وهو الذي ما زلتُ منك أحاذر في دون هذا للمتيَّم سَلْوَةٌ ... عن إلفه لو أنَّ قَلْبيَ صابرُ ولأهجرنَّك جازعًا أو صابرًا ... إني إذا إِلْفٌ تنكَّرَ هاجرُ ٢٩ - أبو العباس الفضل بن محمد بن أبي محمد اليزيديّ هو الفضل بن محمد بن أبي محمد يحيى بن المبارك. قال أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله الصولي: حدثنا أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله، حدثني فَضْلٌ اليزيديُّ قال: كان محمد بن نصر بن ميمون بن بسام الكاتب أَسْرَى النَّاس منزلًا وآلةً وطعامًا وعَبيدًا، وكان ناقصَ الأدب، وكُنت أختلِف إلى وَلَدِه وولد عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم ليقرؤوا عَلَيَّ الأشعار. وكان عبدُ الله أيضًا سَرِيًّا جاهلًا، فدخلتُ يومًا والستارة مَضرُوبةٌ، وهو وعبد الله يَشْرَبان، وأولادهما بَيْنَ أيديهما، وكانوا قد تَأدَّبُوا وفهموا وظَرُفوا، فغنَّى بشعر جرير: أَلَا حيّ الدِّيارَ بِسُعْدَ إِنِّي ... أُحبُّ لحبِّ فاطمةَ الدِّيارَا قال: فقال عبد الله بن إسحاق لمحمد بن نصر: لولا جهل العرب ما كان معنى ذكر السعد هاهنا. فقال محمد بن نصر: لا تفعلْ يا أخي؛ فإنَّه يُقوِّي مِعدَهم، ويصلِحُ أسنانَهم. قال فضل اليزيدي: فقال لي علي بن محمد بن نصر: بالله يا أستاذ، اصفعهما وابدأ بأبي.
следующие страницы →