← Тараджим

Тараджим · id 13235

طبقات النحويين واللغويين

الزبيدي، أبو بكر

Полный текст (285 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ثم قدم عليَّ عند خروجه عنها، فقلت له: كيف تركتَ الأندلس؟ فقال لي: والله لقد رأيتُ بها ما لم أتوهم أن أراه مع نأي دارها؛ لقد رأيتُ فقهاء، وشعراء، ونحويين، وأدباء، ولقد رأيتُ رجلًا لو حُدِّثتُ أن في الأرض مثله ما صَدَّقتُ. فبادرتُه فقلتُ: أيوب بن سليمان؟ فقال لي: نعم. فقلتُ له: من أين نظرتَ إليه من هذه العين؟ فقال لي: نعم، الناس عندنا كل ذي فن منفرد بفنه، وهذا رجل يتكلم مع أهل الفنون كلهم في فنونهم. وكان أصله من جيَّان. وتوفي أبو صالح يوم الخميس لتسع بقين من المحرم سنة اثنتين وثلاثمئة. وهو القائل: وَمَن تحلَّى بغَيْر طَبْعٍ ... يُرَدُّ قسْرًا إلى الطَّبيعَهْ كخاضِبِ الشيْبِ في ثلاثٍ ... تهْتِكُ أستَارَه الطَّلِيعَهْ ٢٢٢ - طاهر بن عبد العزيز كان من أهل العلم باللغة والغريب، والرواية للحديث، وأدرك علي بن عبد العزيز، وحمل عنه علم أبي عبيد. ٢٢٣ - ابن خاطب هو أبو بكر بن خاطب المكفوف، كان ذا علم بالعربية والعروض والحساب، وله تأليف في النحو. ٢٢٤ - البغل هو أبو الحسن مُفرّج بن مالك النحوي، كان ذا صلاح وفضل ونية في تأديب المتعلمين، وأنجب على يده أكثر أهل زمانه، وله كتاب في شرح كتاب الكسائي.

стр. 247

الطبقة الخامسة ٢٢٥ - عُفير بن مسعود هو أبو الحزم عُفير بن مسعود بن عُفير بن بشر بن فضالة بن عبد الله الغساني. وكان من أهل العلم باللغة، وأخبار العرب، ووقائعها وأيامها، ومشاهد النبوة؛ وأرواهم للشعر، وكان من أهل مَوْرُور، ثم انتقل إلى إشبيلية، وخرج عنها عند حدوث الفتنة بها إلى قرطبة، فلم يزل ساكنًا بها حتى مات. ولما قدم العجلي من العراق منع كتبه وضن بها، واستدعى الناسَ إلى أن يُملِيَ عليهم، فتسارب الناسُ إليه، وانجفلوا إلى مجلسه، فخلا مجلس الخشني. قال عفير: فقال لي الخشني: ما لك لا تسرع إلى ما أسرع الناس إليه؟ فقلت له: لست أبغي بك بدلًا. فقال: أحب أن تأتي الرجل وتشهد مجلسه. فغدوتُ إلى العجلي، فحضرتُه يملي: المِرَّةُ العداوةُ، وجمعُها مِرَرٌ. وكان أحدُ من يكتب بين يديه زيدٌ الجيَّاني، فقلت: يرحمك الله! قال أبو عبيد في "المصنف": المِئْرَةُ العداوةُ، وجمعُها مِئَرٌ. قال: فكأني أنظر إلى زيدٍ قد محا ما كتب، وقال: هذا الحق. ثمَّ رددتُ عليه كلمةً ثانيةً، وثالثةً في المجلس، فانفض الناسُ عنه، ولم يعد إليه بعدها أحد. وبدر الخبرُ إلى الخشني، فلما أتيتُه استدناني، وقبَّل بين عيني، وقال لي: نِعمَ مستودَع العلم أنت! وكان أحمد بن بشر بن الأغبس، وعبد الملك بن شُهَيْد قد تمالآ

стр. 248

على عُفَير، واستخرجا من كتاب "العين" حروفًا مهملة، ونسخا من ذلك دفترًا ضخمًا، ولقيا عفيرًا بالكتاب، وأغربا به عليه، فأبطل جميع ذلك وأسقطه، ودفع أن يكون من كلام العرب، فقال له عبد الملك بعد أن نهض إليه فقبل يده: قبح الله بلدًا ضاع فيه مثلُك. وكان عفير قد أسنَّ وبلغ المئة، فكان أبناء الملوك يتغفلونه، ويخبرونه عن الجن بأخبار يصنعونها له، فيتقبل ذلك منهم. وتوفي في ربيع الآخر سنة سبع عشرة وثلاثمئة. ٢٢٦ - ابن أزهر الإستجي هو موسى بن أزهر؛ كان عالمًا باللغة، حافظًا لها، متقدمًا فيها، يُقرأ عليه شرحُ الحديث، والغريبُ المصنفُ ظاهرًا. ٢٢٧ - صالح بن معافى كان من ذوي العلم بالعربية والرواية للشعر، وكان يؤدب عند بني فُطَيس، وكان ذا خيرٍ وفضلٍ في الدين، وكان محمد بن يحيى القلفاط قد كايده، وأراه أنه ممن يبتغي النظرَ عنده، وانتسب له إلى البادية، فأظهر له صالح بن معافى الاجتهاد في تأديبه وتبصيره، فاختلف القلفاط في ذلك إليه أيامًا، إلى أن أُعلم صالحٌ بخبره، فأمر تلاميذه بضمِّه إلى بعض سواري المسجد، ثم تناول ضربه، وأمر التلاميذ أن يتداولوه بالضرب؛ حتى كادوا يأتون عليه. ٢٢٨ - الحكيم هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل؛ كان الغاية في علم العربية والحساب وحد المنطق، وكان دقيق النظر، لطيف الاستخراج، صحيح الخاطر، ولم

стр. 249

يكن أحدٌ من أهل زمانه يتقدمه في علمه ونظره، وأنجب على يديه جملة من المؤدبين والشعراء والكتاب، وكان بكيَّ اللفظ، عيًّا بالمخاطبات، ثقيلًا في إملاء النحو، فإذا أخذ في إثارة المعاني اللطيفة، والمسائل الدقيقة لم يتعاطه أحد من أهل زمانه في ذلك، بل كان ألحظهم في الفهم عنه، والتلقن لما يورد. وأخذ عن محمد بن الغازي ما جلبه من الأشعار المشروحة رواية عنه، وسماعًا عليه، ولم يكن له في قرض الشعر كبير حظ، ولا رُوِي له في ذلك غير ما أذكره الآن له. أخبرنا بعض المتأدبين أن محمد بن يحيى القلفاط بات عنده ليلة، فسَهِرا صدرَ ليلتِهما، ثمَّ ناما بقيَّتَها حتى تبلَّجَ الصُّبحُ، وكادت الشمسُ تطلُع عليهما، فانتبه القلفاطُ فقال للحكيم: يا ديكُ ما لكَ لم تَصْرُخْ فتنبِهَنا ... لقد أسأتَ بنا، ديكَ الدَّجاجاتِ يا آكلًا للقَذَى يا سَالِحًا عَبَثًا ... على الحَصير بَهيميَّ البَهيماتِ فأجابه الحكيم فقال: لقد صرختُ مرارًا جمَّةً عددًا ... قبلَ الصَّباحِ وبعدَ الصُّبْحِ تاراتِ لكن علمتُك نوَّامًا وذا كسلٍ ... قليلَ ذكرٍ لجبَّارِ السَّماواتِ وأنشدني بعضهم له: سَلْ تَقِيًّا باللهِ يابنَ تقيِّ ... هل ترى قتلَ مُستهامٍ شجيّ كُلَّما جنَّ ليلُهُ بات يَرْعَى ... أنجمًا هائمًا بطرفٍ خفيّ يا سَمِيَّ النَّبيِّ حسبُكَ ما بي ... لا تزدْني جوًى بحقِّ النَّبيِّ قال محمد: شدَّد الحكيمُ ياءَ "شجيّ"، وهو جائزٌ، وإن كان علماء النحو قد حظروا ذلك، وزعموا أنَّ الياءَ من "الشجي" مخففة، ومن "الخلي" مثقلة، والقياس ما ذكرنا، قد جاء بالتشديد لأبي دواد الإيادي:

стр. 250

مَن لِعينٍ بدمعِها مَوْليَّهْ ... ولنفْس بما عراها شجيَّهْ فبناها لى "فعيلة". وعاش الحكيمُ حتَّى بلغ ثمانين سنة، وأدَّب أميرَ المؤمنين الحكمَ المستنصر بالله ﵁، وأعقبه ابنًا قدَّمه أميرُ المؤمنين ﵀ إلى خزانة المال. وتوفي لعشر خلون من ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وثلاثمئة. ٢٢٩ - القلفاط هو أبو عبد الله محمد بن يحيى بن زكريا، وكان بارعًا في علم العربية، حافظًا لها مقدمًا فيها، ولم يكن أحد يقارن الحكيمَ في علمه وثقابة ذهنه في نظره غيره؛ إلا أن الحكيم كان يفوق الجميع بما قدمنا ذكره من لطيف النظر. وكان حافظًا للغة بصيرًا بها، وكان شاعرًا مُجوِّدًا مطبوعًا، وكان يُقصِّدُ فيطيل ويُحسن. أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن معاذ -وكان أديبًا صدوقًا- قال: أخبرني بعض من دخل العراق من الأدباء قال: استنشدني المعوَّج ببغداذ لأهل بلدنا، فأنشدته لأحمد بن محمد بن عبد ربه قصيدةً، وثانية، فلم يستحسن شيئًا مما أنشدته، فأنشدته لمحمد بن يحيى: يا غَزَالًا عَنَّ لي فابـ ... ـتَزَّ قلبي ثمَّ وَلَّى أنتَ مِنِّي بفُؤادِي ... يا مُنَى نَفْسِيَ أَوْلَى حتى أتيت على آخر الشعر، فقال: هذا الشعرُ بختْمِهِ، لا ما أنشدتني به آنفًا. حدثني محمد بن عمر بن عبد العزيز، أخبرني بعض الشيوخ أنه شهِد

стр. 251

عبيد الله بن يحيى وهو يُحدِّث ببعض القُطعان، إلى أن حدَّث بحديثٍ ذكر فيه: "لا يُسَجّي المسلم في عرض أخيه"، وكان في المجلس أحمد بن بشر بن الأغبس، وزيد البارد، ومحمد بن أرقم، فبدر ابن أرقم فقال: سبحان الله! هذا لا ينتسب إلى رسول الله ﷺ ؛ لأنه أمر بالتَّسجية والسّتْرة. فخجل الشيخ والتفت إلى ابن الأغبس، فقال: ما تقول يا أبا القاسم؟ فقلت: أنا وإن كنت أَتقدَّمُهما في السِّنِّ فهما يتقدمانني في العلم، ولستُ أتكلم بمحضرهما. فقال لهما عبيد الله: اطلبا للكلمة مخرجًا، دون أن تغيرا خطَّها. فقالا: يمكن أن يكون "لا يَسْحي المسلم في عرض أخيه". قال: وما "يسحي"؟ قالا: يقشِر، يقال: سحوت القرطاس، وسحيت السَّحَاءة، وسَحَتِ المطرةُ الأرضَ. واستشهدا ببيتٍ من الشعر: أصابَ الأرضَ من نَوْء الثُّريَّا ... بساحيةٍ فأخطأت الطّلالَا قال المحدِّثُ: فخرجتُ عن المجلس بعدما انفضَّ أهلُه، فلما أتيتُ باب العطارين إذا محمد بن يحيى القلفاط، فقال لي: مِن أين؟ قلتُ: من عند الشيخ أبي مروان. فقال: حفظ الله الشيخ، شيخ المسلمين وابن شيخهم، وسيدهم وابن سيدهم، فهل من خبر فيما هنالك؟ قلتُ: نعم، حدَّث الشيخُ بكذا، فقال عائذًا بالله أن يُنسَب هذا إلى رسول الله ﷺ . فقلتُ له: بدر ابنُ أرقم قال كذا. فقال: ابن الأرقم لقد ارتقى مرتقًى صعبًا، أَوَقَدْ يتكلَّمُ في مجالس العلماء! فما قال ابن بشر؟ قال: تابعه على مقالته. قال: فما قال زيدٌ؟ قلتُ: قال كذا وكذا. قال: نعم حمار الطاحونة. ثم أطرق عني ساعة ثم قال: ليس كما قالا، والصواب: "لا يشْحَى المسلم في عرض أخيه". قلتُ: وما "يشحَى"؟ قال: يفتح فاه بسبِّه،

стр. 252

يقال: شَحَا الحمارُ فاه بالنهيق. قال: فصابحت المجلس من الغد، فألفيتُ ابن أرقم جالسًا، فقصصتُ له القصةَ، فقال ابن الأغبس: هذا والله الصواب، وصدق أبو عبد الله. وكان محمد بن يحيى كثير الثَّلْب لأعراض الناس، شديدَ التعرُّض لهم، كثيرَ المهاجاة للأدباء، وكأنه شأنُه التَّهكُّم بالمؤدِّبين، يتطرَّق عليهم، ويتنكَّر لهم، وقد ذكرنا قصَّته مع صالح بن معافى. وكان مع ذلك وسخَ الثيابِ، رَذْلَ الهيئةِ، نَزْرَ المروءةِ. حدثني أبو العباس الطَّبِيخيُّ قال: لما كثَّر محمدُ بن يحيى بهجاءِ حُرقُوص، وكان سبب هجائه أنَّ حرقوصًا وعده بالخروج معه إلى كرْمٍ له بالجبلِ، فشُغِل عن أن يفِيَ له بما وعده، فلجَّ محمدُ بنُ يحيى في هجاء حُرقوصٍ، فبلغ ذلك والدَ حرقوص، فدارى محمد بن يحيى ولاطفه، واستركبه إلى الكرم، وجنى له منه ما حمله إلى منزله، فلم يرجع محمد بن يحيى عن هجائه، فاستخار اللهَ حرقوصٌ في الفتك به، فتوخَّى وقتًا يخلو فيه محمد بن يحيى في داره، وأعدَّ معه سكينًا، ثم تسوَّر عليه في داره، فلما بصُر به محمدٌ أيقنَ بالشر، واستقبل القبلة ودخل في الصلاة، فأمسك عنه حرقوص، فقال: يا فاسق، واللهِ لولا أنك عذتَ بالله؛ للقيتُ الله بدمائِك؛ فإنك زنديق حلال الدم. وحرقوص هذا غير صاحب الطبقات، وأنشد بعض الأدباء لمحمد بن يحيى: يا سائلي عن وزن مُسْحَنْكِك ... مِن آن أَيْنًا وأَنَى يَأْنِي تقديرُه مِن آنَ "مؤينِّينٌ" ... ومن أنى قولك: "مؤينِّي" فهكذا تقديره منهما ... ليسَ على ذي بصرٍ يُعْيي ثم الكسائي وتصغيرُه ... أسهلُ شيءٍ أيها الملقي تصغيرُهُ لا شكَّ فيه كسـ ... ـلّيٌ فمنْ في مثل ذا يُخطي! أربعُ ياءاتٍ وأنت امرؤٌ ... نقصتَه ياءً ولم تدرِ

стр. 253

وبعدَ هذا فَعِيَنْ واسمَعَنْ ... فإنَّني إيَّاك مُسْتَفْتِي عن وزنِ فَيْعُول وعن وز ... ن فعلول جميعًا من طوى يطوي وعن فَعُولٍ من قويٍّ ومَفْـ ... ـعول أجب واعْجَلْ ولا تُبْطِي وكيف تصغيرُ مَطايا اسم إِنْـ ... ـسان وما الحرف الذي تُلْقِي منه فإنْ كنتَ به جاهلًا ... فلست تُحْلِي لا ولا تُمْري وعن خطايا اسمًا تَسَمَّى به ... إن كنتَ تصغيرًا له تَدرِي هل ياؤُهُ قلْ بَدَلٌ لازمٌ ... أنت لها لا بدَّ مُسْتَبْقِي أم هل تعودُ الياءُ مهموزةً ... فَسِّر لنا تفسيرَ مُستقْصِي إن كان تصغيرُ مطايا كتصـ ... ـغير خطايا قُلْ ولا تُخْطِي فإن تُصِبْ هذا فأنت امـ ... ـرؤٌ أعلمُ من خليلٍ النَّحْوِي قال محمد بن حسن: لم يصنع شيئًا في قوله: "آن أَيْنًا"، وفي قوله: "مُؤْيَنِّي"، والصواب: "آن يئينُ أَوْنًا"، وتقدير "مُسْحَنْكك" منه: "مُؤْوَنِّنٌ"؛ لأنَّ اشتقاقَ "يَئِينُ" من الأوان. فإن قال قائل: كيف يكون "فَعَلَ يَفْعِلُ" مِن ذوات الواو، وقد حَظَرَ ذلك جماعةُ النحويين؟ قيل له: إن "يئين" على مثال "فَعَلَ يَفْعِلُ" مثل: حَسِبَ يَحْسِبُ، وكذلك زعم سيبويهِ نصًّا. وقد ذكر القُتبيُّ أنَّ "آن يئين" مقلوبٌ مِن "أنا نأنى" وذلك أيضًا غلطٌ؛ لما قد بيَّنَّاه، فأما "أنا يأنى" فمن ذوات الياء، ومنه اشتُقَّ الإني والإناء لواحد الآنية، وكذلك قوله: "ولا تُمْرِي" إنما هو: "ولا تُمِرّ"، والذي قاله من كلام العامة. ٢٣٠ - الأقشتيق هو محمد بن موسى بن هاشم بن زيد، مولى المنذر ﵁.

стр. 254

وكان متصرفًا في علم الأدب والخبر، ورحل إلى المشرق، فلقيَ أبا جعفرٍ الدِّينَوَرِيَّ، وانتسخ كتاب سيبويه من نسخته، وأخذه عنه روايةً، وأخذه عن المازني، وروى كتب ابن قتيبة عن إبراهيم بن جميل الأندلسي، أخذها عنه بمصر، وله كتب مؤلفة في الأدب، منها: شواهد الحكم، وكتاب طبقات الكتَّاب. وتوفي في رجب سنة سبع وثلاثمئة. ٢٣١ - ابن الأغبس هو أحمد بن بشر بن محمد بن إسماعيل التُّجيبيّ. كان فقيهًا على مذهب الشافعي، ومائلًا إلى الحديث، وكان لحق بأهل الشورى، وكان يتفقه في مجلسه للشافعي، فإذا شهد مجلس الشورى قال بقول أصحابه. وكان عالمًا بكتب القرآن، قد أتقن كل ما قاله فيه قائل من جهة التفسير والعربية، كثير الرواية، جيد الخط، ضابطًا للكتب؛ وأخذ عن العجلي، والخشني، وابن الغازي، وطاهر بن عبد العزيز. وتوفي سنة ست وعشرين وثلاثمئة. ٢٣٢ - ابن أرقم هو محمد بن محمد بن أرقم، وكان من أهل العلم بالعربية واللغة والكلام في معاني الشعر، وكان مؤدبًا لأمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر ﵁، وكان أبوه يؤدب أبناء الخلفاء ﵃. ولما أمر أمير المؤمنين عبد الرحمن ﵁ بانتساخ شعر حبيب؛ أحضره وأحضر جماعةً

стр. 255

من الأدباء، منهم: موسى بن محمد الحاجب، ومحمد بن يحيى القلفاط، وابن فرج المعروف بالبيساري. وكان ابن فرج من أهل العلم بالعربية، وكان لا يناظر الحكيم والقلفاط من أهل الزمان غيره، فشاورهم: أي القصائد يقدم في صدر الكتاب؟ فقال ابن أرقم: إنما يفضل الشعر ويقدم لغرابته وحسن معناه؛ وشعره الذي فيه وصف القلم لم يتقدمه عليه متقدم، ولا لحقه فيه متأخر. فدفعوا جميعًا عليه، وقالوا: الوضيع يتعصب للوضيع -يعنون ابن الزيات- فأخجلوه، فبينا هم كذلك إذا استؤذِن لأبي عبد الله الغابي، فأذن له، فلما استوى في المقعد سئل عما جرى من القول، فقال: أخبرني أبو الحسين المغني: أن أهل بغداذ لا يفضلون على شعره اللامي الذي ذكر فيه القلم شيئًا؛ لغرابة معناه. والغابي يعلم شيئًا من اختلافهم في ذلك، وإنما سئل عما يجب تقديمه. فاستطال ابن أرقم على أصحابه، فقال: مَثَلي مع هؤلاء ما قاله حبيبٌ:

стр. 256

كلاب أغارتْ في فريسة ضَيْغَمٍ ... طروقًا وهامٌ أُطعِمَتْ صَيْدَ أَجْدَلَا وإنما يغمُّني أن أكون في بلدٍ يتحكَّم عليَّ فيه مَن لا يعرف ما أقول. ٢٣٣ - زيد البارد هو زيد بن الربيع بن سليمان الحَجَري، وكان له حظ من العربية واللغة، وكان حسن الضبط للكتب، متقنًا لها، وهو الذي جمع بين الأبواب في كتاب الأخفش، فاقتدى الناس به، وكانت الأبواب متفرقة، رأيت النسخة الأولى، فرأيت أبوابها مفترقة. وتوفي في صفر سنة ثلاثمئة. ٢٣٤ - أبو الوليد الغافقي هو هشام بن الوليد بن محمد بن عبد الجبار، وكان علمُ العَرُوض أغلبَ، وكان قصير الباع في العربية، وأدب أمير المؤمنين عبد الرحمن ﵁، وأدب الحكم أمير المؤمنين ﵀. وتوفي سنة سبع عشرة وثلاثمئة. ٢٣٥ - أبو الفتح سعدان كان ذا علم باللغة والعربية. ٢٣٦، ٢٣٧ - ثابت بن عبد العزيز السرقسطي، وابنه قاسم كانا من أهل العلم بالعربية، والحفظ للغة، والتفتن في ضروب العلم؛ من علم الدين وغيره، ورحلا إلى المشرق، فلقيا رجال الحديث ورجال اللغة، وجمعا هنالك علمًا كثيرًا، وهما أول من أدخل كتاب العين بالأندلس. وألف قاسم كتابًا في شرح الحديث سماه كتاب "الدلائل"، وبلغ فيه

стр. 257

الغايتين: الإتقان، والتجويد؛ حتى حُسِد عليه، وذكر الطاعنون أنه من تأليف غيره من أهل المشرق، فمات قبل إكماله، فأكمله أبوه ثابت بن عبد العزيز. سمعت إسماعيل بن القاسم البغداذي يقول: لم يُؤلَّف بالأندلس كتاب أكمل من كتاب ثابت في شرح الحديث، وقد طالعت كتبًا أُلِّفت فيما لديكم، ورأيت كتاب الخشني في شرح الحديث وطالعتُه، فما رأيته صنع شيئًا، وكذلك كتاب عبد الملك بن حبيب. قال محمد بن حسن: ولو قال إسماعيل: إنه لم ير بالمشرق كتابًا أكمل من كتاب قاسم في معناه؛ لما رددتُ مقالته، على أن لأبي عبيد في هذا الفن فضل السبق عليه. وقال إسماعيل: أخذتُ كتاب الدلائل على ولد قاسمٍ إعجابًا مني بالكتاب، وما كان ولده أهلًا للأخذ عنه. قال محمد بن حسن: وكان ابنه مُضعَّفًا، وكان ثابتٌ وقاسمٌ من أهل الفضل والورع والعبادة. ٢٣٨ - الجرفي هو محمد بن سليمان الأنصاري المكفوف، وكان ذا فضل وعبادة، وكان حسن الإفهام، مجتهدًا في التأديب، وأنجب على يديه خلق كثير، وكان مُقرئًا، وقرأ القرآن على ابن الرَّفَّاء، وقرأ ابنُ الرَّفَّاء على ابن خيرون، وعلى ابنة صاحب الفرن ببغداذ، وكانت لا نظير لها في القراءة. وتوفي في رجب سنة ست وعشرين وثلاثمئة. ٢٣٩ - المنذر بن عبد الرحمن هو أبو الحكم المنذر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن المنذر بن الإمام عبد الرحمن بن معاوية ﵁، ويُعرف بالمذاكرة؛ لأنه كان إذا

стр. 258

لقِيَ رجلًا من إخوانه قال له: هل لك في مذاكرة باب من النحو؟ فلهج بهذه الكلمة، وأكثر منها، حتى نُبِز بها. وكان له القدر النبيل، والحظ الموفور في العربية وعلم الأدب، مع التصاون والنزاهة وحسن السمت، وكان قريب المكان من الوزير القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة، كثير اللزوم له والتكرر عليه؛ إذ كان ممن نشأ معه، وجمعه التأدب به. وحكى بعض الأدباء عن محمد بن عبد الرحمن بن زياد قال: استأذن أبو الحكم على أحمد بن أبي عبدة في بعض الأيام وأنا عنده، وقد غصَّ المجلس بعِلية الرجال وأعلامهم من مواصل وطالب حاجة، فأذن له وأوسع له في مقعده، ومال إليه بوجهه، وأقبل على محادثته. وكان أحمد قد دعا بسيفه للركوب إلى القصر، فوُضِع بين يديه، فلما انقضى ما بينهما من الحديث مدَّ أحمدُ بن محمد بن أبي عبدة يدَه إلى السيف فأقلَّه، وأقبل على أبي الحكم فقال له علانيةً: يا سيدي، إن سمَّيتَ هذا السَّيفَ من أعلاه إلى أسفله بما سمته العرب؛ فهو لك. فمد أبو الحكم يده إلى السيف، فأخذه والحياء بادٍ على وجهه، ثم وضع يده اليمنى على قائمه، فذكر ما فيه ما سمَّته العربُ به، وانتقل إلى التسمية إلى جميع ما فيه، حتى وصل إلى ذلك بأسفله، ثم لفَّه بحمائله، ووضعه بين يدي أحمد بن محمد بن أبي عبدة، فعجب جميعُ مَن شَهِد المجلسَ مِن سعةِ علمِه، وصحة حفظه، وحضور ذهنه، وأمر ابنُ أبي عبدة الخادمَ بين يديه أن يخرج بالسيف إلى غلام أبي الحكم ويدفعَه إليه، فاستعفاه أبو الحكم، فأقسم أحمد بن محمد أن لا بد من ذلك، وأمر بإحضار سيف آخر فركب به. وحدثني بعض الأدباء قال: سأل المنذرُ بن عبد الرحمن محمدَ بن مُبشّر الوزير في بعض مجالسه: كيف تأمُر المرأةَ، بالنون الثقيلة، مِن "غَزَا يَغْزُو"؟ فأجال ابن مبشر فيها فِكرَهُ، فلم يتجه له جوابها، فقال له: يا أبا الحكم، ما رأيتُ أشنعَ من مسألتك! اللهُ يأمرُها أن تقرَّ في بيتها، وأنت تُريد أن تأمرها بالغزو! وكان ممن اتصل بأمير المؤمنين ﵁ في أيام جدِّه ﵀،

стр. 259

وهنَّأه بالخلافة عند مصيرها إليه بأشعارٍ ذكر فيها تأميلَه له، وصَغْوَه نحوه. وهجا أبو الحكم محمد بن عبد الجبار؛ فتخلَّص مِن أبُوَّته؛ وبلغ في هجوه إلى إرادته، فقال: لَئِنْ كَرُمَتْ عُرُوقُك مِن قُريشٍ ... لقد خَبُثَتْ فُرُوعُكَ مِن نَوارِ فنِصفُكَ كاملٌ من كُلِّ مَجْدٍ ... ونِصفُكَ كاملٌ مِن كُلِّ عَارِ ٢٤٠ - بجنين هو أبو محمد عبد الله بن حرب بن إبراهيم بن عبد الملك بن يحيى بن إدريس الكلابي المعروف ببجنين. كان من أهل العلم بالنحو، دقيق النظر فيه، صحيح القياس على مسائله. وكان مُنجِبًا في المُتأدِّبين عنده. وتوفي في شهر رمضان سنة أربع وثلاثين وثلاثمئة. ٢٤١ - أبو عمرو بن حجاج هو قاسم بن محمد بن حجاج بن حبيب بن عُمَير؛ كان من أهل العلم بالنحو واللغة والحفظ لأيام العرب، وكان مُتقدِّمًا في علم العروض وعلم النحو. حدثني ابنه محمد بن قاسم، حدثني أبي قال: كنتُ كثيرَ المنازعة لأبي محمدٍ الأعرابي العامري أيام وُرودِه علينا، وكان قليلَ الالتفات إلى أهل العلم بالعربية، مُظهِرًا للغنى عنهم، فقال لي يومًا: يا أبا عمرو، تقولُ للمرأةِ: أنتِ تَوَدِّينَ كذا؛ فكيف تقولُ للنِّسوةِ، فقد اختلط عليَّ ذلك بسبب دخولي أمصاركم ومخالطتي لكم؟ فقلتُ في نفسي: الحمد لله الذي

стр. 260

أحوجَه إليَّ. ثم قلتُ: يا أبا محمد، في ذلك لغاتٌ للعرب؛ تقول للنسوة: أَنْتُنَّ تَوْدَدْنَ، وتَادَدْنَ، وتَيْدَدْنَ، وتِيدَدْنَ؛ كلُّ ذلك تقولُه العربُ. وكان أبو عمرو مستعملًا للغريب في كلامه، شديد التقعر في لفظه. حدثني أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الأشعث -وكان شيخًا حافظًا للأخبار- قال: دخل أبو عمرو يومًا على عمه إبراهيم بن حجاج، فقال له: ما الذي حبسك عنَّا، وبطأ بك عن مجلسنا؟ فقال له: أصلحك الله! أوجعني ظُنبوبي. قال: وما الظُّنبوبُ؟ قال: مُقدَّم عظمِ الساق. وكان بين يديه طبقٌ فيه سَفَرْجَلٌ جليلٌ، فأمر مَن حضر من الخدمة أن يبطحوه على ظهره، وقال: تناولوا هذا السَّفَرْجَلَ، فأوجعوا به ظُنبوبَه. وكانت روايته عن يزيد بن طلحة، ومحمد بن الغازي، وغيرهما من العلماء؛ وكان من حاضرة إشبيلية، وتوفي بها. ٢٤٢ - حُرقُوص هو عثمان بن سعيد الكناني، مولى لهم، من أهل جيَّان. وكان راويةً للحديث، حافظًا للأخبار، بليغَ اللِّسان، مُترسِّلًا، وكان يتفنن في علم الأدب، وله كتاب في طبقات الشعراء بالأندلس، جلب فيها أخبارهم. ٢٤٣ - أحمد بن عبد الكريم كان من أهل جيَّان، ويُنبَز بالرّنُوك، وكان له حظ من علم العربية والشعر، وكان يؤدب بالمدينة. ٢٤٤ - محمد بن أصبغ المجدّر هو أبو مروان محمد بن أصبغ بن ناصح المرادي، ويعرف بالناعورة، وكان ذا علم بالعربية، وبصر بمعاني الشعر، حسن التأدية له.

стр. 261

٢٤٥ - ابن حجاج هو محمد بن أيوب بن سليمان بن حجاج، ويعرف بالبكك، وكان من أهل العلم باللغة، والحفظ لها، ومن ذوي الإتقان في خطه وضبطه، وكان له حظ من فقه، وولي قضاء كورة تُدمِير. ٢٤٦ - محمد بن سيد هو محمد بن أحمد بن سيد بن عمر بن حبيب بن عمير، كان نحويًّا لغويًّا، وشاعرًا مطبوعًا، وأخذ عن ابن الغازي وغيره من العلماء، وكان من حاضرة إشبيلية، وأشراف جندها، وتوفي سنة ثلاثمئة. ٢٤٧ - أبو العباس بحوَم كان ذكيًّا في معاني الشعر، حسن التقريب لها، وكان له حظ من إعراب ولغة. ٢٤٨ - يحيى بن السمينة كان متقدمًا في ضروب من العلم، متفننًا في الأدب، حافظًا للأخبار القديمة، وذا حظ من علم الفقه، وكان يقول بالاستطاعة ويعلن بها. ٢٤٩ - عمير بن عمر بن حبيب بن عمير كانت له رحلة إلى الشرق، وسماع ورواية للفقه واللغة، وكان ساكنًا بحاضرة إشبيلية.

стр. 262

٢٥٠ - ابن وقاص القرشي هو أبو عبيدة وقاص، وكان من ذوي الفصاحة والعلم باللغة، وكان مطبوع الشعر، غزير القول، وكان من أهل مَوْرُور، ويسكن إشبيلية. ٢٥١ - محمد بن إسماعيل كان بصيرًا باللغة والشعر، وكان يؤدب بمسجد متْعَة. ٢٥٢ - مذحج المؤدب كان من ذوي العلم بالشعر، وكان ذا حظ صالح من العربية، وكان يقرض الشعر. ٢٥٣ - الأذيني هو محمد بن غانم، وكان من ذوي الفصاحة والعلم باللغة، والقرض للشعر، وكان من أهل أشُونة. ٢٥٤ - أبو عبد الله الغابي كان من أحفظ الناس لأخبار أهل الأندلس، وأشعار شعرائهم، وما دار بينهم من نتف أخبارهم وفكاهاتهم، وكان ذا فهم بارع، وخلق نبيل، ومنظر جميل، وكان يُقرأ عليه شعر حبيب، وعنه أخذ أبو العباس الطبيخي، وكان من ذوي التقدم في صناعة الشعر، وله بديهة عند أمير المؤمنين الناصر ﵁ في أول خَرجة خرجها إلى المدَوَّر إثر احتباس الغيث، فلما استقر بالمدور انسكب الغيث، ووافق ذلك مرور الغابي من باديته، فوقعت

стр. 263

عينه عليه، وأمر بصرفه، فلما صار بين يديه أمره بالقول في خروجه -وكانت أول خرجة خرجها- ويذكر الغيث، فقال بين يديه على البديهة بعد أبيات من النشيد: بدا الغَيْثُ لمَّا تبدَّى الإمامُ ... فلم يُدْرَ أيُّهما المغْدِقُ هُمَا رحمةُ اللهِ، هذا ندا ... هـ يهمِي، وذاكَ ندًى يَفْهَقُ ترى الناسَ يزهاهُمُ مَخرجٌ ... لمولاهُمُ معجِبٌ مُونِقُ في شعرٍ طويلٍ، فوصله عليه وحباه وكساه. ٢٥٥ - المرْوكي هو عبد الله بن مؤمن بن عُذَافر التُّجيبيّ، ويكنى أبا محمد، وكان عالمًا بالنحو والشعر والحساب والعروض، حافظًا للقرآن، كثير التلاوة له، وكان على مذهبٍ جميلٍ، وطريقةٍ قويمةٍ، وله أشعار في الزهد، وكان من ساكني إشبيلية، وكتب إلى سعيد بن السليم -وكان أُنزل عليه فارسٌ من فرسانه- بقصيدة أولها: أعلى المؤدب ينزل الفرسان ... وقرى المؤدب ضيفه القرآن ٢٥٦ - ابن أبي جرثومة هو أبو الأصبغ عيسى بن أبي جرثومة الخولاني، وكان يؤدب بالنحو والحساب والعروض والقرآن، وكان ذا خير وفضل في الدين، وكان مطبوع الشعر غزيره، وله قصائد في سعيد بن السليم، منها قوله: كيفَ بالدَّينِ القديمِ ... لكَ مِن أُمِّ تَميمِ! ولقد كان شفاءً ... مِن جَوَى القلبِ السَّقيمِ

стр. 264

يُشرِقُ الحسنُ عليها ... في دجَى اللَّيلِ البهيمِ خِلتُه بين العَذارَى ... قمرًا بين النجوم وفيها: أصبحَ المُلكُ سليمًا ... بسعيد بن السّليم ٢٥٧ - المقصدر هو أبو بكر بهلول الخثعمي، وكان مؤدبًا بالنحو والشعر، وكان حسن الخط جيد الضبط، وسكن إشبيلية حتى توفي بها. وقيل: إنه كان قديمًا من قرطبة، وله أشعار صالحة، ومن شعره: اسْلم ومُلِّيت فينا أيُّها الملكُ ... ما دار بالشُّهُبِ الدُّرِّيَّةِ الفلكُ أنت الهُمامُ الَّذِي ما في بديهتِه ... ولا رَوِيَّتِه أَفْنٌ ولا دَرَكُ تَبْأَى بك الصَّافناتُ السابِحاتُ كما ... يَبْأَى على ظهرك السنجابُ والفَنَكُ ٢٥٨ - طاهر كان بصيرًا بالنحو والشعر والعروض، وكان يؤدب بني هاشم وبني حُدَير. ٢٥٩ - عبد الصمد كان من أهل التأديب بالعربية، وكان ذا حظ من اللغة. ٢٦٠ - ضياء بن أبي الضوء كان من أهل العلم بالعربية والشعر، والحفظ لأيام العرب.

стр. 265

٢٦١ - أبو عمرٍو المَوْرُورِيُّ هو عثمان بن عمرو، وكان مؤدبًا بالعربية في حاضرة إشبيلية، وكان ذا سمت ووقار ومذهب جميل، وكان له ابنان؛ برع أحدهما في علم الحساب، ورحل إلى المشرق، فظهر هنالك فضله، ونظر الآخر في علم الأدب، فأخذ منه بحظ جزيل، وأدب بعد أبيه.

стр. 266

الطبقة السادسة ٢٦٢ - منذر بن سعيد القاضي هو المعروف بالبلوطي، مصنف الغريب، يكنى أبا القاسم، وكان متفننًا في ضروب العلوم، وكانت له رحلة لقي فيها جماعة من علماء اللغة والفقه، وجلب كتاب الإشراف في اختلاف العلماء رواية عن المؤلف محمد بن المنذر، وكتاب العين رواية عن أبي العباس بن ولاد، وكان يتفقه بفقه أبي سليمان داود القياسي الأصبهاني، ويؤثر مذهبه، ويحتج لمقالته، وكان جامعًا لكتبه، فإذا جلس مجلس الحكم قضى بمذهب مالك وأصحابه ﵏. وكان ذا علم بالقرآن، حافظًا لما قالت العلماء في تفسيره وأحكامه ووجوهه في حلاله وحرامه، كثير التلاوة له، حاضر الشاهد بآياته، له فيه كتب مفيدة؛ منها: كتاب الأحكام، وكتاب الناسخ والمنسوخ ... إلى سائر تآليفه في الفقه، والرد على أهل المذاهب. وكان ذا علم بالجدل، حاذقًا فيه، شديد العارضة، حاضر الجواب، ثابت الحجة، وكان أخطب أهل زمانه غير مدافع، مع ثبات جنان، وجهارة صوت، وحسن ترسل، وكان ذا منظر نبيل، وخلق حميد، وتواضع لأهل الطلب، وانحطاط إليهم، وإقبال عليهم، وكانت فيه دعابة حسنة، وله خطب عجيبة، ورسائل بينة، وأشعار مطبوعة. وقام بين يدي أمير المؤمنين الناصر لدين الله ﵁ عند دخول رسول طاغية الروم عليه، والمجلس محتفل بأهل الخدمة وهم قيام على أقدامهم، فارتجل خطبة عجيبة، وذكر فيها حق الخلافة وفرض الطاعة، ووصلها بهذه الأبيات:

стр. 267

مقالٌ كحدِّ السيف وسْط المحافلِ ... فَرَقْتَ به ما بين حقٍّ وباطلِ بقلب ذكيٍّ ترتمي جَنباته ... كبارق رعدٍ غير رعْشِ الأناملِ لخير إمام كان أوْ هو كائنٌ ... لمقتَبِلٍ أو في العصور الأوائل ترى الناسَ أفواجًا يؤُمُّون فضله ... وكلّهمُ ما بين راضٍ وآملِ وفود ملوك الروم وسْط فِنائه ... مخافة بأس، أو رجاءً لنائلِ فعِشْ سالمًا أقصى حياة معمَّرٍ ... فأنت غياث كلِّ حافٍ وناعلِ ستملكها ما بينَ شرق ومغربٍ ... إلى أرض قُسْطَنْطِين أو درب بابلِ وولي قضاء الجماعة بقرطبة، فلبث قاضيًا إلى أن توفي، فما حفظ له جور في قضية، ولا هوادة بسبب غاية، وهو القائل: هذا المقال الذي ما عابه فَنَدُ ... لكنَّ قائله أزرى به البلدُ لو كنت فيهم غريبًا كنت مُطّرحًا ... لكنني منهم فاغتالني النَّكَدُ لولا الخلافة أبقى الله بهجتَها ... ما كنت أبقى بأرضٍ ما بها أحدُ ٢٦٣ - أبو وهب بن عبد الرؤوف هو أبو وهب عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب بن عبد الرؤوف، وكان بصيرًا بالعربية حاذقًا فيها، وكان قد طالع كتاب سيبويه ونظر فيه، وكان له حظ في قرض الشعر، وهو القائل وكان سِناطًا: ليس لمن ليست له لحيةٌ ... بأسٌ إذا حصَّلتَه لَيْسَا وصاحبُ اللحيةِ مُستقبَحٌ ... يشبهُ في طلَعْتِه التَّيْسَا

стр. 268

إِنْ هَبَّتِ الريح تلاهتْ به ... وماستِ الريحُ به مَيْسَا ودخل يومًا على عبد الملك بن جهْوَر، فأقعده إلى جنبه، ومال إليه يحدثه، ثم دخل الخروبي فأقعده فوقه، فخرج أبو وهب مُغضبًا، وكتب إليه: بلوتُك أسنى العالمين وأفضلا ... وأهذبَ في التحصيلِ رأيًا وأجملا فقل لي: ما الأمر الذي صار مُخمِلي ... لديكَ، فأضحى مُسقِطًا لي مُخمِلا تُقدِّمُ مَن أضحى تقدَّم لومُه ... لقد ظلَّ هذا مِن فعالِكَ مُشكِلَا وما كنتُ أرضى -يعلمُ اللهُ- أنَّني ... مُساوِيه في الفردوسِ دارًا ومَنزِلَا فإن كنتَ قد قصَّرتَ بي عن مَحِلَّتِي ... صبرتُ، وما زال التَّصبُّرُ أجملَا ورحتُ على الدهر المُلِمِّ ألومُه ... فقد هِيضَ أعلاه وغودر أسفلا وكنت حَذيرًا خائفًا لك أن ترى ... لمثلي نصيبًا من ودادك أجزلا عذرتُك إلا أنَّ فَرْطَ محبتي ... وإخلاصَ وُدِّي سَهَّلا لي التَّذلُّلا فأجابه عبد الملك: ظلمتُك فيما كان مني مجمَلا ... على غير تحصيلٍ وعاتبتَ مُجمِلا تقربتَ من قلبي وإن كنتَ آخرًا ... وأُخِّر عن قلبي وإن كان أَوَّلَا ومتّ إلى غيري بعصرٍ تتابعت ... أياديه فيه فاستطال تذلُّلَا وإن كان رَبْعي كله لك مَقْعَدًا ... تبوَّأُ منه حيثُ أحببتَ مَنزِلَا وما أجهلُ القدرَ الذي أنت أهلُه ... ولا سرنا أضحى عليك مُظلِّلَا وما لي لا أرعى حقوقَك كلها ... وأشكر عذبًا من هواك مُعسَّلَا

стр. 269

وأنت أخ لي في القرابة والهوى ... وإِلْفي إذا أعيا الأليفُ وأعضلا وما ليَ من عُذرٍ يفي بجنايتي ... ولا خُطَّةٍ أُضحِي عليها مُعوِّلَا فإنْ عنَّ تقصيري بغيرِ تعمُّدٍ ... فغطِّ عليه مُنعِمًا مُتطوِّلَا وكان ذا كِبرٍ عظيمٍ، وبأوٍ مفرطٍ، ويُظهِر مع ذلك زهدًا! وولي الوزارة، وكان لا يزال يورد على أصحابه من الوزارة مسائلَ من عويص النحو، حتى برِموا منه، واستعفوه من ذلك. ٢٦٤ - يوسف بن سليمان الكاتب كان من أهل العلم بالعربية، حافظًا لها، حسن القياس، لطيف النظر، وكان كاتبًا بليغًا عالمًا بحدود الكتابة، بصيرًا بأعمالها، ووَلِي خُطَّة الخزانة والمخزون. ٢٦٥ - يوسف البلوطي هو أبو عمر يوسف بن محمد بن يوسف بن سعيد بن سعد بن سراج بن طريف. أخذ عن طاهر بن عبد العزيز، وابن الأغبس، وكان حافظًا للغة، وذا حظ من العربية، وأدب عند الحديريين، وكان يُقرأ عليه كتاب الأدب، وكتاب يعقوب في إصلاح المنطق، ونحو ذلك من كتب اللغة. وتوفي سنة أربع وثلاثين وثلاثمئة. ٢٦٦ - درود هو عبد الله بن سليمان بن المنذر بن عبد الله بن سالم المكفوف. وكان له حظ جزيل من العربية، وكان يَقْرِض الشعر، ويمدح الملوك، وله في ذلك قصائد حسان، واستأدبه أمير المؤمنين الناصر لدين الله ﵁ لولده. وتوفي سنة أربع وعشرين وثلاثمئة.

стр. 270

٢٦٧ - سعيد بن قدامة البلوطي كان مؤدبًا عالمًا بالعربية، وكان يميل إلى مذهب الكوفيين، وكان ذا سمت ووقار. ٢٦٨ - الذهن هو أيوب مصوَّر، كان ذا علم بالعربية، ومؤدبًا بها، وأدب ولد أمير المؤمنين الناصر لدين الله ﵁. ٢٦٩ - أحمد بن محمد الأعرج هو أبو عمر أحمد بن محمد بن هاشم بن خلف بن عمرو بن سعيد بن عثمان بن سليمان الغازي القيسي الأعرج. وكان قد سمع الحديث، ورواه عن محمد بن عمر بن لبابة، والقاضي أسلم بن عبد العزيز، وأحمد بن خالد، وغيرهم، ثم مال إلى النحو فغلب عليه، وقيل: إنه طلب النحو ليستعين به على علم الحديث والفقه، فأدركه بعض الاختلال عند اتخاذه العيال، فجعل التأديب عونًا على ما لزم من مؤونتهم، إلى أن توفي. وكان مهيبًا في تأديبه، وكان لا يجترئ أحد ممن تأدب عنده أن يظهر غير الجد، وكان هو يلقب بالقاضي. وتوفي سنة خمس وأربعين وثلاثمئة. ٢٧٠ - أحمد بن يوسف هو أحمد بن يوسف بن حجاج بن عمير بن حبيب بن عمير، كان من أعلم الناس بالنحو، وأحفظهم لمسائله، وكان كتاب سيبويه بين يديه، لا يني عن مطالعته في حال فراغه وشغله وصحته وسقمه، وكان من أحذق

стр. 271

الناس بعلم العروض، وأحفظهم له، وكان شاعرًا مجودًا، وكان له حظ من علم الموسيقى، وبسبب ذلك كان يصغي إلى الملاهي. وتوفي سنة ست وثلاثين وثلاثمئة. ٢٧١ - أبو أيوب بن حجاج هو سليمان بن سليمان بن حجاج بن عمير، وكان شاعرًا مجودًا، وخطيبًا بليغًا، حافظًا للأخبار القديمة، جيد الاقتصاص لها، وكان له حظ من العربية واللغة، وقال الشعر بعدما أسن فأحسن وجود، وهو القائل في ابن عمه أحمد بن يوسف -وكان بينهما تباعد-: قريبُ رِحْمٍ، بعيدُ مَرْحمةٍ ... ما نالني من أذًى فمنه وبه وله قصائد حسان جيدة المعاني حلوة الألفاظ، منها قصيدته الكافية التي يقول في أولها: كنتُ حُرًّا فصِرتُ عبدًا ومِلْكًا ... لظلومٍ لا أرتجي منه فَكّا وقصيدته التي أولها: أَقِلِّي من اللَّومِ أو أكثِري ... سواءٌ على قلبِ مُستهترِ وفيها: يروحُ ويغدُو على وَصْلِهِ ... بجهرٍ مُريبٍ وسرٍّ بَرِي ولمَّا نُبِش قبرُ عمه إبراهيم بعد ثلاثين عامًا من دفنه، اتَّهم بعضَ مَن

стр. 272

كان يناوئهم، فقال: لئن شَمِتَ الواشون بالحادثِ الذي ... عَرَا الجدَثَ المحبوبَ مِن نَبْشِ طارِقِ بليلٍ سرى والليلُ يكتم أهلَه ... فهلَّا أتاه عامدًا صُبْحَ شارق! فما نَبشُوا إلَّا المكارمَ والعُلَا ... وما إن رأينا خالدًا في المهارق وفيها يقول: وإلَّا فقولوا: نحنُ أربابُ نبشِه ... فيدرون إنْ كان الوعيدُ بصادقِ وأخذ عن ابن الغازي وغيره من العلماء. وتوفي سنة ثمان وثلاثين وثلاثمئة. ٢٧٢ - ابن الجرز هو عمر بن عثمان بن محمد بن عمر بن حبيب بن عمير، كان من أهل البلاغة والشعر، وكان ذا حظ من اللغة والنحو، وله رسالة ناقض فيها عبد الله بن المقفع في "اليتيمة"، فظهر فضله فيها، وهو القائل في أمير المؤمنين الناصر لدين الله ﵁: يابن الخلائف أنت الغيث مُنْسكبًا ... والليثُ في مُلتظَى الحربِ الهزَبْرِيُّ والثامنُ المرتجى للمَشرِقَينِ معًا ... يدينُ حُبَّك شرقيٌّ وغربيُّ ويرتجيك شآميٌّ يزيديٌّ ... ويتَّقيك عراقيٌّ حُسَينيُّ ولو رآكَ بنو العباس ما اختلفتْ ... علومهم أنك الهادي الهشاميُّ وأنت المقتضي تلك الحقوق وما ... للملك غيرُك منصورٌ ومهديُّ وكتب إلى أمير المؤمنين المستنصر بالله ﵁ وقد تأخر الإذنُ عنه بعد وصول غيره:

стр. 273

يا لبابَ اللبابِ مِن عبد شمسِ ... ومحلَّ الحياة من كلِّ نفسِ إن يكن مُبعِدِي قماءَةُ شخصي ... ورُوائي ففي حديثيَ أُنسِي ٢٧٣ - الرازي هو أحمد بن موسى، كان نحويًّا لغويًّا، وكاتبًا بليغًا، غزير الرواية، حافظًا للأخبار، وله كتاب في أخبار أهل الأندلس، وتواريخ دول الملوك فيها، بلغ فيه الغاية من الإيعاب والتقصي. وتوفي في رجب سنة أربع وأربعين وثلاثمئة، وكان مولده يوم الاثنين في عشر ذي الحجة سنة أربع وسبعين ومئتين. ٢٧٤ - الرَّيِّي هو قاسم بن سعدان، كان فقيهًا بصيرًا بالحديث، حافظًا للمسائل، عالمًا بالرجال، واسع الرواية، جيد الخط، غاية في الضبط والتصحيح، وكان جمَّاعةً للكتب متقنًا لها، متفوقًا فيها، وكان له بصرٌ تامٌّ بالنحو واللغة. وتوفي سنة سبع وأربعين وثلاثمئة. ٢٧٥ - الحكيم الأزدي هو عبد الله بن عبيد الله، وكان ذا حظ من علم اللغة، وحفظ الأخبار والأنساب. وكان يقرض الشعر الحسن، وكان ذا تعصب شديد للقحطانية. وتوفي منتصف شهر رمضان سنة إحدى وأربعين وثلاثمئة.

стр. 274

٢٧٦ - مِلْحان هو مِلْحان بن عبيد الله بن مِلْحان بن سالم، مولى مسلمة بن عبيد الرحمن، وكان له حظ من علم العربية، وكان مؤدبًا بها، وكان له نظرٌ في حد المنطق، ومطالعة لكتب الفلسفة، واستأدبه أمير المؤمنين ﵁ لولده. وتوفي في سنة أربعين وثلاثمئة. ٢٧٧ - ابن الأصفر هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله المكفوف القرشي، مولى لهم. كان مؤدبًا بالقرآن والشعر والحديث والنحو، وكان له حظ من علم النحو، واحتجاج في مذاهب المتكلمين، وبصر بمعاني شعر حبيب وغيره من أشعار المحدثين، وكان يقرض الشعر، وله في أمير المؤمنين الناصر ﵁ قصيدة تائية سأله فيها صرف حانُوت كان اغتصبه إياه إبراهيم بن حجاج، أولها: شَتَّتَ دَمعي شَتًّا أيَّ تشتيتِ ... بما بِلَحْظِكَ من بَادي التَّماويتِ وفيها: وكنتُ صاحبَ حانوت فصيَّره ... جَوْرُ ابن حجاج في جمِّ الحوانيت وكتب إلى عبد الله بن بدر بأبيات، كان سببُها أنه كان مَعْنِيًّا بثلاثة شخوص عُورِ العيون كواسج، وكانوا يعتمرون له ضَيْعة، وهي قوله: لله أنت فقد أحسنت ما شينا ... أعطيتنا كرمًا أقصى أمانينا إن الكواسجة العورَ العيونِ أتوْا ... وأنت ترغبُ عنهم حين يأتونا وإنهم لمساكينٌ سواسيةٌ ... واللهُ أوصاك أن تُعطي المساكينا أدَّوْا عُشُورَك واستبقَوْا على وجَلٍ ... وليس عندهمُ شيء يُؤدُّونَا

стр. 275

وكان بذيء اللسان، شديد النيل من الأعراض، وله في جَهْور بن عبد الله: وإني امرؤٌ أستغفر الله كلما ... هجوت امرأً إلا أبا الحزم جَهْوَرا وكان ساكنًا في حاضرة إشبيلية، ثم رحل إلى قرطبة، فسكنها حتى توفِّي بها. ٢٧٨ - الغافقي الوراق هو أبو القاسم محمد بن حمدون، أصله من كُورة مَوْرور، وسكن إشبيلية، ثم رحل إلى قرطبة، وروى عن أحمد بن خالد ونظرائه، وعُنِي بكتب اللغة وحفظها، وكان له حظ من الفقه. ٢٧٩ - الطبيخي هو أبو العباس وليدُ بن عيسى بن حارث بن سالم بن موسى. ذكر محمد ابنه أنَّ وليدًا كان يقول: إنه من ولد رشيد، مولى الوليد بن عبد الملك، وكان ذا علم باللغة والشعر، وكان له حظ من علم العربية، وكان بصيرًا بمعاني الشعر، حسن التلقين، لم يتبلد فهمه عنها، وكان يُقرِّبُها ويضرب الأمثال فيها، حتى عرف بذلك، وتنافسه الملوك، فلم يؤدب إلا عند الجِلَّة، وكان خيِّرًا ديِّنًا، وله شروح في شعر حبيب وصريع قريبة مبسوطة. وتوفي في شوال سنة اثنتين وخمسين وثلاثمئة. ٢٨٠ - المكلفخي أبو عبد الله، كان عالمًا بالعربية، رواية للشعر، وأدَّب بعضَ ولدِ أمير المؤمنين ﵁.

стр. 276

٢٨١ - الخيْطي هو أبو حفص عمر بن يوسف. كان من أهل العلم بمعاني الشعر، حسن التكلم فيه، وكان يتعصب للبحتري، وكان له حظ من علم العربية، وكان شاعرًا مطبوعًا مجودًا، وامتدح أمير المؤمنين الناصر لدين الله ﵁ بجملة قصائد. وأصله من كورة إشبيلية، ورحل إلى قرطبة فسكنها حتى توفي فيها، وذلك في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمئة. ٢٨٢ - أبو القاسم عبد الوهاب بن يونس كان مؤدبًا بالعربية، حافظًا جيد القياس فيها، وكان ذا ورع وفضل في الدين، وتوفي في سنة ... وثلاثمئة. ٢٨٣ - أصبغ المؤدب يكنى أبا القاسم، وكان من أهل الحذق بالعربية، والعلم بمعاني الشعر. وكان ذا سمت ووقار ومذهب جميل، واستأدبه أمير المؤمنين الناصر لدين الله لابنه المغيرة، فأحمد في تأديبه. ٢٨٤ - ابن الحصار هو أبو عمر أحمد بن مضاء، كان نحويًّا ذكيًّا، حسن القياس، جيد التلقين، وكانت له أوضاع في النحو زل في كثير منها، وذلك أنه كان قليل الدراسة لكتب النحويين، تاركًا لمطالعتها، وكان يعول على قياسه وتعليله، فكان كثيرًا ما يعلل المسألة فيخطئ في اعتلاله، وكان في بدء أمره ذا حالة قويمة ظاهرها الزهد والورع، ثم انتقل عن ذلك إلى ضده عند دخوله في حد

стр. 277

الاجتهاد، فلم يزل على ذلك إلى أن أدركته وفاته، ونعوذ بالله من الحور بعد الكور. ٢٨٥ - ابن عثمان الأصم هو أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد بن عثمان بن أبي إسماعيل الأسدي الأطروش، كان نحويًّا لغويًّا، فصيح اللسان، شاعرًا مجودًا، وأكثر أشعاره على مذاهب العرب، وله أراجيز فصيحة، وكان أصم أصلخ، فإذا أحب المرء إخباره كتب له في الهواء، أو رمز له بشفتيه، فيفهم ويكتفي بذلك منه، وكانت له رحلة سنة أربع وثلاثمئة لقي فيها أبا الخضيب الفارسي المكي النحوي، ولقي الخيزراني. وتوفي سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة. ٢٨٦ - إدريس بن ميثم كان نحويًّا دقيق النظر، بصيرًا بحد المنطق، كثير المطالعة لكتب الأوائل، حاذقًا بعلم الحساب والتنجيم، وكان شاعرًا مجودًا، وكان مع ذلك ثقيلًا عند المفاوضة، ولا يدل ظاهره على كثير علم، فإذا فوتح في أكثر الفنون برز واستبان فضله، وكان يرمى بالخروج عن الملة، وكان أصله من كورة إشبيلية، فرحل إلى قرطبة، ورأس على منتحلي الكلام فيها، وله قصائد تدل على علمه، وتنبئ عن جودة طبعه، وتأتِّي الكلام له، منها قصيدته التي أولها: في طُروقِ الخيالِ نحو الملمّ ... بُلغةٌ من وِصالِ مَن لا أُسمِّي

стр. 278

وفيها يقول: ومِنَ الجوْر أن يكون زَماني ... ماضيًا فيَّ حُكمُه وهو خَصْمي وقصيدته التي أولها: هل على ذي صَبابةٍ ورسيسِ ... حرجٌ بالبُكَا برسمٍ دَريسِ أرِجِ النفس بالدموعِ ففيها ... مِن جوى الشَّوْقِ راحةٌ للنُّفوسِ وقِفِ العِيسَ تقضِ حقَّ المغاني ... إنَّ مِن حقِّها وقوف العيسِ وفيها: وقريضٍ يفضُّ من زهَر الرَّوْ ... ضِ ويُزري على حُلِيِّ العَروس ظلَّ إدريسُ شاكرًا فيه نُعْمَى ... أُسدِيتْ آنِفًا إلى إدريسِ ساسهُ سائقُ القوافي المعمّى ... برياضاتِ صعبِها والشّمُوسِ ٢٨٧ - المعافري هو أبو إسحاق إبراهيم بن عبيد الله. كان ذا رواية للحديث وكتب اللغة، حافظًا لها، وأخذ الحديث عن أحمد بن خالد، وابن فطيس الإلبيري، ونظرائهما، وكتب الفقه عن أحمد بن بشر بن الأغبس، وكان شاعرًا مجودًا مطبوعًا، ثم أجبل في آخر عمره، ورحل عن حاضرة إشبيلية إلى بادية له بقربها، فسكنها في بذاذة هيئة، وتقتير في عيشه، مع مجد وسعة يد. وتوفي سنة اثنتين وستين وثلاثمئة.

стр. 279

٢٨٨ - ابن أصبغ الكاتب هو أبو بكر محمد بن أصبغ. كان من أهل العلم باللغة والشعر، وله حظ من العربية، وكان جيد الخط حسن التقييد، وكان شاعرًا مطبوعًا، سهل الكلام، سبط اللفظ، وكان مسكنه حاضرة إشبيلية، ومما حفظ له عند وفاته قوله: إِنِّي دُعِيتُ لِوردٍ ما له صَدَرُ ... وجاء ما كنتُ أخشاه وأنتظرُ وأقبل الموتُ نحوي في عساكره ... فالنفسُ سائلةٌ والجسمُ يَنفطِرُ لو كان يُغنِي فرارٌ منه أو وَزَرٌ ... لكان عندي مفرٌّ منه أو وَزَرُ لكنَّه أجلٌ قد خطَّه قلمٌ ... في اللَّوح يحفره الميقات والقدَرُ اللهُ حسبي لا ربَّ سواه ولا ... لي مَوْئِل غيره أرجو وأعتصِرُ فهو الذي إذْ تسمَّى في البديِّ بأسـ ... ـماءٍ مُعظَّمةٍ يعفو ويغتفِرُ يا ربِّ إنَّك ذو عفوٍ وذو كرمٍ ... فارحمْ مُسيئًا ضعيفًا ليس يعتذِرُ ٢٨٩ - ابن قرلمان هو فرح أبو محمد، كان مؤدبًا بالعربية، وكان الأغلب عليه علم النجم، وكان شاعرًا مطبوعًا، وسكن إشبيلية. ٢٩٠ - البرشقيري هو أبو الأصبغ عثمان بن إبراهيم، كان عالمًا بالعربية والحساب، مؤدبًا بهما، وكان حاذقًا بالنجامة، شاعرًا صالح الشعر، وكان مهيبًا في تلاميذه، ذا وقار وسمتٍ، وله تأليف في النحو، وسكن حاضرة إشبيلية.

стр. 280

٢٩١ - إسحاق بن إبراهيم بن محمد كان ذا علم باللغة والعربية، وحفظ للمسائل، ورواية للحديث، وكان شاعرًا مطبوعًا، وله حظ من بلاغة، وكان من أهل كورة باجة. ٢٩٢ - ابن عبد الرؤوف هو أبو عبد الله محمد بن عبد الرؤوف، كان متفننًا في ضروب الآداب، كثير المطالعة لكتب الأخبار، حافظًا للُّغة، وكان له حظ من الجدل والاحتجاج على أهل المذاهب، وكان بليغًا مترسلًا، وألف في الأخبار والتواريخ، وطبقات الشعراء بالأندلس، فجود في ذلك، وبلغ الغاية في الإتقان. ٢٩٣ - عافي المكفوف هو أبو عبد الله عافي بن سعيد، مولى بني سيد، كان حافظًا للعربية، كثير الشاهد في مسائلها، وكان له حظ من علم الحساب، وكان بصيرًا بمجادلة أهل الكتاب، مطالعًا لكتبهم، ومستشرفًا على مذاهبهم. ٢٩٤ - ابن زيد هو أبو عبد الله محمد بن زيد، مولى الإمام عبد الرحمن بن الحكم ﵄، كان عالمًا بالعربية، صحيح الرواية للشعر، وأخذ عن الحكيم محمد بن إسماعيل. ٢٩٥ - ابن عروس هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عروس، من أهل مورور، كان

стр. 281

دقيق النظر في العربية، ذكيًّا فهمًا، بصيرًا بالعروض، حاذقًا بعلم الحساب. وتوفي حَدَثًا ابن اثنتين وعشرين سنة، وذلك سنة ثمان وثلاثين وثلاثمئة. ٢٩٦ - محمد بن يحيى الرباحي هو أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد السلام الأزدي، كان ينتمي إلى يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، وأصله من جيان، وهنالك نزالة جده الداخل أبي العوجاء المنسوب إليه الفحص المعروف بفحص أبي العوجاء، وانتقل أبوه أو جده إلى قلعة رباح فسكنها فنسب إليها، وكان حاذقًا بعلم العربية، دقيق النظر فيها، لطيف المسلك في معانيها، غاية في الإبداع والاستنباط، ولم يكن ظاهره ينبئ عن كثير علم، فإذا فوتش ونوظر لم يُصْطَلَ بناره، ولم يشقَّ أحدٌ غُبارَه، وكان قد طالع كتب أهل الكلام، وتفنن فيها، ونظر في المنطقيات فأحكمها، إلا أنه لا يتقلد مذهبًا من مذاهب المتكلمين، ولا يعول أصلًا من أصولهم، إنما يعول على ما يميل إليه في الوقت، ويؤثره بالحضرة، ولو أنه تناول الباطل البحت، والمحال المحض، لما استطيع صرفه عنه، ولا قطع حجته فيه، وربما ناظر أهل الفقه على مذهب الاحتجاج والتعليل، وأهل الطب والتنجيم في دقائق معانيهم ولطائف مسائلهم، مناظرة من عني الدهر الطويل بعلمهم، وشغل نفسه بمدارسة كتبهم، فيقطعهم ويستشرف عليهم؛ وذلك للطف حسه، وصحة خاطره، وحذقه بإعمال القياس على أصله، وكان قليل المعاناة لدراسة الكتب ومطالعة المسائل، إنما دأبه الغوص على دقيقة يستخرجها، ولطيفة يثيرها، وقياس يمده، وأصل يفرعه، فربما اختل في حفظه، وأدرك في سواد كتابه.

стр. 282

ورحل إلى المشرق، فلقي أبا جعفر النحاس، فحمل عنه كتاب سيبويه رواية، ولازم علَّان وناظره، وكان يذكر من دقة نظره وجودة قياسه. وقدم قرطبة فلزم التأديب بها في داره، فانجفل الناس إليه، ثم انتقل إلى أحد الحُدَيْرِيِّين فمكث عنده مدة، وقرئ عليه كتاب سيبويه، وأخذ عنه رواية، وعقد للمناظرة فيه مجلسًا في كل جمعة. ولم يكن عند مؤدبي العربية ولا عند غيرهم من عني بالنحو كبير علم، حتى ورد محمد بن يحيى عليهم، وذلك أن المؤدبين إنما كانوا يعانون إقامة الصناعة في تلقين تلاميذهم العوامل وما شاكلها، وتقريب المعاني لهم في ذلك، ولم يأخذوا أنفسهم بعلم دقائق العربية وغوامضها، والاعتلال لمسائلها، ثم كانوا لا ينظرون في إمالة ولا إدغام ولا تصريف ولا أبنية، ولا يجيبون في شيء منها، حتى نهج لهم سبيل النظر، وأعلمهم بما عليه أهل هذا الشأن في الشرق، من استقصاء الفن بوجوهه، واستيفائه على حدوده؛ وإنهم بذلك استحقوا اسم الرياسة. وكان من ذلك ذا وقار وسمت وصيانة، وتزاهة نفس، وكريم خليقة، وصحة نية، وسلامة باطن، إلى عفاف وحياء ودين، وكان له من قرض الشعر حظ صالح، وكان سريع الاستخراج للمُعمَّى، جيد الفطنة فيه، وكتب إليَّ بأبياتٍ طيَّر فيها بيتًا من الشعر -وقلَّما رأيتُ التطييرَ موزونًا-: اسمع ورُدَّ الجوابَ عما ... فيه أُحاجيك بالمعمَّى بيتًا من الشعر ذا حدود ... تدْعَى حروفًا وهنَّ أَسما يبدأ فيها سُمٌ عجيب ... ما إنْ يرى تحته مُسمَّى وبعدَه اسمُ الرئيس فيها ... أميرها والمطاع حكْمَا مكرَّرٌ فيه وهو فَرد ... في غَيْر إِذْ تخطُّ رسْمَا والنَّسْر يتلوه وهْو فيه ... أَقْصَى حروفِ الذي يُعَمَّى ثم الشقَرّاق وابن ماء ... وبالحُبَارى يُجِدُّ عَزْمَا والدّيك والصقْر والقَمارِي ... مع الحُبارَى، فقَدْكَ عِلْمَا

стр. 283

والصَّقْر قد علّق الحبارى ... في موطن للحِمام حُمَّا وبعدَ ذاك الكَرى الملقِّي ... عِقالُه اليومَ حيثُ أَمَّا ثم ابن ماءٍ وببَّغاه ... مر القمارِيّ وهْوَ لَمَّا يتمّ إلا بلفظ اسمٍ ... معدوم معنًى إذا يسمَّى وبعدَه الببَّغا وما قد ... حواه بيت الكرى وضمَّا وبعده للغراب حرفٌ ... والباز ثم الظَّليم ثَمَّا حرفٌ به تمَّت المعاني ... اسمٌ صحيح وليس جِسْمَا فهاكها يا فتى المعاني ... مثل اللآلي نُظِمْنَ نَظْمَا وافْخَر بإخراجِك المُعمَّى ... فيها على مُخْرِجي المعمَّى فأجبتُه فقلتُ: يا ألطفَ العالمين علما ... وأعظمَ الأحلَمِين حِلْمَا أغْرقتني في بحورِ فكرٍ ... فكدتُ منها أموتُ غَمَّا كلَّفتَني غامضًا عويصًا ... أرجُم فيه الظنونَ رجمَا بيتًا من الشعر ذا رسوم ... لم أك منها عهدت رسمَا تصدُّ إِذْ رُمته بنبْلٍ ... حتى إذا ما يئستُ أَوما ما زلت أَسْرو السجوفَ عنه ... كأنَّني كاشفٌ لِظَلْمَا أقرُبُ من نيْله وأنأَى ... مستبصرًا تارةً وأعمى حتى بدا مُشرقَ المحيَّا ... كالبدر لمَّا اعتلى وتمَّا لله من منطق وجيزٍ ... قد جلَّ قدرًا ودقَّ فهمَا أخلصتَ لله فيه قولًا ... سَلَّمتَ لله فيه حُكمَا إذ قلتُ قولَ امرئٍ حكيمٍ ... مُرَاقِبٍ للإلهِ عِلمَا الله ربِّي وليُّ نفسي ... في كُلِّ بُوسَى وكُلِّ نُعْمَى

стр. 284

وكتب إليَّ، وإلى عبد الله بن حمود الزُّبيدي بقصيدة مطولة، أولها: خليليَّ من فرْعَيْ زُبَيْدِ بن مَذْحِجٍ ... قفا واسمعا قد يسعِد الشَّجنَ الشَّجِي ألم تعلما أني أرِقتُ وشاقني ... خيال سَرى وهْنًا ولما يُعَرِّجِ وقصيدة أولها: يا خليليَّ عرِّجا بمحبٍّ ... هيضَ سقمًا فما يريم الفِراشا فأجبناه عن قصيدته بأربع قصائد مطولات، وكان قد غَبَر مدةً لا يستفيد له من الشعر إلا ما يُرغَب فيه، ثم ناقَلَنَا الشعرَ، فحسنَ شعره، وسَلس طبعه. وله قصيدة رثى بها أحمد بن موسى بن حدير بناها على مذاهب العرب، وخرج فيها عن مذاهب المحدثين، فلم يرضها العامة. وكان أبو إسماعيل بن القاسم شديد الإعجاب بها، كثير الثناء عليها، وهي التي أولها: إحدى الرَّزيَّات ولا أُعطِي السَّوَى ... رُزْءًا به دَهْري ولو عزَّ العَزَا وفيها يقول: سائل بطسمٍ والذين قبلَهم ... والحضْر والحَيّ الحِلَال من سَبَا وصنعت له أبياتًا أومأت فيها إلى اسم حددته بوصف مخارج حروفه حدًّا لا يشركُ فيه الحرفَ غيرُه، وناولتُه إيَّاها، فما زاد على التماحها، حتى ظهر له الاسم، والأبيات: قُلْ لِمَن صارَ مُسمًّى ... بأَغنٍّ شفَهيِّ بَيّنِ الجَمر شديدٍ ... غير رِخوٍ نَفسِيِّ

стр. 285

مُشرَبٍ لم يجِدِ المَنْـ ... ـفَذ في غير المضيِّ زائد جاءَ لمعنًى ... ما لهُ حرف بسيِّ قبل حرف لَيِّنٍ في الحـ ... ـس مهموس قصيّ سادس السِّتة من مخـ ... ـرجها العدل السَّطِيِّ إن تقف منه فبالسَّفـ ... ـحِ بلا جَرْسٍ قويِّ بعده مثلُ الَّذِي من ... قبله سِيًّا بِسِيِّ ليس بالزائد لا بل ... ليس منه ببريِّ بعده يُفضي إلى حر ... فٍ شديد قَطَعيِّ قَلِقٍ أُشْبعَ جهرًا ... صَغَطيٍّ جدَلِيّ واستأدبه أمير المؤمنين الناصر ﵁ لولده المغيرة، ثم صار بعد ذلك إلى خدمة أمير المؤمنين المستنصر بالله ﵁ في مقابلة الدواوين والنظر فيها، وتوسَّع له ﵀ في النُّزُلِ والجراية. ولم يزل لديه أثيرًا، وعند طبقات الملوك مُعظَّمًا مُبجَّلًا حتى توفِّي على أجمل طريقةٍ وأحمدِ مذهبٍ؛ وذلك في شهر رمضان سنة ثمانٍ وخمسينَ وثلاثمئة.