Полный текст (285 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فقال المهري:
كريمُ النِّجار إذا جئتَه ... تلقَّاك بالبِشْر لا بالزَّلَلْ
فإنْ يكُ حَمْدونُ ذا فطنةٍ ... فقد كان فيما مضى قد غَفَلْ
فقلت أنا:
فأنت بفضلِك أحييتَه ... وكان قديمًا به قد جَهِلْ
وتوفي النَّعجةُ بعد المئتين.
١٧٣ - أبو محمد المكفوف
هو عبد الله بن محمود المكفوف النحوي. كان من أعلم خَلْق الله بالعربية والغريب والشعر وتفسير المشروحات وأيام العرب وأخبارها ووقائعها، وأدرك المهريَّ وأخذ عنه، ثم صحب من بعده حمدونًا المعروف بالنَّعجةِ، فكان لا يُبارحه، ولم يمتْ حمدون حتى علا المكفوف عليه، وفَضَل في أشياء.
وله كتب كثيرة أملاها في اللغة والعربية والغريب، وله كتاب في العروض يفضله أهل العلم على سائر الكتب المؤلفة فيها؛ لما بين فيه وقرب، وعليه قرأ الناس المشروحات، وإليه كانت الرحلة من جميع إفريقيَّةَ والمغرب، وكان يجلس مع حمدون في مكتبه، فربما استعار بعضُ الصبيان كتابًا فيه شعر أو غريب أو شيء من أخبار العرب، فيقتضيه صاحبُه فيه، فإذا ألحَّ عليه أعلم بذلك أبا محمد المكفوف، فيقول له: اقرأه عليَّ. فإذا فعل قال: أَعِدْهُ ثانيةً. ثم يقول: ردَّه على صاحبه، ومتى شئتَ فتعال حتى أمليَه عليك.
وأبطأ عنه أبو القاسم بن عثمان الوزَّان النحوي أيامًا كثيرةً، ثم أتاه فلامه على تخلُّفه عنه، وقال له: يا أبا القاسم، نحن كنا سبب ما أنت فيه من العلم، علمتَ كيف كنت أخصك وأوثرك على غيرك؛ فلما صرتَ إلى هذه الحال قطعتنا! فقال له: أصلحك الله! اعذر فقد كان لي شغل. قال: وما هو؟
стр. 212
قال: لي اليوم أكثر من شهرٍ أختلف إلى رقَّادة، إلى دار فلان -وذكر بعض السلاطين- أشْكُل له كُتبًا وأُصحِّحها. فقال: سَرَرْتَنِي والله. قال: بماذا سررتُك؟ قال: بما يكون من برِّه ومكافأته على اختلافك إليه وتصحيحك لكتبه. فضحك وقال: والله ما هو إلا أن أكترِيَ دابَّةً إذا مضيتُ، وكذلك إذا رجعتُ من مالي. فعجب من ذلك وقال: تدري كم وصل إليَّ من ابن الصائغ صاحب البريد؟ قال: لا. قال: نحو من خمسمئة دينار، سوى الخِلَع وقضاء الحوائج والبر والإكرام، ولا كان يسألني عن شيء إلا إذا أكل يوم الجمعة بعث في طلبي دابَّته وابنه، وأحضر مائدته.
وكان أبو محمد المكفوف من أهل سُرت، وهجاه إسحاق بن خُنَيس فقال:
ألا لُعِنتْ سُرتٌ وما جاء من سُرتِ ... فقد حل من أكنافها جَبَلُ المقت
في شعر له طويل، فقال فيه المكفوف:
إنَّ الخُنَيسيَّ يهجوني لأرفعه ... اخسأ خُنَيس فإني غير هاجيكا
لم تَبْق مثلبة تُحْصى إذا جُمعت ... من المثالب إلا كلُّها فيكا
وله أشعار فصيحة، وأراجيز عربية، وله كتاب في شرح صفة أبي زُبَيد الطائي للأسد؛ جود فيه وحسنه.
وتوفي المكفوف سنة ثمان وثلاثمئة.
١٧٤ - المدني
هو أحمد بن محمد، من أهل تونس، وكان عروضيًّا نحويًّا يؤدب الصبيان ويثقفهم على حدود العربية، وكانت له أشعار حسان.
١٧٥ - خلف الأطرابُلُسي
هو خلف بن مختار الأطرابُلُسي، وكان صاحب نحو ولغة، وكان
стр. 213
يبخل بعلمه. أخبرني إبراهيم بن زياد النحوي قال: أخبرني أبو عثمان سعيد بن إسحاق الشَّمْخيّ قال: سألت خلف بن مختار أن أقرأ عليه قصيدة النابغة: "يا دار مية بالعلياء فالسَّنَدِ". فقال: افعلْ. فأنشدتُه حتى انتهيتُ إلى قوله:
فظل يَعْجُم أعلى الروْق مُنقبضًا ... في حالك اللون صَدْقٍ غيرِ ذي أَوَدِ
فقال لي ليختبرني -وقد علمتُ ما أراد-: ما الصَّدْق؟ قلت: لا أعلم. قال: فما الصِّدق، بالكسر؟ قلتُ: الصِّدق من القول. قال لي: فيجب عليك أن تروي ما تعرف، وتدع ما لا تعرف. فأنشدتها بالكسر لأعلم ما يكون منه، فرأيته يبتسم، وكان إنشاديها ليلًا في المسجد الجامع، وكنتُ أحفظها، فقلتُ له: لم تبسَّمت؟ الصَّدْق: الصُّلْب، وكذلك الرواية؛ ولكن تجاهلتُ لك لأعلم ما يكون منك. فخجل من ذلك وقال: أنشِد ما أحببتَ؛ فإني لا أُخفي عنك شيئًا. فكان بعد تلك الليلة كما وعد.
وكان ممَّن يقرِض الشعر، ويجيد المعاني. وكان مولده سنة خمس عشرة ومئتين، وتوفى سنة تسعين ومئتين.
١٧٦ - الطَّرْزِيُّ
هو موسى بن عبد الله، كان يؤدب أولاد السلاطين، وكان شاعرًا مُجيدًا عفيفًا صالحًا، وهو من تلاميذ حسان الجاحظ.
طَرْزة: مدينة من مدائن إفريقيَّةَ.
стр. 214
١٧٧ - علي بن الحضرمي
كان نحويًّا شاعرًا أديبًا، وكان ربما علَّم. وهو من أهل الساحل، وكان بقربه رجل قد نظر في النحو أيضًا، فكانا يتراسلان بالمسائل في النحو، ومما كتب إليه عليٌّ:
لما أتاني كتابٌ واضح حَسَنٌ ... في النحو منك أبا إسحاق قد صُنِعا
كيما تُغلِّطَني فيه وتُفْحِمَني ... ولستُ بالنحو ممن يبتغي الشَّنَعَا
أمسكتُ خلف وراء لست تحمله ... علمًا ولم أكُ عنه ممسكًا فزعَا
١٧٨ - محمد المعروف بالعقعق
هو محمد بن سالم، من أهل أطرابُلس؛ كان مُتَرَسِّلًا شاعرًا صاحب نحو ولغة، مع علم بالجدل ونظرٍ فيه، وكان معتزليًّا.
١٧٩ - ابن الحداد
قال أبو بكر: هو أبو عثمان سعيد بن محمد الغسَّاني، كان أستاذًا في غير ما فنٍّ، عالمًا بالعربيَّةِ واللُّغةِ، وكان الجدَل أغلبَ الفنون عليه، وكان دقيقَ النظر جدًّا، ثابت الحجة، شديد العارضة، حاضر الجواب، صحيح الخاطر.
وله كتب كثيرة، منها: كتاب توضيح المشكل في القرآن، وكتاب المقالات؛ ردَّ فيه على أهل المذاهب أجمعين، وكتاب الاستيعاب، وكتاب الأمالي، وكتاب عصمة المسلمين، وكتاب العبادة الكبرى والصغرى، وكتاب الاستواء، إلى كتب كثيرة جملتها في الاحتجاج على الملحدين.
стр. 215
حدثني بعض أهل القيروان قال: بعث أبو عبد الله المعلم إلى سعيد بن الحداد -وقد وصف بالبراعة في الفنون- فأدناه ومشى معه في بعض البساتين، فنزع أبو عبد الله بآية من القرآن فقال: ﴿فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون﴾، فقال ابن الحداد: ﴿وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال﴾.
وله مع أبي عبد الله وأبي العباس مسائل برَّز بها، وظهرت حجته فيها، ثم أملاها سعيد على أصحابه، وسماها المجالس.
وكان العراقيون يوجهون إليه من تلاميذهم من يعنِّته ويسأله. فحدثني بعض أهل القيروان قال: أتوْه يومًا فألفوْه في الحمام، فتلقَّوْه وهو خارج عنه، فقالوا له: أعزَّك الله! كيف وجدتَ الحمام؟ فقال: غايةً في الطيب. فقالوا: أمِن جهة الذوق وجدتَ طِيبَهُ أصلحك الله! فقال لهم: يا حُثالة الزنادقة، وإخوان المدابير، وتلاميذ الملحدين، أرأيتم قول الله : ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة﴾ أمِن قِبل الذَّوق وُجِد طيب الريح؟!
وكانت لسعيد بن محمد بالقيروان في أول دخول الشيعة -لعنهم الله- مقامات محمودة، ناضل فيها عن الدين، وذب عن السنن؛ حتى مثَّله أهلُ القيروان في حاله تلك بأحمد بن حنبل أيام المحنة، وذلك أنهم -لعنهم الله- لمَّا ملكوا البلد أظهروا تبديل الشرائع، وإحالة السنن، وبَدَروا إلى رجلين كبيرين من أصحاب سُحنون فقتلوهما، وعرَّوْا أجسادَهما، ثم نودي عليهما: هذا جزاء مَنْ ذهب مذهبَ مالك. فارتاع جُملة أهل السنة، وتجمَّعوا إلى سعيد، فسألوه التَّقيَّةَ -وكان أبو عبد الله المعلم يبعث إليهم للمناظرة،
стр. 216
وكان سعيد المعتمد عليه فيها- فأبى سعيد من التَّقِيَّة، وقال: إني قد أربيتُ على التسعين، وما بي إلى العيش من حاجة، وقتيل الخوارج خير القتلى، ولا بد لي من المناضلة عن الدين، وأن أبلِغ ذلك عذرًا. ففعل ذلك، وصدق، ونصح ﵀.
١٨٠ - الطَّلَّاء المُنجِّم
هو إسماعيل بن يوسف، وكان من ذوي العلم بالعربية، وكان غايةً في علم النِّجامة، وهو أولُ مَن أدخل الطّلاء العراقيّ القيروان، وتلطَّف في علمه بالعراق.
قال أبو بكر: أخبرني بعض القرويين قال: كان أهل العلم بصناعة الطلاء بالعراق يضِنُّون بصناعتهم، وكان إسماعيل بن يوسف قد لازمهم وخدمهم، فكانوا يُخرِجون إليه وإلى أصحابه من التلاميذ العقاقير للدّق مختلطة، فتحيَّل إسماعيلُ بن يوسف للمبيت في خِزانة العقاقير، وأعد فَرَسْطونًا صغيرًا، فبات ليلته تلك يزنُ كلَّ عقِّير هنالك، فلما كان من الغد أُخرِجت إليهم العقاقير للدّق والطّلاء، واستعملوا ذلك، ثم رجع إسماعيل بن يوسف من الليلة القابلة، فعاود وزن عقاقير الخِزانة، فعرف ما نقص كلّ عِقِّير منها، فعلم أنه المأخوذ للاستعمال في ذلك النهار، فكتب ذلك كلّه، ثم استعمله، فقامت له الصناعة.
وغزا مع إبراهيم بن الأغلب غزو المجّان، وشهد حرب طَبَرْمين،
стр. 217
وأقام الطالع يوم فتحها، وقد انصرف إبراهيم عن حربها منتصف النهار، فأعلمه أنه يفتحها للوقت، ونظر إبراهيم أيضًا في ذلك فوافقه، وكان إبراهيم ينتحل علم النّجامة، فعاود الحرب، ففتحها للوقت، ووهب للطَّلَّاء ثمانية عشر رأسًا من السَّبْي، ومات بالأندلس هاربًا من صاحب دار الضَّرْب، وكان اتُّهم بعمل الدَّنانير والدراهم، وكان يُرْمَى بالخروج عن الملة.
١٨١ - السبخي
هو أبو علي المكفوف، من تلاميذ أبي محمد المكفوف، وطال عمره، وكان قد أدرك رجال سُحنون وأخذ عنهم.
стр. 218
الطبقة الرابعة
١٨٢ - أبو السميدع
هو أحمد بن شُريس، جد بني أبي ثور النجار لأمِّهم، وكان ذا علم بالعربية واللغة والأخبار، وكان من أصحاب حمدون النعجة وتلاميذه.
وتوفي سنة سبع وتسعين ومئتين.
١٨٣ - القَيَّاسُ الجُهَنِيُّ
هو عبد الله بن عبد الله النَّحويُّ القيَّاسُ، كان نحويًّا قيَّاسًا، وأصلُه من الأندلس، وكان سريَّ الأخلاق، قليل الضرّ، كثير المصادقة لمن صحب، وله أشعار حسنة، وكان مَن يحسده يقول: إنها من أشعار الأندلسيين. وكان مُتَّصِلًا بابن أبي جعفر المرُّوذِيّ، ومادحًا لأبيه كثيرًا.
١٨٤ - الخَروفي
هو علي بن الحسين التَّنُوخِيُّ، المعروف بالخَرُوفي، وكان مُعلِّمًا يؤدب بعض أولاد السلاطين، وكان حافظًا للأشعار، وكانت صنعة الشعر تسهُل عليه جدًّا.
١٨٥ - ابن أبي عاصم اللؤلئي
هو أبو بكر بن إبراهيم بن أبي عاصم، كان من العلماء النُّقَّاد في العربية والغريب والنحو، والحفظ لذلك، والقيام بأكثر دواوين العرب، وكان كثير الملازمة لأبي محمد المكفوف النحوي، وعنه أخذ، وكان صادقًا في علمه، حسن البيان لما يُسأل عنه، وألَّف كتابًا في الضاد والظاء حسَّنه وبيَّنه.
وكان الشعر سهلًا عليه، وكان يحتذي في كثير من صنعته على أشعار
стр. 219
العرب ومعانيها، وكان أبوه موسرًا، فلم يَكُ يمدح أحدًا لمجازاته، وترك صنعةَ الشعر في آخر عمره، وأقبل على طلب الحديث والفقه، وهو القائل:
أيا طَلَل الحيِّ الذين تَحَمَّلوا ... بوادِي الغَضَا، كيف الأحِبَّةُ والحالُ!
وكيف قضيب البان والقمر الذي ... بوجنته ماء الملاحة يختالُ
كأن لم تَدُرْ ما بيننا ذهبيَّةٌ ... عبيريَّة الأنفاس عَذْرَاءُ سَلْسَالُ
ولم أتوَسَّدْ ناعمًا بطنُ كفِّه ... ولم يَحْوِ جِسْمَيْنَا مع الليل سِرْبَالُ
فبانت به عنِّي ولم أدر بغتةً ... طوارقُ هذا البين، والبَيْنُ قَتَّال
فلما استقلَّت ظُعْنُهُمْ وحُدُوجُهم ... دعوتُ ودمعُ العين في الخدِّ هطَّال
سُقيتُ نجيعَ السّمِّ إِن كانَ ذا الذي ... تَحدّثه الواشون عنِّي كما قالوا
والقائل:
لا تَقْتُلِ الصَّبَّ فما حَلَّ لك ... يا مالكًا أسرف فيما مَلَكْ
مات سنة ثماني عشرة وثلاثمئة، وله ست وأربعون سنة.
١٨٦ - زنجي بن مثنى
قال أبو علي بن أبي سعيد: كان زنجي بن مثنى من رجال السلطان، عالمًا بالعربية واللغة.
١٨٧ - الخياري
هو أبو محمد صيغون.
стр. 220
١٨٨ - الداروني
هو أبو محمد حسين بن محمد التميمي العنبري، ويعرف بابن أخت العاهة. والدَّارون منزلٌ لهم بعمل القيروان، وكان إمامًا في اللغة والعلم بالشعر، وقرئ عليه وسُمِع منه في حياة أبي محمد المكفوف النحوي، وكان مشغوفًا بديوان ذي الرُّمَّةِ، وكان أعلمَ الناس به وبغيره من دواوين الشعر، إلى معرفته بأخبار العرب وأنسابها وأيامها، وكان يتفقه بفقه الكوفيين، وكان معجبًا بعلمه ونسبه، شديدَ الافتخار به، يتجاوزُ فيه الحدَّ، ولا يحضرُ مجلسًا إلا فخر فيه بتميمٍ، ويُسرِف في ذلك حتى يُمَلَّ ويُنسَب إلى السُّخف.
أخبرني بعضُ مَن كان يُجالِسُه قال: كنتُ يومًا جالسًا معه في المسجد الذي يجلس فيه، وقوم يقرؤون عليه، إلى أن دخل رجل فسلَّم وسأله عن حاله، فذكر أنه قدِم من المشرق، فقال: أين بلغتَ؟ قال: البصرة. قال: كيف بنو تميمٍ هناك؟ قال: قومٌ حالُهم مثلُ حالِ غيرِهم، منهم قومٌ في البادية، ومَن كان بالبصرة فواحدٌ تاجر، وآخر صِنْعٌ، وبيَّاع، وعمَّال، وغير ذلك. فساءه ذلك وغمَّه وقال: إنا لله! صارت بنو تميم إلى هذه الحال! ووجم، وأمر الذين يقرؤون عليه أن ينصرفوا، ولم يُسمِعْهم ذلك اليوم شيئًا من الغمِّ مما أخبره.
وكان له بنات، فخطب إليه جماعةٌ من التجار وممن يتحرَّف، فامتنع من تزويجهن، وكان يمضي إلى البادية، فإذا وجد رجلًا غريبًا لا حُرْمَةَ له زوَّجه على أنه لا يعمل بيده شيئًا؛ لا يحرث، ولا يحصد، ويضمنُ القيام بمعيشته؛ حتى زوَّجهنَّ كلَّهنَّ على ذلك، فكثر عياله، وساءت حاله؛ لقيامه ببناته وأزواجهنَّ وأولادهنَّ، ولم يزل على ذلك حتى مات.
قال أبو علي: أتاني يومًا، فسألتُه عن حاله، فجعل يحدِّثني، وكأنه
стр. 221
مشغول القلب، فقلتُ له: ما بالك؟ فقال: ابني تميم، جاء معي. فقلتُ: يدخل. وأمرتُ الغلامَ بإدخاله، فلم يجدْه، فتبسَّم وقال: أنفسُ بني تميم! لما دخلتُ وتركتُه، غضب.
وكان الداروني شاعرًا مجيدًا، غزير الشعر، جيد الطبع، مقتدرًا على المعاني.
وحدثني أبو إسحاق القرشي المعروف بالقَدَري -وكان كثير الملازمة للدَّارُوني- قال: أملقَ الدَّارُونيُّ يومًا، فكتب إلى أبي جعفرٍ المروذي -وكان يخدم الشيعة-:
كتمتُ إِعساري وأخفيتُه ... خوفًا بأن أشكُو إلى مُعسِرِ
وأن يقولَ النَّاسُ: إِنِّي فتًى ... لم أَصُنِ العِرضَ ولم أصبرِ
فإن تكنْ في حاجةٍ شاكيًا ... فاشكُ إلى مثلِ أبي جعفرِ
فهو لما أمَّلتَه أهلُه ... وما أراهُ اليومَ بالموسرِ
فأجابه وقال:
أفضلُ ما يذكرُه ذاكرٌ ... إغاثةُ الملهوفِ والمقترِ
لا سيَّما شكوى حسينٍ لما ... مضَّ به قلبَ أبا جعفرِ
فلو حباه كلّ ما يحتوي ... لم يكُ في ذلك بالمكثرِ
لكنَّه صادف أحوالَهُ ... منظرُها يشهد بالمَخْبَرِ
فوجه التَّافه من قوتِه ... نزرًا ولو أكثر لم يُكثِرِ
ودخل الداروني يومًا على خليلٍ، وكان يومئذٍ يُجهِّز بعثًا لبعض ملوك الشيعة، فدخل عليه وهو يكتب أسماءهم، فسأل الداروني إسقاط ثلاثة نفر من أوليائه، فتأبى عليه خليل، واعتذر له، واحتج له في المنع، فوجم الداروني، فلما رأى ذلك قال: حُجَّتي يا تميميُّ صحيحةٌ. فأجابه الداروني وقال:
اقض حاجاتي ودَعْ ... ـنِي من قوافيك المليحَهْ
стр. 222
إنما يُحمَد حسن الفعـ ... ـل لا حسن القريحه
فأجابه الخليل فقال:
مَنْ تعاطاك فقد عـ ... ـرض بالنفس الفضيحه
أنت أولى رجل جا ... دت له النفس الشحيحه
فقضى حاجته؛ وكان هذا منهما في مجلس على البديهة.
وتوفي سنة ثلاث وأربعين وثلاثمئة.
١٨٩ - ابن الوزان النحوي
قال أبو علي: هو أبو القاسم إبراهيم بن عثمان، وكان أبوه يتفقه بفقه العراقيين، وكان كبير السماع من ابن عيذون، وكان يقدمه ويكرمه، وقرأ عليه شرح غريب الحديث لأبي عبيد، وهو يعد إمام الناس في النحو، وكبيرهم في اللغة، وعظيمهم في العربية والعروض، مع قلة ادعاء، وصدق لهجة، وخفض جَناح، وصحة وُدٍّ، ونقاء صدر.
وانتهى من علم النحو في حداثته إلى أن كان أبو محمد عبد الله بن محمد الأموي المكفوف إذا وردت عليه مسائل من النحو سأله الإجابة عنها، وأقر له بالتقدم في ذلك، وانتهى من اللغة والعربية إلى ما لعله لم يبلغه أحد قبله، وأما في زمانه فما يشك فيه؛ يحفظ كتاب الخليل بن أحمد في العين، وكتاب أبي عبيد في المصنف، وكتاب ابن السكيت، وغيرها من كتب اللغة، وحفظ قبل ذلك كتاب سيبويه، ثم كتب الفراء، وكان يميل إلى قول أهل البصرة، مع علمه بقول الكوفيين، وكان يفضل المازني في النحو، وابن السكيت في اللغة.
قال أبو علي بن أبي سعيد: لو أن قائلًا قال: إنه أعلم من المبرد وثعلب؛ لصدقه من وقف على علمه ونفاذه.
قال أبو علي: وسمعت جماعة ممن جالس ابن النحاس المصري من
стр. 223
أهل بلدنا وأهل المشرق، ثم جالس أبا القاسم يزعمزن أنه أعلم من ابن النحاس وأكمل نظرًا، وكان من أضبط خلق الله، وهو مع ذلك حسن الاستخراج والقياس، وقلما اجتمع الحفظ وحسن الاستخراج، ولقد كان يستخرج من مسائل النحو والعربية أمورًا لم يتقدمه فيها أحد، وأمره في هذا يفوق كل أمر.
وكان غاية في استخراج المعمى، وكان مقصرًا في صناعة الشعر، ولم يتعرضه، وربما أتى منه بشيء ولا يحب أن يوسم به، وإنما صنعه في آخر عمره، وله أوضاع في النحو واللغة، وسأله رجل عن هذا البيت وتفعيله:
رجل بمكَّةَ قتل رجُلًا وسُرْ ... رِق الّذِ كَان في عِمامة يوسفا
فقال: يُتَفَعَّل من الطويل والكامل، فتفعيله من الطويل على هذا التقطيع:
رَجُلُنْ بمكننٍ قَتَرْرَ جُلَنوسُرْ ... ر قَلَّلَ ذِكا نَفي عِمامَ تيوسُفَا
ومن الكامل:
رَجُلُنْبِمَكْ كَتِنْقترْرَ جُلَنوسُرْ ... قَلْلَذِكا نَفِيعما ميتوسفا
والعرب تقول: رجُل ورجْلٌ، وهي لغة بني تميم وربيعة، قال شاعرهم:
وأحفظ من أخي ما حفْظَ مِنِّي ... ويكفيني البلاء إذا بلوتُ
стр. 224
وعلى هذا جاء "سُرْقَ" واللام تدغم في الراء، وقال أكثر القَرَأَة: "قُرَّبِّي" لأنهما من حافة اللسان متقاربتان، ولا تدغم الراء في اللام؛ لأن الراء فيها تكرير.
قال: و"الَّذِي" فيه خمسُ لغاتٍ: "الَّذِي" بياء خفيفة، و"الَّذِيّ" بالتشديد، و"الَّذِ" بحذف الياء وكسر الذال، و"اللذْ" بإسكان الذال، ويرد في حال الرفع والجر والنصب.
ومما أملى علينا -وقد سألته عما أخذ على الشافعي في قول الله : ﴿ذلك أدنى ألا تعولوا﴾، قال الشافعي: "ألَّا يكثر عيالكم". فقال: أخطأ، يقال: عال يعيل؛ إذا افتقر. وأعال؛ إذا كثر عياله. وعال يعول عولًا؛ إذا جار، ومنه قول الله جل ذكره: ﴿ألَّا تعولوا﴾. وعال الشيء يعول عولًا؛ إذا زاد، ومنه: عالتِ الفريضةُ، وعالني الشيء يعولني؛ إذا أثقلني، ومنه قول الخنساء:
* وَيَكْفِي العَشيرةَ ما عالها *
ويقال: عال يعيل عولًا؛ إذا تبختر. قال: وجاء فعِل يفعِل في ثلاثة أحرف؛ قالوا: حسِب يحسِب، وبئِس يبئِس ويبِس ييبِس، ويجوز فيهما الفتح في المضارع. وجاء في ثمانية أحرف من المعتل الفاء: وَرِم يَرِم، ووَرِي الزَّندُ يَرِي، وورِث يرِث، وورِع يرِع، وولِيَ يلِي، وومِق يمِق، ووثِق يثِق، ووفِق يفِق، وولِه يلِه ويَوْلَه، ووهِل يهِل ويَوْهل.
ولقد مات بموت أبي القاسم علم واسع وأدب بارع، وتوفي ﵀ في يوم عاشوراء من المحرم سنة ست وأربعين وثلاثمئة.
стр. 225
١٩٠ - عامر بن إبراهيم الفزاري
هو عامر بن إبراهيم الفزاري، وكان شاعرًا بصيرًا باللغة، مع خبث وإقدام ورأي ومكر، وكان قد هرب بخراج جباية بالساحل حتى لحق بمصر -ومال الخراج معه-، ولذلك يقول محمد التونسي لأبي القاسم ولده:
دَعِيُّ فزارةَ مِن لؤمِه ... إلى طلعة اللوم ما أسبَقَهْ!
أَبٌ هاربٌ بخراج الإمام ... وجدٌّ قتيل على الزندقه
وكان ينتسب إلى حَمَل بن بدر حتى أعلَمَه أبو بكر الحسن بن أحمد بن ناقد أنَّ حمل بن بدر لم يُعقِب، وأراه ذلك في بعض الكتب، فخلى عن ذلك وقال: نحن من ولد عُيَيْنَة بن حِصْن.
وكان ابنه أبو القاسم بصيرًا بالأدب، وله أشعار كثيرة في هجاء الشيعة، وكان يزعم أنه من ولد أسماء بن خارجة.
١٩١ - قاسم بن حبيب النحوي
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
تمَّ تطبيق نحويِّي القيروان بتمام الجزء، والله محمود بعونه.
стр. 226
النحويون واللغويون الأندلسيون
стр. 227
الطبقة الأولى
من اللغوين والنحويين من أهل الأندلس
١٩٢ - أبو موسى الهواري
هو من أهل الفقه في الدين، وأول من جمع الفقه في الدين وعلم العرب بالأندلس، ورحل في أول خلافة الإمام عبد الرحمن بن معاوية ﵁، فلقي مالكًا ونظراءه من الأئمة، ولقي الأصمعي وأبا زيد الأنصاري ونظراءهما، وداخل الأعراب في محالها.
ولما صدر عن سفره عطب بنحو تُدمير، فذهبت كتبه.
أخبرني محمد بن عمر بن عبد العزيز، عن بعض المشيخة قال: قصد شيوخ أهل إستجة أبا موسى؛ يهنئونه بقدومه، ويعزونه بذهاب كتبه، فقال لهم: ذهب الخُرْج، وبقي ما في الدُّرْج؛ أنا شَعبِيُّ زماني، فليسألْني من شاء.
قال: وحدثنا ابن لبابة، حدثنا العتبي قال: كان أبو موسى إذا قدم قرطبة لم يُفْتِ عيسى، ولا سعيدُ بن حسان حتى يرحل عنها. وكان
стр. 228
مسكنه بقرية من قرى مورور.
ولما وقع الاختلاف بين العرب والموَلَّدِين بإسْتجةَ بسبب تحريش قَعْنب، وكان سبب ذلك إباية المولَّدين من الصلاة خلف الإمام العربي، وكانت الخلفاء ﵃ لا يقدمون للصلاة إلا العرب، فترافعوا إلى السلطان يومئذٍ، فقال لهم الوزراء: أترضون بأبي موسى الهواري؟ فأجمع الفريقان على الرضا به، فوجَّهوا فيه وحضوه على إصلاح ذات البين، فأجاب إلى أن يصلي بلا رزق يُجرَى عليه، فكان يركب من باديته كلَّ جُمعةٍ، فيأتي إستجة فيصلي بأهلها، ثم ثقل في آخر عمره، فاحتاج إلى شراء دار على مقربة من الجامع، فسكنها إلى أن تُوُفِّيَ.
وكان له كتاب في القراءات، وكتاب في تفسير القرآن؛ كان ابن لبابة يرويه عن العتبي عنه، وكانت العبادة أغلب عليه من العلم.
١٩٣ - الغازي بن قيس
كان ملتزمًا للتأديب بقرطبة أيام دخول الإمام عبد الرحمن بن معاوية ﵁ بالأندلس، ثم رحل إلى المشرق، وشهد تأليف مالك للموطأ، وهو أول من أدخله الأندلس، وأدرك نافع بن أبي نعيم وقرأ عليه، وهو أول من أدخل قراءته. وكان الخليفة عبد الرحمن ﵁ له مُجِلًّا مُعظِّمًا، وكان يأتيه ويصله في منزله.
وذكروا أنه عرض عليه القضاء فأباه، وذلك عند موت يحيى بن يزيد
стр. 229
التُّجِيبي، فولي حينئذٍ معاوية بن صالح الحمصي.
وأدرك من رجال اللغة الأصمعي ونظراءه، واستأدبه هشام والحكم لأبنائهما، وأظنه أدب ولد عبد الرحمن بن معاوية ﵃.
أخبرني محمد بن عمر قال: حدثني عُفَير بن مسعود، وأحمد بن بشر قالا: أخبرنا محمد بن عبد الله بن الغازي، عن أبيه، عن جده الغازي بن قيس أنه قال: قال لي يومًا عبد الرحمن بن معاوية ﵁: أَضبِطُ مِن أمرِ الشَّامِ أنِّي كنتُ بين يدي جدي هشام ﵁، وأنا صبيٌّ غيرُ مُتمشٍّ، حتى دخل الحاجب فقال: أبو سعيد مسلمة بالباب. فأذن له، فلما رآه جدي داخلًا قال لفتيانه: أرسلوا الصبيَّ. فوقعت عينُ مسلمةَ ﵀ عليَّ، فقال: يا أمير المؤمنين، يتيمُ أبي المغيرةِ ﵀؟ فقال له: نعم. فقال: يُعاد إليَّ. فأمر بإعادتي إليه، فضمَّني إلى صدره وبكى، فما أنسى وقوع الدموع عليَّ مِن عينيه، فقال له جدِّي ﵁: ما بال البكاء يا أبا سعيد؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، قرُب والله أمرُنا، وهذا يأوي فلَّنا والناجيَ مِنَّا. قال عبد الرحمن: فلم أزل أعرف لي مزيَّةً عند جدي من يومئذٍ. وكان مسلمة قد أخذ علم الحدثان عن خالد بن يزيد بن معاوية ﵏، عن كعب الأحبار.
قال غازي بن قيس: وأخبرني أيضًا عبد الرحمن بن معاوية ﵀ أنه كان بين يدي جدِّه هشامٍ أمير المؤمنين ﵁، بعد وفاة أبيه معاوية إلى أن تبادر الخَدَمَةُ إليه، فقالوا له: الكُمَيت بن زيد مُتعوِّذٌ بقبر وَلِيّ
стр. 230
العهد ﵁، فأخذتْ جدِّي رِقَّةٌ، فبكى حتى أخضل لحيته ثم قال: قد أمَّنه اللهُ، قد أمَّنه اللهُ؛ فدخل عليه وأنشده:
فالآنَ صِرتُ إلى أُمَيَّـ ... ـةَ، والأمورُ إلى المصايِرْ
فحباه وكساه ووصله.
وذكر محمد بن عمر بن لبابة أن رجلًا حَاكَرَ بعضَ المؤدبين في الحَذْقَةِ، فمنعها المؤدبَ، فناظره في ذلك وتعصَّب له المؤدِّبون بقرطبة، وأشفقوا أن ينفتح عليهم في ذلك بابُ منعٍ، فأتوا غازيَ بنَ قيسٍ فقالوا: يا سيِّدَنا -تعريضًا له بالتأديب- عَرَضَ غَرَضٌ لنا كَيْتَ وكَيْتَ، فقال: يغرمها صاغرًا قميئًا. وقضى لهم بذلك؛ إذ هو مما جرى عليه أمرُ الناس.
وتوفي الغازي بن قيس سنة تسع وتسعين ومئة.
١٩٤ - جودي النحوي
هو جودي بن عثمان، مولًى لآل طلحةَ العَنْبَسِيِّين من أهل مَوْرُور، ورحل إلى المشرق فلقي الكسائي والفراء وغيرهما، وهو أول من أدخل كتاب الكسائي، وله تأليف في النحو، وسكن قرطبة بعد قدومه من المشرق، وفي حلقته أُنكِر على عباس بن ناصح قولُه:
يشهدُ بالإخلاص نُوتيُّها ... للهِ فيها وهو نصراني
فلُحِّن حين لم يُشدِّد ياءَ النسب، وكان بالحضرة رجل من أصحاب عباس بن ناصح، فساءه ذلك، فقصد إلى عباس -وكان مسكنه الجزيرة-
стр. 231
فلما طلع على عباس قال له: ما أقدمك -أعزك الله- في هذا الأوان! قال: أقدمني لحنُك. قال عباس: وكيف ذلك؟ فأعلمه بما جرى من القول في البيت، قال: فهلا أنشدتهم بيت عمران بن حطان:
يومًا يمانٍ إذا لاقيتُ ذا يمنٍ ... وإن لقيتُ مَعدِّيًّا فعدناني
قال: فلما سمع البيتَ كرَّ راجعًا، فقال له عباس: لو نزلتَ فأقمتَ عندنا! فقال: ما بي إلى ذلك من حاجة. ثم قدم قرطبة، فاجتمع بجوديٍّ وأصحابه فأعلمهم.
وتوفي جوديٌّ سنة ثمان وتسعين ومئة.
١٩٥ - الأحدب
هو أبو الغَمْر عبد الواحد بن سلام، وكان من أهل العلم بالنحو والتأديب، وتوفي سنة تسع ومئتين.
١٩٦ - سوَّار بن طارق
هو مُعتَق الخليفة هشام بن عبد الرحمن بن معاوية ﵄، وأدَّب ولدَهُ وولدَ الحكم.
وتوفي بعد الهيْج.
١٩٧ - الشمر بن نمير
هو أبو عبد الله الشاعر، نديم الأمير عبد الرحمن ﵀. كان من أهل العلم بالعربية واللغة، ورحل من قرطبة بعد التأديب بها إلى المشرق،
стр. 232
فلقي رجالًا من أهل الحديث، منهم: حسين بن أبي ضُمَيرة، مولى رسول الله ﷺ ، واستوطن مصر، وروى عنه عبد الله بن وهب وغيره من نظرائه، وتوفي هنالك، وبقي له بالأندلس ابنٌ يسمى عبد الرحمن، وكان يؤدب بني أبي عَبْدة واتصل بالأمير عبد الرحمن بن الحكم ﵄ قبل أن يلي الخلافة، فلما ولي قربه من خاصته وأنَّسه، وكان من ألطف الناس محلًّا، وكان شاعرًا مُفلقًا.
ورُوِي أنَّ عبد الرحمن بن الحكم ﵁ أجنب في بعض غزواته، فلما قضى طُهْرَه بعث في عبد الرحمن بن الشمرِ، فدخل والوصيفُ يُجفِّف شعرَه، فقال له: يابن الشمر:
شاقك من قُرطبةَ الساري ... في الليل لم يَدْرِ به دارِ
فأجابه بديهة فقال:
زار فحيَّا في ظلام الدُّجَى ... أهلًا به من زائرٍ سارِ
فانصرف عبد الرحمن من غزاته، واستقود على الجيش من قدِم به إلى جلِّيقيَه.
стр. 233
الطبقة الثانية
١٩٨ - أبو حرشن
هو عبد الله بن رافع مولى رسول الله ﷺ ، وكان عالمًا باللغة والعربية، وأخذ عن جوديٍّ النحوي، وكان الناس إذا استفصحوا رجلًا قالوا: ما هذا إلا أبو حَرْشَن.
١٩٩ - خَصِيبٌ الكلبيُّ
وهو ابن عم الكلبيين الساكنين بالمدينة، وكان خَصِيبٌ ساكنًا بمَوْرُور، ومنها أصول الكلبيين، وكانت المشيخة من أهل مَوْرُور يذكرون أن الفُرانِقَ كان يأتي من قرطبة من الخليفة محمد ﵁ إلى خصيب يستفتي في الكلمة من اللغة والمسألة من العربية تحدث عنهم. وكان له كتاب مصنف في اللغة نحو مصنف أبي عبيد.
٢٠٠ - عبد الله بن الغازي بن قيس
كان من أهل العلم بالعربية والشعر واللغة، والتأدية لقراءة نافع بن أبي نُعَيم. وتوفي سنة ثلاثين ومئتين.
٢٠١ - ابن أبي غزالة
هارون بن أبي غزالة السبائي. أخذ عنه جابر بن غيث، وله كتاب ألفه في العربية.
стр. 234
٢٠٢ - عبد الله بن سوار بن طارق
كان من أهل العلم باللغة، متفننًا في علم الأدب، ورحل ابنه محمد إلى المشرق، ولقي أبا حاتم والرياشي وغيرهما.
وكانا رفيقين، وشهدا بالبصرة دخول صاحب الزنج سنة سبع وخمسين ومئتين.
وتوفي عبد الله في جمادى الآخرة سنة خمس وسبعين ومئتين. وتوفي ابنه في ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثمئة.
٢٠٣ - عبد الملك بن حبيب السلمي
كان عبد الملك قد جمع إلى علم الفقه والحديث علمَ الإعراب واللغة والتصرف في فنون الأدب، وله أوضاع جمة في أكثر الفنون، منها كتابه في إعراب القرآن، وفي شرح الحديث؛ إلى غير ذلك من دواوين الفقه والحديث والأخبار.
ورُوي عن سُحنون بن سعيد أنه قيل له: مات عبد الملك بن حبيب الأندلسي. فقال: مات عالم الأندلس، بل والله عالم الدنيا.
وقال محمد بن عمر بن لُبابة: فقيه الأندلس عيسى بن دينار، وعالمها عبد الملك بن حبيب، وعاقلها يحيى بن يحيى.
وكان عبد الملك ممن يقرض الشعر؛ أنشدني بعض الأدباء له:
صلاحُ أمري والذي أبتغي ... هَيْنٌ على الرحمن في قُدرَتِهْ
ألفٌ من البِيض فأَقلِلْ بها ... لعالمٍ أزرى على بغيتِهْ
стр. 235
زِريابُ قد يأخذُها قَفْلَةً ... وصنعتي أشرفُ من صنعتِهْ
وكتب عبد الملك إلى محمد بن سعيد الزَّجَّالي رسالة وصلها بهذه الأبيات:
كيف يُطيقُ الشِّعر مَن أصبحتْ ... حالتُهُ اليومَ كحالِ الغَرِقْ
إذا قرضتُ الشِّعرَ أو رُمْتُهُ ... حالتْ همومي دونَه فانفلَقْ
والشِّعرُ لا يَسْلَسُ إلَّا على ... فراغِ قلبٍ واتساعِ الخُلُقْ
واقنعْ بهذا القولِ مِن شاعرٍ ... يرضى من الحُضْرِ بأدنى العَنَقْ
أَمَّا ذِمامُ الرَّدِّ مِنِّي لكُمْ ... فهْوَ من المحتومِ فيما سَبَقْ
ما حُلْتُ عن عهدِكَ لا والَّذِي ... يجودُ بالرِّزقِ على مَن خَلَقْ
٢٠٤ - بكر الكناني
كان من أهل العلم واللغة، وكان الغاية في الفصاحة، حتى ضُرب به المثلُ فقيل: أفصحُ مِن بكرٍ الكناني. وكان شاعرًا مُجيدًا.
٢٠٥ - سعيد الرشاش
كان من أهل الرواية للشعر والحفظ لِلُّغة، وكان يُضرَبُ أيضًا به المثلُ في الفصاحة، فيقال: أفصحُ مِن الرَّشَّاش.
وليس بالرَّشَّاش الذي جرى التكسيرُ بذراعه.
стр. 236
٢٠٦ - عباس بن ناصح الجزيري
كان من أهل العلم باللغة والعربية، ومن ذوي الفصاحة في لسانه وشعره. ومذهبه في شعره مذاهب العرب الأُوَل في أشعارهم، وولي قضاء شَذُونة والجزيرة، ووليها ابنه عبد الوهاب بن عباس، ثم ابن ابنه محمد بن عبد الوهاب.
أخبرني محمد بن عمر بن عبد العزيز، أخبرني عُفَير بن مسعود، أخبرني عبد الوهاب بن عباس بن ناصح قال: كان أبي لا يَقْدَم من المشرق قادمٌ إلا كشفَه عمن نجم في الشعر بعد بن هَرْمة؛ حتى أتاه رجل من التجار، فأعلمه بظهور حسن بن هانئ وارتحاله من البصرة إلى بغداذ، والمحل الذي حله من الأمين وبني برمك، فأتاه من شعره بقصيدتين؛ إحداهما قوله:
* جَرَيتُ معَ الصِّبَا طلْقَ الجُموحِ *
والثانية:
* أما ترى الشمس حلَّت الحَمَلَا *
فقال أبي: هذا أشعرُ الجنِّ والإنسِ، والله لا حبسني عنه حابسٌ. فتجهز إلى المشرق. قال: فأخبرني قال: لما حللتُ بغداذَ نزلتُ منزلة المسافرين، ثم كشفتُ عن منازل الحَسَن، فأُرشِدتُ إليه، فإذا بقصر على بابه حَفَدَةٌ وخُدَّامٌ، فدخلتُ مع الداخلين، فوجدت الحسنَ جالسًا في
стр. 237
مقعد نبيل، وحوله أكثر متأدبي بغداذ، يجري بينهم المثلُ والتمثل والكلام في المعاني، فسلَّمتُ وجلستُ حيث انتهى بي المجلس، وأنا في هيئة السَّفرِ، فلما كاد المجلس أن ينقضي قال لي: مَن الرجلُ؟ قلت: باغي أدب. قال: أهلًا وسهلًا، مِن أين تكونُ؟ قلتُ: من المغرب الأقصى. وانتسبتُ له إلى قرطبةَ. فقال لي: دارُ القومِ؟ قلتُ: نعم. قال لي: أتروي من شعر أبي المخشي شيئًا الذي قاله عندكم؟ قلتُ له: نعم. قال: فأنشدني. فأنشدته شعره في العمى، فلما بلغتُ:
كنت أبا للدرى إلَّا الدُّرا ... مافقأتْ عينيَّ إلَّا الدُّنا
قال: هذا الذي طلبتْه الشعراءُ فأضَلَّتْه. ثم قال: أنشدني لأبي الأجرب. فأنشدته، ثم قال: أنشدني لبكرٍ الكناني. فأنشدته، قال: شاعرُ البلدِ اليومَ عباسُ بنُ ناصحٍ؟ قلتُ: نعم. قال: فأنشدني له. فأنشدته:
* فأدتُ القريضَ ومَن ذا فأد *
قال لي: أنت عباسٌ؟ قلتُ: نعم. فنهض إليَّ فتلقَّيتُه، فاعتنقني إلى نفسه، وانحرف لي عن مجلسه، فقال له مَن حضر المجلسَ: مِن أين عرفتَه -أصلحك الله- في قسيم بيت؟ قال: إني تأملتُه عند إنشاده لغيره، فرأيتُه لا يبالي ما حدث في الشعر من استحسان أو استقباح، فلما أنشدني لنفسه استبنتُ عليه وَجْمةً، فقلتُ: إنَّه صاحبُ الشعرِ. قال عباسٌ: ثم أتممتُ الشعرَ، فقال: هذا شعر الغَربِ. ثم نقلني إلى نفسه، فكنتُ في ضيافته عامًا، ثم قدمَ عباسٌ الأندلسَ، فتكرر على الحكم بن هشام بالمديح، ثم تعرض للخدمة، فاستقضاه على الجزيرة.
стр. 238
الطبقة الثالثة
٢٠٧ - حَرْشن بن أبي حرشن
كان من أهل العلم بالعربية واللغة، وكان شديد التعصب للقحطانية، ودارتْ بينه وبين أحمد بن نُعَيم السلمي في ذلك أهاجٍ.
٢٠٨ - أحمد بن نعيم
كان ذا علمٍ بالعربية، وكان مقدّمًا في صناعة الشعر، وله حظٌّ من البلاغة، وأدَّب بجيَّانَ وطُلَيْطُلَة.
٢٠٩ - عبد الملك بن مختار
رحل إلى قرطبة وسكنها، وأخذ عن أبي حرشن. وأخبر عن بعض الشيوخ أنه نبتت سِنٌّ لبعض ولد الأمير عبد الرحمن بن الحكم ﵀، فأحدِثَ فيها ما يَحْدُثُ عند نبات أسنان الصبيان، فقال الأمير للوزراء: هذا الذي يسميه الناس بالعجمية "الذّنتينة"، هل رُوي للعرب فيه شيء؟ فسئل غير واحد من المنتسبين إلى العلم بقرطبة، فلم يوجد عندهم في ذلك علم، حتى انتهت المسألة إلى ابن مختار، قال: أخبرني ابنُ حَرْشنٍ، عن أبي موسى الهواري: أن العرب تسميها "السّنينة".
قال الزبيدي: وهذا اسمٌ ما سمعتُه قطّ؛ وإنما موَّه بهذا.
стр. 239
٢١٠ - عثمان بن المثنى
يكنى أبا عبد الملك، رحل إلى المشرق، فلقي حبيب بن أوس، فقرأ عليه شعره، وأدخله الأندلس، ولقي جماعة هنالك منهم ابن الأعرابي.
وكان له فضل وشجاعة تامة، وتكرر بالغزو في النغور، وأدب أولاد عبد الرحمن بن الحكم، وأولاد محمد ﵏.
وتوفي سنة ثلاث وسبعين ومئتين، بعد موت الإمام محمد ﵀، وهو ابن تسع وتسعين سنة.
٢١١ - أحمد بن بتري
كان فقيهًا ونحويًّا لغويًّا. وأخذ عن ابن حَرْشنٍ، وكان من ساكني قرْمونِيَة.
٢١٢ - عثمان بن شَنّ
كان ذا علمٍ بالفرائض، وكان من كورة مَوْرور.
٢١٣ - ابن القمُلّهْ
هو بكر بن عبد الله الكَلاعي، كان من ذوي العلم والأدب والمعرفة بالشعر.
٢١٤، ٢١٥ - جابر بن غيث، وعبد الرحمن أخوه
كان جابر وأخوه عبد الرحمن عالمينِ بالعربية والشعر وضروب الأدب، وكانا مشهورينِ بالفضل والدين، ولما شبَّ لهاشم بن عبد العزيز بنون شاور أصحابه ممن يتصرف في العمالات بالكُوَر فيمن يستأدبه لبنيه، فأُشير له إلى
стр. 240
عبد الرحمن وأخيه، فاستجلبهما من كُورَة لَبْلة -وكانت وطنَهما-، فتعاصى عليه عبد الرحمن، وأجابه جابر، فكان ذلك سبب سكناه قرطبة. وكان من أحدِّ الناس في التأديب، فقل من تأدَّب عنده إلَّا وتعلق من العلم بمُسْكة.
وكان جابر يكنى أبا مالك، وتوفي سنة تسع وتسعين ومئتين.
٢١٦ - محمد بن عبد الله بن الغازي
رحل إلى المشرق، فلقي الرياشي، وأبا حاتم، وإبراهيم بن خداش، ولقي جماعة من أصحاب الحديث، من أصحاب ابن عيينة وغيرهم. وجلب إلى الأندلس علمًا كثيرًا من الشعر والعربية والأخبار، وعنه روى المشايخ الأشعار المشروحات كلها، ثم خرج عن الأندلس يريد الحج، فتوفي بطنجة بعد أن سكنها لتعذر المسير عليه.
وذكر يحيى بن أبي صوفة الجزيري قال: كان عندنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الغازي سنة خمس وتسعين ومئتين، وأملى علينا:
الحمد لله، ثم الحمد لله ... كم ذا عن الموت من ساه ومن لاه
يا ذا الذي هو في لهو وفي لعب ... طوبى لعبد منيب القلب أواه
إن لم يكن لك ناه في عجائب ما ... يأتي به الدهر لم تقدر على ناه
ماذا يعاين ذو العينين من عجب ... عند الخروج من الدنيا إلى الله
قال ابن أبي صوفة: وخرج عنا إلى طنجة، فمات بها بعد سنة أو نحوها؛ وكانت كتبه عند أقوام بطنجة ماتوا.
стр. 241
٢١٧ - الخشني
هو محمد بن عبد السلام، من أهل كورة جَيَّان، وانتقل إلى قرطبة فسكنها، إلى أن توفي بها. وكان فصيح اللسان، بصيرًا بكلام العرب، ورحل إلى المشرق فلقي المازني وأبا حاتم والرياشي، وكتب عن رجال الحديث: أبي موسى الزمن، وبندار، وعبيدة، ويوسف بن عدي، وغيرهم من العراقيين، وله تأليف في شرح الحديث، فيه من الغريب علم كثير، وكان خَيِّرًا دَيِّنًا، وكان يُزنُّ بتعصُّبه للعرب.
وأنشد بعضهم للخشني:
كأنْ لم يكن بَيْنٌ ولم تك فُرقةٌ ... إذا كان مِن بعد الفِراقِ تَلَاقِ
كأنْ لم تُؤَرّقْ بالعراقينِ مُقلتي ... ولم تَمْرِ كفُّ الشوقِ ماءَ مآقي
ولم أزر الأعراب في خبت أرضهم ... بجنب اللوى من رامة وبراق
ولم أَصطَبِحْ في البيدِ من قهوةِ النَّوى ... بكأسٍ سقانيها الحِمامُ دِهَاقِ
بلى، وكأنَّ الموتَ قد ضاف مَضْجَعِي ... فحوَّل منِّي النَّفْسَ بينَ تراقِ
تزوَّدْ أخي من قبل أن تسكُنَ الثَّرى ... وتلتفّ ساقٌ للنُّشور بساقِ
٢١٨ - عباس بن فرناس
هو عباس بن فرناس بن ورداس، كان متصرفًا في ضروب من الآداب، وكان من أهل الذكاء والتقحُّم على المعاني الدقيقة، والصناعة اللطيفة، وكان الشعر أغلبَ أدواته عليه.
وأخبرني محمد بن عمر بن عبد العزيز قال: أخبرني ابن لبابة قال: جلب بعض التجار كتاب المثال من العروض، فصار إلى الأمير
стр. 242
عبد الرحمن، فأخبرني أبو الفرج الفتي -وكان من خيار فتيانهم- قال: كان ذلك الكتاب يتلاهى به في القصر، حتى إن بعض الجواري كان يقول لبعض: صيَّر الله عقلك كعقل الذي ملأ كتابه من "ممَا، ممَّا"؛ فبلغ الخبر ابن فرناس، فرفع إلى الأمير يسأله إخراج الكتاب إليه، ففعل فأدرك منه علم العروض، وقال: هذا كتاب قبله ما يفسره. فوجه به الأمير إلى المشرق في ذلك، فأتى بكتاب الفرش، فوصله بثلاثمئة دينار وكساه. وكان مع ذلك يحسن علم الموسيقى، ويضرب العود، ويغني عليه.
وذكر قاسم بن وليد الكلبي وغيره من شيوخ أهل شَذُونة، قال: كان محمود بن أبي جميل عندنا غلامًا جوادًا، وكان عاملًا في أخريات أيام الأمير عبد الرحمن بن الحكم، فعمل قبة أدم بلغت النفقة فيها وفي وطائها خمسمئة دينار، فلما كملت ضربها على وادي لكة، وصنع صنيعًا جمع له أشراف الكورة، ووافق ذلك اطلاع عبد الملك بن جهور أو يوسف بن بخت ضياعه بشذونة، فاستجلبه محمود مع بياض الكورة، فشهد وشهدوا. فلما تقضى طعامهم، وصاروا إلى المؤانسة وعندهم أحد بني زرياب المغني، طلع عليهم عباس بن فرناس زائرًا لمحمود، فقام محمود إليه والتزمه، وسُرَّ جميعهم بوروده، ثم عرض عليه الطعام فطعم، ثم صار إلى المؤانسة، ودفع ابن زرياب يغني:
ولو لم يَشُقني الظَّاعِنون لشَاقَني ... حَمَامٌ تداعَتْ في الدِّيَار وُقوعُ
تَدَاعَيْنَ فَاسْتَبْكَيْنَ مَن كانَ ذا هوًى ... نوائحُ ما تجري لهنَّ دُموعُ
فاستعادوه الصوت إعجابًا، فأعاده. فلما تقضَّى غناءُ ابن زرياب مدَّ عباسٌ يده إلى العود، وغنَّى البيتينِ، ووصلهما من عنده بديهة، فقال:
شددتُ بمحمودٍ يدًا حينَ خَانَها ... زمانٌ لأسبابِ الرجاءِ قطوعُ
стр. 243
بَنَى لمساعي الجود والمجدِ قبَّةً ... إليها جميعُ الأَجْوَدِينَ ركوعُ
وكان محمودٌ جوادًا، فقال له: يا أبا القاسم، أعزُّ ما يحضرني من مالي القبةُ، وهي لك بما فيها من كسوتي هذه، ونكون في ضيافتك بقية يومنا. ودعا بكسوةٍ فلبسها، ودفع إليه كسوته، وكانوا يومهم كذلك، فلما حان الافتراق قال له عبد الملك بن جهور: يا أبا القاسم، هذه القبة لا تصلح لك، ولا بد من بيعها، وهي عندي بخمسمئة دينار. فقال عباس: هي لك.
٢١٩ - أبو عبد الله محمد بن عبد الله
كانت له رحلة، وقرأ القرآن على عثمان بن سعيد المعروف بورش صاحب نافع؛ واستأدبه الأمير الحكم بن هشام لبنيه، وولي ابنه محمد الخزانة، وتصرف بنوه في الخطط إلى أيام عبد الرحمن الناصر لدين الله ﵁. وكان عالمًا بالقرآن، بصيرًا بالعربية، وذا حظ من الزهد، ولم يغير حالته التي كان عليها قبل اتصاله بالسلطان.
стр. 244
الطبقة الرابعة
٢٢٠ - يزيد بن طلحة
هو يزيد بن طلحة العبسي، ويعرف بيزيد الفصيح، أخذ عن خصيب الكلبي والخشني ومحمد بن غاز. وكان أستاذًا في علم العربية واللغة، مقدمًا مشهورًا بالفضل، شائع الذكر، وكان ذا حظ من البلاغة. وكتب إلى أهل قرمونية يحضهم على الطاعة:
(إنَّ أحقَّ ما رجع إليه الغالون، ولحق به التالون، وآثره المؤمنون، وتعاطاه بينهم المسلمون، ممَّا ساء وسرَّ، ونفع وضرَّ؛ ما أصبح به الشمل ملتئمًا، والأمر منتظمًا، والسيف مغمودًا، ورواق الأمن ممدودًا؛ وليس من ذلك أولى بإحراز الثواب ولا أحرى من الدخول في الطاعة، وترك الشذوذ عن الأئمة، فإلى الله نرغب في المعونة على أحسن بصائرنا في وَهْيٍ يَرْقَعُه، وشعبٍ يلأمه، وسلك ينظمه، وأن يجعل ما حضضناكم عليه من اجتماع الإلف، والدخول في الطاعة اختبارًا يصل لنا به خير الدارين، ويحمل عنا فيه حق الخلافة المرضية، التي هي من الله صلاح لهذه الأمة، وسنة متبعة جامعة لتأليف الشمل، وحقن الدماء، وتحصين الفروج والأموال).
ويزيد القائل:
فألبسني قُمْصًا من الفضل والنَّدى ... وألبستُه قُمْصَ البديع من الشِّعرِ
رياضًا وحَلْيًا لا يزال لباسه ... من اللؤلؤ المكنون والسُّنْدس الخُضْر
كأنَّ دقيقَ السِّحر بعضُ نشيدها ... ولكنَّها دقَّتْ فجلَّتْ عن السِّحْرِ
تفضَّلَ بالفضل الَّذي هو أهلُه ... وأدركَ ماءَ الوجهِ من قَبْل أن يَجْري
أخبرني محمد بن عمر، أخبرني غير واحد ممن شهد إبراهيم بن حجاج، وقد قال له أبو محمد الأعرابي العامري شاكرًا على شيءٍ اصطنعه إليه:
стр. 245
تالله ما سيَّدتك العربُ إلَّا بحقِّك. فقال أبو الكوثر الخولاني -وكان حاضرًا-: يا أبا محمد، العلماء عندنا بالعربية يقولون: "سَوَّدتك". فقال: السَّواد: السُّخام، يخطئون ويصحفون! فانتهره إبراهيم وقال: تتسوَّر على الأعراب في لغاتهم! فكتب أبو الكوثر إلى يزيد بن طلحة بالخبر، فأجابه: المعروف: "سوَّدتك" بالواو، ولعلَّ ما ذكر أبو محمد لغةٌ لبني عامر. فلما وردتِ السِّحاءةُ على أبي الكوثر قال: يا أبا محمد، أنكر الأستاذُ ما ذكرتَ. وحكى له قوله، فصاح الأعرابي وهاج، وبعث إبراهيم في يزيد، فلما حضر خرج عليه فقال له: أتتسوَّر على الرجل في كلامه! فقال له ابن طلحة: إنَّ العلم ليس من جهة المغالبة، ولكن من جهة الإنصاف والحقيقة، فليُجِبْني أبو محمد عما أسأله عنه. فقال له: سل. فقال يزيد: كيف تقول العرب: ساد يسود، أو ساد يسيد؟ قال الأعرابي: ساد يسود. فقال يزيد: هذه الواو معنا في الفعل، فكيف تقول العرب: السُّودَدُ، أوِ السِّيدَدُ؟ فقال: السُّودَدُ. فقال يزيد: هذه الواو ثابتة في الاسم. ثم قال: أي منزلة عندكم عمر بن الخطاب ﵁ من الفصاحة؟ فقال الأعرابي: فوق كل منزلة. قال يزيد: فقد ثبت عندنا أنه قال: (تَفَقَّهُوا قَبلَ أَن تُسَوَّدُوا)، وهذا حديث لم يطعن فيه أحد من علماء اللغة، كما صنعوا في سائر الأحاديث التي وقع فيها الغلط. فلج الأعرابي وقال: يا أهل الأمصار، ماذا صنعتم بالكلام!
٢٢١ - أبو صالح المعافري
هو أيوب بن سليمان المعافري، وكان فقيهًا على مذهب مالك ﵀، وكان مُتفنِّنًا في النحو والشعر والعروض وضروب الآداب.
حدثني محمد بن عمر، حدثني أبو هارون فقيهُ نكور قال: قدم عليَّ أبو جعفر أحمد بن محمد بن هارون البغداذي عند دخوله الأندلس،
стр. 246
ثم قدم عليَّ عند خروجه عنها، فقلت له: كيف تركتَ الأندلس؟ فقال لي: والله لقد رأيتُ بها ما لم أتوهم أن أراه مع نأي دارها؛ لقد رأيتُ فقهاء، وشعراء، ونحويين، وأدباء، ولقد رأيتُ رجلًا لو حُدِّثتُ أن في الأرض مثله ما صَدَّقتُ. فبادرتُه فقلتُ: أيوب بن سليمان؟ فقال لي: نعم. فقلتُ له: من أين نظرتَ إليه من هذه العين؟ فقال لي: نعم، الناس عندنا كل ذي فن منفرد بفنه، وهذا رجل يتكلم مع أهل الفنون كلهم في فنونهم.
وكان أصله من جيَّان. وتوفي أبو صالح يوم الخميس لتسع بقين من المحرم سنة اثنتين وثلاثمئة. وهو القائل:
وَمَن تحلَّى بغَيْر طَبْعٍ ... يُرَدُّ قسْرًا إلى الطَّبيعَهْ
كخاضِبِ الشيْبِ في ثلاثٍ ... تهْتِكُ أستَارَه الطَّلِيعَهْ
٢٢٢ - طاهر بن عبد العزيز
كان من أهل العلم باللغة والغريب، والرواية للحديث، وأدرك علي بن عبد العزيز، وحمل عنه علم أبي عبيد.
٢٢٣ - ابن خاطب
هو أبو بكر بن خاطب المكفوف، كان ذا علم بالعربية والعروض والحساب، وله تأليف في النحو.
٢٢٤ - البغل
هو أبو الحسن مُفرّج بن مالك النحوي، كان ذا صلاح وفضل ونية في تأديب المتعلمين، وأنجب على يده أكثر أهل زمانه، وله كتاب في شرح كتاب الكسائي.
стр. 247
الطبقة الخامسة
٢٢٥ - عُفير بن مسعود
هو أبو الحزم عُفير بن مسعود بن عُفير بن بشر بن فضالة بن عبد الله الغساني. وكان من أهل العلم باللغة، وأخبار العرب، ووقائعها وأيامها، ومشاهد النبوة؛ وأرواهم للشعر، وكان من أهل مَوْرُور، ثم انتقل إلى إشبيلية، وخرج عنها عند حدوث الفتنة بها إلى قرطبة، فلم يزل ساكنًا بها حتى مات.
ولما قدم العجلي من العراق منع كتبه وضن بها، واستدعى الناسَ إلى أن يُملِيَ عليهم، فتسارب الناسُ إليه، وانجفلوا إلى مجلسه، فخلا مجلس الخشني.
قال عفير: فقال لي الخشني: ما لك لا تسرع إلى ما أسرع الناس إليه؟ فقلت له: لست أبغي بك بدلًا. فقال: أحب أن تأتي الرجل وتشهد مجلسه. فغدوتُ إلى العجلي، فحضرتُه يملي: المِرَّةُ العداوةُ، وجمعُها مِرَرٌ. وكان أحدُ من يكتب بين يديه زيدٌ الجيَّاني، فقلت: يرحمك الله! قال أبو عبيد في "المصنف": المِئْرَةُ العداوةُ، وجمعُها مِئَرٌ. قال: فكأني أنظر إلى زيدٍ قد محا ما كتب، وقال: هذا الحق. ثمَّ رددتُ عليه كلمةً ثانيةً، وثالثةً في المجلس، فانفض الناسُ عنه، ولم يعد إليه بعدها أحد. وبدر الخبرُ إلى الخشني، فلما أتيتُه استدناني، وقبَّل بين عيني، وقال لي: نِعمَ مستودَع العلم أنت!
وكان أحمد بن بشر بن الأغبس، وعبد الملك بن شُهَيْد قد تمالآ
стр. 248
على عُفَير، واستخرجا من كتاب "العين" حروفًا مهملة، ونسخا من ذلك دفترًا ضخمًا، ولقيا عفيرًا بالكتاب، وأغربا به عليه، فأبطل جميع ذلك وأسقطه، ودفع أن يكون من كلام العرب، فقال له عبد الملك بعد أن نهض إليه فقبل يده: قبح الله بلدًا ضاع فيه مثلُك. وكان عفير قد أسنَّ وبلغ المئة، فكان أبناء الملوك يتغفلونه، ويخبرونه عن الجن بأخبار يصنعونها له، فيتقبل ذلك منهم.
وتوفي في ربيع الآخر سنة سبع عشرة وثلاثمئة.
٢٢٦ - ابن أزهر الإستجي
هو موسى بن أزهر؛ كان عالمًا باللغة، حافظًا لها، متقدمًا فيها، يُقرأ عليه شرحُ الحديث، والغريبُ المصنفُ ظاهرًا.
٢٢٧ - صالح بن معافى
كان من ذوي العلم بالعربية والرواية للشعر، وكان يؤدب عند بني فُطَيس، وكان ذا خيرٍ وفضلٍ في الدين، وكان محمد بن يحيى القلفاط قد كايده، وأراه أنه ممن يبتغي النظرَ عنده، وانتسب له إلى البادية، فأظهر له صالح بن معافى الاجتهاد في تأديبه وتبصيره، فاختلف القلفاط في ذلك إليه أيامًا، إلى أن أُعلم صالحٌ بخبره، فأمر تلاميذه بضمِّه إلى بعض سواري المسجد، ثم تناول ضربه، وأمر التلاميذ أن يتداولوه بالضرب؛ حتى كادوا يأتون عليه.
٢٢٨ - الحكيم
هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل؛ كان الغاية في علم العربية والحساب وحد المنطق، وكان دقيق النظر، لطيف الاستخراج، صحيح الخاطر، ولم
стр. 249
يكن أحدٌ من أهل زمانه يتقدمه في علمه ونظره، وأنجب على يديه جملة من المؤدبين والشعراء والكتاب، وكان بكيَّ اللفظ، عيًّا بالمخاطبات، ثقيلًا في إملاء النحو، فإذا أخذ في إثارة المعاني اللطيفة، والمسائل الدقيقة لم يتعاطه أحد من أهل زمانه في ذلك، بل كان ألحظهم في الفهم عنه، والتلقن لما يورد. وأخذ عن محمد بن الغازي ما جلبه من الأشعار المشروحة رواية عنه، وسماعًا عليه، ولم يكن له في قرض الشعر كبير حظ، ولا رُوِي له في ذلك غير ما أذكره الآن له.
أخبرنا بعض المتأدبين أن محمد بن يحيى القلفاط بات عنده ليلة، فسَهِرا صدرَ ليلتِهما، ثمَّ ناما بقيَّتَها حتى تبلَّجَ الصُّبحُ، وكادت الشمسُ تطلُع عليهما، فانتبه القلفاطُ فقال للحكيم:
يا ديكُ ما لكَ لم تَصْرُخْ فتنبِهَنا ... لقد أسأتَ بنا، ديكَ الدَّجاجاتِ
يا آكلًا للقَذَى يا سَالِحًا عَبَثًا ... على الحَصير بَهيميَّ البَهيماتِ
فأجابه الحكيم فقال:
لقد صرختُ مرارًا جمَّةً عددًا ... قبلَ الصَّباحِ وبعدَ الصُّبْحِ تاراتِ
لكن علمتُك نوَّامًا وذا كسلٍ ... قليلَ ذكرٍ لجبَّارِ السَّماواتِ
وأنشدني بعضهم له:
سَلْ تَقِيًّا باللهِ يابنَ تقيِّ ... هل ترى قتلَ مُستهامٍ شجيّ
كُلَّما جنَّ ليلُهُ بات يَرْعَى ... أنجمًا هائمًا بطرفٍ خفيّ
يا سَمِيَّ النَّبيِّ حسبُكَ ما بي ... لا تزدْني جوًى بحقِّ النَّبيِّ
قال محمد: شدَّد الحكيمُ ياءَ "شجيّ"، وهو جائزٌ، وإن كان علماء النحو قد حظروا ذلك، وزعموا أنَّ الياءَ من "الشجي" مخففة، ومن "الخلي" مثقلة، والقياس ما ذكرنا، قد جاء بالتشديد لأبي دواد الإيادي:
стр. 250
مَن لِعينٍ بدمعِها مَوْليَّهْ ... ولنفْس بما عراها شجيَّهْ
فبناها لى "فعيلة".
وعاش الحكيمُ حتَّى بلغ ثمانين سنة، وأدَّب أميرَ المؤمنين الحكمَ المستنصر بالله ﵁، وأعقبه ابنًا قدَّمه أميرُ المؤمنين ﵀ إلى خزانة المال.
وتوفي لعشر خلون من ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وثلاثمئة.
٢٢٩ - القلفاط
هو أبو عبد الله محمد بن يحيى بن زكريا، وكان بارعًا في علم العربية، حافظًا لها مقدمًا فيها، ولم يكن أحد يقارن الحكيمَ في علمه وثقابة ذهنه في نظره غيره؛ إلا أن الحكيم كان يفوق الجميع بما قدمنا ذكره من لطيف النظر. وكان حافظًا للغة بصيرًا بها، وكان شاعرًا مُجوِّدًا مطبوعًا، وكان يُقصِّدُ فيطيل ويُحسن.
أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن معاذ -وكان أديبًا صدوقًا- قال: أخبرني بعض من دخل العراق من الأدباء قال: استنشدني المعوَّج ببغداذ لأهل بلدنا، فأنشدته لأحمد بن محمد بن عبد ربه قصيدةً، وثانية، فلم يستحسن شيئًا مما أنشدته، فأنشدته لمحمد بن يحيى:
يا غَزَالًا عَنَّ لي فابـ ... ـتَزَّ قلبي ثمَّ وَلَّى
أنتَ مِنِّي بفُؤادِي ... يا مُنَى نَفْسِيَ أَوْلَى
حتى أتيت على آخر الشعر، فقال: هذا الشعرُ بختْمِهِ، لا ما أنشدتني به آنفًا.
حدثني محمد بن عمر بن عبد العزيز، أخبرني بعض الشيوخ أنه شهِد
следующие страницы →