Полный текст (285 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
هديَّتِيَ التَّحيَّةُ للإِمامِ ... إمامِ العدل والملك الهمامِ
لأَني لو بذلْتُ له حياتي ... وما أَحوِي لَقلَّا للإِمامِ
أراكَ من الدواء الله نفعًا ... وعافيةً تكون إلى تمامِ
وألبسَكَ السلامَةَ مِنه رَبٌّ ... يريكَ سلامةً في كلِّ عَامِ
أَتأذنُ في الدخول بلا كلامٍ ... سوى تقبيل كفِّك والسلام!
فدخل الحاجب بها، ثم خرج، فقال: ادخُل.
قال أبو عبد الله: وكان يقال: ترْك الضحك من العَجب أَعْجَب من الضحك من غير عَجَب.
وكان يقال: الناسُ بخير ما تعجَّبوا من العَجَب.
وأنشدنا أبو القاسم لأبي عبد الله محمد بن أبي محمد اليزيديِّ:
أنا قد جئتُ راغبَا ... بعدما كنتُ عَائبَا
ومن الذنب لست أعـ ... ـرفُه جئت تَائبا
صرتُ للصُّلْحِ بعدما ... كنتَ إِيَّاهُ طالبا
زادني الله من صدو ... دك إن كنت كاذبا
لا ترُدَّنَّ خاضِعا ... لك بالرِّقِّ خائبَا
٢٨ - أبو جعفر أحمد بن محمد بن أبي محمد اليزيدي
هو أحمد بن محمد بن أبي محمد اليزيدي. كان راويةً شاعرًا متفننًا في العلوم. قال: قال أبو جعفر: أصبحتُ يومًا في غيم ورذَاذ، ففكَّرتُ فيمَنْ أبعث إليه، فخطَر بقلبي أبو جعفر محمد بن الفضل، فأخذتُ الدواةَ لأكتب إليه، فإذا أنا بالغلام قد دخل عليَّ، فقال: أبو جعفر محمد بن الفضل بالباب. فقلتُ: يدخل. فلما دخل قمتُ إليه، والقلم والقِرطاس في يدي. فقلت: هذا والله كتابي إليك، فالحمد لله الذي جاء بك. فقال: ليس والله
стр. 72
أقيم عندَك، ولا تقعدْ من قيامك؛ حتى تُوَافِيَني إلى البيت، ولستُ أنْتظرك؛ فإنّ عندي إنسانًا يشتَاقُك وتشتَاقه، ثم قال: يا غلام، أسْرِج الدابَّة، واذهبْ أنت يا غلام فجئني بثيابه، ثم مَضَى وتركني. فلبِستُ ثيابي ولحقت به. فدخلت وهو قاعد على مصلّى عند باب الرّواق، وبحذاء المصلَّى آخَرُ عليه مخارق، وقد أخْلِيَ لي الصدْر. فلما دخلتُ قام إليَّ مخارق فسلَّم عليَّ، ثم جلس، فأقبلنا نتذاكر أيامنا، فقال محمد بن الفضل: يا غلام، ما عندك من الطعام؟ قال: جَدْي بارد وفراريج وشرائح. قال: آتنا بما حَضَر. ثم بعث إلى الجواري يأمرهنَّ بالغَدَاء، فتغدَّينا، وتغدَّى الجواري، ثم خرجْن إلينا، ومع كلِّ واحدة وصيفة تَحْمِل عودَها، ومعها مِذبَّة. فقعدْن وأخذن عيدانهنَّ، فكان إذا مرَّ بي الصوت أستحسنُه من مخارق استعدتُه وأشرتُ إليهنَّ ليأخذنه، فغنَّى مخارق:
يقولُ أُناس لو تبدَّلْتَ غيرَها ... لعلك تَسْلُو إنما الحُبُّ كالحِبِّ
فاستحسنتُه واستعدتُه مرَّاتٍ، فقال لي مخارق: يا أبا جعفر، كأنَّه قد دار لك! قلتُ: إي والله. قال: ففيه عيب. قلتُ: وما ذاك يا أبا المهنَّأ؟ قال: هو فَذٌّ. قلتُ: فتحبُّ أن يكون تَوْأَمًا؟ قال: إي والله. فقلتُ:
فقلت لهمْ: لو أَنَّ قلبي يُطيعني ... فَعَلْتُ ولكنْ لا يطاوعُني قَلْبي
فاستحسنه وغنى فيه ثم قال لي يا أبا جعفر لي صوت عيبه كعيب هذا فقلت وما هو فقال:
زرْ آل زينَب أيُّها الوجِعُ ... واسأَلْهُمُ أعطوْك أو مَنَعوا
стр. 73
فقلتُ:
واشْف السقَام بأَن تَزُورَهُمُ ... فبقرْب زينب يَذْهَب الوَجع
ومن شعر أبي جعفر أحمد بن محمد اليزيدي:
فؤاديَ مشتاق وقَلْبيَ تَائقٌ ... إلى ذات دَلٍّ بينُها لِيَ شائقُ
بجُمْلٍ صَبَا قلبي كما أنها صبتْ ... متَى تَدْنُ يومًا يأْلَف النومَ عاشقُ
مُعَنًّى شكا ما تَشْتَكيه فإنما ... يحنُّ كلانا؛ ذاتُ وجدٍ ووامقُ
كئيبٌ تراهُ يُظهر الصبْرَ جُهْدَهُ ... على أن دَمْع العين بالشوق ناطقُ
وجُمْلٍ بأَرضٍ لو إليها تخلُّصٌ ... لولَّيتُ أسعى نحوها وأُسَابقُ
تَضَنُّ علينا زينبٌ بنَوالها ... وهل إن دنتْ جُمْلٌ بنا لا تفارقُ
وليستْ كجمْلٍ زينبٌ، جملُ إِن تُنِبْ ... أنيبُ وإن تَفْسُقْ فإنِّيَ فاسقُ
تُثيب إذا أحسنتُ والعذْرُ عندها ... رحيبٌ إذا عاقتْ لديها العوائقُ
يؤخذ من أول كل بيت كلمة تامة، فتكون:
فؤادي بجُمْلٍ مُعَنًّى كئيبُ ... وجُمْلٌ تَضَنُّ وليست تُثِيبُ
وله أيضًا:
لَئِنْ بَعُدَتْ عن الأحباب دارُ ... فمالي بعدَ فُرْقَتِهمْ قَرَارُ
هنا هُمْ عَيْشُهُمْ، وَصَفَاء عَيْشي ... يُكَدِّرُه حَنينٌ وادِّكَارُ
كئيبٌ بالنّهار حليف حُزْن ... أخو ليلٍ إذا ذَهَبَ النهارُ
أبيتُ إذا هُمُ باتوا نيامًا ... وبين حَشايَ للهِجْران نارُ
أَأشقى يا عبادَ الله عُمْرِي ... ويَسْعَدُ أهلُ وُدِّي حيثُ ساروا
يواصلهمْ أُناسٌ بعد ناسِ ... ويلهيهمْ سَمَاعٌ أو عُقارُ
стр. 74
بقيتُ بلا أخٍ إن رمتُ حتَّى ... أصارمَهم وإن قلَّ اصطبارُ
علا في المكرُمات وفي المعالي ... سليمان فَتَمَّ له الفَخَارُ
سأذكر يا أبا أَيُّوبَ فَضْلًا ... حوتْه لك الجحاجحةُ الكبارُ
لَجَارُك في المُلمِّ أَعَزُّ جارٍ ... لأنك خير قَرْمٍ يُستجارُ
كأنك حاتمٌ جُودًا وبذْلًا ... إذا أَزَمَتْ وعزَّ بها القُتارُ
وله أيضًا:
ولقد شجتْني طفلةٌ بَرَزَتْ ضُحًا ... كالشمسِ خَثْماء العظام بِذي غَضَا
ومثله:
فطلبتُها ومضى الفرزدقُ ظاعنًا ... إذْ ضَجَّ شخصٌ بالمغيثَةِ كهمسا
في كل بيت منها حروف: أ، ب، ت، ث.
وقال أيضًا:
حجّ الزكيّ بخُنث ظاعنًا فطغى ... وضقتُ بالبين صدرًا إذْ هُمُ شسعوا
فيه حروف: أ، ب، ت، ث.
وقال أيضًا:
نفسِي تحدِّثُنِي بأَنك غَادِرُ ... وهوايَ فيكَ على ذُنُوبك سَاترُ
تَعِدُ الوفاءَ وأنت تُظهرُ غيرَهُ ... ولقد يَدُلُّ على الضمير الظاهرُ
لك مُقْلَةٌ طَمَّاحةٌ مَقسُومَةٌ ... بين الجميع كما يَدُور الدَّائرُ
стр. 75
لو زار بيتَك كلَّ يومٍ عَسْكَرٌ ... أرضاهُمُ لحظٌ بعينك فاترُ
ومن البلاء بأنَّ عينك فاتنٌ ... للعالمين وأنَّ وجهَك ساحرُ
وإذا برزتِ فكلُّ قلبٍ طائر ... شوقًا إليكِ وكل طَرْفٍ ناظرُ
ولديك إسعافٌ لهم وإجابةٌ ... وهو الذي ما زلتُ منك أحاذر
في دون هذا للمتيَّم سَلْوَةٌ ... عن إلفه لو أنَّ قَلْبيَ صابرُ
ولأهجرنَّك جازعًا أو صابرًا ... إني إذا إِلْفٌ تنكَّرَ هاجرُ
٢٩ - أبو العباس الفضل بن محمد بن أبي محمد اليزيديّ
هو الفضل بن محمد بن أبي محمد يحيى بن المبارك. قال أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله الصولي: حدثنا أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله، حدثني فَضْلٌ اليزيديُّ قال: كان محمد بن نصر بن ميمون بن بسام الكاتب أَسْرَى النَّاس منزلًا وآلةً وطعامًا وعَبيدًا، وكان ناقصَ الأدب، وكُنت أختلِف إلى وَلَدِه وولد عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم ليقرؤوا عَلَيَّ الأشعار. وكان عبدُ الله أيضًا سَرِيًّا جاهلًا، فدخلتُ يومًا والستارة مَضرُوبةٌ، وهو وعبد الله يَشْرَبان، وأولادهما بَيْنَ أيديهما، وكانوا قد تَأدَّبُوا وفهموا وظَرُفوا، فغنَّى بشعر جرير:
أَلَا حيّ الدِّيارَ بِسُعْدَ إِنِّي ... أُحبُّ لحبِّ فاطمةَ الدِّيارَا
قال: فقال عبد الله بن إسحاق لمحمد بن نصر: لولا جهل العرب ما كان معنى ذكر السعد هاهنا. فقال محمد بن نصر: لا تفعلْ يا أخي؛ فإنَّه يُقوِّي مِعدَهم، ويصلِحُ أسنانَهم. قال فضل اليزيدي: فقال لي علي بن محمد بن نصر: بالله يا أستاذ، اصفعهما وابدأ بأبي.
стр. 76
الطبقة السابعة
٣٠ - أبو عثمان المازني
هو أبو عثمان بكر بن محمد بن عثمان المازني، أحد بني مازن بن شيبان بن ذُهْل. ووجدت حكايةً عن الخُشني قال: بكر بن محمد المازني، مولى بني سَدوس، نزل في بني مازن بن شيبان.
قرأ على أبي الحسن الأخفش كتاب سيبويه، وعمله على الجَرْميّ.
وحدثني أبو عليٍّ إسماعيل بن القاسم البغداذي، حدثنا عبد الله بن جعفر بن دَرَستَوَيه، حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد. وقال أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس -يزيد كل واحد منهما على صاحبه، وقد جمعنا روايتَهما-: اشتُرِيت للواثق جارية من البصرة بمئة ألف، فغنَّته يومًا:
أَظُليمُ إن مصابكم رجلًا ... أهدى السَّلامَ إليكمُ ظلمُ
فقال لها الواثق: قولي: "رجلٌ". فقالت: لا أقول إلا كما علمتُ. فقال للفتح بن خاقان: كيف هو يا فتح؟ فقال: هو خبرُ إِنَّ، كما قال أمير المؤمنين. فقالت الجارية: أخذت هذا الشعر من أعْلَم الناس بالعربية. فقال: ومَن هو؟ قالت: بكر بن عثمان المازني، وكان يُعرِبُ شعرَ غنائي. فأمر الواثق بإشخاصه من البصرة، فأُشْخِص.
قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل: قال أحمد بن يحيى: فلقيَني يعقوب بن السكيت، فسألني، فأجبتُه بالنصب، قال: فأين خبرُ إِنَّ؟ قلت: "ظُلْم"، ثم أُتِي بالمازني. قال أبو القاسم بن إسماعيل: قال أبو العباس
стр. 77
المبرد: قال المازني: فلما دخلت على الواثق، سأل فقال: باسمُك؟ -وهي لغة بلْحارث بن كعب- فقلتُ: بَكْر، يا أمير المؤمنين. فقال: مَن خَلَّفتَ وراءك من العيْلة عند شخوصك؟ قلت: أخيَّة تَحُلُّ مني محلَّ البنت. قال: فما قالت لك عند فِراقك لها؟ فقال: قالت لي ما قالت ابنةُ الأعشى لأبيها:
فيا أَبتا لا ترِمْ عِنْدنا ... فإنا بخيْرٍ إذا لم تَرِمْ
ويا أَبتا لا تَزَلْ عندنا ... فإنا نخاف بأَن تُخْتَرَمْ
أرانا إذ أَضْمَرتْك البلا ... د نُجْفَى ويُقْطَعُ منَّا الرَّحِمْ
فقال الواثق: كأني بك قد قلت لها:
تقول بنتي وقد قَرَّبْتُ مرتَحلًا ... يا ربِّ جنِّبْ أبي الأوصابَ والوَجعا
عليكِ مثلُ الذي صلّيت فاغتمضي ... نومًا فإنَّ لجنب المرء مُضْطجَعا
ثم قال: فما قلت لها عند ذلك؟ قال: قلت ما قال جرير لابنته:
ثِقي بالله ليس له شريكٌ ... ومِنْ عندِ الخليفة بالنَّجاح
فقال الواثقُ: ثق بالنجاح من عند الله ، ومِن عندنا يا بكْر. ثم سألني عن البيت، فأجبتُ بما قالت الجارية. قال: وأمر لي بِصِلة جَزْلة، وأجرى عليَّ كلَّ شهرٍ مئة دينار؛ فكنتُ بحضرته.
قال أبو جعفر أحمد بن محمد: قال المازني: قلتُ لابن قادم -أو لابن سعدان- لمَّا كابرني: كيف تقول: "نفقتك دينارًا أصْلَحُ من درهم"؟ فقال: "دينار" بالرفع. قال: قلت: فكيف تقول: "ضربك زيدًا خيرٌ لك"؟ فنصب زيدًا. فقلت له: فرِّق بينهما. فانقطع. وكان ذلك عند الواثق،
стр. 78
وحضر ابنُ السكيت، فقال له الواثق: سَلْه عن مسألة. فقلت له: ما وزن "نكتل" من الفعل؟ فقال: "نفعل". فقال الواثق: غلِطتَ. ثم قال لي: فسِّره. فقلتُ: "نكتل" تقديره: "نفتعل"، "نكتيل"، فانقلبت الياء ألفًا لفتحة ما قبلها، فصار لفظها "نكتال"، فأسكنت اللام للجزم؛ لأنه جواب الأمر، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. فقال الواثق: هذا الجواب، لا جوابك يا يعقوب. فلما خرجنا قال لي يعقوب: ما حملك على هذا، وبيني وبينك من المودَّة الخالصة؟! فقلت: والله ما قصدي تخطئتَك، ولم أظن أنه يَعْزُبُ عنك ذلك.
قال المازني: وحضرت يومًا آخر، واجتمع جماعة نحويِّي الكوفة، فقال لي الواثق: يا مازني، هاتِ مسألةً. قلتُ: ما تقول في قول الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ لِمَ لمْ يقل: "بغيَّة" وهي صفة لمؤنث؟ فأجابوا بجوابات غير مرضيَّة. فقال لي: هاتِ. قلت: لو كان "بغيّ" على تقدير "فعيل" بمعنى فاعلة؛ للحقتها الهاء مثل كريمة وظريفة. وإنما تحذف الهاء إذا كانت في معنى مفعولة في نحو امرأة قتيل، وكَفٍّ خضيب. و"بغيّ" هاهنا ليس بفعيل، إنما هو "فَعُول" لا تلحقه الهاء في وصف التأنيث نحو امرأة شكور، وبئر شطون؛ إذا كانت بعيدة الرّشاء. وتقدير "بغيّ": "بغوي" قلبت الواو ياء، ثم أدغمت الواو في الياء، فصارت ياء ثقيلة، نحو سيد وميت. فاستحسن الجواب.
قال المازني: فاستأذنتُه في الخروج، قال: هلَّا أقمتَ عندنا؟ قلتُ: لي أخيَّة أُشفِق أن أغيب عنها. فأذِن لي.
قال أبو علي إسماعيل بن القاسم: قال المازني: فانصرفتُ إلى البصرة، وكتب إلى عاملها أن يُدِرَّ عليَّ مئة دينار كلَّ شهر. فلما مات الواثق قُطِعت عنِّي. ثُم ذُكِرتُ للمتوكل، فأمر بإشخاصي، فلما دخلتُ عليه، رأيتُ من العُدَّة والسلاح والأتراك ما رَاعني، والفتح بن خاقان بين يديه، وخشيت أني إن سُئِلتُ عن مسألةٍ ألَّا أجيب فيها. فلما مثلتُ بين يديه،
стр. 79
وسلَّمت عليه، قلت: يا أمير المؤمنين، أقول كما قال الأعرابي:
لا تَقْلُواها وادْلُوَاها دَلْوَا ... إنَّ مع اليوم أخاه غَدْوَا
قال أبو عثمان: فاستُبْردتُ وأخرِجت، ولم يُفهَم عني ما أردتُ. والقلْو أرفع السير، والدلْو أدناه. ثم دعاني بعد ذلك، فقال: أنشِدْني أحسنَ مَرثِيَةٍ للعرب. فأنشدتُه قصيدة أبي ذُؤيبٍ:
أَمِنَ المنون ورَيْبِها تتوجَّعُ ... والدَّهرُ ليسَ بِمُعْتبٍ مَن يجزَعُ
حتى أتيتُ على آخرِها. فقال: ليست بشيء. فأنشدتُه قصيدة مُتمِّم بن نُوَيرَة:
لَعمري وما دَهْري بتأبين هالكٍ ... ولا جَزَعٌ مما أصاب فأَوجعا
حتى أتيتُ على آخرها، فقال: ليست بشيء. فأنشدته قصيدةَ كعبٍ الغنوي:
تقول سُلَيمى: ما لجسمكَ شاحبًا ... كأَنك يحميكَ الطعامَ طبيبُ
قال: ليست بشيء. فأنشدتُه قصيدةَ ابن مناذر في عبد المجيد:
كُلُّ حَيٍّ لَاقِي الحِمَامِ فَمُودِي ... ما لَحيٍّ مُؤَمِّلٍ من خُلودِ
стр. 80
حتى أتيتُ على آخرِها، فقال: ليست بشيء. ثم قال: مَن شاعرُكم اليومَ بالبصرةِ؟ فقلتُ: عبد الصَّمد بن المعذّل بن غيْلانَ. قال: فأنشِدْنِي له. فأنشدتُه أبياتًا قالها في قاضينا ابن رياح:
أَيا قاضيةَ البَصْرَهْ ... قومِي فارقُصِي قَطْرهْ
وَمُرِّي برواشِنْكِ ... فماذا البَرْدُ والفَتْرَهْ
أراك قد تثيرين ... عَجاجَ القَصْفِ يَا حُرَّهْ
وتخديشك خَدَّيْكِ ... وتجعيدكِ للطُّرَّهْ
فاستحسنَها واستطيَبَها، وأمر لي بجائزةٍ، فكنتُ أَتَعَمَّلُ أن أتحفَّظ أمثالَها، وأُنشِده إذا وصلتُ إليه، فيصلُني. وكان أبو عثمان يقول بفضل الواثق، ونَقْص المتوكل.
وحدث ابن إسماعيل، وعون بن محمد الكندي، وعبد الواحد بن العباس بن عبد الواحد، والطيّب بن محمد الباهلي -يزيد بعضهم على بعض-، فجئت بما اتفقوا عليه، وما افترقوا فيه، حتى كملت الرواية. قالوا: حدثنا أبو عثمان المازني قال: كان سبب طلب الواثق لي أن مُخارقًا غنَّى في مجلسه:
أَظُلَيْمُ إنَّ مصابَكُمْ رجلًا ... أهدى السلامَ إليكمُ ظُلْمُ
فغنَّاه مخارق: "إن مصابكم رجلٌ" فشايَعه بعضٌ، وخالفه آخرون. فسأل الواثق عمَّن بقِيَ من رؤساء النحويين، فذُكِرتُ له، فأمر بحمْلي إليه، وإزاحة عُذْري، فلما وصلتُ إليه قال: مِمَّن الرجل؟ قلتُ: من بني مازنٍ. قال: أمِن مازن تميمٍ، أم من مازن قيسٍ، أم مِن مازن ربيعةَ، أم من مازن اليمن؟ قال: قلت: من مازن ربيعةَ. قال لي: باسمُك؟ يريد: ما اسمُك؟
стр. 81
-وهي لغة في قومنا- فقلت على القياس: مَكْر، يا أمير المؤمنين، أي بكر. فضحك وقال: اجلس واطمئن. فجلستُ، فسألني عن البيت، فأنشدته:
* أَظُلَيْمُ إنَّ مصابَكُمْ رجلًا *
فقال: أين خبرُ إِنَّ؟ قلتُ: "ظُلْمُ" الحرف الذي في آخر البيت. ثم قلتُ: يا أمير المؤمنين، أما ترى البيتَ كأنه مُعلَّق لا معنى له حتى يتمَّ بهذا الحرف؟ وإذا قال: "أَظُلَيْمُ إنَّ مصابَكُمْ رجلًا أَهدَى السَّلامَ إِليكُم"، فكأنَّه ما قال شيئًا حتى يقول: "ظُلْم"؟ قال صدقتَ؛ ألك ولدٌ؟ قال: قلتُ: بُنيَّةٌ لا غير. قال: فما قالتْ حين ودَّعتَها؟ قلتُ: أنشدتْ شعرَ الأعشى:
تقولُ ابنتي حينَ جدَّ الرحيلُ ... أرانا سواءً ومَن قد يَتِمْ
أَبانا فلا رِمْتَ مِن عِنْدنا ... فإنا بخيْرٍ إذا لم تَرِمْ
أرانا إذا أَضْمَرتْكَ البلا ... د نُجْفَى ويُقْطَعُ منَّا الرَّحِمْ
قال: فما قلتَ لها؟ قلتُ: ما قال جريرٌ:
ثِقي بالله لَيْس له شريكٌ ... ومِنْ عندِ الخليفة بالنَّجاح
فقال: ثقْ بالنجاح إن شاء الله؛ إنَّ هاهنا قومًا يختلفون إلى أولادنا، فامتحِنْهم، فمَنْ كان منهم عالمًا يُنتفع به ألزمناه إيَّاهم، ومَن كان بغير هذه الصفة قطعناه عنهم. ثم أمر فجُمِعوا إليَّ، فامتحنتُهم فما وجدتُ طائلًا، وحذروا ناحيتي. فقلتُ: لا بأسَ على أحدٍ. فلما رجعتُ إليه قال: كيف رأيتَهم؟ قلتُ: يفضُل بعضُهم بعضًا في علومٍ يفضلُ الباقون في غيرِها، وكلٌّ يُحتاجُ إليه.
قال لي الواثقُ: إنِّي خاطبتُ منهم واحدًا، فكان في نهاية الجهل في خطابه
стр. 82
ونظره. فقلتُ: يا أمير المؤمنين، أكثرُ مَن تقدّم منهم بهذه الصفة، ولقد أنشدتُ فيهم:
إن المعلِّم لا يزال مضعَّفًا ... ولو ابتَنى فوقَ السماء بنَاءَ
مَنْ علَّم الصبيانَ أَصْبَوا عقلَه ... حتى بَنِي الخُلَفَاء والأمراءَ
فقال: لله دَرُّك يا بكر! كيف لي بك يا بكرُ! فقلتُ: يا أمير المؤمنين، إن الغُنْم والفوْز في قربك والنظر إليك، ولكنِّي ألفتُ الوَحْدة، وأنستُ بالانفراد، ولي أهل يُوحشني البعد عنهم، ويضرُّهم ذلك، ومطالبة العادة أشدُّ من مطالبة الطباع. فأمر لي بألف دينار وكسوة وطيب، وقال: لا تقطعنا، وإن لم يأتك أمرنا. فقلتُ: سمعًا وطاعةً. وودَّعتُه وانصرفتُ.
قال مروان بن عبد الملك بن مروان: سمعتُ أبا حاتمٍ يقول: كان أبو عثمان المازني مخذولًا في النحو، كان إذا سُئِل فأجاب أخطأ. قال: وسمعتُ أبا حاتمٍ يقولُ: المازنيّ، أيُّ شيء كان يحسن! أو أيُّ شيء كان يُحسِن الرياشيُّ! هل وضعا كتابًا قطّ، أو صنعا شيئًا؟!
الزيادي أبو إسحاق قال: صرتُ إلى أبي عمر الجرميِّ أقرأ عليه كتاب سيبويه، ووافيتُ المازنيَّ يقرأ عليه في الجزاء: "هذا بابُ ما يرتفع بين الجزمين"، فكنا نعجب من حِذْقه وجَودةِ ذِهْنه، وكان قد بَلَغ من أول الكتاب إلى هذا الموضع.
وقال أبو الحسين بن ولَّاد: يعني أن المازني كان قد بلغ على الأخفش إلى هذا الموضع.
وقال ابن الفراء المصري: توفي أبو عثمان المازني سنة تسع وأربعين ومئتين بالبصرة، هكذا ذكر في تاريخه.
قال أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن واضح الكاتب: توفي المازني سنة ست وثلاثين ومئتين، كذا قال في تاريخه الكبير.
стр. 83
٣١ - أبو حاتم
هو سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الجُشْمي السِّجِسْتَانيّ. قال ابن الغازي: كتب يعقوب الصفَّار والي سِجِسْتان -وكان متغلِّبًا عليها، وكان في مُلكٍ شديدٍ- يسأل أبا حاتم نحوًا مختصرًا، فأراد أن يبعث إليه كُتبَ الأخفشِ. فقيل له: لو أراد كتبَ الأخفش عَلِم مكانَها، وإنما أراد مِن قِبَلك. فبعث إليه كتابه المختصر في النحو المنسوب إليه، وهو على مذهب الأخفش وسيبويه.
قال: ورَوَى أبو حاتم عِلْمَ سيبويهِ عن الأخفش عن سيبويه عمرو بن عثمان، قال: وكانتْ تُقرَأ على أبي حاتمٍ كتب الأخفش، فكان يردُّ رَدًّا حسنًا.
قال ابن الغازي: ثم رأيتُها تُقرَأ على أبي الفضل الرِّياشيّ، فلا حول ولا قوة إلا بالله! أيّ نَدْف كان ينْدِفُها! فإذا الرياشيّ كان أعلم بها. قال: وسمعتُ أبا حاتم يقول: قال أبو زيدٍ الأنصاريُّ: يقال: تغدَّيتُ وتعشَّيْتُ، ولم أسمع غَدَوْت ولا عَشَوت. وقال أبو عبيدة: قد سمعت غَدَوْت وعَشَوْت.
وقال أحمد بن كامل بن خَلَف شجَرة: سمعتُ أبا بكر بن دُرَيد يقول: مات أبو حاتم في آخر سنة خمس وستين ومئتين. قال: وقال لي أبو جعفر الطبري: كان أبو حاتم إذا اكتحل نفضَ من الكُحلِ على لحيته يغيِّرها به، فكان يَسقط الكحل من لحيته على ثوبه وعلى صَدْره، وكان يُتعجَّب من ذلك.
قال: ورأيتُ عنده قومًا من أهل البصرة يُعظِّمونه، ويقولون: أنت شيخُنا وأستاذُنا، ونحو ذلك من القول.
стр. 84
أخبرنا أحمد بن سعيد، حدثنا أحمد بن خالد، حدثنا مرْوان بن عبد الملك، سمعت الرياشي يقول ونحن على قبر أبي حاتم لمَّا دفنَّاه وهو يترحَّم عليه: ذُهِب معه بعلمٍ كثير. فقال له بعض أصحابه: كتبُه. فقال العباس: الكتب تؤدي ما فيها، ولكن صدْره.
ابن الغازي قال: أخبرني رجل من أهل البصرة قال: قلنا لأبي زيد: عَلَى مَن نقرأ بَعْدَك؟ قال: على سهل بن محمد -يعني أبا حاتم-. قال: وكان يُزَنُّ بنحو ما زُنَّ به أبو عبيدة، ولكن كان بريئًا منه، إلَّا أنه كانت فيه دُعابة، فكان ذلك مما يُوجَد به السبيلُ إليه.
وأنشد بعضهم لأبي حاتم:
الدمع من عينيّ مُرفَضُّ ... وللهوى في كبدي عَضُّ
أخلَقَ وجهي شادنٌ وجهُه ... عندي جديدٌ أبدا غضُّ
أُرْعَد إن أبصرتُه مقبلًا ... كأنَّما بي تزحَفُ الأرضُ
ورُوِي عن أبي عثمانَ الخُزاعي أنَّه كان قال لأبي حاتم: كنتُ البارحة بين النائمِ واليقظانِ، فرأيتُني في المحراب، إذْ سمعتُ قائلًا يقول:
أبو حاتم عالم بالعلومِ ... فأهلُ العلوم له كالخَوَلْ
عليكم أبا حاتمٍ إنه ... له بالقراءة عِلْمٌ جَلَلْ
فإن تفقدوه فلن تدركوا ... له ما حييتُمْ بعلْمٍ بَدَلْ
وأنشد أبو عمرٍو البصري لنفسه فيه:
إلى مَن تفزعون إذا فُجعتمْ ... بسهلٍ بعده في كلِّ بابِ
ومَن ترجونه من بعد سهلٍ ... إذا أَوْدَى وغُيِّبَ في الترابِ!
стр. 85
وقال يعقوب القارئ:
استمع القرآن إذ يقرؤُهُ ... سهلٌ القارئ زينُ القرَأهْ
ودخل أعرابيٌّ مسجدَ البصرة، فتفقَّدَ أبا حاتم -وكان مختلفًا إليه- فأُعلِم بموته، فقال:
يا بانيَ الدنيا للذَّاتِهِ ... أعظمْ بذكرِ الموت من هادمِ
أما تَرَى الإخوان قد سارعوا ... بقادمٍ منهمْ على قادمِ
ومرَّ مَن قد كنتَ تُزْهى به ... ولستَ ممَّا ذاق بالسَّالمِ
وليس نقص الأرض في جاهلٍ ... كلَّا، ولكن ذاك في عالِمِ
أمَّا العراقان فقد أَقْفَرا ... بحادثٍ حَلَّهما قاصِمِ
مَنْ كان للخُطبة يُعنَى بها ... وللغريب المُشكِل العاتِم
قد ذهب العلم بأَعْلامِهِ ... والنحوُ من بعْدِ أبي حاتِمِ
مَنْ للدَّواوين إذا حُصِّلَتْ ... وكتْبِ أَمْلاكِ بني هاشِمِ
مفتاح قفل ضَلَّ مفتاحُه ... ولؤلو يبقى بلا ناظمِ
يا مسجدَ البصرة لمْ تبْكِهِ ... بواكفٍ من دمْعِك السَّاجِمِ
وقرأت في بعض الكتب: توفي أبو حاتم سهل بن محمد بالبصرة سنة خمس وخمسين ومئتين، ودُفن بصُرَّةِ المصلَّى، وصلَّى عليه سليمانُ بن جعفر بن سليمان بن عليِّ بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وكان يَلِي البصرة يومئذ.
قال مروان بن عبد الملك: توفي أبو حاتم في المحرم سنة خمس وخمسين ومئتين.
стр. 86
٣٢ - الرِّياشي
هو العباس بن الفرج الرياشي، مولى محمد بن سليمان بن عليٍّ، يُكنَى أبا الفضل. حدثنا أحمد قال: حدثنا أحمد قال: حدثنا مروان بن عبد الملك قال: ولاء العباس بن الفرج الرياشي لبني هاشم، وإنما كان أبوه عبدًا لرجل يقال له: "رِياش"، فباعه من رجل من بني هاشم، فأعتقه الهاشمي.
قال: وسمعت العباس بن الفرج يقول: تَحَفَّظتُ كتبَ أبي زيدٍ ودرستُها، إلَّا أني لم أجالسه مجالستي للأصمعيِّ، وأما كتب الأصمعي فإني حفظتُها لكثرة ما كانت تتردَّد على سمعي لطول مجالستي له. قال: وكنتُ أقرأ على أبي زيد، ولعل حفظي كان قريبًا من حفظه.
قال: وقال لي يومًا: عمَّن تأخذُ؟ قلتُ له: عن فلان. قال: فاجتمعنا عنده يومًا أنا وذلك، قال: فتناظرْنا عنده، فقال لي: تقول لي: إنَّك تأخذُ عن هذا وأنت أعلمُ منه!
قال: وسمعت الرياشي يقول: ما طلبنا هذا حين طلبناه لموضع الأجر.
قال مرْوان: وسمعت أبا حاتم قال لي -وليس معنا ثالث-: إنه ليشتدُّ عليَّ أن يذهب هذا العلم على رأسٍ، وتذهب هذه الكتبُ، وما هاهنا إلَّا هذا الرياشيّ، وعلمه قليل، ليس عنده كبير شيء. ثم قال لي: وإنَّ أصحاب الحديث يَدُقُّون عليه، ولقد كتب إليَّ إنسان من أهل خراسان فيه ويدقُّ عليه. فقلت لأبي حاتم: إنه يذهب في هذا الوقت إلى مذهب ابن المعذَّل، حتى صار يذكر فيه رؤيا عن رجل عن النبي ﷺ أنه أمر بالوقف.
حدثنا الرياشي قال: حدثنا أبو زيد، عن شعبة قال: كان سِماك بن حرب يقول: إذا كانتْ لك حاجة إلى أميرٍ، قل فيه بيتَيْ شعرٍ. فسمعتُ العباس يقول: وأنا كانت لي حاجة إلى أميرٍ، فقلتُ فيه بيتَيْ شعرٍ، وكانت لحاجة لأبي حاتمٍ. وكان الفضل بن إسحاق الأمير، وكان أبو حاتم رأى أنه واجد عليه، فأتاني أبو حاتم فقال لي: لم أر أحدًا أجيئه غيرَك. قال: واستثنى على أبي حاتم
стр. 87
دعوةً، قيل له: أبو حاتم وَفَى بها. قال: أبو حاتم لا يَفِي بها. وأنشدنا أبو العباس البيتين:
أَبتْ لك أَن يخشى عدوُّك صولةً ... عليه إذا ما أمكنتْك مقاتلُهْ
شَمائلُ عفوٍ عن أبيكَ ورثتَها ... ومِن خَيْرِ أخلاقِ الرجال شمائلُهْ
قال العباس: وما جاءت إلا بتعب. ثم قال: أستغفرُ اللهَ منهما.
الخشنيُّ قال: كان المازنيُّ في الإعراب، وأبو حاتم في الشعر والرواية، وكان الرياشي في الجميع. وكان أهل البصرة إذا اختلفوا في شيء قالوا ما قال فيه أبو الفضل، فانقادوا لقوله وروايته.
وكان من أهل الفضل، ولا تُخرِج البصرة مثل الرياشي.
ابن الغازي، أنشدنا الرياشيُّ:
خليليَّ إنْ كانت بِسَامَرَّ مِيتَتِي ... فإيَّاكما في البَرِّ أن تدفنانِيا
فإنه حين احتُمل إلى سُرَّ مَن رأى، وكان احتُمل لقضاء البصرة واستعفى منه، وقال شعرًا يمدح المتوكل به، وذكر خلاءَ مسجده، وأنه لا قائم له، فأعطاه وتوسَّع عليه ورده. وقرأ عليه ولد الفتح بن خاقان، وكان صاحب الخلافة في تلك الأيام، وأُعطِيَ مالًا جسيمًا، ورجع إلى البصرة.
قال الخُشَنِيُّ: وأَشهدُ لرأيتُ أبا حاتم يكفر بين يدي الرياشي ويعظمه ويجلُّه، وكان أبو حاتم أسنَّ من الرياشي بسَنَةٍ، ولكنه كان يُعطيه الحق لفضله عليه وما هو فيه.
وقال الرياشي: الذُّنَابَى ما كان لِذي جَناحٍ خاصة، وربما استعير للفرس. والذّنب لما سوى ذلك. ويقال: عَجَفْتُ للرجل إذا ضربته بالعصا، ويقال للواحد: كَرَوان، وللجمع: كِرْوان. وكذلك وَرَشان ووِرْشان، وظَرِبان وظِرْبان.
قال أبو مروان: وسمعت أبا الفضل الرياشي يقول: إنما صار لي ذِكرٌ بهذا
стр. 88
يعني بالغريب والشعر. قال: وسمعته يقول في عقب ذي الحجة من سنة أربع وخمسين ومئتين، وقيل له: كم تعدُّ؟ فقال: أظن سبعًا وسبعين. وخلَّفته بالبصرة في شوال سنة ست وخمسين ومئتين.
قال: وناظرَ العباسُ المازنيَّ في كتاب سيبويه، حتى أتى على آخره. قال أبو علي البغداذي: وبلغني أن المازنيَّ قال: قرأ عليَّ الرياشيُّ الكتابَ وهو أعلمُ به مِنِّي.
وقتله صاحب الزِّنْج سنة سبع وخمسين ومئتين، في شوال أيام دخوله البصرة.
٣٣ - الزيادي
هو أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان بن سليمان بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن زياد الزيادي.
٣٤ - التَّوَّزِيُّ
هو أبو محمد عبد الله بن محمد التَّوَّزِيُّ مولى قريش، توفي سنة ثلاثين ومئتين. وتَوَّز مدينة.
٣٥ - قُطرُب
هو محمد بن المستنير، يعرف بقُطرُب، مولى سَلْم بن زياد. قال محمد بن الجهْم: قال قُطْرب: إذا طلعت الجوزاء حَمِيت المَعْزاء، وكَنَست الظباء، وأوفى في عوده الحِرباء. وقالوا أيضًا: إذا طلعت الجوزاء انتصب العُود في الحِرْباء. يريدون: انتصب الحِرْباء في العود. وقال الله :
стр. 89
﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِن عَجَلٍ﴾ المعنى: خلقت العَجَلة منه. وقوله -تقدست أسماؤه-: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتنوءُ بالعُصْبَة﴾ أي: لَتنوءُ العصبة بها؛ لأنهم يقولون: ناء الرَّجل بحِمله؛ إذا نهض به متثاقلًا.
ويُروَى أن أبا القاسم الباهلي المهلبي -وكان من تلاميذ قُطرب- جعل له جُعْلًا على أن يقدِّمه على نفسه، ويقرَّ له بالعلم، ويقول في ذلك شعرًا. فأجابه قطرب إلى ذلك، وقال:
ذا ما أقرَّ به قُطْربٌ ... على نفسه لأبي القاسمِ
وأَشهدَ هودًا وجَهْمًا عليه ... وأشهدَ غَزْوانَ مَعْ عاصِمِ
بأن قال قد بذَّني في القياس ... وصيَّرتُ في يده خاتمي
وأعلمُ بالنحو من سيبويهِ ... وأجودُ بالمال من حاتمِ
بديهتُه عند ردِّ الجوابِ ... تزيد على فطنة العالم
فصرت على السنِّ تلميذَه ... وصار أبو قاسمٍ عالمي
стр. 90
الطبقة الثامنة
٣٦ - أبو العباس المبرد
هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عُمَيْر بن حسان بن سُليم بن سعد بن عبد الله بن يزيد بن مالك بن الحارث بن عامر بن عبد الله بن بلال بن عوف بن أسلم -وهو ثُمالة- بن أحْجن بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزْد بن الغوث.
قال عبد الله بن الحسين بن سعد الكاتب، وأبو بكر بن أبي الأزهر: كان أبو العباس محمد بن يزيدَ من العلم وغَزارة الأدب، وكثرة الحفظ، وحسن الإشارة، وفصاحة اللسان، وبراعة البيان، ومُلُوكِيَّة المجالسة، وكَرَم العِشْرة، وبلاغة المكاتبة، وحَلاوة المخاطبة، وجَوْدة الخط، وصحَّة القريحة، وقُرْب الإفهام، ووضوح الشرْح، وعُذوبة المنطق ... على ما ليس عليه أحد ممَّن تقدَّمه أو تأخَّر عنه.
سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول: لم يرَ المبرّد مثلَ نفسه ممَّن كان قبلَه، ولا يوفى بعدَه مثلُه.
وحدَّثني سهْل بن أبي سهل البَهْزيّ، وإبراهيم بن محمد المِسْمَعيُّ قالا: رأينا محمد بن يزيد، وهو حديث السنِّ، مُتصَدِّرًا في حلْقة أبي عثمان المازني يُقرأ عليه كتابُ سيبويه، وأبو عثمان في تلك الحلقة كأحد مَن فيها.
وحدثني اليوسفي الكاتب قال: كنت يومًا عند أبي حاتم السجستاني إذ أتاه شابٌّ من أهلِ نيسابور، فقال له: يا أبا حاتم، إني قدمتُ بلدكم، وهو بلد العلم والعلماء، وأنت شيخ هذه المدينة، وقد أحببتُ أن أقرأ عليك كتاب سيبويه. فقال له: الدِّينُ النَّصيحةُ، إنْ أردتَ أن تنتفع بما تقرأ؛ فاقرأ على هذا الغلام: محمد بن يزيد. فتعجَّبتُ من ذلك.
وكان سبب حمله من البصرة، فيما حدثني أحمد بن حرب صاحب الطَّيْلَسان
стр. 91
قال: قرأ المتوكل على الله يومًا، وبحضرته الفتح بن خاقان: ﴿وَمَا يُشعِرُكُم أَنَّها إذا جاءتْ﴾. فقال له الفتحُ بنُ خاقان: يا سيدي، ﴿إِنَّها إذا جاءتْ﴾ بالكسر. ووقعتِ المُشاجرةُ، فتبايَعا على عشرة آلاف دينارٍ، وتحاكما إلى يزيدَ بن محمدٍ المهلَّبي -وكان صديقًا للمبرد-، فلما وقف يزيد على ذلك خاف أن يَسقُط أحدهما، فقال: والله ما أعرفُ الفرقَ بينهما، وما رأيتُ أعْجَبَ من أن يكون باب أمير المؤمنين يَخْلُو من عالم مُتقدِّم. فقال المتوكل: فليس هاهنا مَن يُسأَلُ عن هذا؟ فقال: ما أعرف أحدًا يتقدم فتًى بالبصرة يعرف بالمبرّد. فقال: ينبغي أن يُشخَص. فنفد الكتاب إلى محمد بن القاسم بن محمد بن سليمان الهاشمي بأن يُشخِصَه مُكرَّمًا.
فحدثني محمد بن يزيد قال: وردتُ سُرَّ مَن رأى، فأُدخِلتُ على الفتح بن خاقان، فقال لي: يا بصريُّ، كيف تقرأ هذا الحرف: ﴿وما يُشعِرُكم إِنَّها إذا جاءتْ لا يؤمنون﴾ بالكسرِ، أو ﴿أَنَّها إذا جاءتْ﴾ بالفتحِ؟ فقلتُ: ﴿إِنَّها﴾ بالكسرِ، هذا المختار، وذلك أنَّ أوَّلَ الآية: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها﴾، قال: ﴿قل إِنَّما الآيات عند الله وما يشعركم﴾، ثم قال ﵎: يا محمد ﴿إِنَّها إذا جاءت لا يؤمنون﴾، باستئناف جواب الكلام المتقدم. قال: صدقتَ. وركبَ إلى دار أمير المؤمنين، فعرَّفه بقدومي، وطالبه بدفع ما تخاطرا عليه، وتبايعا فيه، فأمر بإحضاري فحضرتُ، فلما وقعتْ عينُ المتوكل عليَّ قال: يا بصريُّ، كيف تقرأ هذه الآية: ﴿وما يشعركما إِنَّها إذا جاءت﴾ بالكسر، أو ﴿أَنَّها إذا جاءت﴾ بالفتح؟ فقلتُ: يا أمير المؤمنين، أكثر الناس يقرؤُها بالفتح. فضحك، وضرب برجله اليسرى، وقال: أحضِرْ يا فتحُ المالَ. فقال: إنه والله يا سيِّدي قال لي خلافَ ما قال لك. فقال: دَعْني مِن هذا، أَحضِر المالَ. وأُخرِجتُ فلم أصلْ إلى الموضع الذي كنت أُنزِلتُه، حتى أتتني رُسُل الفتح، فأتيتُه، فقال لي: يا بصريُّ، أول ما
стр. 92
ابتدأتَنا به الكذب! فقلتُ: ما كذبتُ. فقال: كيف وقد قلتَ لأمير المؤمنين: إن الصواب: ﴿وما يشعركم أَنَّها إذا جاءت﴾ بالفتح؟ فقلت: أيها الوزير، لم أقل هكذا، وإنما قلتُ: أكثر الناس يقرؤُها بالفتح، وأكثرهم على الخطإِ، وإنَّما تخلصتُ من اللائمة، وهو أمير المؤمنين. فقال لي: أحسنتَ. قال أبو العباس: فما رأيتُ أكرمَ كرمًا، ولا أرطب بالخير لسانًا من الفتح.
قال أبو العباس: أُحضِرتُ مجلسَ المتوكل يومًا، وقد عمِل فيه النبيذ، وبين يديه أبو عُبَادة الوليد بن عُبيد البحتري، وهو يُنْشد قصيدة يمدح فيها المتوكل، وبالقرب من البُحْتري أبو العنْبس الصَّيْمَرِيّ، فأنشد البحتري قصيدته التي أولها:
عنْ أي ثَغْرٍ تَبْتَسِمْ ... وبأيِّ طَرْفٍ تحتكمْ
حَسَنٌ يَضَنُّ بِحُسْنِهِ ... والحسنُ أَشْبَهُ بالكَرَمْ
حتى بلغ إلى قوله:
قُلْ للخليفةِ جعفر بن الـ ... ـمتوكِّل بْنِ المعتصِمْ
المرتضَى ابن المجْتَبَى ... والمنعم ابن المنتقِمْ
أَمَّا الرَّعية فهي مِنْ ... أَمَنَات عَدْلِك في حَرَمْ
نِعَمٌ عليها في بقا ... ئِك فلتَتِمَّ لها النِّعَمْ
يا بانيَ المجد الذي ... قد كان قُوِّضَ فانهدمْ
اسلَمْ لدين محمدٍ ... فإذا سلمتَ له سَلمْ
نِلْنَا الهدى بعد العَمَى ... بك والغِنَى بَعْدَ العَدَمْ
فلما انتهى رجع القَهْقَرى للانصراف، فوثب أبو العَنْبَس الصَّيْمريّ فقال: يا سيدي يا أمير المؤمنين، تأمر بردِّه؟ فردَّه. فقال أبو العنبس: قد
стр. 93
عارضتُك في قصيدتك، وكنت بحضرة أمير المؤمنين. ثم اندفع ينشد شيئًا، لولا أنَّها جواب وبها تجب الفائدة لأمسكتُ عنها، قال:
في أيِّ سَلْحٍ تَرْتَطِمْ ... وبأيِّ كفٍّ تَلْتَقِمْ
أدخلتُ رأْسَ البحتريّ أَبا عُبادة في الرَّحِمْ
ووصل ذلك بما أشْبَهه، فضحك المتوكل، وضرب برجله اليسرى، وقال: ادْفعوا إلى أبي العنبس عشرة آلاف. فقال الفتحُ: يا سيدي، فالبحتري الذي هُجِي وأُسمِع المكروهَ ينصرفُ خائبًا؟! قال: وتُدفَع إليه عشرة آلاف درهم. فقال له: يا سيدي، فهذا البصري الذي أَشْخَصناه من بلدِه، لا يشرَكهم فيما حصَّلوه؟ قال: يدفع إليه أيضًا عشرة آلاف درهم. فانصرفنا في شفاعة الهزل، ولم ينفع البحتريَّ جِدُّه واجتهادُه ولا تقدُّمُه.
ولم يكن أبو العباس محمد بن يزيد -على رياسته، وتفرُّده بمذهب أصحابه، وإرْبائه عليهم بفطنتهم وصحَّة قريحته- متخلِّفًا في قول الشعر، وكان لا يَنْتَحل ذلك ولا يَعْتَزِي إليه، ولا يرسُم نفسَه به، وله أشعار كثيرة، منها قوله أبيات يمدح بها عُبيدَ الله بن عبد الله. وكان سبب اتصاله بالطاهريْن أنه لما قُتِل الفتح بن خاقان، كتب محمد بن عبد الله في إشخاص محمد بن يزيد، فلم يزلْ مُقيمًا معه، وأرزاقه مسبّبة على أعمال مصر، حَسَب ما كانت أرزاقُ الندامَى تُجرَى عليه، يدلُّ على ذلك ما شاهدتُه منه يومًا، وقد ورد عليه كتاب من طاهر بن الحارث، مع غلام له يقال له: نَصْر، في دَرْجِه كتاب التَّسبيب بأرزاقه إلى مصر، فأجاب عن الكتاب أبياتًا قالها على البديهة، وهي:
بنفسي أخٌ شددتُ به أَزْرِي ... فألقيته حرًّا على العُسْر واليسرِ
أغيبُ فلي منه ثناءٌ ومدحةٌ ... وأحضرُ منه أحسنَ القول والبِشْر
стр. 94
وما طاهرٌ إلا جمالٌ لصحْبه ... وناصرُ عافيه على كَلَب الدَّهْرِ
تفرَّدتَ يا خيرَ الورى فكفيتَني ... مطالبة شنعاء ضاق بها صدري
وأحسنُ من هذا الحديث ونشرِه ... كتابٌ أتاني مُدْرجًا بيديْ نَصْرِ
سُررتُ به لمَّا أتى ورأيتُني ... غَنيتُ وإن كان الكتاب إلى مصرِ
وقلتُ: رَعَاك الله من ذي مودَّةٍ ... فقد فُتَّ إحسانًا وقصَّر بي شكري
فهذا على البديهة.
ومما كتب به إلى عبيد الله بن عبد الله، بعد أن استبطأه وعاتبه، قوله:
يا موئلًا لذوي الهمّات والخَطرِ ... ومَنْ عمَدت لحاجاتي من البَشَر
هل أنت راضٍ بأن يُضحِي نزيلُكُمُ ... والمستجيبُ لكم في حالِ مستَترِ
صِفرًا من المال إلا من رَجَائِكُمُ ... ولابسًا بعد يُسْرٍ حُلَّةَ العُسُرِ
قل للأمير عُبيد الله دام له ... عِزُّ الإمارة في طولٍ من العُمُرِ
بدأتَ وعدًا فعد فانْظر لمنتظرٍ ... فإن حقَّ تمام الوِرْدِ للصَّدَرِ
وقد بدا عودُ شُكْرِي مُورِقًا فأجِدْ ... سُقْياك أجنيكَ منهُ يانعَ الثَّمَرِ
فإنَّما يسمُ الوسميّ مبتدئًا ... وللوليّ نبات الروض والزَّهَرِ
والسيف يُجْلَى فإن لم تُسْقَ صفحتُه ... نبا ولم يك كالمشحوذَةِ البُتُرِ
وقد تَقَدَّم إحسانٌ إليَّ لكمْ ... لم أُوتَ فيه من الإغراق في الشُّكُرِ
وفي بقاء عبيد الله لِي خلَفٌ ... وفيض راحته المغني عن المطرِ
قال أبو علي إسماعيل بن القاسم: وقال أبو العباس محمد بن يزيد في أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب:
أُقْسِمُ بالمبتَسَم العذْبِ ... ومُشْتكى الصَّبِّ إلى الصَّبِّ
لو كَتَب النحو عن الرَّبِّ ... ما زاده إلا عمى قَلْبِ
قال أبو عليٍّ: فلما أنشِد أبو العباس أحمد بن يحيى هذين البيتين تمثَّل
стр. 95
بقول الشاعر:
أَسْمَعَنِي عبدُ بني مِسْمَعٍ ... فصنتُ عنه النَّفسَ والعِرْضَا
ولم أُجِبْه لاحتقارِي به ... ومَن يعضّ الكلبَ إِن عَضَّا!
قال الأوارجيُّ الكاتب: حدثني العجْوزي قال: كنت يومًا عند أبي العباس محمد بن يزيد، وأتاه رجل على دابَّة على رأسه فرافقة، وعلى كتفه طَيْلسان أخْضَر، فلما رآه أبو العباس قام إليه فاعتنقه، فأكبر الرجل قيامَه إليه، فقال له: أتقوم إليَّ يا أبا العباس! فقال له أبو العباس:
أيُنكَرُ أن أقومَ إذا بَدَا لي ... لأكْرِمه وأعظِمَه هشامُ
فلا تعجبْ لإسراعي إليه ... فإنَّ لمثْله ذُخِرَ القيامُ
قال وأنشدني أيضًا قال: أنشدني أبو الحسن محمد بن عبدون الكاتب، عن المبرد:
لئن قمتُ ما في ذاك منِّي غضاضةٌ ... عَلَيَّ ولكنَّ الكريمَ مذلَّلُ
على أنها منِّي لغيرك هُجْنةٌ ... ولكنَّها بيني وبينك تَجْمُلُ
قال أبو بكر بن عبد الملك: كان المبرّد من أبخل الناس بكل شيء. قال: وقال أبو عبيدة معمر بن المُثنَّى: لا يكون نحويٌّ شجاعًا. فقيل له: وكيف؟ فقال: ترونه يفرِّق بين الساكن والمتحرك، ولا يفرق بين الموت والحياة! وقال المبرّد: وأنا أقول: إنه لا يكون نحويٌّ جوادًا. فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: ترونه يُفرِّق بين الهمزتينِ، ولا يفرّق بين سبب الغنى والفقر! يريد أن الإمساك سبب من أسباب الغنى، والعطاء سبب من أسباب الفقر.
стр. 96
قال: وأخبرني بعض مَنْ أَثِق به أنه كان يقول: ما وضعتُ بحذاء الدرهم شيئًا قطُّ إلَّا رَجَح الدِّرهمُ في نفسي عليه. هذا مع سَعَة كان فيها ووُجْد.
قال: وكان ثعلب على مثل ما كان عليه المبرد في الإمساك، وفوقه في السَّعة، غير أن المبرد كان يَسأل سؤالًا صُراحًا، وكان ثعلب يُعرِّض ولا يُصرِّح. قال: ولولا أني أكره أن أكون عيَّابًا للعلماء خاصة لأخبرتك عنهما من الأخبار التي تزيد على أخبار محمد بن الجهم البرمكي، والكندي، وخالد بن صفوان، والأصمعي في الإمتاع. يقول هذا أبو بكر التاريخي، وهو مَن لم يأكل عند أحد من عصرنا شيئًا قط، ولا رآه أحد يأكل أو يشرب، ولقد كان -عفا الله عنا وعنه- ومعه في المنزل من أقاربه سكَّان، فسألناهم عن خبره في مأكله ومشربه، فذكروا أنه كان إذا أراد الأكل دخل البيت، وأخذ الماء معه، ورد الباب في وجهه، أو طرح السِّتر، فلا يعلم أحد منهم بشيء من أمره.
وأنشدنا أبو العباس المبرد لأبي الطَّمَحان:
أَضاءَتْ لهم أحسابهمْ ووجوهُهمْ ... دُجَى اللَّيْلِ حَتَّى نظَّم الجَزْع ثاقبُه
ويقال للخرَز الجَزْع. ومُنْعَطَف الوادِي جِزْع.
قال ابن أبي سعد: قال لنا أبو موسى النحوي -وهو الحامض-: أخبرنا أبو يعقوب الضرير قال: كنا عند عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم المُصعَبي على نبيذ، وحضرَنا محمد بن يزيد، فغنَّتْ قَينة هُناك:
يا أيُّها السَّدِمُ الملوِّي رأسَه ... ليقود من أهل الحجاز تَريما
стр. 97
قال ما هذا؟ إنما هو "بريمًا" وهو جيش. وقال: "تريما" جَدٌّ من أجدادي. قال أبو الحرِّ: الجيش من أخلاط، وأصل ذلك الخيط يُفْتَل من ألوانٍ، ويعلَّق في عنق الصبيّ.
قال أبو بكر: قال جدي: سمعت محمد بن يزيد يقول: النَّعَم: الإبل خاصة، وإن كان معها بقرٌ أو شاءٌ أو كلاهما، قيل لجميع ذلك: نَعَم؛ لاتصاله بالنَّعَم، فإن أفردت الشاء والبقر لم يُقَلْ لشيء منها نَعَم.
وأنشد للأخطل:
فيومٌ منك خيرٌ من أُناسٍ ... كثير عندهمْ نَعَمٌ وشَاءُ
قال: ونظير ذلك "قوم" إنما يقال ذلك للرجال، فإن كان معهم نساء قلت: "قوم"، وإن انفردن لم يقل لهن: "قوم". قال الله : ﴿لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنَّ خيرًا منهنَّ﴾ وأنشد لزهير:
وما أَدْري وسوفَ إِخالُ أَدرِي ... أقومٌ آل حِصْنٍ أم نِسَاءُ
وذكر التاريخي أنه سمِع ذلك، وأن أبا محمد المغربي حضر، فاستحسن الشرح، وقبَّل رأسَ أبي العباس.
وقال أبو بكر: إن يحيى بن علي بن يحيى المنجّم سأل أبا إسحاق الزَّجَّاج في مجلس العباس بن الحسن عن ذلك، فقال كما قال المبرد. قال يحيى بن علي: يقال ذلك للرجال والنساء، واحتجَّ بقول الله : ﴿كَذَّبَتْ قومُ نوحٍ المرسلين﴾، وقال كذَّبتِ النساءُ والرجالُ. فقال الزجاج: فلعلَّ زهيرَ بنَ أبي سُلْمى أخطأَ، وأنشد البيت، فضحِك كلُّ مَن كان في المجلس والعباس.
стр. 98
فقال يحيى بن علي: احتججتُ بالقرآن فلم يُقْبَل مِنِّي، واحتج خَصْمي بقول زُهَيرٍ فقُبِل قوله. فقلتُ له: ففي القرآن شاهدٌ أَبْينُ من شاهدِك. فقال: وما هو؟ فقلتُ: ﴿لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكنَّ خيرًا منهنَّ﴾. فقال: نعم.
أخبرني إسماعيل من حفظه قال: لما قُتِل المتوكل بسُرَّ مَن رأى رَحَل المبرّد إلى بغداذَ، فقدِم بلدًا لا عهد له بأهله، فاخْتَلَّ، وأدركتْه الحاجةُ، فتوخَّى شهودَ صلاة الجمعة، فلما قُضِيتِ الصلاة أقبل على بعض مَن حَضَره، وسأله أن يُفاتِحه السُّؤال؛ لِيتسبَّب له القولُ، فلم يكن عند مَن حضره علمٌ. فلمَّا رأى ذلك رفع صوته، وطفِق يفسِّر، يُوهم بذلك أنه قد سُئِل، فصارت حوله حَلْقة، وأبو العباس يَصِلُ في ذلك كلامَه.
فتشوَّف أبو العباس أحمد بن يحيى إلى الحلْقة، وكان كثيرًا ما يرِدُ الجامعَ قومٌ خراسانيون من ذَوِي النظر، فيتكلَّمون ويجتمع الناسُ حولَهم، فإذا بَصُر بهم ثعلب، أرسل من تلاميذه مَن يُفاتِشُهم، فإذا انقطعوا عن الجواب انفضَّ الناس عنهم. فلما نظر ثعلب إلى مَن حول أبي العباس أمرَ إبراهيم بن السَّرِيَّ الزَّجَّاج وابنَ الحائك بالنهوض، وقال لهما: فُضَّا حَلْقة هذا الرجل. ونَهَضَ معَهما مَن حضر من أصحابه، فلما صارا بين يديه قال له إبراهيم بن السري: أتأذنُ -أعزَّك الله- في المفاتَشة؟ فقال له أبو العباس: سَلْ عما أحببتَ. فسأله عن مسألةٍ، فأجابه فيها بجوابٍ أقنعه. فنظر الزَّجَّاج في وجوهِ أصحابه مُتعجِّبًا من تجويد أبي العباس للجواب. فلما انقضى ذلك قال له أبو العباس: أقنِعْت بالجواب؟ فقال: نعم. قال: فإن قال لك قائل في جوابنا هذا كذا، ما أنت راجع إليه؟ وجعل أبو العباس يُوهِنُ جوابَ المسألة، ويُفسِده، ويَعْتَلُّ فيه. فبقي إبراهيم سَادِرًا لا يُحِير جوابًا. ثم قال: إن رأى الشيخُ -أعزَّه الله- أن يقولَ في ذلك؟ فقال أبو العباس: فإنَّ القولَ على نحو كذا، فصحَّح الجواب الأول، وأوْهن ما كان أفْسده به، فبقي الزَّجَّاجُ مَبْهُوتًا، ثم قال في نفسه: قد يجوزُ أن يتقدَّم له حفظُ هذه المسألة
стр. 99
واتفاق القول فيها، ثم يتفق إذا سأله عنها، فأوردَ عليه مسألةً ثانيةً ففعل [أبو] العباس فيها بنحوِ فعْله في المسألة الأولى، حتى والَى بين أربع عشرة مسألة، يجيب عن كل واحدة منها بما يُقنِع، ثم يفسد الجواب، ثم يعود غلى تصحيح القول الأول.
فلما رأى ذلك إبراهيم بن السَّرِيِّ قال لأصحابه: عُودوا إلى الشَّيخ، فلستُ مُفارِقًا هذا الرجلَ، ولا بدَّ لي من ملازمته. فعاتبه أصحابه وقالوا: تأخذ عن مجهول لا تعرف اسمه، وتَدَع مَن قد شُهِر علمُه وانتشر في الآفاق ذكرُه؟! فقال لهم: لستُ أقول بالذكر والخمول، ولكني أقول بالعلم والنظر. قال: فلزم أبا العباس، وسأله عن حاله، فأعلمه برغبته في النظر، وأنه قد حَبَس نفسه على ذلك إلَّا ما يَشْغلُه من صناعة الزُّجَاج في كل خمسة أيام من الشهر، فيتقوَّتُ بذلك الشهر كله. ثم أجْرى عليه في الشهر ثلاثين درهما، وأمره أبو العباس باطراح كتب الكوفيين، ولم يزل ملازمًا له، وآخذًا عنه، حتى برع من بين أصحابه. فكان أبو العباس لا يُقرئ أحدًا كتابَ سيبويه حتى يقرأه على إبراهيم ويصحح به كتابه. فكان ذلك أول رياسة أبي إسحاق.
وقرأ أبو العباس ثلث كتاب سيبويه على الجَرْمي، وتوفي الجرمي، فابتدأ قراءته على المازني.
وقال أبو علي: وسمع أبو العباس الكتاب من الجرمي، وعمله على المازني.
وكان مولد أبي العباس يوم الاثنين في ذي الحجة ليلة الأضحى سنة عشر ومئتين، وتوفي يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ست وثمانين ومئتين.
٣٧ - الباهلي
هو أبو العلاء محمد بن أبي زُرعة، من أصحاب المازني. وقُتل ابنُ أبي زُرعة يوم دخول الداعي صاحب الزّنج البصرةَ، وذلك في سنة سبع وخمسين ومئتين.
стр. 100
الطبقة التاسعة
أصحاب أبي العباس المبرّد
٣٨ - أبو إسحاق الزجاج
هو أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل الزَّجَّاج، وكان نديمًا للمكتفي.
قال الأوارجي الكاتب: حدثني أبو عبد الله محمد بن أحمد الأسواري، حدثني أبو الحسن محمد بن علي بن بِسْطام قال: حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن السَّرِيِّ الزَّجَّاج: أن أبا القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب سلَّم إليه ابنَه القاسمَ ليُعلِّمه النحوَ، وكان يتشاغلُ عنه باللَّعب والعَبث، فذُكر ذلك لعبيد الله، فاستحضره وقال له: ما منعك أن تُقبِل على ما شرُف به آباؤك؟ فقال له: شغلتَنِي بأشياء. وقال لي: الزمْه. وأخذت بيده ودخلت إلى موضع انفردتُ به معه، فوردَتْ عليه رقعة من أبيه فيها:
أبوك كلَّفك الشّأْوَ البعيد كما ... قِدْمًا تكلَّفَه وهب أَبو حَسنِ
ولست تُحمَد إن أَدركت غايتَه ... ولستَ تُعذَرُ مسبوقًا فلا تَهِنِ
قال: وحدثني بعض أصحابنا أن الزجاج النحوي قال: لازمتُ خِدْمةَ عبيد الله بن سليمان الوزير ملازمةً قطعتْني عن أبي العباس المبرد وعن بِرِّه وعن إجرائي عليه ما كان تَعوَّده مني، ثم مضيتُ إليه يومًا، فقال: هل يقع حسدُ الإنسان إلا مِن نفسِه؟ فقلتُ: لا. قال: فما معنى قول الله سبحانه: ﴿وَدَّ كثيرٌ مِن أهلِ الكتابِ لو يَردُّونَكم مِن بعدِ إيمانِكم كفارًا حسدًا مِن عندِ أنفسِهم﴾؟ فلم أدرِ ما وجهُ ذلكَ، فقال: ينبغي
стр. 101
أن تعلم أنَّ هاهنا أشياء كثيرة قد بقيتْ عليكَ. فاعتذرتُ ووعدتُه بالرجوع إلى ما تعوَّده مني.
ولم يذكر عن المبرّد فيها جوابًا، وسألني عنه فقلتُ: الجوابُ -والله أعلم- أنه يقع الحسدُ مِن نَفْس الإنسان، ومن أجل غيره بأن يبعثَه عليه، ويزيِّنه له. فمعنى قول الله عَلَى أنَّ هذه الطائفة لم يَدْخل عليها الحسدُ من خارج، وإنما هو شيء مِن عند أنفسهم، فقامت الفائدة، وحسن أن يقال: ﴿مِن عندِ أنفسِهم﴾؛ لئلا يدخل الضرب الآخر فيه، والله أعلم.
وتوفي الزجاج ببغداد سنة ست عشرة وثلاثمئة، وقد أناف على الثمانين.
٣٩ - محمد بن السراج
هو أبو بكر محمد بن السَّرِيِّ السَّراج، وله كتب في النحو مفيدة، منها كتاب في أصول النحو، هو غاية من الشرف والفائدة، ومنها كتابه في مختصر النحو، اختصر فيه أصول العربية، وجمع مقاييسها.
وكان أبو بكر محمد بن السري أديبًا شاعرًا، وكان يُحبُّ أمَّ ولدِه، وكانت في القِيان، فأنفق عليها مالَه، وتهيأ أن قَدِم المكتفي من الرَّقة في الوقت الذي وَلِيَ الخلافة.
قال الأوارجي الكاتب: فجلستُ أنا وابن السراج في رَوْشَنٍ، فلما وافى المكتفي به في الماء استحسنَّاه، وكانت هذه الجاريةُ قد جَفَتْ أبا بكر، فقال: قد حضرني شيء، فاكتبه، فكتبته، وهو:
قايستُ بين جمالِها وفَعالها ... فإذا الخيانَة بالملاحَةِ لا تَفِي
واللهِ لا كلَّمتُها ولو انَّها ... كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفي
стр. 102
قال: ومرَّ لهذا زمن طويل. وكان أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن يحيى الكاتب يهوَى قَيْنَةً، فكان يدعوها كل يوم جمعة، وكان لا يحتشِم أن يحدث أبا العباس أحمد بن يحيى بن محمد بن الفرات بحديثه معها. فحدثني زنجيٌّ أنه غدا يوم سبت إليه، فقال له أبو العباس: ما كان خبرُك مع صاحبتك أمس؟ قال: فحدَّثته باجتماعنا، فقال: فما كان صوتُك عليها؟ فقلت:
قايستُ بين جمالِها وفَعالها ... فإذا الملاحَة بالخيانَة لا تَفِي
واللهِ لا كلَّمتُها ولو انَّها ... كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفي
قال: فقال: هذا لِمَنْ؟ قلتُ: لعبد الله بن المعتز. وركب إلى القاسم بن عبيد الله فحدثه بهذا، وأنشده إياه، وصار معه إلى الثُّريا، وانصرف عنه. فجلس في ديوانه فلما علم أنه قد قَرُب انصرافه خرج فتلقَّاه عند الحِيرَة، فلما لَقِيَه حدَّثه أنه أنشد المكتفي البيتين، وأنه سأل مَن قائلُ الشعر؟ فقال له: هو لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر. قال: فأمرني أن أحمل إليه ألف دينار، فقلت له: إنما أنشدتك هذا على أنه لعبد الله بن المعتز، فصُرِف إلى ابن طاهر. فقال: لا والله، ما وقع لي إلا أنه لعبيد الله بن طاهر، وهذا رزقٌ رزَقه الله إياه، فأَنفِذْه إليه.
قال زنجيٌّ: فلما انصرف أبو العباس حدثني الحديث وقال لي: خذْ أنت هذه الألف الدينار، وصِر بها إلى عبيد الله بن طاهر، وقل له: هذا رزقٌ رزقك الله إياه من حيث لم تحتسِبْه. فأَوصَله إليه، فشكرَ اللهَ ﵎، وشكر أبا العباس. فقلت أنا لزنجيٍّ: ما رأيتُ أعجبَ مِن هذا، يعملُ هذا الشعرَ محمدُ بن السَّرِيّ السراج، ثم يكون سبب رزق لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر! فعجب من ذلك، وإنه لعجب!
стр. 103
وأنشدني محمد بن السريّ لنفسه في هذه الجارية:
سوف أَبكي على بكائي عليكِ ... وجفونِي إذا نظرتُ إليكِ
وزمانٍ لم يخلقِ الله شيئًا ... كانَ فيه أعزَّ من عينيْكِ
أَظَنَنْتِ الصبِيَّ يَخْفى عليه ... قُبح ما تحملين في ثوبيْكِ
هبْه أَعمى وليس يبصر شيئًا ... أينَ ما قد يفوحُ من إِبطيْكِ!
فاطلبي صاحبًا أَصَمَّ ضريرًا ... فعسى أن يكون يَصْبو إليكِ
وأنشدني لنفسه لما جُدِر ابن ياسر المغني -وكان من أحسن الناس وجهًا، وكان قد عَلِق به وهويه:
لي قمر جُدِّر لمَّا استوى ... فزاده حُسْنًا فزادتْ هُمومي
أظُنُّه غنَّى لشمسِ الضّحى ... فنقَّطَتْه طربًا بالنُّجوم
٤٠ - المبرمان
هو أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل العسكري. قال أبو علي: قال وَلدُ أبي العباس محمد بن يزيد: في تلاميذ أبي رجلان؛ أحدُهما يسفلُ، والآخر يعلو. فقيل له: مَن هما؟ فقال: المبْرَمان، يقرأ على أبي، ويأخذ عنه كتاب سيبويه، ثم يقول: قال الزَّجاج. والكلابِزِيّ يقرأ عليه، ثم يقول: قال المازني. وكان الكلابِزِيّ قد أدرك المازنيّ.
وللمَبرمان كتاب في تفسير كتاب الأخفش (النسخة الوسطى)، حسن.
٤١ - الفزاري
هو أبو زرعة الفزاري.
стр. 104
٤٢ - الأخفش
هو أبو الحسن عليّ بن سليْمان بن الفضل، قَدِم مِصرَ سنة سبع وثمانين ومئتين، وخرجَ عنها سنة ثلاثمئة، مَعَ عليّ بن أحمد بن بِسْطام إلى حلب، فأقام معه إلى أن تقلَّد ابنُ بسطام خراج مصر ثانية سنة خمس وثلاثمئة، ففارقه الأخفش، وقدم ابنُ بسطام مصر، وانحدر الأخفشُ إلى بغداذَ؛ فكان مقامه بمصر إلى أن خرج عنها ثلاث عشرة سنة وأشهر.
أخبرني أبو الفتح محمود بن الحسين بن السندي بن ساهك الكاتب المعروف بكُشَاجم، أخبرني أبو الحسن علي بن سليمان قال: استهدَى إبراهيم بن المدبّر محمدَ بن يزيد جليسًا يجمع إلى تأديب ولده الإمتاعَ بإيناسه ومُبَاسمته، فندبني إلى ذلك، وكتب معي إليه: قد أنفذتُ إليك -أعزك الله- فلانًا، وجملةُ أمرِه كما قال الشاعر:
إذا زرتُ الملوكَ فإنَّ حَسْبي ... شفيعًا عندهم أنْ يَخبُروني
وحدَّثني أبو عليٍّ قال: كان عليُّ بن العباس الرومي لا يَدَع التطيُّر والتفاؤل في جميع حركاته وتصرُّفه، وكان عليُّ بن سليمان الأخفش قد أُولع باعتراضه في مخارجه بما يتطيَّر به، فربما صَرَفه بذلك عن وجْهه، وربما دقَّ عليه الباب، فإذا قال: مَنْ أنت؟ قال: الشؤم والبلاءُ. فلا يبرح عليُّ بن العباس يومَه ذلك. فلما شقَّ عليه ذلك هجاه فأقذع في هجائه، فكان الأخفش يستعمل حفظ هجائه، ثم يُمْليه فيما يُمْلِي من الأخبار والأشعار على أصحابه، فلما رأى عليُّ بن العبَّاس أن
стр. 105
الأخفش لا يألم لهجائه أقصر عنه.
وقدِم أبو الحسن عليُّ بن سليمان مصرَ سنة سبع وثمانين ومئتين، وخرج عنها سنة ثلاثمئة إلى حلَب مع ابن أحمد بن بسطام صاحب الخراج، ولم يَعُد إلى مصر. وتوفي ببغداذ سنة خمس عشرة وثلاثمئة، ويقال: سنة ست عشرة، وهو ابن ثمانين سنة أو نحوها، ودفن في مقبرة قَنْطرة بَردَان.
٤٣ - ابن دَرَسْتَوَيْهِ
هو أبو محمد عبد الله بن جعفر بن دَرَسْتَوَيْهِ الفَسَوي. قرأ على المبرّد الكتابَ وبرع، وكان نظَّارًا، له أوضاع، منها تفسيره لكتاب الجرميّ، تفنَّن فيه، وجمع أصول العربية، ومنها كتابه في النحو الذي يُدْعى بكتاب الإرشاد، ومنها كتابه في الهجاء، وهو فائت في معناه، غريب في مغزاه.
وتوفي في يوم الاثنين لسبع بقين من صفر سنة سبع وأربعين وثلاثمئة.
٤٤ - أبو بكر بن أبي الأزهر
مستملي أبي العباس المبرّد.
٤٥ - أبو بكر محمد بن شقير النحوي
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
стр. 106
٤٦ - ابن الخياط
هو أبو بكر أحمد بن محمد بن منصور.
стр. 107
الطبقة العاشرة
أصحاب الزجاج
٤٧ - أبو الفهد البصري
كان أبو الفَهْد تلميذًا لأبي بكر أحمد بن محمد بن منصور المعروف بابن الخياط، من أصحاب المبرّد.
٤٨ - أبو القاسم الزجاجي
هو عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، ينسب إليه للزومه إياه. وتوفي بدمشق في رجب سنة سبع وثلاثين وثلاثمئة.
أصحاب ابن السراج
٤٩ - أبو سعيد السيرافي
هو الحسن بن عبد الله بن المَرْزُبان، وهو الذي فسَّر كتاب سيبويه، وينتحلُ العلمَ بالمجَسْطِي وإقليدس والمنطق، ويتفقَّه بأبي حنيفة، وهو معتزليٌّ من أصحاب الجُبَّائي، وكان ينزل الرُّصافة.
стр. 108
٥٠ - أبو علي الفَسَوي
كان عند ابن حَمْدان، فاستجلبه الدَّيلميُّ لبني أخيه خُسْرُه يُؤدِّبهم، فأقام ببغداد، ثم توجه إلى شيراز.
٥١ - علي بن عيسى البغداذي الوراق
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
أصحاب الأخفش علي بن سليمان
٥٢ - الميدمي
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
أصحاب بن دَرَسْتَوَيْهِ
٥٣ - أبو طاهر
هو عبد الله بن عمر بن محمد بن أبي هاشم المقرئ، من أهل مدينة
стр. 109
أبي جعفر، قرأ عليه بعضَ الكِتَاب، ولم يُرَ بعد ابن مجاهد مثله، وكان يقرئ في سكة عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس بالمدينة ببغداد. وكان كوفيَّ المذهب.
توفي سنة أربع وأربعين وثلاثمئة، يوم الخميس لعشر بقين من شوال.
٥٤ - الكرماني
قرأ عليه بعض الكتاب.
٥٥ - أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي
هو أبو علي إسماعيل بن القاسم بن هارون بن عَيْذُون البغداذي. قرأ عليه كتاب سيبويه أجمع، واستفسر جميعه، وناظره فيه، ودقَّق النظر، وكتب عنه تفسيره، وعلَّل العلةَ، وأقام عليها الحجة، وأظهر فَضْل مذهب البصريين على مذهب الكوفيين، ونَصَر مذهب سيبويه على مَنْ خالفه من البصريين أيضًا، وأقام الحجة له.
قال أبو علي إسماعيل بن القاسم: وقرأ معي الكتاب أبو جعفر أحمد بن أبي محمد بن دَرَسْتَويه -تعليمًا ورواية- الكتاب أجمع.
стр. 110
النحويون الكوفيون
следующие страницы →