وإذا قال: متى طلقتك فأنت طالق- قبله ثلاثا، (٧) وهي الملقبة بالسريجية (٨) قال تاج الدين: وقد كثرت. فيها التصانيف، واشتهر أشكالها من زمن زيد بن ثابت (٩) ﵁، وقيل الشافعي، وقيل المزني، (١٠) وقيل ابن سريج (١١)، وأخطأ من ظنها من مولدات ابن الحداد (١٢) - وإن كانت
стр. 422
في فروعه، (١٣) فليس كل ما في فروعه مما ولده، وإنما نسبت لابن سريج (١٤) لقوله هو ودهماء الشافعية: لا يلزمه شيء، لأنه لو وقع، مشروطه- وهو تقديم الثلاث، ولو وقع مشروطه لمنع وقوعه، لأن الثلاث تمنع ما بعدها، (١٥) ومذهبنا أن قوله: قبله لغو، فيقع عليه المباشر وتمام الثلاث من المعلق، (أ) قال الأستاذ الطرطوشي (١٦): وهو الذي نختاره (١٧).
تعريف وبيان:
ابن سريج هذا هو أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج الشافعي المذهب، يلقب بـ (الباز الأشهب)؛ (١٨)
стр. 423
قال ابن خلكان (١٩): فهرسة كتبه تشتمل علي أربعمائة مصنف، قام بنصرة المذهب الشافعي، وعنه (أ) انتشر مذهب الشافعي في جميع آفاق الأرض.
قال أبو حامد الإسفرايني: نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون دقائقه.
وقال الشيخ فتح الدين- في قول رسول الله ﷺ : إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ عَلى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ (٢٠) مَنْ يُجَدِّدُ لِهَذِهِ الأُمَّة دِينَها (٢١).
стр. 424
بعث (أ) الله علي رأس المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، (٢٢) وعلي الثانية (ب) الشافعي، (٢٣) وعلي رأس المائة الثالثة أبا العباس بن سريج (٢٤)، وعلي رأس المائة الرابعة أبا حامد الإِسفرايني (٢٥)، وعلي رأس المائة الخامسة أبا حامد الغزالي، (٢٦)
стр. 425
وعلى رأس المائة السادسة الإمام فخر الدين الرازي، (٢٧) وعلى رأس المائة السابعة، الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد.
قال ابن خلكان: وكان الشيخ أبو العباس بن سريج -رحمه الله تعالى- يناظر أبا بكر محمد بن داود بن علي (أ) الظاهري قال له أبو بكر يوما أبلعني ريقي، (٢٨) قال: (ب) أبلعتك دجلة.
وقال له يوما: امهلني ساعة. قال: أمهلتك إلي أن تقوم الساعة. وقال له يوما: أجيئك من الرِّجل فتجيئني (ج) من الرأس، فقال له: هكذا عادة البقر إذا حفيت أظلافها دهنت قرونها (٢٩).
واجتمعا يوما في مجلس الوزير ابن الجراح فتناظرا في الإيلاء، فقال له ابن سريج: أنت بقولك من كثرت لحظاته،
стр. 426
دامت حسراته؛ - أبصر منك بالكلام في الإِيلاء. فقال له أبو بكر: لئن قلت ذلك، فإني أقول:
أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محراما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... يصب على الصخر الأصم تهدما
وينطق طرفي عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي ردد لتكلما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فما إن أرى حبا صحيحا مسالما
فقال له ابن سريج: ولم تفتخر علي (أ)، ؟ ولو شئت -أنا أيضًا- لقلت:
ومسامر (٣٠) بالغنج من لحظاته ... قد بت أمنعه لذيذ سناته
صبا (ب) (٣١) بحسن حديثه وعتابه ... وأكرر الألحاظ (٣٢) في وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولي بخاتم ربه وبراته (٣٣) (ج)
فقال أبو بكر يحفظ الوزير هذا عليه، حتى يقيم شاهدي عدل أنه ولي بخاتم ربه وبراته (د).
فقال أبو العباس: يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك:
"انزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محراما
стр. 427
فضحك الوزير، وقال: لقد جمعتما ظرفا ولطفا، وعلما وفهما (٣٤).
وتوفي أبو بكر هذا ﵀ سنة سبع (٣٥) وتسعين ومائتين، (٣٦) وعمره اثنان وأربعون سنة؛ ولما بلغت وفاته ابن سريج، كان يكتب في كراس فرمي بيده، وقال: مات من كنت أتعب نفسي وأجهدها في الاشتغال بمناظرته ومقاومته.
ولما مات أبو أبي بكر (أ) داوود بن علي الظاهري الإصبهاني (٣٧) ﵀ وجلس في حلقته ولده أبو بكر هذا، وكان علي مذهب أبيه، استصغره أصحاب أبيه فدسوا إليه من يسأَله عن حد السكر، ومتي يكون الإنسان سكرانا (٣٨) فقال: إذا عزبت عنه الهموم، (ب) وباح بسره المكتوم، واختل كلامه المنظوم، ومشيه المعلوم، ... فعلموا موضعه من العلم،
стр. 428
واستحسنوا ذلك منه. وكان داوود بن علي - فيما ذكره القاضي ابن خلكان من العلم والدين، والزهد، والورع بمكان، ذكر أنه كان يحضر مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان أخضر (٣٩)! ! !
وذكر ابن سيد الناس (٤٠) أن البردعي (أ) سار الي الحج، فلما وصل إلى بغداد (ب) وجد داوود الظاهري في مجلسه- وهو يقول: أجمعنا علي أن بيع أم الولد- قبل حملها- جائز، فكذلك بعد وضعها أخذا بالاستصحاب، فقال له البرذعي: أجمعنا علي أن بيعها حالة العلوق لا يجوز فكذلك بعده- أخذا بالاستصحاب، فانقطع، قال: فخرجت وأنا استخير الله تعالى لتعليم العلم، وترك الحج لغلبة مذهب داوود علي غيره. فرأيت (ج) في المنام قارئا يقرأ قوله تعالى: " ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (٤١).
стр. 429
فلما استيقضت فإذا بصارخ: ألَا إن داوود الظاهري قد مات! ! ، فجلست للناس وتركت الحج.
وقال بعض من قيد علي رسالة الشيخ أبي محمد (٤٢): زعم بعضهم الإجماع علي المنع من بيع أم الولد، وقدح فيه بعضهم؛ وكذلك بيعها حاملا من سيدها علي ما حكاه البرذعي (أ) في احتجاجه السابق علي داوود، وقدح فيه أيضًا بعضهم علي قول من يجيز بيع الحامل ويستثني جنينها.
قال المؤلف - عفا الله عنه -: رأيت في فصل استصحاب الحال من كتاب: "إحكام الفصول، في أحكام الأصول" (٤٣) - للقاضي الحافظ أبي الوليد سليمان بن خلف بن سعد (ب) بن أيوب الباجي -رحمه الله تعالى- عن داوود بن علي الظاهري وأتباعه، ومحمد (٤٤) بن سحنون، وأبي جعفر أحمد بن نصر الداودي- جواز الإِقدام علي بيعها، وبه تندفع عندي حكاية من زعم (ج) الإجماع والله تعالى أعلم.
стр. 430
وإذا (أ) قلنا بمشهور المذهب، ومعروفه ووقع بيع أم الولد فإنه يفسخ وليتحفظ (ب) منه عليها لئلا يعود الي بيعها، ولا يمكن من السفر بها، وإن خيف عليها، وتعذر التحفظ أعتقت عليه، (٤٥) كقول مالك ليمن (ج) باع زوجته أنه لا يكون بيعها طلاقا، وتطلق عليه إن خيف عليه لذلك (د).
وفي مدارك القاضي أبي الفضل عياض (٤٦) ومن نوادر ما أفتي به أبو عمر أحمد بن عبد الملك الإشبيلي المعروف بابن المكوي (٤٧) في امرأة حرة بقرطبة لها ابنة (هـ) مملوكة صبية باعها مولاها من رجل خرج بها من قرطبة، وشكت أمها
стр. 431
ذلك، أن يمنع من إخراجها، وتباع علي مشتريها، وخالفه في ذلك القاضي ابن زرب (٤٨) وغيره من فقهاء وقته، وأخذ ابن أبي عامر (٤٩) بقول ابن المكوي (٥٠).
وذكر الشيخ أبو عبد الله السطيي (٥١) -رحمه الله تعالى- أنه وقف علي حاشية في رسالة الشيخ ابيي محمد بخط من يعتد به أن علي بن زياد أمضي بيعها بعد الوقوع.
(تنبيه): والبرذعي (٥٢) -بسكون الراء- هو أبو سعيد أحمد بن الحسين البرذعي الحنفي الخراساني تلميذ أبي علي
стр. 432
الدقاق، ذكره ابن سيد الناس الأندلسي وغيره، (٥٣) واشتد نكير بعض الأشياخ على الزناتي (٥٤) شارح المدونة، وصاحب الحلل- في قوله: إنه أبو سعيد البراذعي، وخطأه- وإنه لجدير بالتخطئة والإنكار- لأن أبا سعيد البراذعي لم يكن في عصر داوود، وإنما كان في الرابع من القرون (٥٥). والظاهري -رحمه الله تعالى- توفي ببغداذ، وبها نشأ سنة سبعين ومائتين في ذي القعدة، وقيل في شهر رمضان، ومولده بالكوفة سنة اثنتين، وقيل سنة إحدي ومائتين (٥٦).
قال العبد المتوكل علي المبديء المعيد، جامع هذا الملخص الجامع المفيد، الذي لا محيص لأعيان النجباء (أ) عنه ولا محيد؛ عبيد مولاه وشاكره علي الذي أولاه، أحمد بن
стр. 433
يحيى بن محمد بن عبد الواحد بن علي الونشريسي -منحه الله هداه، وألزمه تقواه- هذا نهاية ما قيدت، مما إليه قصدت، وبه وعدت، وإياه (أ) أردت، وفيه اجتهدت؛ من القواعد المحكمة الكافية، الجليلة النافعة الشافية؛ جمعتها لك هنا من أماكنها، وأبرزتها من مكامنها؛ علي وفق ما سألت، بل فوق (ب) ما أملت؛ والله سبحانه يدخلنا بفضله وطوله -في سعة رحمته، ويوسعنا- بمنه وكرمه- فضل عفوه ومغفرته؛ وهو المسؤول أن يصل أخوتكم الكريمة في ذاته، وابتغاء مرضاته؛ وصلى الله علي سيدنا ومولانا محمد، وعلي آله وأصحابه، وأزواجه (ج) وذرياته صلاة وسلاما نجدهما يوم شفاعته (٥٧).
стр. 434
قال المؤلف -عفا الله عنه، وغفر له، وأَنجح في سبيل رضاه (أ) أمله- ومما قلت (ب) في هذا الكتاب- نفعنا الله به يوم (ج) المآب-:
عليك بإيضاح المسالك أولا ... فقد ضم أنفاسا نفائس واعتلى
وبرز في مجلى الجمال وحيدها (د) ... وأحرز اشتات المحاسن واجتلى
وأوضح أشكالا جليلا فما تري ... غموضا وقل كل المناهج ذللا
وهذب ألقاب القواعد كلها ... ورتب أنواع المباني وفصلا
وقرب ما قد كان ينبو عن الورى ... وقيد ما قد كان في الكتب مسجلا
جنى من ثمار العلم ما قد رأيته ... وحاز من السحر الحلال حلاحلا (٥٨)
عليك بحفظ ما حواه فإنه ... جليل مبين (هـ) قد أبان وحصلا
وتدعو لعبد مذنب متذلل ... عبيد الإله نجل يحيى على الولا
وصلّ وسلم ثم صل وسلمن ... على خير رسل الله ثمت من تلا (٥٩)
стр. 435
ولما وقف الطالبان النجيبان، الفقيهان، النبيهان، الفاضلان، الوجيهان، الخيران، الكوكبان النيران، الشاعران المفلقان، الصاحبان الرفيقان، الأعطفان الشقيقان ... أبو زيد عبد الرحمن بن محمد الجذامي الشهير بالبردعي، وأبو جعفر أحمد الأَغرناطي الشهير بالأندلسي؛ أعلي الله مقدارهما، وشرف مآثرهما السنية وآثارهما؛ علي ما قلت وقيدت فوقه من الأبيات، زوداها بتخميس من أجل المحاسن والعطيات، فقال الأول- وكل منا يقول علي قدر وسعه، ورقة شمائله وطبعه.
وبعد أن أورد التخميسين -قال: "ولما وقف فقيه تازا، وفاضلها الذي لا يوازي؛ الفقيه الإمام، العالم العلامة العلم؛ الصالح البركة الكامل، أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم الشهير بابن يجبش؛ علي هذه الأبيات، كتب إلي- أعزه الله مخمسا لها ... ".
وقد أوردت النسختان هذه التخميسات جميعها، عدا تخميس ابن خروف الذي انفردت به نسخة الخزانة العامة بالرباط رقم (كـ: ٦٩٦) وهي من النسخ الجيدة، وكنت آثرت أن أجعلها من بين الأصول المعتمدة في تحقيق الكتاب، لكن عند مقابلتها مع النسختين: الأصل و (ق) ألفيتها لا تزيد عليهما شيئًا، على أن تاريخ نسخها متأخر عنهما جدا؛ ولذا لم أعتمد عليها ولم أشر إليها في مقدمة التحقيق، والله الموفق، والهادي إلى أقَوم طريق.
стр. 436
شكر وتقدير
بمشاعر فياضة بالثناء، أتقدم بالشكر والامتنان، المفعمين بالتقدير والاحترام، إلى أستاذي مولاي مصطفي العلوي علي تفضله بالإشراف علي هذه المحاولة العلمية، وعلي ما أسداه لي من توجيهات قيمة، وإرشادات سديدة، داعين الله له بالسعادة الأبدية.
واعترافا بالجميل، يفرض علي الواجب العلمي أن أقف وقفة إعجاب وتقدير، لأقدم شكري الجزيل إلي البحاثين الجليلين: الأستاذ سعيد أعراب، والأستاذ محمد المنوني- عن كرمهما العلمي، وسمو أخلاقهما المثالي، فكلاهما أخذت من وقته الثمين الشيء الكثير، وخاصة العلامة السيد سعيد أعراب الذي لا استطيع إحصاء كم مرة أزعجته بالضغط علي جرس داره، وفي كل مرة كنت أتوقع أنه سيخرج إلي ممتعضا بيد أنه -والحق يقال- كان دائما يخرج والابتسامة الصادقة لا تفارق محياه. ويأذن لي بالدخول إلي مكتبته العامرة بالنفائس النادرة، ويفتح لي فكره الوقاد، ولا أغادر معبده العلمي إلا بعد أن أجد -عنده- الحلول لمختلف المشاكل التي أوقفتني عن المضي في بحثي المتواضع.
أما الأستاذ المنوني فقد أمدني بكثير من المعلومات، لا سيما فيما يخص الدراسة، حيث دلني على مصادر ومراجع -ربما- لم أكن لأَهتدي إليها لولا توجيهه، فجزاهما الله عني وعن كل قاصدهما أحسن الجزاء، وأمد الله لنا في عمرهما للاستفادة من خبرتهما العلمية.
стр. 437
كما لا يفوتني أن أعرب عن وافر امتناني للأساتذة: الشيخ أحمد بن تاويت، والدكتور رشدي فكار، وصديقي السيد محمد القري، وإلى كل من أفادني، أو أمدني بأي نوع من المساعدة لإِخراج هذا المجهود المتواضع الذي تطلب مني إنجازه ما ينيف عن ألف يوم وليلة، لأقدمه إلى عشاق لآلئ الفقه الإِسلامي، مبتهلا إليه سبحانه أن ينفعنا به "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم". صدق الله العظيم.