← Каваид фикха

Каваид фикха · id 132374

إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك - ت بو طاهر

الونشريسي

Полный текст (437 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بمناسبة مطلع القرن الخامس عشر الهجرى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ صندوق إحياء التراث الإسلامي المشترك بين المملكة المغربية والإمارات العربية المتحدة إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك تأليف: أبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسى تحقيق أحمد بو طاهر الخطابي خريج دار الحديث الحسنية - الرباط مع دراسة لحياة المؤلف وآثاره وعصره طبع هذا الكتاب بإشراف اللجنة المشتركة لنشر التراث الإسلامي بين حكومة المملكة المغربية وحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة الرباط - ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد فإن كتاب "إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك". لمؤلفه العلامة الشهير أبي العباس أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الواحد بن علي الونشريسي تغمده الله برحمته, الذي نقدمه للقراء الكرام يعتبر بحق من أبرز وأنفس وأثمن وأجمع كتب الفقه المالكي التي اهتمت اهتماما بالغا بدراسة موضوعات قواعد فقه المذهب المالكي فهو ذخيرة علمية تضاف إلى لبنات ذخائر فقهنا الإسلامي الهادف، الذي تزدان بمختلف فروعه مكتباتنا الإسلامية زيادة على أنه قد جمع بين التحقيق والتدقيق والتنقيح والبيان والإحاطة في العمق والشمول لعدد غير قليل من الأصول والنوازل والفروع والقواعد والشروح والتنبيهات الفرضية منها والكلية. فرسم بذلك لهذه المعلمة الفقهية المالكية صورة واضحة المعالم والمنهج مستنبطة من كتاب الله أولا، ومن سنة رسوله ﷺ ثانيا. يلمس ذلك القارئ من خلال تتبعه لهذا الكتاب كما يلمس بوضوح وجلاء ما للمغاربة القدامى من تضلع وتمكن في هذا الفن بالذات وسبر لأغواره عبر التاريخ مخلفين كشاهد على

стр. 3

ذلك مجلدات كثيرة تزخر بها مكتباتنا الفقهية العامة منها والخاصة. واعتبارا لما ذكر في هذه العجالة عن الكتاب وأهميته البالغة وقيمة موضوعاته العلمية والفقهية النادرة وأثرها في هذا التراث المتألق في سماء موقعنا الغربي الإسلامي وما أنجبه هذا الغرب الإسلامي من عباقرة شوامخ في هذه الحلبة وفي غيرها ما يزال واسطة عقد القلادة في فقه هذا المذهب المالكي بهذه الديار. من أجل ذلك ارتأت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية أن تقدم هذه الدراسة كاملة في كتاب تضعه كباقة فواحة العبير شهية الأخذ والتناول لعشاق هذا الفن الإسلامي هدية بمناسبة مطلع القرن الخامس عشر الهجري، بعد اتفاقها مع الأستاذ أحمد بو طاهر الخطابي على نشر هذه الدراسة الجامعية التي قدمها لنيل دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإسلامية من دار الحديث الحسنية بالرباط - ومنحت لها لجنة المناقشة ميزة "حسن جدا" تقديرا لما بذله الأستاذ من جهود مضنية في إخراج كتاب "الإيضاح". فريد نوعه في الكيف والمضمون والنوع. وتم الطبع تحت إشراف اللجنة المشتركة لنشر التراث الإسلامي بين حكومة المملكة المغربية وحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة. صندوق إحياء التراث الإسلامي المشترك بين المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية المتحدة الرباط في عام ١٤٠٠ هـ موافق ١٩٨٠ م

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمهيد الحمد لله حمدا يليق بجماله وجلاله, والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه إن من نعم الله الكبرى على الأمة الإسلامية، تكريمها بالرسالة المحمدية، الخاتمة للشرائع السماوية, الجامعة للمصالح البشرية, الواردة بالأصول الكلية -لطفا منه سبحانه ورحمة بعباده- لتستنبط منها الأحكام الملائمة لكل جيل وبيئة، تاركة المجال فسيحا لذوي المؤهلات الاجتهادية، مواصلة التشريع الفرعي والجزئي لكل نازلة. وإيجاد حلول شرعية لمختلف القضايا المتجددة، في نطاق النصوص الكلية للشريعة السمحة، دون الخروج عن أهدافها العامة، ومقاصدها السامية. وقد طبق -عمليا- خدام الشريعة هذه المنهجية السليمة عبر المراحل التي مر فيها الفقه الاسلامي، الذي بلغ القمة في عهد الأئمة الكبار، انطلاقا من ظهور مدارسه التي تبلورت إلى مذاهب، كل له منهاجه في الاستنباط، وتلاميذه وأتباعه، يمدهم بالرواية والدراية الفقهية, ويدرس النوازل الواقعة، بل منهم من تناول الفرضية منها، والكل يستنطق الينبوع الأساسي للتشريع الإسلامي کتاب الله أولا، وسنة رسول الله -ثانيا، ثم المصادر الأخرى- ثالثا. وهنا اختلفت الآراء إلا أن الاختلاف لم يكن -في الواقع- في ذات الدين، ولا في لب - أ -

стр. 5

الشريعة، وإنما اختلاف في فهم نصوصها، وتطبيق كلياتها على الفروع، وأخذ كل بما استقام في نظره، وبما رآه جديرا أن يعتبر كمصدر، فمنهم من وسع في هذا الشأن، ومنهم من اقتصر، ومما لا ريب فيه أن البيئة الطبيعية، والاجتماعية، والسياسية - التي كانت تحيط بكل إمام- لعبت دورا بارزا في اختلاف النظر الى الوقائع، وفي تقدير الأدلة وفهمها وتأويلها مما أدى إلى تعدد المذاهب. أهم المذاهب الفقهية يمكن تقسيم المذاهب الفقهية عموما إلى نوعين سني، وغير سني، وكل نوع يتفرع إلى عدة فروع، ويهمنا منها النوع السني الذي يتفرع بدوره -باعتبار الانتشار والاندثار- إلى ثلاثة فروع أ - فرع نشأ لكنه لم يكتب له البقاء والانتشار، كمذهب محمد بن ابي ليلى (ت ١٤٨ هـ)، ومذهب سفيان الثوري (ت ١٦١ هـ)، ومذهب الليث بن سعد (ت ١٧٥ هـ)، ومذهب سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ)، وغيرها من المذاهب التي اندثرت بموت أصحابها. ب - فرع تكون واستمر لوقت محدود, كمذهب عبد الرحمان الأوزاعي (ت ١٣٦ هـ)، ومذهب داوود الظاهري (ت ١٧٠ هـ). ومذهب محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ). ج - أما الفرع الثالث الذي أسعده الحظ في الاستمرار والانتشار, ووقف التقليد عنده في سائر الأقطار -إلى حد الآن- فينحصر في المذاهب التالية ١ - المذهب الحنفي وإمامه أبو حنيفة النعمان، ولد بالكوفة (٨٠ هـ) وتوفي ببغداد (١٥٠ هـ)، وقد انتشر مذهبه بالكوفة والعراق، والشام، ومصر، والجزيرة - ب -

стр. 6

العربية، وشمال إفريقيا، وغيرها من البلدان الَّتِي كان منفردا فيها، إلا أنه سرعان ما نافسته المذاهب الأخرى حينما بزغت، فتقلص في بعضها، واضمحل في بعضها الآخر، ورغم ذلك فلا زال معمولا به في العراق مطلقا، وفي الفتيا والقضاء -فقط- في جل البلدان الَّتِي كانت خاضعة للدولة العثمانية، كمصر، وسوريا، ولبنان ... كما لازال مذهب الأغلبية- في الأمور الدينية- لدى مسلمي تركيا، وباكستان، وأفغانستان، والهند، وروسيا، وغيرها من البلدان الَّتِي لا زال له فيها اتباع- عدا المغرب، رغم أنه من أولى المذاهب الَّتِي دخلت إليه. ٢ - المذهب المالكي وإمامه مالك بن أنس، ولد بالمدينة المنورة (٩٣ هـ)، وبها توفي (١٧٩ هـ)، وهو مستغن بشهرته عن التعريف به، وقد أورد القاضي عياض في "المدارك"، والسيوطي في "تزيين المسالك"، والزواوي في "مناقب مالك" وغيرهم، من ثناء الأئمة عليه علما، ودينا، وورعا، وثباتا .. ما فيه كفاية. وقد انتشر مذهبه في الحجاز، ومصر، والسودان، والكويت، والبحرين، وتونس، والجزائر، والأندلس، والمغرب الأقصى - البلد الوحيد الذي أضحى فيه بدون منافس، وله أتباع في جل البلدان الإسلامية الأخرى. ٣ - المذهب الشافعي وإمامه محمد بن إدريس الشافعي، ولد بغزة (١٥٠ هـ) ونشأ بمكة، وربي بهذيل، وتوفي بمصر (٢٠٤ هـ). وانتشر مذهبه الثاني في مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، وباكستان، والهند، واندنيسيا، ولدى السنيين في إيران، واليمن، وغيرها من البلدان الَّتِي لا زال له فيها أتباع - عدا المغرب. - جـ -

стр. 7

٤ - المذهب الحنبلي وإمامه أحمد بن حنبل، ولد وتوفي ببغداد (١٦٤ - ٢٤١) وكان إماما في الحديث بدون منازع، وانتشر مذهبه في المشرق عموما، غير أنه مع مر الأيام كاد أن يندثر -حيث لم يبق له حتى في البلدان الَّتِي انتشر فيها غير صدي خافت- لو لم يحيه محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عَشر الهجري، ومنذئذ انتعش، وأصبح له أتباع في بعض البلدان الإسلامية كالحجاز، والشام .... عدا المغرب. من هذا يتضح أن المذاهب الفقهية السنية الَّتِي كتب لها البقاء، كانت -ولا زالت- منتشرة ومتنافسة في جل البلدان الإسلامية، باستثناء المغرب الأقصى الذي تسنم عرشه المذهب المالكي منذ أن تقلده المغاربة، رغم محاولة بعض ملوك الموحدين القضاء عليه- لكن بدون جدوى، الشيء الذي يدعو إلى طرح الأسئلة التالية لماذا انفرد المذهب المالكي بالنفوذ في المغرب؟ وما هي البواعث الَّتِي دفعت أهله إلى التمسك به تمسك الرضيع بأمه؟ وهل ذلك عن اختيار واقتناع بصلاحيته؟ أم فرض عليهم بالقوة- كما يدعي البعض؟ أم أن ذلك كان كنتيجة حتمية لعدم تعرفهم على المذاهب الأخرى؟ وأن المستنطق لتاريخ المغاربة سيجد أنهم كانوا يتسمون بالصلابة في الرأي، والتروي في اتخاذ المواقف الحاسمة، وعدم إقبالهم -بلهفة على كل جديد، وعدم تأثرهم بسرعة بكل وارد -كما هو ملاحظ اليوم- إلا بعد اختبارهم إياه، والتثبت منه بأنه يتلاءم مع مزاجهم، وبيئتهم الاجتماعية والعرفية، والعقلية والنفسية ... وهذا الموقف نفسه وقفوه ازاء الإسلام حيث لم يعتنقوه اعتناقا صادقا، وآمنوا به إيمانا عميقا امتزج بدمهم ولحمهم، إلا في الكرة الثانية عشرة- كما يذكر ذلك ابن أبي زيد القيرواني- حينما تيقنوا أنه ليس له مثيل، - د -

стр. 8

ومنذئذ لم يرضوا به بديلا، وصاروا يدافعون عنه -ولا زالوا- بكل ما أوتوا من قوة، وكفاهم فخرا أنهم كانوا في طليعة الناشرين له في أوربا وأفريقيا. وإذا كان هذا موقفهم مع الإسلام، فليس بصحيح ما ادعاه ابن حزم من أن المذهب المالكي لم ينتشر في الأندلس والمغرب إلا بالسلطة، ويفند زعمه هذا بالنسبة للمغرب ما قام به بعض ملوك الموحدين، وخاصة يعقوب المنصور من محاولات لمحو المذهب المالكي منه، بإحراق كتبه بالجملة، وإلزام المغاربة بالتخلي عنه رهبة، إلا أن النتيجة كانت عكسية، حيث ازداد المغاربة تمسكا به، نعم قد تكون السلطة سببا مكملا لحماية الإرادة الشعبية من تشكيكها في عقيدتها الأشعرية ووحدتها المذهبية، والعمل على تنقيتها من الطفيلات الشاذة. كما ليس بصحيح -بتاتا- الظن بأن السبب في انتشار مذهب مالك واستمراره بالمغرب يرجع إلى عدم تعرف أهله على المذاهب الأخرى، لأن التاريخ يثبت بكيفية قاطعة، أن كثيرا من المذاهب السنية وغير السنية وفدت على المغرب، وعاشت فيه مدة، وحاولت التمركز فيه قبل وبعد إدخال المذهب المالكي إليه، غير أن المغاربة تخلوا عنها لسبب أو لآخر، وتمسكوا بمذهب مالك، وذلك لعدة عوامل عوامل تمسك المغاربة بمذهب مالك ليس من اليسير في هذه العجالة تقصي كل العوامل والأسباب الَّتِي حفزت المغاربة إلى التشبث بمذهب مالك، لذا سأكتفي بالاشارة إلى البعض منها ١ - نشوء المذهب بالديار المقدسة. ٢ - ورود الأثر في صاحب المذهب. ٣ - إشادة مختلف الأئمة به. - هـ -

стр. 9

٤ - تشابه البيئتين المغربية والحجازية. ٥ - طبيعة المذهب نفسه وخصائصه. ١ - بزوغ المذهب بالبقاع المقدسة: من المسلم به أن كل مسلم له ارتباط وثيق -عقيديا وروحيا- بالديار المقدسة منبع الرسالة المحمدية، منذ اعتناقهم الإسلام، وظهور مذهب فقهي سني في دار الهجرة، هدف صاحبه خدمة السنة النبوية بتدوينها وحمايتها من الشوائب، وتوطيء فقهه بها في مسجد الرسول الأكرم، وبجوار قبره ﵊ وتعاقب الوفود من التلاميذ والحجيج باستمرار - على المدينة المنورة، يرتوون ويروون، ثم انتشارهم انتشار الشعاع في شتى الأصقاع، مبلغين أصداء هذا المذهب ومزاياه إلى كثير من بقاع العالم الإسلامي- ومنه المغرب، واقترن طول عمر الإمام، وكثرة العلم، بعظمة المكان ذاته بيت الله الحرام، ومسجد رسول الله، وهيبة قبره، ومغداه ومرحاه، وأبنائه, وأبناء أصحابه، والأثر والذكر العطر بنوره, بلدة طيبة، وعلم زاخر ... كل ذلك وغيره، أهَّلَ الديار المقدسة - بصفة عامة، والمدينة المنورة بوجه خاص- أن تكون بذاتها وبروحها عاملا مهما لانتشار واستمرار مذهب مالك بالمغرب، وتمسك أهله به، تمسكهم بالعروة الوثقى، وذلك لعدة أسباب، منها: أ- خروج المذهب على يد تلامذة مالك، وادخالهم إياه إلى بلدانهم وغيرها، وكان أول من أدخله إلى شمال افريقيا تلميذ مالك أبو الحسن علي بن زياد التونسي (ت ١٨٣ هـ). ب- توافد الحجيج كل سنة على تلك البقاع المقدسة، وإعجابهم بالمذهب الذي وجدوه امتدادا لنهج السلف عقيدة، وعملا. - و -

стр. 10

ج- توارد الوفود تلو الوفود من الفقهاء وغيرهم على المغرب من القيروان والأندلس، وخاصة في عهد مولاي إدريس الثاني، وكان أول وفد ورد عليه مكونا من عرب قيس، والأزد، ومذحج، ويحصب وغيرهم، واستقضى منهم عامر بن محمد بن سعيد القيسي، الذي كان من تلامذة مالك، فانتشر مذهب مالك بالمغرب وعم أرجاءه، لا سيما حين أدخلت مدونة سحنون على يد أبي ميمونة دراس بن اسماعيل الجراوي الفاسي شيخ أبي الحسن القابسي، وابن أبي زيد القيرواني وغيرهما. (ت ٣٥٧ هـ). ٢ - ورود الأثر في صاحب المذهب: لعل من أهم العوامل الَّتِي حدت بالمغاربة إلى اتباع مذهب مالك وتفضيله على غيره، - ما وقع من اجماع الأمة على إمامة صاحبه، وما ورد فيه من أثر عن رسول الله ﷺ ، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الإِبِلِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ -وفي رواية- يَلْتَمِسُونَ الْعِلْمِ، فَلَا يَجِدُونَ عَالِمًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ". ورواه أبو موسى الأشعري بلفظ "يَخْرُجُ النَّاسُ مِنَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، فَلَا يَجِدُونَ عَالِمًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ". وعلق سفيان بن عيينة على هذا الحديث- قائلا "نرى أن المراد بهذا الحديث مالك بن أنس". وعضده كثير من أهل العلم كالقاضي أبي محمد عبد الوهاب الذي قال ما معناه لا يمكن أن ينازعنا في هذا الحديث أحد من أهل المذاهب الأخرى، لكون السلف والخلف كانوا إذا قالوا "عالم المدينة" لا يقصدون بذلك إلا مالك بن أنس. - ز -

стр. 11

٣ - إشادة مختلف الأئمة بمالك: وربما كان من العوامل التي جعلت المغاربة يتشبثون بمذهب مالك إشادة مختلف الأئمة بعلم مالك، وورعه ورجاحة عقله، وتعمقه في فهم أسرار الشريعة، و ... فهذا الإمام الشافعي يقول في حقه "مالك أستاذي وعنه أخذت العلم، وما أحد أمّنَّ عليَّ من مالك، وجعلته حجة بيني وبين الله". وقال في حق موطئه "أصح كتاب بعد کتاب الله موطأ مالك". وقال ابن مهدي "ما رأيت أحدا أتمَّ عقلا، ولا أشدَّ تقوى من مالك". و"ما بقي على وجه الأرض آمنُ على حديث رسول الله ﷺ من مالك". وقال سفيان بن عيينة "كان مالك سراجا، وحجة في زمانه". وقال أحمد بن حنبل- "مالك سيد من سادات أهل العلم، وهو إمام في الحديث والفقه". ٤ - تشابه بيئة البلدين: لقد أورد لنا ابن خلدون تعليلا دقيقا لانتشار مذهب مالك في المغرب والأندلس، منطلقا من حسه الاجتماعي الفياض، قائلا: "إن أهل المغرب والأندلس، كانوا إلى أهل الحجاز أميل، لمناسبة البداوة التي كانت غالبة عليهم، ولم يكونوا يعانون من الحضارة التي لأهل العراق ... ". وبهذا المنظر الخلدوني، يُمكِن أن ندرك أثر البيئة المادية، والمعنوية في تقبل هذا المذهب أو ذاك، فالبداوة، والحضارة، والخصب، والجدب، والغني، والرخاء، والنعيم، والبؤس، والأخلاق، والأعراف، والتقاليد وغيرها من المظاهر البيئية التي يتشابه في جلها البلدان الحجاز - حـ -

стр. 12

والمغرب - كل ذلك كان له أثر فعال، مِمَّا يجعَل أن يسلم تعليل ابن خلدون بدون جدال. ٥ - طبيعة المذهب نفسه، وخصائصه: إن النفوس ميالة -إلى اتباع مذهب ما- بطبيعتها، لما يتوفر عليه من يسر ومرونة في أُصوله وقواعده، ومنهجه في الاستنباط، وطريقته في معالجة الحوادث النازلة، ومدى توخيه المصلحة، ودفع المشقة، اللذين هما لباب الدين- مقصدا ومنهجا، ومنهما يفوح شذي السنة الأرج، وما يتراءاه العباد فيها من سهولة وسماحة، امتثالا لغير ما آية من كتاب الله جل علاه ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ... ﴾ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ولقول الرسول ﵇ "إنَّ الدِّيْنَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ هَذَا الدِّيْنَ أَحُدٌ إِلَّا غَلَبَهُ" وقوله "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُا" الحديث. ومذهب مالك -بدون شك- يتسم بما سلف وبكثير من الخصائص الأخرى، منها: ١ - كونه يعتبر الممثل الأصيل لفقه الفقهاء السبعة، الذي التزمه أهل مدينة الرسول، فهو امتداد طبيعي، عضوي، فكري، وتاريخي لأيام الرسالة واقترانه بفكرة إتباع السنة، وترصده عمل السلف الصالح، ورسوخ ذلك كله في أذهان المغاربة، جعلتهم يقبلون عليه بشغف كبير، استمساکابعامل الأمان، حتى لا يتورطوا في مستحدثات الأمور ومبتدعاتها، ورأوا أن الاتباع منجاة لهم من الوقوع فيما لا تحمد عقباه في دينهم ودنياهم، والإمام الذي وهب نفسه لخدمة السنة المطهرة، جدير أن تهفو الأفئدة لاتباعه، واتخاذه قدوة، وتطمئن إليه الفئة العاجزة عن استنباط الأحكام بنفسها من ينبوع الشريعة الإسلامية. - ط -

стр. 13

٢ - سلوكه مسلكا وسطا: أظن أن المغاربة فضلوا المذهب المالكي، وتمسكوا به تمسكا فريدا، لسلوكه مسلكا وسطا لا إفراط فيه ولا تفريط، بحيث لا يعتمد على الرأي والقياس، بقدر ما يعتمد على النصوص، ويتبع ما أجمع عليه أهل المدينة، ويبتعد عن كل ما ليس فيه مصلحة راجحة للعباد وهو بهذا كله ينسجم مع طبيعة المغاربة التي تتشبث بالنقول الثابتة, والنصوص الصريحة، وتنفر من التأويلات البعيدة، والتشديدات المنفرة، والتعقيدات السقيمة، خوفا من الوقوع في الشبهات "الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشَبِّهَاتٌ ... " الحديث. ٣ - خصوبة مصادره، وتعدد أجواء الاجتهاد فيه لا شك أن أي مذهب تنمو فروعه، وتتسع آفاق التفكير فيه بتعدد أصوله، وخصوبة مصادره، ومدى سعة تفكير الساهرين عليه من بعد إمامهم، وتعدد أجواء الاجتهاد فيه .. ومذهب مالك متوفر على هذا كله, فأصوله كثيرة، وقواعده خصبة، ومناهجه متنوعة، وتلاميذ الإمام ومن بعدهم قد وسعوا تفكيرهم في تطبيق أصول إمامهم في مختلف الميادين، وتفننوا في وضع القواعد وتنويعها، وجمع عدة أحكام تحت كل واحدة منها، وبذلك تركوا لنا ذخائر من التراث الفقهي الأصيل، المبني على القواعد والأصول، لا يقدر بأي ثمن. ٤ - التمسك به جمعا للكلمة، وصونا للوحدة: ولعل من أهم الأسباب البارزة التي جعلت المغاربة يتشبثون بمذهب واحد، أنهم أخذوا درسا مِمَّا وقع فيه غيرهم من بعض البلدان الإسلامية، ولا زالوا -مع الأسف- من براثن النزعات الطائفية، والخلافات المذهبية، التي شتتت أوصال البلد الواحد، بل مزقت أواصر الأسرة الواحدة، مع أن الدين واحد، وهدف الأئمة -رضوان الله عليهم- - ي -

стр. 14

واحد، وتصيد الرخص حرام بالإجماع وتفاديا لذلك، اتفقت كلمتهم على اتباع مذهب واحد، ووحدوا صفوفهم عليه، مفضلين العيش في أمان ووئام، تحت لواء الإسلام، ملتزمين الصف الواحد، والرأي الواحد، في كنف العقيدة الأشعرية، والوحدة المذهبية، مرددين مع الشاعر نظرنا في المذاهب ما رأينا ... كمذهب مالك للناظرينا ومذهبه اتباع لا ابتداع ... كما اتبع الكريم الأكرمينا وعندي كل مجتهد مصيب ... ولكن مالك في السابقينا - كـ -

стр. 15

تحقيق "إيضاح المسالك ": فقد عانيت في البداية ما يعانيه كل باحث مبتدئ في اختيار موضوع البحث، وظلت أمواج الحيرة تقذف بي هنا وهناك مدة، إلى أن أضناني التردد، ووجدتني منساقا إلى تحقيق كتاب "إيضاح المسالك" لعدة أسباب؛ منها: ١ - تحقيق أمل طالما حلمت به، وهو أن أساهم مساهمة رمزية في إحياء ما تركه لنا أمجادنا من ذخائر التراث، ولا سيما في المجال الفقهي، حتى يتسنى للأجيال الصاعدة أن تقف على أصالة التراث الفقهى، وما يزخر به من نظريات وحلول لمختلف القضايا النازلة، بل قد يوجد فيه حلول لقضايا، فرضية ربما لا تخطر على البال. ٢ - توقعي أن أجد إجابة -في هذا المخطوط- عن التساؤل الذي كثيرا ما خامرني -وربما ساور غيري-: إذا كان الاختلاف بين المذاهب يبدو له مبرراته -تبعا لاختلافهم في بعض الأصول- فلم الاختلاف في المذهب الواحد- مع أن أصوله واحدة؟ .

стр. 16

٣ - أنبنى ضميري حينما رأيت المستشرقين يتهافتون على تحقيق التراث الإسلامي، بينما المنتمون إليه تنكروا له -لسبب أو لآخر- إلا القليل منهم، وهذا عقوق منا لأسلافنا، ولما خلفوه لنا من تراث ثري بكل ما نحتاج إليه في عصرنا الحاضر، علما بأن المستشرقين -جلهم- لا يقدمون على ذلك إلا لحاجة في نفس يعقوب، الرامية إلى تحقيق أهداف خاصة. ٤ - تأثري العميق بإرشاد أستاذي الدكتور عبد الواحد وافي، أثناء تقديمى له مشروع بحث غير هذا، وبمجرد ما قرأ عنوان البحث نظر إلي وقال: مالي أراكم تفرون كلكم عن تراثكم الذي أصبح يتلاشى يوما عن يوم! ! فمن الأحسن أن تبحث عن مخطوط ملائم، فأنا رهن الإشارة للإشراف عليه. ومن يومئذ تركت البحث -الذي كنت أنفقت في تهييء مشروعه مدة ليست بقصيرة- جانبا، وقررت أن أبحث عن موضوع فقهي، ربما لميلي إلى الفقه منذ زمن التلمذة، وتصفحت كثيرا من المخطوطات قبل أن أقف على "إيضاح المسالك" وحينما عثرت عليه -صدفة- تفاءلت باسمه، فبادرت إلى تسجيله، وكنت أعتقد أنه سهل كما يوحي بذلك عنوانه، ولكن سرعان ما فوجئت بعقبات متنوعة اعترضت سبيلي كدت أقف معها في البداية -رغم أن نسخ الكتاب متعددة، بيد أن جلها لم تستوف متطلبات المنهجية الحديثة: من صيغ التمليك، واسم ناسخها، وتاريخ نسخها، ومكانه ... إلا أن أحد أساتذتي الكرام -جزاه الله خيرا- كان يستحثني على مواصلة البحث والعمل باستمرار، ولكن كيف أواصل؟ .

стр. 17

فها هو ذا عصر المؤلف -الذي هو العصر الوطاسي- قد طوته كتب التاريخ طيا، ولا يكاد يذكر إلا لماما. ولا أبالغ إن قلت: إنه حلقة مفقودة -أو كادت- في تاريخ المغرب، والأسف أن بعض مميزات هذا العصر أضيفت- خطأ- إلى العصر الذي يليه- وهو العصر السعدي، وإلى اللحظة التي أحرر فيها هذه السطور لم أقف على أية محاولة جدية تسلط الأضواء عليه. ثم إن موضوع القواعد الفقهية في مذهب مالك -كباقي المذاهب- لم ينل حظه من عناية الباحثين- على كثرة ما كتبوا في أصول الفقه، لذا كانت المراجع فيه جد ضئيلة. ورغم الصعوبات الجمة والمتنوعة -التي واجهتني- فقد اقتحمت الموضوع، وصرت أتردد على المكتبات العامة والخاصة- أتصفح أمهات الفقه، باحثا عن الشوارد التي تضمنتها كل قاعدة من قواعد الإيضاح، واسترشدت بكثير من رجال العلم والبحث والتحقيق، الذين يهدون التائهين -مثلي- في متاهات بحوثهم. خطة البحث: قد جعلت موضوع الرسالة يتكون من جزءين: الجزء الأول: دراسة عن أبي العباس الونشريسي: مؤلف الإيضاح وفيه خمسة فصول: الفصل الأول: عصر المؤلف. الفصل الثاني: حياته. الفصل الثالث: آثاره.

стр. 18

الفصل الرابع: دراسة تحليلية للكتاب. الفصل الخامس: القواعد وأهميتها. الجزء الثاني: نص المخطوط. فالفصل الأول: تحدثت فيه عن الفترة التي عاشها أبو العباس بتلمسان (٤) وفاس، وحاولت أن أستشف من أحداث التاريخ الظروف والأسباب التي دفعت السلطة الجزائرية إلى طرد صاحبنا -الونشريسي- ونهب داره وكتبه. وربما وقفت طويلا مع الناحية الفكرية والاجتماعية، وشفيعي في ذلك، أن هذا العصر لم ينل حظه من عناية الدارسين، بل ظل يكتنفه كثير من الغموض، وأبرزت مزايا لهذا العصر- وقد أضيفت-خطأ- إلى العصر الذي يليه -كما أومأت إلى ذلك آنفا. والفصل الثاني: تناولت فيه نشأته وحياته الدراسية والعلمية، وفحصت الراويات والأخبار الواردة في نسبه ومكان ولادته، ونبهت على أخطاء وقع فيها كثير من المؤرخين، سواء منهم القدامى والمحدثون.

стр. 19

وعملت على إبراز شخصيته وصفاته الخلقية والخلقية، ومكانته العلمية، وآراء الناس فيه، وتقويمهم لشخصيته وثقافته. والفصل الثالث: عقدته لآثاره ومؤلفاته، وتتبعت فهارس المخطوطات وكتب التراجم، واستطعت أن أثبت أن له أربعا وعشرين مؤلفا، ولم يكن معروفا منها إلا عدد ضئيل؛ وقد ذكرتها إجمالا، ثم حللت أهمها تحليلا موجزا، وعرفت بالمخطوط والمطبوع منها، وصححت أخطاء لبعض المفهرسين وأصحاب التراجم في أسمائها وعناوينها، وأثبت صورة من خط يد المؤلف وتوقيعه. أما الفصل الرابع: فقد خصصته لدراسة كتاب "إيضاح المسالك" دراسة تحليلية، إذ وثقت عنوان الكتاب، وأثبت تاريخ تأليفه، والباعث على تدوينه، وذكرت مضمونه وفحواه، وحاولت تقييمه، بإبراز أهم محاسنه، وما يوخذ عليه. وفي الفصل الخامس: تناولت فيه القواعد وأثرها في الدراسات الفقهية والتشريع. حيث عرفت فيه بالقاعدة، وأحصيت أنواعها، ولمحت إلى الفرق بين القواعد الأصولية والفقهية، وأعطيت لمحة تاريخية عن تدوينها، والأطوار التي مرت بها، وأبرزت أهميتها في الدراسات الفقهية، وأثرها في التشريع الحديث، وختمت هذه الدراسة بمصادر ومراجع عدت إليها أثناء إعداد هذه الفصول، وقسمتها إلى مخطوطات، ومطبوعات، وصحف ومجلات، وبعض مصادر أجنبية أثبتها آخر الكتاب.

стр. 20

أما الجزء الثاني: فهو نص المخطوط، وقد قدمت له بمقدمة، عرفت فيها بالنسخ الخطية للكتاب، ورسمت مشجرا بينت فيه النسخة (الأم) والفروع التي تفرعت عنها، سواء منها القديم والحديث، وأوضحت المنهج الذي سرت عليه في التحقيق، وهو أنه يرمى إلى توثيق النص، واخراجه كما أراده المؤلف أو قريبا من ذلك. ووضعت حاشيتين: إحداهما للفروق، والأخرى للتعاليق، وذيلت الكتاب بفهارس مفصلة، تلقي أضواء كاشفة عن موضوعاته، وأهم محتوياته. وأرجو أن أكون قد وفقت فيما بذلت، وحققت ما أملت، وعلى الله قصد السبيل والاتكال، في الحال والمآل.

стр. 21

أبو العباس الونشريسي ١: عصره فالحديث عن حياة أي إنسان، وما خلفه من تراث أو ذكر أو مقام. .. يستلزم الإلمام بمصره، والبيئة التي نشأ فيها، والظروف التي واكبته من البداية إلى النهاية، وأبرز أحداث وقته، ومكونات شخصيته وثقافته، والتيارات الموجهة لتفكيره، والحوافز التي حفزته إلى إنجاز ما أنجزه من إنتاج علمي، أو ما قام به من عمل أو ترحال ... ليتأتى بذلك تحديد مكانه بين أهل زمانه، وإعطاء صورة مكتملة عنه، إلا أن تناول، هذه الجوانب كلها؛ بالنسبة لأبي العباس (أحمد الونشريسي)، تكاد تكون -مع الأسف- من ضرب المستحيل- ما دام المؤرخون وأصحاب التراجم أبوا إلا أن يغضوا الطرف تماما عن جل هذه النواحي لسبب أو لآخر! ! مع أن أبا العباس لم يكن من أولئك المغمورين؛ حتى ينسى أو يتناسى، إذ واجه أحداثا سياسية خطيرة، كان ينبغي الوقوف معها طويلا، بالإضافة إلى تنقلاته، وحياته العلمية الخصبة التي دامت: زهاء ثمانين عاما. ورغم ذلك فعلى ضوء ما هناك من لمحات تاريخية، وإشارات عابرة، يمكن لنا تقسيم العصر الذي عاشه إلى فترتين:

стр. 22

- فترة ما بين (٨٣٤ - ٨٧٤ هـ) (١٤٣١ - ١٤٦٩ م) - وهي التي قضاها بمسقط رأسه (الجزائر)، وتصور طور طفولته وشبابه من حياته. - وفترة ما بين (٨٧٤ - ٩١٤ هـ) (١٤٦٩ - ١٥٠٨ م) - وقد عاشها بالمغرب (فاس) وتمثل طور الكهولة والشيخوخة. ويبدو أن لكل من العصرين، أو الفترتين -على الأصح- أثره الخاص في نفس صاحبنا، سواء من الناحية السياسية، أو الاجتماعية، أو الفكرية؛ لذا سأحاول تسليط بعض الأضواء على هذه النواحي الثلاث: ١ - الحياة السياسية في كلا البلدين: أ- الحالة السياسية بالجزائر: شاءت الأقدار الإلهية أن يرى أبو العباس الونشريسي نور الحياة -والدولة الزيانية الحاكمة-آنذاك- بالجزائر تمر بأحلك فتراتها، وتعاني أشد ما تعاني من الفوضى، والاضطرابات الداخلية، والتمزقات السياسية: نتيجة ضعف جل ملوك هذه الدولة، وانهماكهم في التنافس والتهالك على تسنم العرش الجزائري، الذي أضحى تحت رحمة ملوك الحفصيين منذ أن

стр. 23

تخلت عنه -لظروف قاهرة- دولة بني مرين في حدود (٨١٢ - ٨٢٧ هـ) (٦). وحاول الزيانيون -غير مرة- التخلص من سيطرتهم، وإبعاد هذا الكابوس الجاثم على صدورهم، وإزالة الخناق المطوق لرقابهم، لكن بدون طائل. فهذا أبو العباس أحمد الزياني الملقب بـ (المعتصم بالله) رغم أن الحفصيين هم الذين ولوه عرش تلمسان (٨٦٦ - ٨٦٦ هـ) (٧) (١٤٣١ - ١٤٦١ م) (٨) - فإنه لم يكد يستوي على قدميه حتى ثار ضدهم، وأعلن رفض دعوتهم سنة (٨٣٧ هـ- ١٤٣٣ م) (٩) متخيلا أنهم سيتغاضون عن محاولته الاستقلال عنهم، وأنهم سيعدلون عن سياستهم المتبعة: القتل، أو حبس كل من سولت له نفسه الخروج عن طاعتهم وتعيينهم -في محله- من يخطب باسمهم، ويأتمر بأمرهم.! ! فلم يصدق تخيله. لكون أبي فارس الحفصي بمجرد ما وصله الخبر، زحف بجيش جرار على الجزائر، قاصدا العاصمة (تلمسان) بيد أنه-

стр. 24

من سوء حظه، وحسن حظ خصمه- أنه وافاه أجله قبل الوصول إليها، فاضطر جيشه إلى الرجوع إلى تونس (١٠)، فتنفس أبو العباس (العاقل) الصعداء، وراح ينعم بشيء من الاستقرار، لكن هذا الاستقرار لم يدم طويلا، إذ سرعان ما فوجئ بعصيان أخيه (أبي يحيى) وإعلان الثورة عليه، تسانده بعض القبائل التي سئمت حكم السلطان، فهرع إلى تلمسان مع أنصاره، وحاصرها مدة، وحينما استعصمت عليه اتجه إلى وهران، فاحتلها سنة (٨٤٠ هـ) (١١) (١٤٣٧ م) - بغير قتال، وحاول السلطان- مرارا مطاردته، إلا أن النجاح لم يحالفه في البداية، لصمود أخيه، واستماتة أنصاره، وانشغال السلطان بمقاومة ثورة أخرى شنها عليه أبو زيان محمد (المستعين بالله) الذي زودته حكومة تونس بالجند والعتاد، وتمكن من السيطرة على كثير من الولايات، واتخذ مدينة الجزائر مركزا لإنشاء دولته، وكاد أن يستفحل أمره، لو لم يقض عليه أبو يحيى (صاحب وهران) واستولى على ما كان بيده، وأحس أبو العباس (العاقل) -أكثر من ذي قبل- بالخطر الذي يهدد ملكه، وصمم العزم على القضاء على أخيه (أبي يحيى) قبل أن يقضى عليه، فاحتدمت بينهما حروب منهكة، إلى أن رجحت كفة أبي العباس في النهاية، بالانتصار على أخيه، واستيعادته جميع الولايات إلى حظيرة مملكته،

стр. 25

واعتقد بذلك أنه قضى علي كل الثورات المتلاحقة وأنه سينعم بشيء من الطمأنينة، ولم يكن يتوقع أن أبا ثابت (المتوكل علي الله) (حفيد أخيه) سيقوم بثورة عارمة ضده، وأن نهاية حكمه ستكون علي يده. وفعلا فقد نزل أبو ثابت المتوكل علي العاصمة (تلمسان) كالصاعقة سنة (٨٦٦ هـ-١٤٦١ م) (١٢) وطرد منها السلطان (عم أبيه) ونفاه إلى الأندلس، وفي نفس الوقت أعلن استقلاله عن الدولة الحفصية، (١٣) وما كادت تصل هذه الأنباء إلى تونس، حتى هب سلطانها أبو عمرو عثمان الحفصي بجيش عارم؛ مكتسحا به جل الولايات والقبائل الجزائرية، وبدل أن يحاول أهلها رد زحفه ومقاومته، صاروا يقدمون له التمر والحليب، معلنين بذلك ترحابهم به، وسخطهم علي حكم السلطان أبي ثابت الذي وجد نفسه مهددا بالخطر، وأن حكمه وشيك الانهيار إن لم يتدارك الأمر عن عجل، فلم يجد حيلة تنقده من تلك الورطة خيرا من إيفاده نخبة من كبار العلماء، ليتشفعوا له لدى السلطان الحفصي، فنفذها ونجحت حيلته، ثم قفل السلطان الحفصى راجعا إلى عاصممة ملكه، (١٤) بعد أن عين بعض الولاة والقواد بنفسه، غير أن أبا ثابت لم يأخذ العبرة بهذه الهزيمة، إذ ما لبث أن عاد إلى التمرد، بإعلانه رفض الدعوة الحفصية للمرة الثانية،

стр. 26

سنة (٨٦٨ هـ ١٤٦٣ م) (١٥) فقام الجيش الحفصي بحملة تأديبية، واسعة النطاق، أخضع لسلطته كثيرا من الجهات، ثم يمم العاصمة (تلمسان) فأحاط بها إحاطة السوار بالمعصم، فما كان من أبي ثابت إلا الاستسلام، وإهداء بنته لأحد الأمراء الحفصيين كعربون على إخلاصه، وكتابة البيعة -للسلطان الحفصي- بيده، جاء فيها: "شهد على نفسه عبد الله المتوكل عليه، محمد لطف الله به، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأعطى بنته بكرا للمولى أبي زكرياء يحيى بن المولى المسعود دون خطبة ... (١٦) ". هكذا كانت عجلة الأحداث تسير في الجزائر خلال هذه الحقبة، عراك وفتن داخلية، وثورات مضنية متتالية، والتطاحن على الملك والرئاسة -أصبح شيئًا مألوفا- بين الإخوة تارة، وبين الملوك المتجاورين تارة أخرى، والإسبان يخططون في خفاء، لاحتلال القواعد والثغور الإسلامية، والمراكز الاستراتيجية على البحرين: المتوسط والأطلسي، حتى لا تقع النجدة لمسلمي الأندلس، الذين كانوا يعيشون محنتهم الأخيرة، فاحتل الإسبان (فعلا) مدينة بونة (عنابة (١٧)) تمهيدا للسطو على المراكز الأخرى، والبرتغاليون -بدورهم- اشرأبت أعناقهم لأخذ حقهم في الغنيمة، فأخذوا

стр. 27

يستعدون للاستيلاء على ميناء وهران- للمرة الثانية- دون أن يحرك حكام الجزائر- آنئذ- ساكنا للدفاع عن ثغورهم التي صارت تتساقط في يد العدو تباعا، ولا التفتوا إلى تضرعات أهل الأندلس، واستغاثاتهم المتكررة، وربما انتقد أبو العباس الونشريسي- وقد عرف بصراحته وتصلبه في الحق، وغيرته على الإسلام- موقف أبي ثابت السلبي إزاء نداءات الأندلس، وسياسته الفاشلة لعدم تبصره بتصريف الأمور بتعقل وحكمة، فلو عامل السلطان الحفصي بدهاء وحنكة، لما لحقته تلك الهزيمة والإهانة، بل ولاستماله إلى التعاون معه على محاربة العدو الأكبر، الذي كان يعيث فسادا في الأندلس المسلمة، ويستعمل كل الوسائل البشعة لاستئصال أهلها وقلع جذور الإسلام منها، وهاهو ذا بلغت به الجرأة إلى اقتحامه الشواطيء الجزائرية وغيرها- تحديا واستكبارا، وربما غضب الونشريسي لذلك، واستنكر على السلطان مواقفه المزرية جهارا، فحملته أنفة الملوك على طرد صاحبنا من تلمسان، وانتهاب داره. كما يحتمل أن الونشريسي أتهم بالتحريض على مشايعة الملك الحفصي، ومبايعته له، أو على الأقل كان من ضمن الذين رحبوا به أثناء قيامه بحملة تأديبية، معلقين عليه آمالهم أن يعمل على طرد العدو من شواطئهم بعد أن يئسوا وتيقنوا من عجز أبي ثابت وسلبيته إزاء الأندلس، وتوفير الأمن الداخلي، والذود عن حوزة الوطن ... ومن الغريب أن كتب التراجم تمر بهذا الحادث مر الكرام دون أن تذكر أي سبب أو تعليل، بل وحتى إسم السلطان، الذي

стр. 28

صدر عنه ذلك لم تشر إليه، وإنما اكتفت بالقول: "إنه حصلت له كائنة مع السلطان، وتعرضت داره للنهب (١٨) ". وكيفما كان السبب، فقد أصدر الأمر بنفي صاحبنا من تلمسان، ومصادرة أملاكه، فغادرها في غرة محرم سنة (٨٧٦ هـ- ١٤٦٩ م (١٩)) قاصدا فاس، فوجد بها أصدقاءه من علمائها الذين رحبوا به أيما ترحاب، وأضفوا عليه من التقدير والتكريم ما أنساه المصاب، وكيف لا؟ وقد عرفوه من خلال كتاباته وفتاواه الكثيرة، إذ كانت تجري بين علماء فاس وتلمسان -من حين لآخر- محاورات علمية، وتساؤلات وإيجابات متبادلة؛ في أعوص المسائل الفقهية وأدقها، وتبادلوا الإجازات بالمراسلة، والونشريسي نفسه يذكر أنه أخذ عن بعض شيوخ فاس بالمكاتبة (٢٠). ب- الحالة السياسية بالمغرب: لم يكن الوضع السياسيى بالمغرب-آنذاك- أحسن مما كان عليه بالجزائز بل كان على أسوا حال، فالدولة المرينية القوية التي كانت بالأمس القريب، تصول وتجول، قد أصابها داء الشيخوخة والهرم، الذي يصيب أكثر الأمم -كما يقول ابن خلدون (٢١) - وكان آخر ملوكهم الضعفاء السلطان عبد الحق

стр. 29

الذي سود صحيفة بني مرين بتسليمه دواليب الحكم لليهوديين (هرون، وشاويل) اللذين تعسفا في حكمهما وصبا مختلف ألوان العذاب على الأبرياء بدون شفقة ولا رحمة، فهاج الشعب واستشاط غضبا، ولم يهدأ له بال حتى قتل عبد الحق وبيادقه سنة (٨٦٩ هـ- ١٤٦٤ م (٢٢)) وبمصرعه انتهى حكم بني مرين نهائيا، بعد أن استمر زهاء مائتي عام. فبويع أبو عبد الله الحفيد محمد بن علي الإدريسي الجوطي، إلا أن تصرفاته أثبتت عدم صلاحيته لهذا الأمر الجسيم، لكون البلاد لم تزد في عهده إلا تدهورا وانحطاطا، فعزل سنة (٨٧٥ هـ- ١٤٧٠ م (٢٣)) وفي عهده حط الرحيل صاحبنا بفاس، فما كان عليه إلا أن يشارك أهل الحل والعقد حماسهم في تنحية الحفيد. والواقع أن المغرب أصبح -منذ انفلات الزمام من يد قادته المتبصرين- عرضة لنهب الناهبين، وطعمة سائغة للطامعين، فابن الأحمر استولى على ثغور بني مرين بالأندلس، واحتضنها لتسلم إلى الإسبان -بعد حين- والبرتغال دفعتهم مطامعهم التوسعية إلى احتلال أهم شواطيء المغرب على المحيط الأطلسي، بعد أن استولوا على المراكز الاستراتيجية في البحر الأبيض المتوسط، فاحتلوا سبتة سنة

стр. 30

(٨١٨ هـ-١٤١٥ م (٢٤)) وقصر المجاز (٨٦٢ هـ-١٤٥٧ م)، ثم طنجة (٨٦٩ هـ-١٤٦٤ م (٢٥)) وأنفا (الدار البيضاء) (٨٧٢ هـ- ١٤٦٧ م (٢٦)) وأصيلة (٨٧٦ هـ-١٤٧١ م). وحاول مؤسس الدولة الوطاسية محمد الشيخ الوطاسي أن يتدارك الموقف باستلائه على فاس سنة (٨٧٦ هـ- ١٤٧١ م (٢٧)) وطرد الحفيد منها، والقضاء على الفتن الداخلية وتصديه للجهاد، وكان شجاعا مقداما، وسياسيا ماهرا، غير أن ما وجده من المشاكل المتراكمة المترسبة، وما فاجأه من أحداث جديدة ومتنوعة، كان فوق طاقته، لم تنفع فيه شجاعته، ولا مهارته السياسية .. ، فمن تلك الاحداث:

стр. 31

- فتن داخلية متأججة كثورة عمرو السياف بالجنوب، التي دامت نحو عشرين عاما (٢٨). - سطو البرتغال على أهم شواطئ المغرب- كما أسلفت. - سقوط غرناطة آخر معقل من معاقل الإسلام بالأندلس- في أيدي الأسبان سنة (٨٩٧ هـ-١٤٩١ م (٢٩)) وتوارد مسلمي الأندلس على المغرب، بعد طردهم بقسوة من ديارهم وأراضيهم (٣٠) أفواجا أفواجا. - استيلاء الأسبان على مليلية (٩٠٢ هـ- ١٤٩٦ م (٣١)) وحجر بادس (٩١٤ هـ- ١٥٠٨ م (٣٢)) - بعد أن خربوا تطوان القديمة (٣٣)، وتيجيساس (٣٤) وسواهما من المدن الواقعة على البحر الأبيض المتوسط (مقابل عدوة الأندلس) على يد الطاغية الريكي الثالث (٣٥). - احتلال البرتغال لمدينة الجديدة: وتخريبهم أسوارها سنة (٩٠٧ هـ-١٥٠٢ م (٣٦)) كانت هذه الوقائع -وحدها- كافية في تثبيط عزيمة محمد الشيخ وقطع الآمال في طرد

стр. 32

الغزاة الذين أحاطوا به من كل جانب، فضلا عما تحدثه في الأمة من بلبلة الأفكار وإثارة الاضطرابات، وضعف الهمة، وتلاشي العزيمة. ومع ذلك، فقد قاد معركة الجهاد، وأبلى البلاء الحسن في مقارعة العدو (٣٧) إلى آخر نفس من حياته (٣٨) (٩١٠ هـ- ١٥٠٤ م)، فخلفه ولده محمد الملقب بـ (البرتغالى (٣٩))، وكان يتحلى بكثير من سمات أبيه، إلا أنه ابتلي منذ اعتلائه العرش بثورة ابن عمه مسعود بن الناصر- حاكم مكناس- عليه، وظهور مؤسس الدولة السعدية محمد القائم بأمر الله، وزادت البلاد تضعضعا واضطرابا، مما شجع البرتغال على تنفيذ مخططهم الخاص باحتلال المراسي المغربية الباقية، تمهيدا لاحتلال المغرب كله، فاستولوا على العرائش (٤٠)، وأكادير (٤١) سنة (٩١٠ هـ- ١٥٠٤ م) بدون مقاومة تذكر. ثم احتلوا آسفي سنة (٩١٢ هـ-١٥٠٦ م (٤٢))، وأزمور (٩١٤ هـ-١٥٠٩ م (٤٣)) والمعمورة (٩٢٠ هـ-١٥١٥ م (٤٤)). وبذل أبو عبد الله محمد البرتغالي، أقصى المستطاع في استرداد الشواطي المغربية، واستخلاصها من مخالب

стр. 33

الاستعمار لكن محاولاته كلها باءت بالفشل، لأسباب عدة منها: أن إمكانيات المغرب -وقتئذ- كانت محدودة، فالعتاد قديم وقليل للغاية، والجيش منهوك القوى في إخماد الفتن الداخلية، ومشتة هنا وهناك، والشعب تسرب إليه اليأس في جمع الكلمة، وتوحيد الخطة في استرجاع مجده الغابر، وتلاشت معنوياته الجهادية تماما إلا عند القليل، وكيف لا؟ وهو يرى تقلص رقعة مملكته، وتتوارى يوما عن يوم، كما يتوارى الفلم على الشاشة، بعد أن كانت تشمل الجزائر وتونس، والأندلس، في كثير من الأحيان (٤٥). واستبدل قوة بضعف، وأمنا باضطراب، وعزا بذل، وسبحان الدائم العزة والقوة: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاولُهَا بَينَ النَّاسِ﴾ (٤٦). ٢ - الحياة الاجتماعية: عاش أبو العباس أحمد الونشريسي مدة طفولته وشبابه في بلد آبائه بالجزائر، ثم حكمت عليه الأقدار -لسبب أو لآخر- أن يغادرها قهرا، ملتجئا إلى فاس، كما أشرت إلى ذلك آنفا، لذا وذاك سألم ببعض صور الحياة العامة في كلا البلدين:

стр. 34

أهل المغرب: لا يكاد يختلف سكان المغربين: -الأوسط والأقصى- في عاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم، وطبائعهم، ومشاربهم عن بعضهم البعض، إذ ضمتهم راية واحدة في أكثر حقب التاريخ: (٤٧). في المعاش والعمران: عرفت فاس (٤٨) وتلمسان (٤٩) نوعا من الرخاء المادي والاقتصادي، فانتشرت -في العاصمتين- الفنادق، والحمامات، ودور الدباغة، ومصانع الصابون، والقيسريات ودور سك العملة والصناعة (٥٠) ... مما يؤكد رخاء البلدين، وازدهار المجتمعين، إلا أنهما شغلا - معظم هذا القرن (التاسع الهجري، والرابع عشر الميلادي) - باضطرابات وفتن داخلية، وحروب غير متكافئة القوى مع العدو، مما جعل نضارة العيش تكتئب، والاقتصاد الداخلي يتدهور فالفلاحة قليلة، والصناعة تكاد تكون معدومة، لعدم توفر الأمن والاستقرار والتجارة الخارجية متقلصة للغاية، نتيجة احتلال المرافئ المغربية الهامة، واحتكار المحتلين للمبادلات التجارية مع الخارج، وتدفق بضاعاتهم

стр. 35

على الداخل بأثمان باهضة، علاوة على ما أخذ المغرب يتحمله من تكاليف حرب دفاعية طويلة المدى (٥١)، ولا سيما حينما رأى المحتل يقضي على المعالم الحضرية المغربية، بتخريبه المدن الواقعة على ساحل المتوسط والأطلسي، (٥٢) ويعيد بناءها على الطراز الأجنبي (٥٣). - الروح الدينية: كان لسقوط غرناطة -آخر معقل لدولة الإسلام بالأندلس- في أيدي إسبانيا المتعصبة، وتحويل المساجد الإسلامية إلى كنائس مسيحية، وإدخال أهلها قسرا في حظيرة النصرانية، وصب أبشع أساليب التعذيب والتنكيل على من آثر الاحتفاظ بدينه، وما تلا ذلك من مآسي مروعة، تندمل لها القلوب الحية. وتصاعد الحملات الصليبية على أقطار المغرب العربي، وانتصارها في أغلب الأحيان؛ كان لذلك كله- أثره الفعال في نفوس المسلمين عامة، ومسلمي المغرب العربي بصفة خاصة؛ إذ تزعزعت عقيدة الكثيرين منهم، وضعفت فيهم الروح الدينية، وجرفتهم روح الجاهلية، بالتجائهم إلى القبور والأضرحة، وتنجيسهم لها بدم ذبائح النذور والتمسح بجدرانها ... للاستغاثة بها، كأنهم لم يسمعوا قول الله جل علاه:

стр. 36

﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ (٥٤) ". وانبث الأدعياء وأهل الضلال والشعوذة، في جهات مختلفة، وكمثال على ذلك ظهور عمرو بن سليمان السياف الذي ادعى ادعاءات، من ضمنها: "أن أحكام الكتاب والسنة ارتفعت، ولم يبق إلا ما يقوله له قلبه (٥٥)! ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَال أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيهِ شَيءٌ﴾ ". (٥٦). وفي نفس التاريخ أطل من جبل (ونشريس) دعى آخر (٥٧)، يضرب على نفس الوتر؛ فانساقت الغوغاء وراء كل ناعق وكفر من كفر، ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيئًا﴾ (٥٨). وإلى جانب ذلك، ظهرت مدارس للتصوف الإسلامي، وبتعبير أصح، مدارس سلفية بعيدة عن الزيف والتضليل، جعلت وكدها إصلاح المجتمع وانقاذه من أدعياء الزيغ والكفريات، وتطهير العقول من البدع والخزعبلات، وصقل القلوب باتباع الشريعة المحمدية، أمثال مدرسة الجزولي (٥٩) -

стр. 37

التي تخرج منها نخبة من العلماء السلفيين، كالتباع (٦٠) والغزواني (٦١)، ثم مدرسة الشيخ زروق (٦٢) -بالمغرب- وأبي عبد الله السنوسي (٦٣)، والشيخ إبراهيم التازي التسولي (٦٤) بالجزائر. ويعدد الناصري الأمور التي ظهرت في هذا العهد قائلا: " ... منها: ظهور الأولياء، وأهل الصلاح من الملامتية وأرباب الأحوال والجذب -في بلاد الشرق والغرب- لكنه انفتح به للمتسورين على النسبة، وأهل الدعوى، باب متسع الخرق، متعسر الرتق، فاختلط المرعى بالهمل، وأدعى الخصوصية من لا ناقة له فيها ولا جمل، وصعب على جل الناس التمييز بين البهرج والإبريز ... (٦٥). - الدعوة إلى الإصلاح: واستتبعت هذه النكسة انحلالا خلقيا، وانحرافا عن الطريق المستقيم، وتشويها لتعاليم الإسلام، فانتشرت البدع والمنكرات، واستشرى الفساد وتفاقم في كثير من الجهات، فتحركت الغيرة الدينية في نفوس العلماء المصلحين، الذين وهبوا أنفسهم لخدمة الدين الحنيف وتجديد الدعوة السلفية، لتوعية الجماهير الشعبية -رجالا ونساء- بالتعريف بالعقيدة

стр. 38

الإِسلامية الصحيحة، وتوضيح مزاياها في إصلاح المجتمعات الإسلامية بصفة خاصة، والمجتمعات الإنسانية عامة. وربما كان من دواعي هذه الحركة الإصلاحية -أيضًا- بروز ظاهرة التبشير التي واكبت الغزو البرتغالي والإسباني، وبتعبير أصح، الحروب الصليبية التي استهدفت المغرب العربي، (٦٦) وجعلت تغزوه ماديا ومعنويا، فتوجس المصلحون خيفة من هذا التبشير، الذي صار يسحر بمغرياته -المتنوعة- الأعمى والبصير. وممن تبنى هذه الدعوة الإصلاحية -بالمغرب- أبو محمد عبد الله الهبطي (ت ٩٦٣ هـ- ١٥٥٥ م (٦٧)) الذي أعلنها حربا شعواء على الجهل والضلال، بمختلف الوسائل، فألف عدة رسائل، شرح فيها عقيدة المسلم، مجردة عن البراهين والدلائل، وبسطها بسطا يفهمها الكبير والصغير، ولم يكتف بالقلم فقط، بل قام بمحاربة البدع والمنكرات عمليا، وظل ينتقل من بلد لآخر يعلم الناس شؤون دينهم، ويحذرهم من عواقب التفريط في شريعتهم، والبدع التي امتزجت بحياتهم، واقتحمت بيوتاتهم، وأسواقهم ومعاملاتهم، وكل مجالات حياتهم، حتى أنستهم تعاليم شريعتهم "فنفع الله به خلقا كثيرا، وطهر -البلاد- في أكثر الجهات- من رجس البدع والضلالات (٦٨) " "لأن

стр. 39

يَهْدِيَ الله بكَ رَجْلًا خَير لَكَ مِنْ أنْ تَكونَ لَكَ حُمْر النَّعم (٦٩) ". وفي الجزائر تصدى لأداء هذه الأمانة الإصلاحية أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي، عالم تلمسان وإمامها، حيث قام بتأليف عدة مولفات في العقيدة الإسلامية، لم يقتصر نفعها على الجزائر وحدها، بل عم شعاعها سائر الأقطار الإسلامية. وأشهر مؤلفاته في هذا الشأن، العقيدة الكبرى، والصغرى، والوسطى، وصغرى الصغرى، وله عليها شروح عدة (٧٠). ومثل هؤلاء الدعاة الذين ليس لهم طمع في زخرف الحياة، ولا هوى في دنيا الناس، ولا رغبة في جزاء، ولا شكور ... مثل هؤلاء خليقون بأن لا ترد لهم دعوة، ولا يضيع لهم نداء، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء، متضرعا إليه سبحانه، أن يجود بأمثالهم في هذا الزمان الذي كثر فيه الإلحاد، وطغت فيه الماديات على الروحيات.

стр. 40

- حركة الجهاد: لقد أذكت الحملات الصليبية: -البرتغالية، والإسبانية- على شواطيء المغرب العربي- روحا نضالية جديدة، وازداد حماس الناس بتصاعد نفي الأندلسيين بالجملة، وتوافدهم عليهم في أفواج متتابعة، فتحركت الغيرة الدينية والوطنية في النفوس، وتنافس رؤساء العشائر والجماعات في إنشاء الثغور واتخاذ رباطات لهم على التناوب، ونشبت كثير من المعارك -في بداية الأمر- على النطاق الشعبي "امتدادا من المغرب الأقصى إلى ليبيا (٧١). ثم ركز العدو حملاته على الشواطيء المغربية قصد احتلالها قبل غيرها، ربما للأسباب التالية: أ- إنه يعرف -مسبقا- أن الشواطيء المغربية، هي التي كانت منطلقا لفتح الأندلس، من لدن الفاتحين الأولين، وربما لذلك قرر أن يقتص من أهلها، ويرد لهم السلف. ب- أن الشواطي المغربية قريبة من شواطئه، الشيء الذي يسهل عليه نقل الجيش والعتاد إليها بسرعة، وشعوره بضعف الجيش المغربي، وانشغاله بإخماد الفتن الداخلية، بين آونة وأخرى. ج- لعله كان يرى أن استيلاءه على الشواطئ المغربية، سيفسح له المجال للاستيلاء على شمال إفريقيا بأسره، ثم يتوغل في إفريقيا كلها.
следующие страницы →