← Каваид фикха

Каваид фикха · id 132374

إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك - ت بو طاهر

الونشريسي

Полный текст (437 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ (٥٤) ". وانبث الأدعياء وأهل الضلال والشعوذة، في جهات مختلفة، وكمثال على ذلك ظهور عمرو بن سليمان السياف الذي ادعى ادعاءات، من ضمنها: "أن أحكام الكتاب والسنة ارتفعت، ولم يبق إلا ما يقوله له قلبه (٥٥)! ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَال أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيهِ شَيءٌ﴾ ". (٥٦). وفي نفس التاريخ أطل من جبل (ونشريس) دعى آخر (٥٧)، يضرب على نفس الوتر؛ فانساقت الغوغاء وراء كل ناعق وكفر من كفر، ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيئًا﴾ (٥٨). وإلى جانب ذلك، ظهرت مدارس للتصوف الإسلامي، وبتعبير أصح، مدارس سلفية بعيدة عن الزيف والتضليل، جعلت وكدها إصلاح المجتمع وانقاذه من أدعياء الزيغ والكفريات، وتطهير العقول من البدع والخزعبلات، وصقل القلوب باتباع الشريعة المحمدية، أمثال مدرسة الجزولي (٥٩) -

стр. 37

التي تخرج منها نخبة من العلماء السلفيين، كالتباع (٦٠) والغزواني (٦١)، ثم مدرسة الشيخ زروق (٦٢) -بالمغرب- وأبي عبد الله السنوسي (٦٣)، والشيخ إبراهيم التازي التسولي (٦٤) بالجزائر. ويعدد الناصري الأمور التي ظهرت في هذا العهد قائلا: " ... منها: ظهور الأولياء، وأهل الصلاح من الملامتية وأرباب الأحوال والجذب -في بلاد الشرق والغرب- لكنه انفتح به للمتسورين على النسبة، وأهل الدعوى، باب متسع الخرق، متعسر الرتق، فاختلط المرعى بالهمل، وأدعى الخصوصية من لا ناقة له فيها ولا جمل، وصعب على جل الناس التمييز بين البهرج والإبريز ... (٦٥). - الدعوة إلى الإصلاح: واستتبعت هذه النكسة انحلالا خلقيا، وانحرافا عن الطريق المستقيم، وتشويها لتعاليم الإسلام، فانتشرت البدع والمنكرات، واستشرى الفساد وتفاقم في كثير من الجهات، فتحركت الغيرة الدينية في نفوس العلماء المصلحين، الذين وهبوا أنفسهم لخدمة الدين الحنيف وتجديد الدعوة السلفية، لتوعية الجماهير الشعبية -رجالا ونساء- بالتعريف بالعقيدة

стр. 38

الإِسلامية الصحيحة، وتوضيح مزاياها في إصلاح المجتمعات الإسلامية بصفة خاصة، والمجتمعات الإنسانية عامة. وربما كان من دواعي هذه الحركة الإصلاحية -أيضًا- بروز ظاهرة التبشير التي واكبت الغزو البرتغالي والإسباني، وبتعبير أصح، الحروب الصليبية التي استهدفت المغرب العربي، (٦٦) وجعلت تغزوه ماديا ومعنويا، فتوجس المصلحون خيفة من هذا التبشير، الذي صار يسحر بمغرياته -المتنوعة- الأعمى والبصير. وممن تبنى هذه الدعوة الإصلاحية -بالمغرب- أبو محمد عبد الله الهبطي (ت ٩٦٣ هـ- ١٥٥٥ م (٦٧)) الذي أعلنها حربا شعواء على الجهل والضلال، بمختلف الوسائل، فألف عدة رسائل، شرح فيها عقيدة المسلم، مجردة عن البراهين والدلائل، وبسطها بسطا يفهمها الكبير والصغير، ولم يكتف بالقلم فقط، بل قام بمحاربة البدع والمنكرات عمليا، وظل ينتقل من بلد لآخر يعلم الناس شؤون دينهم، ويحذرهم من عواقب التفريط في شريعتهم، والبدع التي امتزجت بحياتهم، واقتحمت بيوتاتهم، وأسواقهم ومعاملاتهم، وكل مجالات حياتهم، حتى أنستهم تعاليم شريعتهم "فنفع الله به خلقا كثيرا، وطهر -البلاد- في أكثر الجهات- من رجس البدع والضلالات (٦٨) " "لأن

стр. 39

يَهْدِيَ الله بكَ رَجْلًا خَير لَكَ مِنْ أنْ تَكونَ لَكَ حُمْر النَّعم (٦٩) ". وفي الجزائر تصدى لأداء هذه الأمانة الإصلاحية أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي، عالم تلمسان وإمامها، حيث قام بتأليف عدة مولفات في العقيدة الإسلامية، لم يقتصر نفعها على الجزائر وحدها، بل عم شعاعها سائر الأقطار الإسلامية. وأشهر مؤلفاته في هذا الشأن، العقيدة الكبرى، والصغرى، والوسطى، وصغرى الصغرى، وله عليها شروح عدة (٧٠). ومثل هؤلاء الدعاة الذين ليس لهم طمع في زخرف الحياة، ولا هوى في دنيا الناس، ولا رغبة في جزاء، ولا شكور ... مثل هؤلاء خليقون بأن لا ترد لهم دعوة، ولا يضيع لهم نداء، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء، متضرعا إليه سبحانه، أن يجود بأمثالهم في هذا الزمان الذي كثر فيه الإلحاد، وطغت فيه الماديات على الروحيات.

стр. 40

- حركة الجهاد: لقد أذكت الحملات الصليبية: -البرتغالية، والإسبانية- على شواطيء المغرب العربي- روحا نضالية جديدة، وازداد حماس الناس بتصاعد نفي الأندلسيين بالجملة، وتوافدهم عليهم في أفواج متتابعة، فتحركت الغيرة الدينية والوطنية في النفوس، وتنافس رؤساء العشائر والجماعات في إنشاء الثغور واتخاذ رباطات لهم على التناوب، ونشبت كثير من المعارك -في بداية الأمر- على النطاق الشعبي "امتدادا من المغرب الأقصى إلى ليبيا (٧١). ثم ركز العدو حملاته على الشواطيء المغربية قصد احتلالها قبل غيرها، ربما للأسباب التالية: أ- إنه يعرف -مسبقا- أن الشواطيء المغربية، هي التي كانت منطلقا لفتح الأندلس، من لدن الفاتحين الأولين، وربما لذلك قرر أن يقتص من أهلها، ويرد لهم السلف. ب- أن الشواطي المغربية قريبة من شواطئه، الشيء الذي يسهل عليه نقل الجيش والعتاد إليها بسرعة، وشعوره بضعف الجيش المغربي، وانشغاله بإخماد الفتن الداخلية، بين آونة وأخرى. ج- لعله كان يرى أن استيلاءه على الشواطئ المغربية، سيفسح له المجال للاستيلاء على شمال إفريقيا بأسره، ثم يتوغل في إفريقيا كلها.

стр. 41

د -كما يحتمل أنه كان يتخوف أن تجمع الدول الإسلامية شملها، وتستجيب لنداءات الأندلسيين، وتمدهم بالمساعدة اللازمة، ولا يكون ذلك إلا عن طريق الشواطئ المغربية، لقربها من شواطئه، كما أسلفت آنفا ... إلى غيرها من الأسباب التي يمكن أن تكون هي الدافعة بالعدو إلى تضييق الخناق على الشواطئ المغربية، وانهاك قوى أهلها مدة طويلة، علهم يسأمون، ويضطرون إلى الاستسلام، إلا أن المغاربة الذين جبلوا على الجهاد والتضحية في سبيل الله والوطن، قاوموا ذلك ببسالة نادرة، ورابط على الثغور- الصغير والكبير، والعالم والجاهل، حتى استنزفوا قوى العدو. وعن هذه الانتفاضة المغربية يقول الناصري: "ولما نزل بأهل المغرب الأقصى ما نزل، من غلبة عدو الدين واستيلائه على ثغور المسلمين، تباروا في جهاده وقتاله، وأعملوا الخيل والرجل في مقارعته ونزاله. (٧٢). - دور العلماء في هذه الانتفاضة: أدرك العلماء بصفة عامة والفقهاء بوجه أخص عن عمق ويقين أنهم أصحاب رسالة، وأنهم مكلفون بالدعوة إلى الإسلام بأي وسيلة، وبالدفاع عنه بالنفس والنفيس -ولصد العدوان عليه مهما كان الثمن- مرددين قول الله جل علاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (٧٣) "الآية.

стр. 42

من خلال هذه المعاني اندفع العلماء إلى الجهاد بعزائم قوية، وصاروا يواجهون الشدائد بقلوب ثابتة في ساحة الوغى بعد أن بذلوا ما في وسعهم في الحض على الجهاد والترغيب فيه، وألفوا في ذلك تأليف حماسية رائعة، وتنافس الخطباء والوعاظ في إيقاظ همم الشعب، ونظم الشعراء والأدباء دررا من القصائد. وممن ألف في ذلك وأفاد، وأكثر في نظم القصائد وأجاد: أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن يجبش التازي (ت ٩٢٠ هـ (٧٤)). وأبو عبد الله محمد بن يحيى البهلولي (ت ٩٣٦ هـ (٧٥))، وغيرهما ممن بينوا مزايا الاستشهاد في سبيل الإسلام والوطن، ونبهوا العوام أن مناط النجاة -في الإسلام- ليس مجرد الانتساب إليه، بل يجب أن تظهر آثار تعاليمه على معتنقيه في أحرج ساعات الضيق والشدة، ولي أوقات رفاهية النفس ... وضربوا أروع الأمثلة بأنفسهم، فقاتلوا وقتلوا وأسروا وأُسروا، وبذلك أدوا الرسالة المنوطة بهم- ﵏. وفي شأن هؤلاء وغيرهم يقول الناصري: "فكم من رئيس قوم قام لنصرة الدين غيرة واحتسابا، وكم من ولى عصر، أو

стр. 43

عالم مصر باع نفسه من الله ... حتى لقد استشهد (٧٦) منهم أقوام، وأُسر آخرون ... (٧٧) ". وعلى ما يظهر فإن أولي العزائم القوية من الفقهاء، استخدموا مختلف الوسائل في الحث على الجهاد، وجلب الناس إلى الاستشهاد، وخوض المعارك مع العدو طوعا أو كرها، وكفى على ذلك دليلا، إعادة الشيخ البهلولي صلاة الجنازة على زوجته، حين عودته- مع أصحابه من إحدى غزواته، فتعجب الناس من فعله، وأكثروا النكير عليه، فأجابهم بأن صلاتكم فاسدة، لكونها كانت بغير إمام، ومن شروط الإمام الذكورة، وإمامكم -ما دام لم يتقلد سيفا في سبيل الله- فهو من جملة النساء (٧٨)! ٣ - الحياة الفكرية: كان للحملات الصليبية -التي استهدفت المغرب العربي أثناء هذه الحقبة، والاضطرابات الداخلية المتلاحقة؛ التي كان المغرب مسرحا لها -من حين لآخر- أثرها البالغ على الثقافة عموما، والناحية الفكرية بوجه خاص، إذ العلم لا ينمو ويترعرع إلا في ظل الهدوء والاطمئنان، ورغم ذلك احتفظت

стр. 44

فاس وتلمسان بنشاط ملحوظ في بعض مجالات الفكر، وعرفتا انتعاشا رائعا في الإقبال على التعليم والتعلم، ولا سيما في عهد أبي العباس (المعتصم) (٨٣٤ - ٨٦٦ هـ)، وأبي ثابت (٨٦٦ - ٨٩٠ هـ) - بالجزائز وأبي عبد الله محمد الشيخ الوطاسي (٨٧٦ - ٩١٠ هـ) - بالمغرب، فكلهم كانوا محبين للعلم، مشجعين لأهله بمختلف الوسائل (٧٩)، وخاصية منهم محمد الشيخ الذي بذل ما في وسعه لاكتساب رضي العلماء بتقريبهم إليه، بوصفهم أهل الحل والعقد في الأمة، وكرد الجميل لهم على مبايعتهم إياه- حاول توفير الجو الملائم لهم في أداء رسالتهم التعليمية والتوجيهية، فعين أبرزهم في الكراسي العلمية المشهورة، وكان هذا المنصب يوازي الوزارة في الأهمية. وممن حظي بهذه الحظوة أبو العباس أحمد الونشريسي، الذي أسند إليه الكرسي المخصص لتدريس المدونة بالمدرسة المصباحية (٨٠)، فكان نبراسا يحتذى في التبليغ والفصاحة والاستحضار واستفاد منه العامة والخاصة، وعندما توفي خلفه نجله عبد الواحد، ثم صار الكرسي إلى الشيخ الحميدي. كما اهتم السلطان (محمد الشيخ) بالخطباء والأئمة، وممن عينهم في أداء هذه المهمة، الإمام أبو عبد الله محمد بن غازي (٨١)، الذي قيل أنه استدعاه (٨٢) من مكناس إلى فاس سنة

стр. 45

(٨٩١ هـ) وأسند إليه الخطابة بجامع فاس الجديد، ثم الإمامة والخطابة بجامع القرويين، وصار شيخ الجماعة بها. ويدلنا على ما كان في تلمسان من حركة علمية، ما تذكره بعض كتب التراجم من أنها كانت زاهرة بالعلماء، وأن طلاب العلم والمعرفة كانوا يتوافدون عليها باستمرار وكمثال على ذلك نذكر أن أبا الفضل محمد بن محمد بن أبي القاسم المشذالي (٨٣) (ت ٨٦٥ هـ) ارتحل إلى تلمسان في حدود سنة (٨٤٠ هـ) ليأخذ عن مشايخها، ويغترف من مناهل العرفان بها فأخذ عن ابن مرزوق (الحفيد) التفسير والحديث، والفقه، والأدب، والمنطق، والفلسفة، والهندسة، والطب، . .. وأخذ عن أبي القاسم بن سعيد العقباني الفقه وأصوله ... وعن أبي العباس أحمد بن زاغو التفسير، والفقه، والمعاني، والبيان، والحساب، والفرائض، والهندسة، والتصوف ... وأخذ الأصول عن أبي عبد الله محمد بن النجار المعروف بساطور القياس- لشدة معرفته بهذا الفن، وكان مما قرأه عليه -أيضًا- مختصر ابن الحاجب الأصلي ... كما أخذ عن أبي الربيع البوزيدي الفقه ... وعن أبي يعقوب يوسف- الرياضيات، والفرائض، وأخذ عن أبي الحسن علي بن القاسم علم الهيئة (٨٤). وبعد أن أخذ المشذالي عن هؤلاء وسواهم عاد إلى بلده -بجاية- بعلم غزير سنة ٨٤٤ هـ، ثم دفعه طموحه إلى الرحلة

стр. 46

إلى المشرق، فدخل مصر، والشام، والحجاز، رجال في كثير من البلدان، فأعجب الناس بغزارة علمه، وسعة أفقه، وتتلمذ له الكثير من علماء تلك البلدان، بل صار مضرب الأمثال (٨٥). ويصور لنا أبو الحسن علي بن ميمون الغماري (ت ٩١٧ هـ (٨٦)) الحياة العلمية بفاس تصويرا دقيقا -على هذا العهد- فيقول: " ... ما رأيت مثلها (فاس) ومثل علمائها في حفظ ظاهر الشرع العزيز بالقول والفعل، وغزير الحفظ لنصوص مذهبهم: الإمام مالك (ض)، وحفظ سائر العلوم الظاهرة من: الفقه، والحديث، والتفسير، وحفظ نصوص كل علم، مثل النحو، والفرائض، والحساب، وعلم التوقيت، والتوحيد، والمنطق، والبيان، وسائر العلوم العقلية ... (٨٧) ". ويقول في سياق آخر " ... فمذ خرجت من فاس في جمادى الثانية سنة (٩٠١ هـ) (١٤٩٦ م) إلى تاريخ هذا الكتاب (٩١٦ هـ- ١٥١١ م) ما رأيت مثلها، ومثل علمائها -فيما أذكر- في سائر مدن المغرب، ولا في تلمسان، ولا في بجاية، ولا تونس، ولا إقليم الشام بأسره، ولا بلاد الحجاز ولا مصر؛ على ما تقرر عندي من العلم اليقين بمشاهدة أناس من أهلها، وبرؤية كتب بعض أرباب الوقت، وأحوالهم، وأشتغالهم في العلم ... دخلت هذه المدينة المباركة (فاسا) فالتزمت علماءها،

стр. 47

وبقيت في المدرسة متجردا نحوا من سبعة أعوام ... (٨٨) "ثم يسترسل في وصف خزائن الكتب، وكيفية المطالعة بها، ويقارن بينها وبين ما شاهده في مصر والشام والحجاز وبلاد الترك (٨٩). أما ابن الوزان (ليون الإفريقي) (ت ٩٢٦ هـ (٩٠) فيقدم لنا وصفا أكثر وضوحا واستيعابا للحركة الفكرية والعلمية بفاس- أثناء وصفه لها "وبالمدينة مسجد أعظم يسمى (جامع القرويين) توجد بداخله، وعلى طول جدرانه الأربعة- سلسلة من الكراسي العلمية لمختلف الفنون، يتصدرها الفقهاء والأساتذة، لتثقيف الشعب والطلبة في شؤون الدين، والحقوق الواجبة، ومن هذه الدراسة ما يبتدئ يوميا بعد صلاة الصبح لينتهي بعد ساعة من طلوع الشمس؛ وفيها ما يشرع فيه على إِثر ذلك؛ ولا بد في الأستاذ المشرف على هذه الدروس أن يكون مستوعبا للمادة التي وكلت إليه ... وهذا هو توقيت

стр. 48

الدروس في الفصول المعتدلة؛ أما في فصل الحر -والحر في فاس شديد- فإن المجالس العلمية تتحول إلى ندوات ليلية بحيث أنها تبتدئ في المساء وتستغرق طيلة ساعات الليل إلى منتصفه ... وكل طبقة من طبقات العلماء، سواء منهم الذين يشتغلون نهارا، أو ليلا، لهم مخصصات مشرفة ومهمة، لا لحاجتهم وحدها، ولكن للترفيه عليهم أيضًا ... وقد وضعت رهن إشارة عميد الجامعة موارد وهبت في الأصل للضعفاء من الطلبة، من تلك الموارد ما يوزع نقدا، ومنها ما يوزع عينا: مواد غذائية -في الأعياد- كل على قدر تكاليفه العائلية. وقد زود العميد بتعويضات يومية ملائمة، من شأنها أن تساعده على ميزانية الجامع وما يتبعه من فروع أخرى منتشرة في مختلف جهات المدينة ... ففي فاس إحدى عشرة مدرسة داخلية، يقيم فيها الطلاب الذين يردون عليها من مختلف الآفاق، وتعد هذه المدارس من أتقن البناءات فيها وأحكمها، وبخاصة مدرسة السلطان أبي عنان، وفي كل مدرسة من تلك المدارس عدد من الأساتذة في شتى المواد، فيهم من يلقي دروسه صباحا، وفيهم من يفضل إلقاءها مساء، والكل يتقاضى أجور مغرية ... إلى أن يقول: هذه المدينة التي نشأت فيها وتعلمت، تعتبر خلاصة ما بإفريقيا كلها؛ بما تضمه من عيون العلماء، الذين بلغوا الغاية في المعرفة واللياقة ... (٩١).

стр. 49

ومن هذه البيانات الدقيقة، وإزاء هذه الصورة الكاشفة عن خبايا كثيرة، والنبذة المشرقة التي يقدمها لنا هذان العالمان -وهما شاهدا عيان- تتبدد تلك الغيوم القاتمة، التي اعتاد أكثر الباحثين أن يضفوها على الحركة الفكرية لهذا العهد، والضحالة التي يصورونها بها، وربما لهم عذرهم في ذلك لندرة ما سجل عن تاريخ هذا العصر، بكيفية متسلسلة، وإنما هي عبارة عن إشارات وتلميحات خاطفة -هنا وهناك- بحيث لا تكفي لإعطاء صورة مكتملة عن الحركة الفكرية في هذا العهد. والشئ الذي يبدو جليا في هذا العصر -كثرة العلوم وتنوعها، والتي كان لها حظ الأسد هي العلوم الشرعية، وبالأحرى الفقه المالكي منها، والظاهرة التي اتسم بها الشغوفون به- في الغالب الأعم- هي العكوف على ذلك التراث الضخم، والانكباب عليه انكباب الظمآن، لتحصيله وفهمه، وتفهيمه، ثم تناوله بالشرح والإطناب تارة، واختصار ما تسعه صفحات في أقصر عبارة تارة أخرى، ومن حاول الاجتهاد منهم لم يعد اجتهاده ترجيح قول على قول في إطار مذهبه، كما سيتضح ذلك بعد بحول الله. - أشهر فقهاء هذا العصر: ومن الفقهاء البارزين في هذا العهد -بالمغرب الأقصى-: - أبو عبد الله محمد قاسم القوري، شيخ الإسلام، وأحد جهابذة العلم، له فتاوي مشهورة، وشرح مختصر خليل في ثمان

стр. 50

مجلدات ضخمة (ت ٨٧٢ هـ (٩٢)). - أبو محمد عبد الله الورياكلي الفاسي، إمام العصر، بلغ رتبة الاجتهاد أو كاد، كان يقرئ المذاهب الأربعة، إلا أنه كان ينتصر لمذهب مالك، تولى رئاسة العلم بفاس -سنين طويلة- وبها توفي سنة (٨٩٤ هـ (٩٣)). - أبو العباس أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي الشهير بـ (زروق) كان فقيها مستوعبا، ومحدثا بارعا، وصوفيا مخلصا، له شرحان على الرسالة، وآخر على مختصر خليل، وشرح على إرشاد ابن عسكر، وشرح القرطبية، والوغليسية، والغافقية (ت ٨٩٩ هـ) (٩٤). - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله اليفرني الفاسي، قاضي الجماعة بها، شهر بالمكناسي، تولى قضاء فاس أزيد من ثلاثين سنة لعدله ومهارته الفقهية، وأشهر مؤلفاته "مجالس القضاة والحكام" و "التنبيه والإعلام، فيما أفتاه المفتون، وقضى به القضاة من الأوهام" (ت ٩١٧ هـ (٩٥)).

стр. 51

أبو الحسن علي بن قاسم التجبي الشهير بالزقاق، مؤلف نظم "المنهج المنتخب، في أصول المذهب"، و "لأمية في أحكام فقهية"، جرى بها عمل فاس (ت ٩١٢ هـ (٩٦)). - أبو عبد الله محمد بن غازي العثماني المكناسي، ثم الفاسي، شيخ الجماعة بها، انتهت إليه رواية السنة بإفريقيا الشمالية، له "شفاء الغليل، لشرح مختصر خليل" و "تكميل التقييد على المدونة" و "حل مشكلات كلام ابن عرفة" وسواها (ت ٩١٩ هـ (٩٧)). - أما أبرز الشخصيات العلمية بالمغرب الأوسط -الجزائر- فهي: - أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم الشذالي، فقيه بجاية وإمامها والد أبي الفضل الشذالي، السالف الذكر- له فتاوي، نقل بعضها الونشريسي في "المعيار" والمازوني في "الدرر المكنونة" وله تكملة حاشية الوانوغي على المدونة، ومختصر البيان والتحصيل لابن رشد، رتبه على مسائل ابن الحاجب، وجعله شرحا له، رد فيه كل مسألة إلى أصلها، فجاء في غاية الاستيعاب والإتقان، وله: "اختصار أبحاث ابن عرفة" وسواها، (ت ٨٦٦ هـ (٩٨)).

стр. 52

- وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن عيسى المغيلي التلمساني (الشهير بالجلاب) له: فتاوي نقل كثيرا منها في "المعيار و "الدرر المكنونة" (ت ٨٧٥ هـ (٩٩)). - وأبو زكرياء يحيى بن موسى المازوني، توفى بتلسمان سنة (٨٨٣ هـ (١٠٠)) له كتاب "الدرر المكنونة، في نوازل مازونة"، نال شهرة فائقة. - وأبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي التلمساني، عالم تلمسان وإمامها، له مؤلفات عدة في العقيدة الإسلامية أشرت إليها آنفا. ومن مؤلفاته في الفقه المالكي: "تعليق على "مختصر ابن الحاجب الفقهي"، ومنظومة في الفرائض، و "المقرب المستوفى" شرح على الحوفية (ت ٨٩٥ هـ (١٠١)). - وأبو العباس أحمد بن محمد بن زكري المانوي التلمساني، الإمام الحافط المتقن. له تآليف في مسائل القضاء، والفتيا، وفتاوى كثيرة، نقل جلها في "المعيار" (ت- ٨٩٩ هـ (١٠٢)).

стр. 53

أما منزلة مترجمنا (أبي العباس الونشريسي) - في أعلام عصره، فإنه لا يقل شأنا عن هؤلاء، وأولئك، وربما فاق الكثير منهم في الفقه، وكيف لا؟ - وقد حمل لواء المذهب المالكي- في عهده بدون منازع، وكفى دليلا- شهادة ابن غازي القائل فيه: "لو أن رجلا حلف بطلاق زوجته أن أبا العباس الونشريسي، أحاط بمذهب مالك: أصوله وفروعه، لكان بارا في يمينه (١٠٣) ". مميزات العصر الوطاسي: والعصر الوطاسي -رغم قصره- يمتاز بمميزات، منها: ١ - ازدهار علوم القراءات في هذا العصر، الذي يعتبر -بحق- عصرها الذهبي، سواء في ذلك الحواضر والبوادي، ومن القراء البارعين في هذا المضمار أبو عبد الله محمد بن أبي جمعة السماتى الهبطي (ت ٩٣٠ هـ (١٠٤)) الذي وضع وقف القرآن، وانتشر بسرعة فائقة، ولا زال عمل الناس به إلى اليوم (١٠٥). ٢ - حركة التأليف في: الجهاد والحض عليه، وأبرز من ألف في هذا الباب، العالم الصوفي المتفنن: أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم، المعروف بابن جبيش التازي

стр. 54

(ت ٩٢٠ هـ (١٠٦)) ويحمل تأليفه هذا عنوان: "تنبيه الهمم العالية على الصدقة والانتصار للملة الزكية، وقمع الشرذمة الطاغية (١٠٧) ". قال في حقه صاحب -دوحة الناشر-: (إنه مما ينبغي أن يتناول باليدين، ويكتب -دون المداد- باللجين، أودعه نظما ونثرا (١٠٨)). ٣ - أدب المقاومة، ومن الأدباء المشهورين في هذا الشأن، أبو عبد الله محمد بن يحيى البهلولي (ت ٩٣٠ هـ (١٠٩)). ٤ - التأليف في: البدع، ونقد المجتمع المغربي- على سائر المستويات، وممن برز في هذا الصدد وأفاد، أبو محمد الهبطي (ت ٩٦٣ هـ)، وأشهر مؤلفاته: "الألفية السنية، في تنبيه العامة والخاصة، على ما غيروا في الملة الإسلامية"- مع إنظام ورسائل نثرية، كتبها إلى سائر القبائل، يحارب فيها البدع، ويندد بالمبتدعين (١١٠)؛ وهي دراسة اجتماعية لها قيمتها التاريخية والعلمية.

стр. 55

٥ - نقد الطرق الصوفية بنوع خاص، وألف في ذلك أبو العباس أحمد زروق كتابيه: "عدة المريد الصادق من أسباب المقت، في بيان الطريق القاصد، وذكر حوادث الوقت" و"النصح الأنفع، والجنة للمعتصم من البدع بالسنة (١١١) ". ٦ - التأليف في العقيدة الإسلامية، علي مستوى الجماهير الشعبية .. وممن حاز قصب السبق في هذا المجال- أبو عبد الله محمد السنوسي وأبو محمد الهبطي، فلكل منهما. مؤلفات في هذا الشأن أشرت إلى بعضها سابقًا. ٧ - دراسة فلسفية في أصول الخلاف في المذهب المالكي (١١٢)، وفي طليعة من تصدى لهذا النوع من الدراسة من علماء هذا العصر- مترجمنا، وسيأتي مزيد بيان لهذا الموضوع في الفصل الخامس من هذه الدراسة، بحول الله.

стр. 56

٢: حياته اسمه ونسبه: أحمد بن يحيى بن عبد الواحد بن علي الونشريسي (١)، كذا ثبت بخط يد المؤلف في بعض كتبه (٢)، وعليه أكثر الذين ترجموا له، (٣) وشذ الكتاني في فهرس الفهارس (٤) بزيادته محمدا ثانيا- بعد محمد (الجد الأول) هكذا: أحمد بن محمد (بن محمد) بن عبد الواحد ...

стр. 57

بلده ومولده: ولد أبو العباس الونشريسي في بلده (٥) (ونشريس): أصله الأول (٦)، وموطن آبائه وأجداده، ويبدو أنه انتقل مع أسرته إلى (العاصمة) -تلمسان- وهو بعد حدث صغير لم يتجاوز الخامسة أو السادسة من عمره، ولعل الاضطرابات المتكررة التي عرفها جبل ونشريس، وعدم توفر الأمن والطمأنينة فيه، واستيلاء الحفصيين عليه مرات عديدة، وإرغام أهله على طاعتهم في كل مرة، مما دفع بأسرة أبي العباس إلى مغادرة بلدها (ونشريس) بعد أن سئمت الحياة المضطربة فيه، وحطت الرحال بـ (تلمسان) العاصمة الإدارية والعلمية آنذاك، واستقرارها بها نهائيا.

стр. 58

تاريخ ولادته: لم أهتد إلى السنة التي ولد فيها بالضبط، رغم جهد مضن لكن بدون جدوى، لأن كتب التراجم ضربت عن تاريخ ولادته صفحا، وصمتت عليه صمتا مطبقا، عدا أحمد بابا، فإنه احتفظ لنا بنص عن الشيخ القصار يذكر فيه، أن أبا العباس الونشريسي توفي سنة ٩١٤ هـ وعمره نحو الثمانين (٧) سنة، وذلك يدلنا على أنه ولد في حدود سنة (٨٣٤ هـ- ١٤٣٠ م (٨)). أسرته: نكاد نجهل كل شيء عن حياة أبي العباس في أسرته، فلا نعرف عن والده، أو والدته، أو أي عنصر يتصل بأهله وعشيرته -أي شيء؛ ويبدو أنها لم تكن ذات صلة بجاه، أو علم أو نباهة، فكتب التراجم لا تصف والده، أو أحد أجداده أو أقاربه بعلم ولا رئاسة؛ عدا ما حلى به بعضهم والده -بعد انتقاله إلى جوار ربه- إذ يقول فيه: "إنه الشيخ الفقيه المنعم المبرور المقدس المرحوم أبو زكرياء (٩) ". وهي أوصاف تجعله من متوسطي الناس، ولا ترقى به إلى مستوى أهل العلم والشهرة، وربما كان في هذه التحلية كثير من المجاملة. أما والدته فلسنا نعرف عن اسمها أو نسبها شيئًا،

стр. 59

وكل ما هناك أن أبا العباس -صاحبنا- يشير في كتابه (الوفيات (١٠)) -إلى أن واضع بن فركون- القاضب العدل -من أقاربه- ولعله يعني أنه من أسرة والدته (أخواله)، فتكون والدته من العائلة الفركونية المغراوية الشهيرة بالعلم والفضل. هذا بالنسبة لأسرته الكبيرة، أما عن أسرته الصغيرة، فيبدو أن انكبابه على تحصيل العلم بشغف كبير، وانغماسه في لذاته، أنسته ملذات الحياة، بحيث لم يحاول إنشاء أسرته إلا بعد أن مضى نحو نصف عمره، إذ لم يتزوج إلا قبل رحلته إلى المغرب ببضع سنوات، ولكن من هاته التي تزوجها؟ ما إسمها؟ وما نسبها؟ وما عدد الأولاد الذين أنجبتهم له؟ تلك أسئلة لا نستطيع الجواب عنها، وكل ما نعرف أن أبا العباس أنجب ولده أبا محمد أو أبا مالك: عبد الواحد -بعد انتقاله إلى فاس- في حدود سنة (٨٨٠ هـ (١١))، ولا نعرف له ولدا آخر سواه، ولعله الولد الوحيد للمترجم، وربما سماه عن جده عبد الواحد الونشريسي- على عادة الناس في الحفاظ على أسماء آبائم وأجدادهم. ولم يكن أبو محمد -في حياة أبيه- ذا جد في الطلب، بل كان يؤثر الراحة، فزوجه والده سنة (عشر أو إحدى عشرة

стр. 60

وتسعمائة هجرية) أي قبل وفاته بأربع سنوات، ولما زفت إليه عروسه، أطلق القاضي (آنئذ) - أبو عبد الله المكناسي يده على الشهادة، وقال لأبيه: إنها هدية مني لهذا العروس، وكانت الشهادة -عنده- بالمكان الرفيع، لا يوليها إلا من ومن. . وكان يقول: "من طلبها لي، فكأنما خطب منى إبنتي"! ! . (١٢). وكان أبو محمد هذا عالما أديبا، وفقيها متضلعا، وخطيبا مصقعا، ومنشئا بارعا، فاق أهل زمانه في عقد الشروط والوثائق، وفي المكاتبات السلطانية، لا يكاد يجاريه فيها أحد؛ وخلف والده على كرسي المدونة بالمصباحية، وتولى لضاء فاس ثمان عشرة سنة، وكان من خاصة المقربين للسلطان أبي العباس الوطاسي، لا يبرم أمرا إلا برأيه ومشورته (١٣). وعندما حاصر محمد الشيخ السعدي مدينة فاس، وبذل كل ما في وسعه لدخولها دون جدوى، قيل له: لا سبيل لك إليها، إلا إذا بايعك ابن الونشريسي- يعنون أبا محمد، فبعث إليه سرا ووعده ومناه، إلا أن أبا محمد الذي تأثر بمواقف أبيه الصلبة "ومن يشابه أباه فما ظلم" أجابه بان بيعة هذا السلطان -يعني أبا العباس الوطاسي- في رقبتي، ولا يحل لي خلعها إلا بموجب شرعي- وهو غير موجود ... ولما بلغ محمد الشيخ ذلك، أبى إلا أن يستعمل الدسائس والقوة في تلبية رعبته، فأوعز إلى جماعة من المتلصصين بأن يأتوا به إليه مكبلا،

стр. 61

ومن الصدف أن وجدوا الشيخ عبد الواحد يقرئ صحيح البخاري بجامع القرويين فلم يهب، القاسية قلوبهم أحاديث رسول الله ﷺ ، ولا تأثروا بها، ولو لم يخشوا على أنفسهم لاقتحموا عليه مجلسه لا محالة، فاضطروا إلى انتظار فراغه منه بفارغ الصبر وعندما خرج باغتوه عند باب المسجد، فاعتصم بإحدى عاضدتيه، فقطعوا يده، وأجهزوا عليه، فتوفي -شهيدا- سنة (١٤) (٩٥٥ هـ) - رحمة الله عليه. وسنذكره في جملة تلاميذ أبيه. أوليته ودراسته: لقد بذلت جهدا جهيدا علني أعثر على وثيقة واحدة، أو مصدر واحد، يصرح أو يلمح -على الأقل- إلى نشأة أبي العباس وتربيته بين أحضان والديه، أو يعطينا صورة- ولو مقتضبة عن مراحل طفولته، وشبابه، أو صلاته بإخوته، أو اتصالاته بإخوانه وذويه عموما ... لكن لم أهتد إلى ذلك، وحتى المصادر التي حاولت أن تترجم له؛ لم تأت بما يشفي الغليل، ويبعث على الارتياح والاطمئنان، ولا أشارت إلى شيء مفيد في هذا الشأن، وكم كنا نود- لو أنه قدم لنا-بنفسه- ترجمة ذاتية على غرار ما يفعله المحدثون، لكنه فضل الإمساك عن الإشارة إلى نشأته، وأين؟ وكيف، والتزم الصمت عن كل ذكر لماضيه وأهله! ! مما يدفعنى إلى الظن بأنه- ربما- فقد كل شيء في عهد مبكر، فاجتنب ذكر ذلك، كي لا يزداد بذكره

стр. 62

وتذكره ألما، أو أنه لم يجد في مراحل طفولته، أو شبابه، ما يحبب لنفسه الخوض فيه، أو الإشارة إليه. رغم أن العادة تقضي -غالبا- أن الإنسان يشتاق دائما إلى ما مضى من عمره، ويحن بلهفة إلى ذكريات طفولته وشبابه مع أهله وأخلائه، ويتمنى أن لو يعود ذلك الماضي، حتى ولو قضاه في ضيق وحاجة، وكرب وشدة. ألا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب كما يحتمل أنه لم يتعرض -لماضيه- لا لهذا السبب، ولا لذاك، وإنما لعادة متبعة مألوفة عند المؤلفين القدماء، من تحاشيهم ذكر الأجداد والآباء، ولسان حالهم يردد قول الشاعر: ليس الفتى من يقول كان أبي ... وإنما الفتى من يقول ها أنذا وعلى أي فقد عاش أبو العباس طفولة غامضة، يحتمل أن تكون معذبة، ويحتمل أن تكون سارة منعه الحياء من الخوض فيها- استنكافا أو تواضعا، فاكتفى بالصمت الذي هو أبلغ من كل كلام في بعض الأحيان، وربما كان ذلك سببا في التجائه إلى الدرس والتحصيل، كي يجد فيه تعويضا عن بعض ما فاته من نعم الحياة، فكان له ما أراد. إلا أنه ترك كل من حاول استقصاء حياته -الأولى- حائرا وتائها في متاهات الاحتمالات، معتمدا على الفرضيات والتخمينات، عله يصل إلى الحقيقة أو بعضها، لكن بغير طائل.

стр. 63

وكل ما عرف عنه أنه ولد بونشريس، وغادرها صغيرًا إلى تلمسان وبها نشأ وتعلم، وتردد على الكتاب، فحفظ القرآن وجوده، وأتقن رسمه وضبطه، وربما ألم بشيء من القراءات التي اشتهرت في هذا العهد، إلى جانب قراءة ورش- التي من الشأن أن يبتدئ المتعلم بها في بلاد المغرب. ثم انكب على تحصيل التصانيف وحفظها انكباب الظمآن، حتى حاز قصب السبق بين الأقران. شيوخه: أخذ أبو العباس عن جل شيوخ تلمسان، ذكر بعضهم في فهرسته (١٥) التي أجاز بها تلميذه أبا عبد الله محمد بن عبد الجبار الورتدغيري، (١٦) وأثبت طائفة منهم في كتابه (الوفيات). وأرى من الأنسب والمفيد أن أورد بعضهم -هنا- وأذكرهم حسب ترتيب وفياتهم، مع بطاقة تعريف بهم. ١ - أبو الفضل قاسم بن سعيد العقباني، الحافظ الحجة، بلغ درجة الاجتهاد، وله اختيارات خالف فيها المذهب، ونازعه في كثير منها ابن مرزوق (الحفيد) رحل إلى المشرق سنة (٨٣٠ هـ) وحضر إملاء ابن حجر، ثم استجازه فأجازه.

стр. 64

ولي قضاء تلمسان مدة، ثم تفرغ للتدريس والإفتاء إلى أن توفي عن سن عالية، سنة (٨٥٤ هـ-١٤٥٠ م) (١٧) -وربما كان أول شيخ جلس إليه أبو العباس- وهو بعد في طور الحداثة، وقد تأثر به، ونقل في كتابه (المعيار) كثيرا من أرائه، وفتاواه؛ قال فيه أبو العباس: (شيخنا وشيخ شيوخنا، الإمام المفتي ... ) (١٨). ٢ - أبو عبد الله محمد بن علي بن قاسم الأنصاري، شهر بالمري، قال فيه أبو العباس: شيخنا ومفيدنا المقدم (ت ٨٦٤ - ١٤٥٩) (١٩). ٣ - أبو عبد الله محمد بن العباس بن محمد بن عيسى العبادي، شهر بـ (ابن العباس)، من أكابر علماء تلمسان، وأحد أئمتها الأعلام؛ قال فيه أبو العباس: "شيخ المفسرين والنحاة، العالم على الإطلاق، شيخ شيوخنا" (٢٠) (ت ٨٧١ - ١٤٦٦). (٢١).

стр. 65

٤ - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن قاسم بن سعيد العقباني (حفيد أبي الفضل) الفقيه العالم الرحالة، قاضي الجماعة بتلمسان، قال فيه أبو العباس: "شيخنا الحاج الإمام القاضي العلامة (٢٢) " (ت ٨٧١ - ١٤٦٦). (٢٣) ٥ - أبو عبد الله محمد بن قاسم القوري شيخ الإسلام بفاس، وقاضي الجماعة بها، كان أبو العباس شديد الاتصال به كتابة، يستشيره في القضايا التي تعرض له، وقد أفاد منه كثيرا؛ قال في حقه: "الشيخ الحافظ شيخنا- مكاتبة" (٢٤) (ت ٨٧٢ - ١٤٦٧) (٢٥). ٦ - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عيسى العقيلي شهر بالجلاب، (٢٦) قال فيه أبو العباس: "شيخنا المحصل الحافظ (٢٧) " (ت ٨٧٥ - ١٤٧٠) (٢٨). ٧ - أبو سالم إبراهيم بن الشيخ الإمام قاسم بن سعيد العقباني، قال فيه أبو العباس: "شيخنا الإمام، القاضي

стр. 66

الفاضل" (٢٩) وقد نقل كثيرا من فتاويه في كتابه (المعيار). (ت ٨٨٠ - ١٤٧٥) (٣٠). ٨ - أبو عبد الله محمد بن محمد بن حرزوزة من آل عبد القيس، قال فيه أبو العباس: "شيخنا (٣١) الفقيه الأصولي، الصالح الخطيب الأكمل" (ت ٨٨٣ - ١٤٧٨) (٣٢). ٩ - أبو العباس أحمد بن زكري المانوي، علامة تلمسان ومفتيها، قال فيه أبو العباس: "الفقيه المحصل، العالم المشارك، المؤلف النظام" (٣٣) (ت ٨٩٩ - ١٤٩٣) (٣٤). ١٠ - أبو عبد الله محمد بن محمد بن مرزوق الكفيف، العالم المسند الرواية، أخذ عنه أبو العباس الونشريسي مرويات سلفه: الجد، والوالد، والحفيد، وقال في حقه: "شيخنا الفقيه الحافظ الخطيب المصقع (٣٥) " (ت ٩٠١ - ١٤٩٦) (٣٦).

стр. 67

١١ - أبو عبد الله محمد بن عبد الله اليفرني المكناسيي، قاضي الجماعة بفاس مكث قاضيا بها أزيد من ثلاثين سنة - لعدله وسياسته وكفاءته، وقد أعجب به أبو العباس الونشريسي أيما إعجاب، لذا -نراه بعد قدومه على فاس- يحضر مجالسه، وقد نقل في كتابه (المعيار) بعض فتاويه وأحكامه، (ت ٩١٧ - ١٥١١) (٣٧). ١٢ - الغرابلي- ذكرته كتب التراجم في جملة شيوخه، (٣٨) ولم أقف على ترجمته. ١٣ - وذكر ابن القاضي في جذوة الاقتباس (٣٩) من بين شيوخ أبي العباس -أبا موسى عيسى بن محمد بن محمد بن الإمام- ولعله وهم، فأبو موسى ابن الإمام المشهور توفي قبل مولد أبي العباس بنحو (٥٨) سنة، (٤٠) ويحتمل أن يكون أحد حفدته. وهناك جملة من شيوخ أبي العباس أخذ عنهم بالإجازة (٤١).

стр. 68

تلاميذه: كرس أبو العباس حياته للعلم والتعلم منذ الصغر, وحرص حرصا شديدا علي تحصيل كل ما يقرأ أو يسمع -من شيوخه- حفظا أو تدوينا، إلى أن أتقن وأحكم كثيرا من العلوم الإسلامية، وخاصة الفقه منها، باستيعابه إياه أصولا وفروعا، حتى أضحى فيه إماما مشهورا، مما أهله إِلى أن يتبوأ كرسي تدريس المدونة في أقدم عاصمة علمية -بالمغرب- (فاس) في أزهى وأخصب فتراتها بجهابذة العلماء والفقهاء، كالشيخ القوري وزروق، والحباك، وابن غازي، وغيرهم ممن كانوا لا يشق لهم غبار، ومع ذلك لم يجد بعضهم بدا من الاعتراف بإمامة أبي العباس، في الفقه والنحو وكفي دليلا علي ذلك ما نقله -لنا- بعض من ترجموا له في الفقرات التالية: "إِنه لما قدم علي فاس إنكب علي تدريس المدونة، ومختصر ابن الحاجب الفرعي، وكان مشاركا في فنون العلم، إِلا أنه لما لازم تدريس الفقه، ظن من لا يعرفه، أنه لا يحسن غيره، وكان فصيح اللسان والقلم، حتى كان يقول من يحضره، لو رآه سيبوبه لأخذ النحو من فيه" (٤١). وعلى ما يبدو فإن صاحبنا كان ذا طريقة مغرية في التبليغ والإفادة، وموهبة فائقة في جلب سامعيه إِلي دروسه، مع فصاحة اللسان وقوة الذاكرة، ومن الطبيعي أن من كان هذا شأنه ونهجه -أيام كانت حرية اختيار الأستاذ والمادة موكولة

стр. 69

إِلى ميل الطالب- أن يتهافت الطلاب علي دروسه من كل جانب، ويقع الإقبال عليه، وتتوافد الوفود تلو الوفود، للاقتباس من معارفه الفياضة، فأخذ عنه جم عفير من الطلبة، سنقتصر علي ذكر من لازمه مدة طويلة، ومن أولئك: ١ - الفقيه المحدث أبو عبد الله محمد بن عبد الجبار الورتدغيري، لازم أبا العباس مدة ليست بالقصيرة، ثم التحق بتلمسان بعد أن أجازه بفهرسته، التي ضمنها أسماء شيوخه ومروياتهم، (٤٢) ويذكر صاحب فهرس الفهارس أنه ألفها باسمه (٤٣). ٢ - الفقيه النوازلي، أبو عياد بن فليح اللمطي، قرأ عليه مختصر ابن الحاجب الفرعي ولازمه فيه حتى فهمه، وتفقه عليه، (٤٤) (ت ٩٣٦ هـ ١٥٣٠ م).) (٤٥) ٣ - أبو زكرياء يحيي السوسي، لازمه إِلي أن صار فقيها متفننا. (٤٦) ٤ - الفقيه العابد الصالح، أبو محمد الحسن بن عثمان الجزولي، لازمه إِلى سنة ٩٠٨ هـ حيث قرر الرحيل، فخرج الشيخ لتوديعه بنفسه (تـ ٩٣٢ هـ (٤٧) ١٥٢٥ م).

стр. 70

٥ - الفقيه أبو محمد عبد السميع المصمودي، من جبل (درن) لازمه في دروس مختصر ابن الحاجب الفقهي، ثم عاد إِلى بلده، وسمع عليه كثيرون. (٤٨) ٦ - الفقيه الحسيب، سليل العلماء، قاضي فاس، أبو عبد الله محمد بن الفقيه القاضي ناظر القرويين، أبي عبد الله محمد الغرديسي التغلبي، تفقه علي أبي العباس ولازمه إلي أن عاجله الموت بسبب طاعون (٤٩) جارف (ت ٨٩٧ هـ-١٤٩١ م) (٥٠). ٧ - أبو الحسن علي بن هارون المظغري عالم فاس، وفقيهها، وإمامها، وحامل لواء المذهب بها - رواية (تـ ٩٥١ - ١٥٤٤). (٥١) ٨ - ولده الإمام الشهيد، أبو محمد عبد الواحد الونشريسي (تـ ٩٥٥ - ١٥٤٨) (٥٢). ٩ - أبو القاسم محمد بن عبد الرحمن الكراسي، قاضي تطوان (تـ ٩٦٤ - ١٥٥٦). (٥٣) - ويشير الشيخ المنجور في فهرسته (٥٤)، إِلي أن هناك تلاميذ مشارقة أخذوا عن أبي العباس الونشريسي، ولعله يعني

стр. 71

أنهم استجازوه فأجازهم، كلما وصلته هو إجازة بعض الشيوخ المشارقة بواسطة الشيخ زروق، كما أشرت إِلي ذلك آنفا. وفاته: أجمعت المصادر التي ترجمت لأبي العباس، علي أنه توفي (٥٥) بفاس سنة (٩١٤ هـ): وصاحب المعيار زار قبره ... في عام (غيد) فعليه الرحمة (٥٦) وبالضبط يوم الثلاثاء، عشري صفر سنة (٥٧) (٩١٤ - ١٥٠٨ م). إذا استثنينا ابن عسكر في الدوحة (٥٨) الذي لم يستطع تحديد تاريخ وفاته- علي عادته في أكثر الوفيات التي ذكرها، واقتصر علي القول بأنه توفي في العشر الأولى -يعني من القرن العاشر الهجري.

стр. 72

ودفن بباب الفتوح (٥٩) - قرب ضريح الولي الصالح محمد بن عباد. (٦٠) شخصيته وثقافته إذا كان المراد بالشخصية عند علماء النفس: "هو جميع الصفات الجسمانية والوجدانية والعقلية والخلقية في حالة تفاعلها بعضها مع بعض، وتكاملها في شخص معين يعيش في بيئة اجتماعية معينة (٦١) "، فتطبيق هذا للتعرف والتعريف بشخصية أبي العباس الونشريسي، يكاد يكون من ضرب المستحيلات، لكون حل المصادر الموجودة بين أيدينا لم تشر إلي تلك الجوانب، ولا لمراحل حياته -في بيئته الأولى وحتي التي حاولت ذلك فأنها شحيحة لغاية، بحيث لا تكفي لتقديم صورة- ولو شبه متكاملة، ومع ذلك سأحاول- في هذه العجالة القصيرة- أن أستشف بعض الملامح الجسمانية والخلقية

стр. 73

وتحليلها علي ضوء الفقرات القليلة الواردة في بعض المصادر ثم اتبع ذلك بصورة موجزة عن عناصر ثقافته، ومقوماته العلمية. أ- صفاته الجسمية والخلقية: عبثا حاولت العثور علي وثيقة، أو مصدر يصف -لنا- أبا العباس وصفا جسمانيا كي نعرف -علي الأقل- أكان طويل الجسم، أم قصيره، أبدينه أم نحيفه؟ أوسيم الوجه أم غير ذلك؟ - لكن بدون جدوى، وكل ما ذكرته بعض المصادر في هذا الشأن- أنه كان أصلع، (٦٢)، ولست أدري ما المغزي من ايراد هذا الوصف فقط؟ دون التعرض لوصف آخر؛ وربما ليوحي لنا بالحكم علي طبيعة -صاحبنا- من خلال هذا الوصف القصير الذي يدل -كما يقول البعض- علي طهارة الضمير، ونقاء السريرة، والتحلي بمكارم الأخلاق ... (٦٣) وعلي أي فإذا كنا لا نملك أخبارا مفصلة عن صفاته الجسمية، فباستطاعتنا أن نستخلص من سلوكه وآثاره بعض صفاته الخلقية، التي يتجلي أهمها -في نظري- فيما يلي: - علو الهمة، فقد كان طموحا إلي المعالي، ويتمثل ذلك في إقباله علي الدرس والتحصيل، والتبحر في مختلف أبواب المعرفة، فأكثر الشيوخ الذين أخذ عنهم، وجثا بين أيديهم، يمثلون الطبقة العالية في العلم، وسمو الأخلاق، كأبي الفضل

стр. 74

العقباني، وأبي عبد الله القوري، وابن زكري المانوي، وابن مرزوق العجيسي- الكفيف ... وهو في أبحاثه ودراسته، لا يرضي بالرجوع إلي المصادر الثانوية، والمختصرات الصغيرة، وإنما يعتمد علي الأمهات (٦٤) (الينابيع الصافية). ومن أخلاقه -التي تتمثل في سلوكه- الشجاعة الأدبية، فقد كان صليبا في الحق، لا يخشي في الله لومة لائم، (٦٥) وقد طردته السلطة الجزائرية، لا لشيء إِلا لكونه لم يرض عن الوضع المتردي الذي كانت عليه البلاد، "فانتهبت داره، وضاعت أسبابه وكتبه، (٦٦) فلحق بالمغرب (٦٧) (وطنه الثاني). وهنا يتبادر إلي الذهن بعض تساؤلات، لماذا اختار المغرب الأقصي - لهجرته دون سائر الأقطار الإسلامية؟ ولماذا فضل فاسا عن المدن المغربية الأخرى؟ أما يخشي أن يجد مضايقة في المدينة التي كانت تعج بالعلماء؟ أما كان من الأحسن له أن يتجه إلى غيرها- علما بأن المغرب عموما، وفاسا خصوصا، كانت آنئذ في حالة متدهورة للغاية؟ ! . فالإجابة عن هذه الآسئلة تحتمل عدة احتمالات منها: - أن شدة حبه لوطنه وتعلقه به، طغي علي كل شيء، فأرغمه علي التنقل إلي -أقرب المسافة- المغرب الأقصي،

стр. 75

الذي كان بالأمس القريب وطنا لكثير من أهل تلمسان، كما يحتمل أن قلة الزاد، وعدم ميله للمغامرة، كان لهما دورهما في اختيار المغرب، وكونه فضل فاسا علي عيرها، يحتمل لوجود بعض أهل ونشريس بها، ومعرفته السابقة لكثير من علمائها، وتبادله معهم المكاتبات، وبعض المراسلات والاستفتاءات، فحفزه ذلك إلي اختيار فاس ليأنس بهم، وينسوه عربته، وطبعا لم يخش آية مضايقة لأنه كان مؤمنا بمقدرته العلمية، ومهارته الفائقة في المذهب المالكي أصوله وفروعه، ولم يكن من ذلك النوع الذي يتسابق علي الشهرة، وجمع حطام الدنيا عن طريق الإفتاء حتى يقصد مدينة أخرى. ومهما يكن فإنه كان يعرف -مسبقا- أن الحالة في فاس مضطربة، وأن الحياة فيها ليست هادئة، والدليل علي ذلك ما أنشده أثناء سيره إليها من تلمسان: لبلدة فاس حرك السير واسرعا (٦٨) ... وأرض تلمسان أرفضن أيما رفض علي أنه لا يرتضي الكل منهما ... ولكن (بعضن الشر أهون من بعض) (٦٩) ومنها: ورعه وتدينه المتين، (٧٠) وميله إلي الحياة البسيطة، والزهد في ملذات الدنيا، فقد عاش في دويرة صغيرة
следующие страницы →