Полный текст (242 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وهو حسبي
قال أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه النحوي: هذا كتاب ذكرت فيه إعراب ثلاثين سورة من المفصل بشرح أصول كل حرف وتلخيص فروعه، وذكرت فيه غريب ما أشكل [منه]، وتبيين مصادره وتثنيه وجمعه؛ ليكون معونة على جميع ما يرد عليك من إعراب القرآن إن شاء الله. وما توفيقنا إلا بالله.
(أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) .
•"أعوذ" فعل مضارع، علامة مضارعته الهمزة في أوله، وعلامة رفعه ضم آخره. وهو فعل معتل لأن عين الفعل واو، والأصل أعوذ [على مثال أفعل] فاستثقلوا الضمة على الواو، فنقلت إلى العين فصارت أعوذ، وكذلك أقول وأزول، وماكان مثله فهذه علته. فالهمزة في أعوذ إخبار عن النفس، أعوذ أنا. والياء للغائب، يعوذ هو. والتاء للمؤنث الغائبة، تعوذ هي، وللمخاطب الشاهد، تعوذ أنت يا رجل. فإن جعلت الخطاب للمرأة قلت أنت تعوذين يا امرأة؛ فالياء علامة التأنيث، والنون علامة الرفع لأنها تسقط للجزم إذا قلت لم تعوذي، وكذلك للنصب. والنون للمتكلم إذا كان معه غيره نحن نعوذ نحن نقوم. فإذا صرفت الفعل قلت عاذ يعوذ عوذًا
стр. 2
فهو عائذ. فعاذ فعل ماض. ويعوذ فعل مضارع يصلح لزمانين الحال والاستقبال، والماضي لا يصلح إلا لزمان منقض قرب أبو بعد. فإذا دخلت على الفعل المضارع السين أو سوف أزالتاه إلى الاستقبال لا غير. وعوذًا مصدر، وإن شئت قلت عاذ معاذًا وعوذة وعياذًا، كل ذلك صواب. وعائذ اسم الفاعل، واسم المفعول معوذ به، والأمر عذ للمذكر، وعوذي للمؤنث، وعوذا للاثنين، وعوذوا للرجال، وعذن يا نسوة. ومعنى أعوذ [بالله] أعتصم وأمتنع بالله من الشيطان الرجيم.
وينشد:
أنفى لك اللهم عانٍ راغمُ ... مهما تجشمني فإني جاشم
عذت بما عاذ به إبراهم.
يريد به إبراهيم [النبي ﵇]. ومن العرب من يقول إبراهام وكذلك قرأ ابن عامر. وذلك أن إبراهيم اسم أعجمي، فإذا عربته العرب فإنها تخالف بين ألفاظه، ومنهم من يقول إبرهم بغير ألف، قال الشاعر:
نحن آل الله في كعبته ... لم يزل ذاك على عهد ابرهم
وحدثنا محمد عن ثعلب عن سلمة عن الفراء قال: العرب تقول نعوذ بالله من طئه الذليل أي أعوذ بالله من أن يطأني ذليل. ويقال معاذ الله من ذلك، ومعاذة الله من ذلك، وعياذًا بالله من ذلك، وعوذًا بالله من ذلك، وعائذًا بالله
стр. 3
من ذلك، معناه أعوذ بالله من ذلك. [وروى عن الحسن البصري أنه قرأ "وقل رب عائذًا بك من همزات الشياطين وعائذًا بك رب أن يحضرون".]
فأما قول العرب: أطيب اللحم ما أكل عن عوذه، يريدون ما أكل عن العظم، والعوذة ما عاذ من الريح بشجرة أو غيرها. فأما الذي حدثني ابن مجاهد عن السمري عن الفراء أن العرب تضرب مثلا وأول من قاله سليك بن السلكه: "اللهم إني أعوذ بك من الخيبة، فأما الهيبة فلا هيبة" فالخيبة الفقر. ومعنى لا هيبة أي لا أهاب أحدا.
•"بالله" جر بباء الصفة وهي زائدة؛ لأنك تقول الله فتسقط الباء. وحروف الزوائد في صدور الأسماء ثلاثة اللام والكاف والباء. فالكاف للتشبيه، واللام للملك، والباء للاتصال وللصوق. وموضع الباء نصب لأنها قد حلت محل مفعول. وعلامة جره كسرة الهاء. والأصل أعوذ بالإله، فحذفوا الهمزة اختصارا وأدغموا اللام في اللام، فالتشديد من أجل ذلك؛ كما قال تعالى: (لكنا هو الله ربي). الأصل لكن أنا، فحذفوا الهمزة اختصارا، وأدغموا النون في النون. قال الشاعر:
وترمينني بالطرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكن إياك لا أقلي
стр. 4
[أراد: لكن أنا] يخاطب امرأة. فإن قيل لم شددت اللام؟ فقل للإدغام، وذلك أن الإدغام [في الكلام] على ضربين لقرب المخرجين وتجانس الحرفين. فإن قيل لم لم ينون،؟ فقل لدخول الألف واللام؛ لأن التنوين والإضافة والألف واللام من دلائل الأسماء، فكل واحد منها يعاقب صاحبيه.
•"من" حرف جر، وهي لمبتدأ الغاية، كما أن «إلى» لمنتهى الغاية. فإذا قلت: لزيد من الحائط إلى الحائط، فقد بينت به طرفى ما له لأنك ابتدأت بمن وانتهيت بإلى؛ وكذلك خرجت من العراق إلى مكة.
حدثني المحمدان النحوي واللغوي عن ثعلب قال: إذا قال الرجل: لزيد علي من واحد إلى عشرة فجائز أن يكون عليه ثمانية إذا أخرجت الحدين، وجائز أن يكون عليه عشرة إذا أدخلت الحدين معا، وجائز أن يكون عليه تسعة إذا أخرجت حدا وأدخلت حدا.
•"الشيطان": جر بمن، علامة جره كسرة النون. فإذن قيل لك لم شددت الشين، فقل أدغمت فيها اللام. واللام تدغم في أربعة عشر حرفا: في التاء والثاء والدال والذال والراء والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء واللام والنون. وإنما صارت اللام تدغم في أربعة عشر حرفا وهي نصف حروف المعجم لأنها أوسع الحروف مخرجا، وهي تخرج من حافة اللسان من أدناه إلى منتهى طرف اللسان
стр. 5
وفويق الضاحك والناب والرباعية والثنية. فلما اتسعت في الغم وقربت من الحروف أدغمت فيها، فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى. حافة اللسان طرفه وجمعها حيف. حدثني بذلك محمد بن أبي هاشم عن ثعلب عن ابن الأعرابي. فإن قيل: لم فتحت النون في قولك من الشيطان وكسرت النون في قولك عن الشيطان؟ فالجواب في ذلك أن النون حركت فيهما لالتقاء الساكنين، غير أنهم اختاروا الفتح في «من» لانكسار الميم، واختاروا الكسر في «عن» لانفتاح العين. فأما قولهم إن الله أمكنني من فلان، فإنهم كسروا النون مع الهمزة لقلة استعمالهم إياه.
والشيطان يكون فعلان من شاط يشيط بقلب ابن آدم وأشاطه أي أهلكه، ومن شاط بقلبه أي مال به، ويكون فيعالا من شطن أي بعد كأنه عن الخير؛ كما أنه سمي إبليس لأنه أبلس من رحمة الله أي يئس، وكان اسمه عزازيل. يقال دار شطون أي بعيدة، ونوى شطون؛ قال الشاعر:
أيما شاطن عصاه عكاه ... في وثاق السجون والأغلال
معنى عكاه شده. يعني بذلك سليمان بن داود ﵇. وكل متمرد من الناس وغيرهم [يقال له] شيطان؛ قال الله ﵎: (وإذا خلوا إلى شياطينهم) أي إلى رؤساء المنافقين والكفار من اليهود. وأما قوله تعالى: (طلعها كأنه رؤوس الشياطين) فقيل الحيات، وقيل الجن. وأما قول شبيب بن البرصاء:
стр. 6
نوى شطنتهم عن هوانا وهيجت ... لنا طربا إن الخطوب تهيج
فمعنى شطنتهم خالفت بهم وبعدت ويقال بئر شطون أي عوجاء فيها عوج، فيستقى منها بشطنين أي بحبلين.
• "الرجيم" [جر] نعت للشيطان، علامة جره كسرة الميم، ولم تنونه لدخول الألف واللام. وشددت الراء لإدغام اللام فيها. فإن سأل سائل فقال الشيطان رَجَم أو رُجِم؟ فقل لا بل رجم، والأصل من الشيطان المرجوم؛ كما قال:
رُجْمَ به الشيطان في هوائه
فصرف [من] مفعول إلى فعيل لأن الياء أخف من الواو، كما يقال كف خضيب والأصل مخضوبة، ولحية دهين والأصل مدهونة، ورجل جريح وصريع، كل ذلك أصله الواو لأنه مفعول. والمرجوم في اللغة الملعون المطرود، فلعنه الله معناه طرده [الله] وأبعده، قال الشماخ:
وماء قد وردت لوصل أروى ... عليه الطير كالورق اللجين
ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين
اللعين نعت للذئب في قول سلمة. والرجم أيضا القتل؛ كقوله : (لنرجمنكم) والرجم الشتم والرجم بالحجارة؛ ومنه رجم المحصنات والمحصنين إذا زنوا. وقال رسول الله ﷺ : "ما من نفس مولود يولد إلا والشيطان ينال منه تلك الطعنة، ولها يستهل الصبي [صارخا] إلا كان من مريم بنة عمران فإنها لما
стр. 7
وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم، فضرب دونها حجاب فطعن فيه. وإن المسيح لما ولد حفت به الملائكة فلم ينهزه إبليس وصارت الشياطين إليه فقالوا: قد نكست الأصنام رءوسها، فقال: قد حدث أمر عظيم، فضرب خافقي الأرض وأتى البحار فلم يجد شيئًا ثم وجد المسيح - صلى الله عليه - قد ولد فقال: "قد ولد نبي" صلى الله عليه.
(بسم الله الرحمن الرحيم)
• "بسم" جر بباء الصفة وهي زائدة. فإن قيل: ما موضع الباء من بسم الله؟ ففي ذلك ثلاثة أجوبة: قال الكسائي: لا موضع للباء، لأنها أداة. وقال الفراء: موضع الباء نصب على تقدير أقول [بسم الله أو قل بسم الله]. وقال البصريون: موضع الباء رفع بالابتداء أو بخبر الابتداء، فكأن التقدير أول كلامي [باسم الله، أو باسم الله أول كلامي]. قال الشاعر:
تسألنى عن بعلها أي فتى ... خب جبان فإذا جاع بكى
أي هو [خب] جبان، وأي فتى هو. وقال الله تعالى وتبارك: (بشر من ذلكم النار) أي هي النار. وعلامة الجر في "بسم" كسرة الميم، ولم تنونه لأنه مضاف. فإن قيل لك: لم لم تنون المضاف؟ فقل: لأن الإضافة زائدة والتنوين زائد، ولا يجمع بين زائدين. فإن قيل: لم أسقطت الألف من بسم والأصل باسم؟ فقل: لأنها
стр. 8
كثرت على ألسنة العرب عند الأكل والشرب والقيام والقعود، فحذفت الألف اختصارا من الخط لأنها ألف وصل ساقطة في اللفظ، فإن ذكرت اسما من أسماء الله وقد أضفت إليه الاسم لم تحذف الألف لقلة الاستعمال، نحو قولك باسم الرب، وباسم العزيز. فإن أتيت بحرف سوى الباء أثبت أيضا الألف نحو قولك لاسم الله حلاوة في القلوب، وليس اسم كاسم الله، وكذلك باسم الرحمن، وباسم الجليل، و"اقرأ باسم ربك الذي خلق". فإذا أسقطت الباء كان ذلك في الاسم أربع لغات: اِسم وسِم واُسم وسُم. قال الشاعر:
أرسل فيها بازلا لا نعدمه ... باسم الذي في كل سورة سمه
قد وردت على طريق تعلمه.
وقال آخر:
وعامنا أعجبنا مقدمه ... يدعى أبا السمح وقرضاب سمه
القرضاب اللص. فمن قال اسم وسم أخذه من سمى يسمى مثل علي يعلى
ومن قال اسم وسم أخذه من سما يسمو، وكلاهما معناه العلو والارتفاع.
فإن سأل سائل فقال: لم أدخلت الباء في بسم وهي لا تكون إلا صلة لشيء قبلها؟ فالجواب في ذلك أن الله ﵎ أدب نبيه ﷺ أن يقدم اسمه
стр. 9
عند كل أخذ في عمل ومفتتح كل كلام تبركا باسمه جل وعز، فكان التقدير قل يا محمد باسم الله.
والألِفُ في اسم الله ألف وصل تسقط في التصغير إذا قلت سُمَى.
فإن قال قائلٌ: الأسماء لا تتصرف وإنما التصرف للأفعال كقولك ضرب يضرب ضربًا، فلم قالت العرب بسمل يبسمل بسملة؟ فالجواب في ذلك أنّ هذه الأسماء مشتقة من الأفعال، فصارت الباء كبعض حروفه إذ كانت لا تفارقه وقد كثرت صحبتها له؛ قال الشاعر:
لقد بسملت ليلى غداة لقيتُها ... فيا حبذا ذاك الحبيبُ المبسمِلُ
ومن ذلك قولهم: قد هيلل الرجل إذا قال لا إله إلا الله، وقد حولقَ إذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله، وقد حيعل إذا قال حي على الصلاة، وقد حمدل إذا قال الحمدُ لله، وقد أكثر من الجعفلة أي من قول جعلني الله فداك.
•واسم "الله" جر بإضافة الاسم إليه، والأصل باسم الإله؛ قال عبد الله بن رواحة:
باسم الإله وبه بدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا
وحبذا ربًا وحب دينا
فحذفت الهمزة اختصارًا وأدغمت اللام في اللام، فالتشديد من جلل ذلك، ولم تُنَوِّنْ ذلك لدخول الألف واللام.
стр. 10
وسمعتُ أبا علي النحوي يقول: اسم الله تعالى مشتق من تألُّهِ الخَلق إليه، أي فقرهم وحاجتهم إليه. وقال آخرون في قوله تعالى: (وإلهكم إله واحد لا إله هو الرحمن الرحيم) إن الألوهية اعتباد الخلق، أي الذي يستحق أن يعبد معبود واحدٌ؛ لأنَّ الذين تعبدون خلق مثلكم من خلق إلهكم. والواحد الذي لا مثلَ له ولا [شبيه] له، كما تقول: فلان واحد في الناس. وقال آخرون: معنى الوحدانية انفرادُه عن الأشياء كلها غير داخل في الأشياء جل الله وعلا.
•"الرحمن الرحيم": جران صفتان لله تعالى، علامة جرهما كسرة النون والميم. وشددت الراء فيهما لأنك قلبت من اللام راء وأدغمت الراء في الراء. فإن سأل سائل فقال: إنما أدغمت [اللام في الراء لقرب المخرجين، فهل يجوز إدغام] الراء في اللام نحو «استغفر لهم»؟ فقل لا؛ وذلك أن سيبويه وغيره من البصريين لا يجيزون إدغام الراء في اللام نحو اخترليطة؛ لأن الراء حرف فيه تكرير، فكأنه إذا أدغمه فقد أدغم حرفًا مشددًا نحو "مس سقر"، و"أحل لكم ما وراء ذلكم" وإدغام المشدد فيما بعده خطأ بإجماع. فأما ما رواه اليزيدي عن أبي عمرو: «استغفر لهم»، «واصطبر لعبادته» و [نحو ذلك]، فكان ابن مجاهد يضعفه لرداءته
стр. 11
في العربية، ولأن الرواية الصحيحة عن أبي عمرو الإظهار لأنه رأس البصريين، فلم يك ليجتمع أهل البصرة على شيء وسيدهم على ضده. وكان الفراء يجيز إدغام الراء في اللام كما يجيز إدغام اللام في الراء.
واسم الله عزوجل قُدم على الرحمن؛ لأنه اسم لا ينبغي إلا لله جل ثناؤه. وقيل في قوله تعالى: (هل تعلم له سميا) أي هل تعرف في السهل والجبل والبر والبحر والمشرق والمغرب أحدًا اسمه الله [غير الله] . وقيل: هو اسمه الأعظم، وقيل اسمه الأعظم ياذا الجلال والإكرام، وقيل يا حي يا قيوم.
وقدم الرحمن على الرحيم لأن الرحمن اسم خاص لله، والرحيم اسم مشترك، يقال: رجل رحيم، ولا يقال رحمن، فقدم الخاص على العام. وقال ابن عباس: الرحمن الرحيم اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر. وقال آخرون: الرحمن أمدح، والرحيم أرق، [فرحيم] كما تقول لطيف. وقال أبو عبيدة: رحيم ورحمن لغتان، فرحيم فعيل [من الرحمة]، ورحمن فعلان من الرحمة. قال: وذلك لاتساع اللغة عندهم، كما تقول نديم وندمان بمعنى، وأنشد:
وندمانٍ يزيد الكأس طيبا ... سقيت وقد تغورتِ النجومُ
وقال آخرون: رحمن بالعبرانية رخمان، وأنشدوا بيت جرير:
أو تتركون إلى القسين هجرتكم ... ومسحكم صلبهم رخمان قربانا
стр. 12
والذي أذهب إليه أن هذه الأسماء كلها صفات لله ﵎، وثناء عليه وهي الأسماء الحسنى؛ كما قال الله: (ولله الأسماء الحسنة فادعوه بها)، فسُئل النبي ﷺ عنها فقال: «تسعة وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة». وقد بينتها في كتاب مفردٍ، واشتقاق كل اسم منها ومعناه. لأني قد تحريتُ في هذا الكتاب الاختصار والإيجاز ما وجدت إليه سبيلا، ليتعجل الانتفاع به ويسهل حفظه [على من أراده]. وما توفيقي إلا بالله [عليه توكلت].
ذكر فائدة في بسم الله:
أما قوله تعالى: (وقال اركبوا فيها باسم الله مجراها ومرساها) هذا مما حكى الله ﵎ عن نبي من أنبيائه وصفي من أصفيائه تقديمه اسم الله قبل ركوبه وأخذه في كل عمل. فمجراها ومرساها رفع بالابتداء، وبسم الله خبره، ومعناه التقديم والتأخير، والتقدير إجراؤها وإرساؤها بسم الله. فعلى هذا التمام عند مرساها. ويجوز أن يجعل بسم الله كلامًا تامًا كما قيل في نحر البدن (فاذكروا اسم الله عليها صواف)، فيكون مجراها ومرساها في موضع نصب. فأما قراءة مجاهد [التي حدثني ابن مجاهد عن السمري عن الفراء أن مجاهدًا] قرأ «باسم الله مجريها ومرسيها» فجعلها صفتين لله تعالى فموضعهما جر. قال الفراء: ويجوز أن يجعلهما في قراءة مجاهد نصبًا على الحال. يريد المجريها والمرسيها. فلما خزلت الألف واللام نصبهما على الحال
стр. 13
والقطع. قال: ومثل هذا مما لفظه معرفة ومعناه الانفصال والتنكير قوله [ ]: (هذا عارض ممطرنا) معناه ممطر لنا، كما قال جرير:
يارب غابطنا لو كان يأملكم ... لاقى مباعدة منكم وحرمانا
ذكر فائدة أخرى:
اعلم أن بسم الله الرحمن الرحيم آية من سورة الحمد وآية من أوائل كل سورة في مذهب الشافعي، وليست آية في [كل] ذلك عند مالك؛ وعند الباقين هي آية من أول أم الكتاب وليست آية في غير ذلك. وقد ذكرنا الاحتجاج في ذلك في كتاب شرح أسماء الله جل وعز. فأما القراء السبعة فيثبتون بسم الله الرحمن الرحيم في أول كل سورة إلا في براءة ما خلا أبا عمرو وحمزة فإنهما كانا لا يفصلان بين السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم. حدثني أبو سعيد الحافظ قال حدثني أبو بكر النيسابوري قال سمعت الربيع يقول سمعت الشافعي يقول: أول الحمد بسم الله الرحمن الرحيم وأول البقرة الم. وكل ما ذكرت من اختلاف العلماء والقراءة فقد رويت عن رسول الله ﷺ . والذي صح عندي فمذهب الشافعي [﵀] وإليه أذهب.
стр. 14
ذكر فائدةٍ أخرى في بسم الله:
إن سأل سائل فقال: لم كسرت الباء في بسم الله؟ فالجواب في ذلك أنهم لما وجدوا الباء حرفًا واحدًا وعملها الجر ألزموها حركة عملها.
إعراب أم القرآن ومعانيها
قال أبو عبد الله: سميت سورة الحمد المثاني لأنها تُثَنَّى في كل ركعة، قال الله ﵎: (ولقد آتيناك سبعا من المثاني) قيل الحمد، وقيل [المثاني] القرآن كله، وقيل المثاني ما بعد المائتين. قال الله ﵎: (مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون) وسمي القرآن مثاني لأنه تثنى فيه القصص والأنبياء. وأما قول شبيب بن البرصاء:
فلا وصل إلا أن تقارب بيننا ... قلائص يجذبن المثاني عوج
فإن الأزِمّةَ يقال لها المثاني، الواحدة مَثْنَاةٌ. وعوج: اعوجت من الهزال [وكثرة الترحال].
قال أبو عبد الله: وسميت أم القرآن لأنها أول كل ختمة ومبتدؤها، ويسمى أصل الشيء أما. قال الله : (وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم) أي في أصل الكتاب وهو اللوح المحفوظ. وروى عن عرباض بن سارية السلمي قال سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "إني عبد الله في أم الكتاب وخاتم النبين وإن آدم لمنجدل في طينته وسوف أنبئكم بتأويل ذلك: أنا دعوة
стр. 15
أبي إبراهيم، وبشارة عيسى ورؤيا أمي". وأم الرأس مجتمع الدماغ. وقوله ﵎: (فأمه هاوية) لأن الكافر إذا دخل النار فصارت مأواه كانت أما له كالطفل الذي يأوي إلى أمه وكالبهائم التي لا تكون إلا مع الأمات. فجمع الأم في البهائم أمات، وفي الناس أمها. وأنشد:
لقد آليت أغدر في جَداع ... وإن منيت أمات الرباع
[بأن الغدر بالأقوام عار ... وأن المرء يجزأ بالكراع]
وقال آخرون: أمهات واحدتها أُمَّهَةٌ، وأنشدوا:
أمهتي خندف والياس أبي ... حيدة خالي ولقيط وعدي
وحاتم الطائي وهاب المئي
стр. 16
ويقال: إن المؤمن إذا فارق الدنيا التقى مع إخوانه [وجيرانه في حياته] فرحبوا به، وقيل: إنك أتيت من دار الشقاء فنعموه، فيقول: أين فلان؟ فيقال: فلان صار إلى أمه الهاوية. وقال الفراء: العرب تقول هذه أمي، وهذه أمٌ وأُمه، فمن أثبت الهاء في الواحد جمعه على أمهات.
ويقال: سميت فاتحة الكتاب لأنها تفتتح عند كل ركعة. قال ابن عرفة سمعت ثعلبا يقول: سميت الحمد المثاني لأنها تثنى في كل ركعة، وأنشد:
حلفت لها بطه والمثاني ... لقد درست كما درس الكتاب
قال: وحدثنا شعيب بن أيوب قال حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان عن ابن جريج عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: المثاني فاتحة الكتاب، وهي سبع آيات إحداهن بسم الله الرحمن الرحيم.
•ف "الحمد" رفع بالابتداء علامة رفعه ضم آخره. فإن قيل: لم رفع الابتداء؟ فقل: لأن الابتداء أول الكلام والرفع أول الإعراب فأتبع الأولُ الأولَ. وقرأ الحسن ورؤبة «الحمدِ للهِ» بكسر الدال، أتبعا الكسرَ الكسرَ؛ وذلك أن الدال مضمومة وبعدها لام الإضافة مكسورة، فكرهوا أن يخرجوا من ضم إلى كسر، [فأتبعوا الكسر الكسر]. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة «الحمد لله» بضم اللام أتبع
стр. 17
الضم الضم، كما أتبع أولئك الكسر الكسر، ويجوز في النحو الحمدَ لله بفتح الدال وقد رُويت عن الحسن أيضًا تجعله مصدرًا لحمدتُ أحمدُ حمدًا فأنا حامدٌ. ودخلت الألف واللام في المصدر تخصيصًا، كما تقول النجا النجا أي انج انج. قال الله ﵎: (فضرب الرقاب)، أي اضربوا. وقرأ عيسى بن عمر: (فصبرًا جميلاً) أي فاصبروا صبرا. قال الشاعر:
يشكو إلى جملي طول السُّرى ... صبرًا جميلاً فكلانا مبتلَى
وقال العَجَّاج:
أطربا وأنت قنسري ... والدهر بالإنسان دواري
أفني القرون وهو قعسري
أي أتطرب وأنت شيخ!. وهذه الوجوه الأربعة في الحمد وإن كانت سائغة في العربية، فإني سمعت ابن مجاهد يقول: لا يُقرأ بشيء من ذلك إلا بما عليه الناسُ في كل مصرٍ الحمدُ للهِ، بضم الدال وكسر اللام.
ومعنى الحمد لله: الشكر لله، وبينهما فصل؛ وذلك أن الشكر لا يكون إلا مكافأة كأن رجلا أحسن إليك فتقول: شكرت [له] فعله، ولا تقول حمدت له. والحمد الثناء على الرجل بشجاعة أو سخاء؛ فالشكر يوضع موضع الحمد والحمد لا يوضع موضع
стр. 18
الشكر، ويقال أحمدت الرجل إذا أصبته محمودًا. وحدثني ابن مجاهد عن السمري عن الفراء، قال: [يقال:] شكرت لك وشكرتك وشكرت بك [بالباء]، كما يقال كفرت بك؛ وهذا الأخير نادرٌ، والأولى [هي] اللغة الفصحى.
حدثنا محمد بن حفص قال حدثنا أحمد بن الضحاك، قال حدثنا نصر بن حماد قال حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت قال سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : "أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الحامدون الذين يحمدون الله في السراء والضراء". وقال أحد أصحاب رسول الله ﷺ : أفضل الدعاء الحمد لله؛ لأنه يجمع ثلاثة أشياء: ثناء على الله، وشكرًا، وذكرًا له.
• "لله": جر باللام الزائدة؛ لأن الأصل الله بلامين ثم دخلت لام الملك وتسمى لام التحقيق أي استحق الله الحمد؛ فاللام الأولى لامُ الملك، والثانيةُ دخلت مع الألف للتعريف، والثالثة لام سنخية؛ وذلك لأن الأصل لاه، قال الشاعر:
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني
أي تسوسني وتقهرني.
ولا تقوت عيالي يوم مسغبة ... ولا بنفسك في العزا تؤاسيني
стр. 19
ثم دخلت الألف واللام. ففي لله ثلاث لامات كما أخبرتك، غير أن الخط بلامين كراهية لاجتماع ثلاث صور. وذلك أن العرب لا تكاد تجمع بين صورتين حتى يدغموا، فكانوا للثلاثة أشد استثقالا. وعلامة جره كسرة الهاء. ولله خبر الابتداء. فإن قدمت أو أخرت فالإعراب والمعنى سواء، لله الحمد، والحمد لله؛ كمال قال الله تعالى:
(والأمر يومئذ لله) وقال في موضع آخر: (لله الأمر من قبل ومن بعد).
• "رَبِّ": جر نعت لله أو بدل منه. والرب في اللغة السيد والمالك. وشددت الباء لأنهما باءانِ من رببت. ورب اسم مشترك، يقال: [رب الضيعة و] رب الدار، ولا يقال الرب بالألف واللام إلا لله تعالى. ورب أيضًا مصدرٌ من قولك: رببت الشيء فأنا أربه ربًا. والعرب تقول: رببته وربَّبته وربيته بمعنى واحد؛ وأنشد:
ربيته حتى إذا تمعددا ... كان جزائي بالعصا أن أجلدا
[تمعدد: أي تشدد].
وقال الفراء: يقال رب ورب [بتشديد الباء وتخفيفها]؛ وأنشد:
وقد علم الأقوام أن ليس فوقه ... رب غير من يُعطي الحظوظ ويرزق
• "العالمين" جر بالإضافة، علامة جره الياء التي قبل النون. وفي الياء ثلاث علامات: علامة الجر، وعلامة الجمع، وعلامة التذكير، وفتحت النون لالتقاء
стр. 20
الساكنين، [وهما النون والياء، ونون الجمع إذا كان الجمع جمع سلامة على هجاءين مفتوحة أبدًا، ونون الاثنين مكسورة أبدًا للفرق بينهما]. والعالمين جمع واحدهم عالم، والعالم جمع أيضًا لا واحد له من لفظه، وواحده من غير لفظه رجل أو فرس أو امرأةٌ أو غير ذلك؛ قال الشاعر:
فخندف هامة هذا العالم
[وقال آخرون: العالم لا واحد من لفظه، ولا من غير لفظه؛ لأنه جمع لأشياء مختلفة. وحدثنا ابن مجاهد عن السمري عن الفراء قال: العالم يقع على الناس والملائكة والجن].
• "الرحمنِ": جرُّ صفةٌ لله تعالى.
• "الرحيم": جرُّ صفةٌ لله [ ]. فإن سأل سائل [فقال]: إذا جعلت بسم الله الرحمن الرحيم آية من أم الكتاب فما وجه التكرير؟ فالجواب في ذلك أن الآية إذا ذكرت مع الزيادة فائدة لم تسم تكريرا.
• "ملك يوم الدين": مالك جر نعت لله [علامة جره كسرة في آخره].
وفي ملك لغات أحسنها مَلِكٌ ومالِكٌ وقد رُويتا جميعًا عن النبي ﷺ ، وذلك أن أعربيا جاء إلى رسول الله ﷺ ، فشكا إليه امرأته، فقال:
إليكَ أشكو ذربة من الذرب ... يا مالك الملك وديان العرب
стр. 21
فقال النبي ﷺ : «ذلك الله». وقال أهل النحو: إن مَلِكا أمدحُ من مالِكٍ، وذلك أن المالِكَ قد يكون غير ملك، ولا يكون الملك إلا مالِكا. واللغة الثالثة مليك، ولم يقرأ به أحد لأنه يخالف المصحف ولا إمام له. وقال ابن الزبعري- والزبعري في اللغة الرجل السيء الخلق، والزبعري الكثير شعر الأذن، ويقال أذن زبعراة، وأذن مهوبرة كثيرة الشعر، وكذلك القِردُ الكثير الشعر يسمى هوبرًا:
يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور
إذ أجاري الشيطان في سنن الغي ومن مال ميله مثبور
والمثبور الهالك. والمثبور الناقص العقل من قوله: (وإني لأظنك يا فرعون مثبورا)
واللغة الرابعة مَلْكٌ مسكنة اللام تخفيفا، كما يقال في فَخِذٍ فَخْذٌ؛ وأنشد:
من مشيه في شعر يرجله ... تمشي الملك عليه حلله
وقرأ أبو هريرة: «مالِكَ يومِ الدينِ» على النداء المضاف أي يا مالكَ يومِ الدين. وقرأ أبو حيوة: «مَلِكُ يوم الدين». وقرأ أنس بن مالك: «مَلَكَ يومَ الدينِ».جعله فعلا ماضيًا. ويجوز في النحو مالك يوم الدين، [بالرفع] على معنى هو
стр. 22
مالك، ولا يقرأ به لأن القراءة سنة ولا تحمل على قياس العربية. وجمع الملك أملاك [وملوك]، وجمع المالك ملاَّك ومالكون.
•"يوم الدين": [يوم] جر بالإضافة. و «الدين» جر بإضافة اليوم إليه. فإذا جمعت [اليوم] قلت أيام، والأصل أيوام، قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء. والدين الحساب والجزاء؛ تقول العرب: "كما تدين تدان" أي كما تفعل يُفعَلُ بك؛ قال الشاعر:
واعلم وأيقن أن ملك زائل ... واعلم بأن كما تدين تُدانُ
فإن سأل سائلٌ فقال: الله ﵎ ملك الدنيا والآخرة، فلم قال" مَلِكِ يوم الدينِ"؟ فالجوابُ في ذلك أنَّ الدنيا قد مَلَّكها الله أقوامًا فنُسب الملك إليهم، فلما كانت الدنيا يملكُها الله تعالى، ويملكها غيره بالنسبة لا على الحقيقة، والآخرة لا يملكها إلا الله ﵎ ولا مالك في ذلك اليوم غيره، فخص لذلك. وقد قيل: إن الدنيا ملكها أربعة مؤمنان وكافران، فالمؤمنان سُليمان وذو القرنين، والكافران نُمرودُ وبختنصرُ.
والدين في اللغة أشياء، فالدين الجزاء وقد فسّرته، والدين الطاعة، كقوله: (في دين الملك) أي في طاعته؛ قال الشاعر:
стр. 23
لئن حللت بجو في بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك
والدين الملة، قال الله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام)، والدين العادة، قال الشاعر:
تقول إذا درأتُ لها وضيني ... أهذا دينه أبدا وديني
أكل الدهر حل وارتحال ... أما تُبْقى علي ولا تقيني
تقول العرب: ما زال ذاك دأبه وعادته وإجرياءه ممدودًا وإجرياه مقصورا وهجيراه وإهجيراه وديدنه وديدونه ودينه. فأما الدَّيْدَبُونُ في شعر ابن أَحْمَر فهو مثلُ الدَّدِ والدَّدنِ والدَّدَا أربع لغات؛ قال ابنُ أحمر:
خلوا طريق الديدبون فقد ... فات الصبا وتفاوت النجرُ
ويروى «الدندبون» بالنون.
• "إياك" ضمير المنصوب المخاطب كقولك: إياك كلمت، والثوب لبست، فإذا أضمرت قلت إياه لبست. ولا يكون إلا منفصلا إذا تقدم، فإذا تأخر قلت نعبدك ولا يجوز نعبد إياك، ولبسته ولا تقول لبست إياه؛ لأنك إذا قدرت على المتصل لم تأت بمنفصلٍ إلا أن يضطر شاعر، كما قال:
كأنا يوم قُرَّى إنـ ... ما نقتل إيانا
و [اللغة الجيدة ما] قال الآخر:
إياك أدعو فتقبل ملقي ... واغفر خطاياى وثمر ورقي
стр. 24
والوَرِقُ والوَرَقُ والوَُرْقُ والوِرْقُ كله الدراهم. ويقال للرجل أيضًا وراق أي كثير الدراهم. والورق (بفتح الراء) الصبيان الملاح، والورق قدر الدرهم من الدم على الثوب، والورق [ورق] الشجر، والورق [ورق] المصحف.
واختلف أهل النحو، فقال بعضهم: إياك بكماله ضمير المنصوب، وقال آخرون: الكاف في موضع خفض كما تقول إيا زيدٍ، واحتجوا بقول العرب: إذا بلغ الفتى ستين سنة فإياه وإيا الشواب.
• "نعبد" فعل مضارعٌ، علامة مضارعته النون، [وعلامة الرفع ضم آخره]. فإذا صرفته قلت عبد يعبد عبادة فهو عابد والله معبود. والعبادة في اللغة التذلل والخضوع. تقول العرب: أرض معبدة أي مذللة. وسميت الصحراء أم عبيد لأنها تذل من سلكها. وأما عبد يعبد فمعناه أنف يأنف؛ قال الشاعر:
وأعبد أن تهجى كليب بدارم
أي: آنف. وقال الله تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) [أي الآنفين].
стр. 25
• "وإياك" الواو حرف نسق ينسق آخر الكلام على أوله ويشركه في إعرابه اسما على اسم وفعلا على فعل وجملة على جملة. و «إياك» نسق بالواو على الأول.
• "نستعين" فعل مضارع. وإنما ارتفع [الفعل المضارع] لوقوعه موقع الاسم. وهو فعل معتل، والأصل فيه نستعون [على وزن] نستفعل من العون، [فاستثقلوا الكسرة على الواو فنقلت إلى العين] فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها لأنهم نقلوا كسرة الواو إلى العين فصار نستعين. [ومعنى] استعنت الله أي سألته أن يعينني على عبادته، واستغفرت الله أي سألته أن يغفر لي. والمغفرة في اللغة الستر.
• "اهدنا" [اهد] موقوف لأنه دعاء ولفظه لفظ الأمر سواء. والنون والألف اسم المتكلمين في موضع نصب، ولا علامة فيه لأنه مكنى. وسقطت الياء للدعاء. وهو عند الكوفيين مجزوم بلام مقدرة، والأصل لتهدنا ياربنا؛ كما قرأ رسول الله ﷺ : (فبذلك فلتفرحوا). والألف فيه ألف وصل لأنه من هدى يهدي هداية، والله هاد والعباد مهديون. فأما قوله: (ولكل قوم هاد) فمعناه داع يدعوهم إلى الله ﵎. وقال آخرون:
стр. 26
(إنما أنت منذر) يعني به النبي ﷺ ، (ولكل قوم هاد) قال هو محمد ﵇. وقيل: ولكل قوم هاد يعني الله ﵎، وقيل هاد داعٍ يدعوهم. الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله عن علي بن أبي طالب ﵇ في قوله: (ولكل قوم هاد) قال: أنا هو. وألف الوصل في الفعل الثلاثي تكون مكسورة في الأمر نحو إذهب، إضرب، إقض، إلا أن يكون ثالث المستقبل مضموما فتضم الألف كراهية أن تخرج من كسر إلى ضم، وذلك نحو أدخل، أخرج، أعبد. والأمر لمن دونك، والدعاء لمن أنت دونه. ويقال سألت أخي، أمرتُ غلامي، ودعوتُ ربي، وطلبت إلى الخليفة.
• "الصراط": منصوب مفعول ثان. تقول العرب: هديت زيدا الصراط وإلى الصراط وللصراط بمعنى واحد؛ كما قال ﵎: (الحمد لله الذي هدانا لهذا). وقال في موضع آخر: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم)، فكل ذلك جائز وقد نزل به القرآن. والصراط الطريق الواضح والمنهاج، وهو ها هنا عبارة عن دين الإسلام؛ إذ كان أجل الأديان وأوضح السبل إلى طريق الآخرة وإلى الجنة وإلى عبادة الله، قال جرير:
أمير المؤمنين على صراطٍ ... إذا اعوج الموارد مستقيم
وفي الصراط أربع لغات: السراط بالسين وهو الأصل، وبالصاد لمجئ الطاء بعدها وبالزاي الخالصة، وبإشمام الصاد الزاي، كل ذلك قد قرئ به؛ ومثله سندوق
стр. 27
وصندوق وزندوق. أخبرني ابن دريد عن أبي حاتم، قال: اختلف اثنان في السفر والصقر، فقال أحدهما بالسين، وقال الآخر بالصاد. فسألت أعرابيا، كيف تقول أبالصاد أم بالسين؟ فقال: أما أنا فأقول بالزاي. [وأنشد ابن دريد في مثله:
ولا تهييني الموماة أركبها ... إذا تجاوبت الأزداء بالسحر
أراد الأصداء، والصدي ذكر البوم، وصوت البوم، وعظام الميت إذا بلى، والعطش، والصدى أيضًا ما يجيبك في تهو أو صحراء ويسمى ابنة الجبل. ويقال: فلان صدى مال إذ كان حسن القيام عليه مثل ترعية مال. وعلامة نصبه فتحه الطاء، ولم تنونه لدخول الألف واللام]. وشددت الصاد بالإدغام فيها.
• "المستقيم": نصب نعت للصراط. [وذلك أن النعت يتبع المنعوت في إعرابه، ولا ينعت معرفة إلا بمعرفة ولا نكرة إلا بنكرة، فإن جئت بالنكرة بعد المعرفة نصبته على الحال، كقولك مررت بالصراط مستقيما، وهذا صراط ربك مستقيما، وهو الحق مصدقا]. والمستقيم مستفعل، وهو معتل، عين الفعل منه واوٌ، والأصلُ مستقومٌ، فاستثقلوا الكسرةَ على الواو فنقلت إلى القاف، فانقلبَت الواوُ ياءً لانكسار ما قبلها، فاعرفه. حدثني محمد بن أبي هاشم عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: سئل الحسن البصري عن الصراط المستقيم، فقال: هو والله أبو بكر وعمر وعثمان وعلي الحجة بعد النبي ﷺ ، وقال أبو العالية في قوله: (اهدنا
стр. 28
الصراط المستقيم) قال أبو بكر وعمر. فسئل الحسن عن ذلك، فقال: صدق أبو العالية ونصح.
• "صراط" نصب بدل من الأول، وذلك أن البدل يجري مجرى النعت بأن يجري على إعراب ما قبله، غير أن النعت لا يكون إلا فعلا أو مشتقا منه، والبدل لا يكون إلا اسما. وتبدل المعرفة من المعرفة، والنكرة من النكرة، والمعرفة من النكرة، والنكرة من المعرفة. [كل ذلك صوابٌ. ويبدل الجزءُ من الكل، والكلُ من الكل، وقد يأتي بدلٌ أخرُ يقال له بدلُ الغلط، كقولك مررتُ برجلٍ حمارٍ، أردتَ بحمارٍ فغلطت فقلت برجلٍ ثم ذكرت].
• "الذين" جرٌ بإضافة الصراط إليه، ولا علامة للجر فيه لأنه اسم ناقصٌ يحتاج إلى صلةٍ وعائد. وكل ما صلح أن يكون خبر الابتداء جاز أن يكون صلة الذي. ومن العرب من يقول جاءني الذون، ومررت بالذين فيعرب، أنشدني ابن مجاهد:
وبنو نويجية الذون هم ... معط مخدمة من الخزان
والخزان: جمع خزز، وهو ولد الأرنب. ومن العرب من يقول: جاءني اللاءون ومررت باللائين؛ وأنشد الفراء:
هم اللاءون فكوا الغل عني ... بمرو الشاهجان وهم جناحي
стр. 29
وشددت اللام لأنهما لامان، والأصل لذ مثل عم، ثم دخلت الألف واللام للتعريف، فالتشديد من أجل ذلك.
• "أنعمت": فعل ماض، والتاء اسم الله ﵎ وهو رفعٌ. [وكل تاء إذا خاطبتَ مذكرا مفتوحة، وللمؤنث مكسورة، وتاء النفس مضمومة، للفرق بينهن، وكلهن في موضع رفع]. والألف في أول «أنعمت» ألف قطع. فكل ألف ثبتت في الماضي وكان أول الفعل المستقبل مضموما نحو أكرم يكرم وأنعم ينعم، فهي مفتوحة في الأمر والماضي ومكسورة في المصدر. وألفات القطع ست شرحتها في كتاب الألفات. وإذا صرفت الفعل قلت أنعم ينعم إنعاما فهو منعم، والأمر أنعم، بقطع الألف وفتحها.
• "عليهم": «على» حرف جر، وتكتب بالياء لأن ألفها تصير مع المكني ياء نحو عليك وإليك ولديك، وهي مع المظهر ألف أعني لفظا، كقولك على زيد، وإلى زيد، ولدى زيد، ومن العرب من يقول جلست إلاك يعني إليك وعلاك درهم، يريدون عليك؛ حكى ذلك أبو زيد. قال الشاعر:
طاروا علاهن فطر علاها ... واشدد بمثنى حقب حقواها
وقد يكون «علا» فعلا ماضيا كقوله تعالى: (ولعلا بعضهم على بعض) تقول العرب: علا زيد الجبل، يعلو علوا، وعليت في المكارم أعلى علاء؛ وأنشد:
стр. 30
لما علا كعبك لي عليت ... ما بي غني عنك وإن غنيت
والهاء والميم جر بعلى. [ولا علامة للجر فيه لأنه مكني]. والذين أنعمت عليهم هم الأنبياء ﵈. والأصل في عليهِم عليهُم بضم الهاء وهي لغة رسول الله ﷺ ، وقد قرأ بذلك حمزة. ومن كسر الهاء كسرها لمجاورة الياء. [وأما أهل المدينة ومكة فيصلون الميم بواو في اللفظ فيقولون «عليهمو». قالوا: وعلامة الجمع الواو، كما كانت الألف في عليهما علامة للتثنية]. ومن حذف الواو فإنه حذفها اختصارا. وأجمع القراء على كسر الهاء في التثنية إذا قلت عليهما؛ [قال الله عزوجل (... يخافون أنعم الله عليهما)] إلا يعقوب الحضرمي فإنه ضم الهاء في التثنية كما ضمها في الجمع. [وقد ذكرت علة ذلك في كتاب القراءات]. حدثنا ابن مجاهد عن السمري عن الفراء قال: من العرب من يقول عليهما، فيضم الهاء في التثنية.
• "غير": نعت للذين، والتقدير صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب [عليهم] غير اليهود؛ لأنك إذا قلت مررت برجل صادق غير كاذب، فغير كاذب هو الصادق.
واعلم أن "غيرًا"، تكون صفة واستثناء. فإذا كانت صفة جرت على ما قبلها من الإعراب. تقول جاءني رجلٌ غيرك، ومررت برجل غيرك، ورأيت رجلاً
стр. 31
غيرك. فإذا كانت استثناء فتحت نفسها وخفضت [بها] ما بعدها، كقولك جاءني قومٌ غيرَ زيدٍ، وتقول عندي دِرهمٌ غيرُ زائفٍ على النعت، وعندي درهمٌ غيرَ دانقٍ؛ لأن المعنى إلا دانقًا. واعلم أنك إذا قلت مررت بغير واحد فمعناه بجماعة. و «غير» لا تكون عند المبرد إلا نكرة، وغير المبرد يقول: تكون معرفة في حال ونكرة في حال.
• "المغضوب": جر بغير، لأن الإضافة على ضربين: إضافة اسم إلى اسم، وإضافة حرف إلى اسم. والمغضوب عليهم النصارى.
فإن قال قائل: لم لم يجمع فيقول غير المغضوبين؟ فالجواب في ذلك أن الفعل إذا لم يستتر فيه الضمير كان موحدا، فالتقدير غير الذين غضب عليهم.
• "ولا": الواو حرف نسق، و «لا» قيل صلة والتقدير والضالين، وقيل «لا» تأكيد للجحد؛ وذلك أن «لا» لا تكون صلة إلا إذا تقدمها جحد، كقول الشاعر:
ما كان يرضى رسول الله فعلهم ... والطيبان أبو بكر ولا عمر
ويروى "دينهم". وأنشد أبو عبيدة:
فما ألوم البيض ألا تسخرا ... لما رأين الشمط القفندرا
والقفندر القصير الضخم القبيح المشية، والأقدر القصير [أيضًا]. ويجوز في «غير المغضوب» النصبُ على الحال من الهاء والميم في عليهم، ويجوز النصب ُ
стр. 32
على الاستثناء، وقد قرأ بذلك ابن كثير في رواية الخليل بن أحمد.
[وقوله]: "ولا" حرف نسق. و"الضالين" نسقٌ على المغضوب عليهم وهم اليهود والنصارى.
فإن سأل سائل: لم شددت اللام في الضالين؟ فقل هما لامان أدغمت الأولى في الثانية، ومدت الألف من الضالين لالتقاء الساكنين نحو دابة وشابة.
قرأ أيوب السختياني: «ولا الضأَلِّين» بالهمزة، فقيل لأيوب: لم همزت؟ قفال: إن المدة التي مددتموها أنتم لتحجزوا [بها] بين الساكنين هي هذه الهمزة [التي همزت]. أنشدني ابن مجاهد شاهدًا لذلك:
لقد رأيت يالقوي عجبا ... حمار قبان يسوق رنبا
خطامها زأمها أن تذهبا
أراد زامها فهمز.
فإذا فرغ القارئ من «ولا الضالين» استحب أن يقول «آمين»: اقتداء برسول الله ﷺ ، وبسنته؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك ويقول: «من وافق [تأمينه] تأمين الملائكة غفر له».
• "وآمين" فيه لغتان المد والقصر. قال الشاعر [في القصر]:
стр. 33
تباعد مني فطحل إذ دعوته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا
وقال آخر في مده:
صلى الإله على لوط وشيعته ... أبا عبيدة قل بالله آمينا
والأصل في أمين القصر، وإنما مد ليرتفع الصوت بالدعاء، كما قالوا آوه، والأصل أوهِ مقصورًا، والاختيار [أن تقول] أوه؛ وأنشد:
فأوه من الذكرى إذا ما ذكرتها ... ومن بعد أرض بيننا وسماء
وقال آخر في المد:
يارب لا تسلبني حبها أبدًا ... ويرحم الله عبدًا قال آمينا
ولا تشدد الميم [في آمين] فإنه خطأ، والعامة ربما فعلوا ذلك. فأما قوله (ولا آمين البيت الحرام) فالميم مشددة لأنه من أممت أي قصدتُ. وقرأ الأعمش: "ولا آمي البيت الحرام" بالإضافة. وقد سمعت محمد بن القاسم يقول: يقال أممتك، وتأممتك، ويممتك، وتيممتك، أربع لغات. وقرأ أبو صالح: "ولا تأمموا الخبيث". وقرأ مسلم بن جندب:" ولا تُيَمموا الخبيث". وكان معاذ بن جبل إذا قرأ خاتمة سورة البقرة (فانصرنا على القوم الكافرين) قال آمين.
стр. 34
ومعنى آمين: يا أمين أي يا ألله، فأمين اسم من أسماء الله. وقال آخرون: آمين معناه استجب لي يا الله. ويقال في معنى آمين: اللهم اغفر لي بسلا، كما نقول آمين. وكان عمر بن الخطاب ﵀ يقول آمين وبسلا. والبسل في [غير] هذا [الموضع] الحلال، والبسل الحرام، وهو من الأضداد. والبسل الرجل الشجاع، والبسالة الشجاعة، والبسلة (بالضم) أجرة الراقي. وأنشد:
هبت تلومك بعد وهن في الندى ... بسل عليك ملامتي وعتابي
وقال عدي:
وبسل أن أرى جارات بيتي ... يجعن وأن أرى أهلي شباعا
وقال في الحلال:
أيثبت ما زدتم وتمحى زيادتي ... يدى إن أسيغت هذه لكم بسل
ويقال: أفضل الدعاء يوم عرفة آمين. وقد سمى الله تعالى التأمين دعاء في كتابه، فقال تعالى لموسى وهارون ﵉: (قد أجيبت دعوتكما فاستقيما)، وإنما كان الداعي موسى فقط وهارون يؤمن على دعائه. فاعرف ذلك فإنه حسنٌ.
стр. 35
من سورة الطارق
•قوله تعالى: "والسماء" الواو حرف قسم. وحروف القسم أربعة [أعني] الأصول: الواو والباء والتاء والهمزة؛ كقولك: والله وبالله وتالله وآلله. و «السماء» جر بواو القسم. وإنما جرت الواو لأنها عوض من الباء، والتقدير أحلف بالسماء، ثم أسقطوا أحلف اختصارًا إذ كان المعنى مفهوما؛ كما ترى رجلا قد سدد سهما ثم تسمع صوت القرطاس فتقول: القرطاس والله، أي أصاب القرطاس.
فإن سأل سائل فقال: قد قال رسول الله ﷺ : «لا تحلفوا إلا بالله» فلم جاز الإقسام أن يقع بغير الله؟ فقل: التقدير ورب السماء، ورب الفجر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وفيه غير هذا مما قد بينته في مواضع.
واعلم أن القسم يحتاج إلى سبعة أشياء: حرف القسم، والمُقْسِمِ، والمقسم به، والمقسم عليه، والمقسم عنده، وزمان ومكان.
والسماء كل ما علاك. ولذلك سمي سقف البيت سماء؛ قال الله ﵎: (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة) أي من كان يظن من هؤلاء الكفار الحسدة لمحمد ﷺ أن لن ينصر الله محمدًا (فليمدد
стр. 36
بسبب) أي بحبل (إلى السماء) يعني إلى سقف البيت (ثم ليقطع) أي يختنق. (فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ).
• "والطارق": الواو حرف نسقٍ، و «الطارق» جر نسق بالواو على السماء. والطارق النجم، وإنما سمي طارقا لطلوعه ليلا، وكل من أتاك ليلا فقد طرقك، ولا يكون الطروق إلا بالليل؛ قالت هند:
نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
تعني أن أبانا كالنجم في شرفه وعلوه. يقال: طرق يطرق طروقا فهو طارق، ويقال للنجم الشاهد. قال أبو بصرة الغفاري: صلى بنا رسول الله ﷺ العصر، فلما انصرف، قال: «إن هذه الصلاة فرضت على من كان قبلكم فتوانوا فيها وتركوها، فمن صلاها منكم أضعف أجره مرتين ولا صلاة بعدها حتى يرى الشاهد». فبهذا الحديث احتج من جعل الوسطى صلاة العصر، وبقوله: «شغلونا عن صلاة الوسطى». ومن جعلها الغداة احتج أن ابن عباس صلى الغداة بالبصرة وقنت فيها، وقال: [قال الله :] (وقوموا لله قانتين). ومن جعل الوسطى الظهر قال: شدة الحر كانت تمنعهم عن الصلاة مع رسول الله ﷺ ، فقيل حافظوا على الصلوات، وقبلها صلاتان وبعدها كذلك. وأما قول العامة: نعوذ بالله من طوارق الليل والنهار فغلط؛ لأن الطروق لا يكون
стр. 37
إلا بالليل. والصواب أن يقال نعوذ بالله من طوارق الليل، وجوارح النهار؛ لأن العرب تقول طرقه إذا أتاه ليلاً، وجرحه إذا أتاه نهارًا. ويقال آبه [إذا] أتاه نهارًا، وجرحه وتأوبه مثله. وجعل الله ﵎ النجوم ثلاثة أصنافٍ، صنفٌ يُهتدى به، وصنفٌ مصابيح للسماء، وصنفٌ رجومٌ للشياطين. والطارق أيضًا أحد النجوم الأحد عشر التي رآها يوسف صلى الله عليه أنها نزلت من السماء وسجدت له؛ أعني قوله: (يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين). وجاء يهودي إلى النبي ﷺ ، فقال: أخبرني بأسماء الكواكب التي رآها يوسف ﵇؛ فقال: إن أخبرتك بأسمائها أتسلم؟ قال نعم. قال صلى الله عليه وآله: "الديال
стр. 38
والوثاب والطارق والفيلق والصبح والقابس، والضروح والخرثان والكتفان والعمودان وذو الفرع". قال صدقت يا محمد، ولم يسلم.
•"وما" الواو حرف نسق. و «ما» لفظه لفظ الاستفهام ومعناه التعجب. و «ما» لا صلة لها ها هنا، وكذلك إذا كانت شرطا أو تعجبًا. و «ما» تنقسم في كتاب الله تعالى وفي كلام العرب خمسة وعشرين قسما، قد أفردت لها كتابًا.
• "أدراك" فعل ماض، والألف ألف قطع؛ تقول أدري يدرى إدراء فهو مدر. والكاف اسم محمد صلى الله عليه، في موضع نصب. حدثني ابن مجاهد عن السمري عن الفراء قال: كل ما في كتاب الله وما أدراك فقد أدراه، وما يدريك فما أدراه [بعد]. وأما قراءة الحسن البصري التي حدثني أحمد عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد أن الحسن البصري قرأ «ولا أدرأكم به» بالهمزة، فقال النحويون غلط الحسن كما أن العرب تغلط في بعض ما لا يهمز فيهمزونه، يقولون حلأت السويق، وإنما هو حليت يشبهونه بحلأت الإبل إذا زجرتها عن الماء. ومعنى درى يدرى أي علم، وأدرى غيره أي أعلمه. فأما قول الشاعر:
فإن كنت لا أدري الظباء فإنني ... أدس لها تحت التراب الدواهيا
فمعناه أختل الظباء وأخدعها وأصيدها.
стр. 39
• "ما الطارق" «ما» تعجب في معني الاستفهام، وهو رفعٌ بالابتداء. والطارق خبره؛ والتقدير وما أدراك يا محمدُ أي شيء الطارق.
• "النجم" رفع بدل من الطارق. وقيل النجم ها هنا الثريا، فأما قوله (والنجم إذا هوى) فمعناه والقرآن إذا نزل. وأما قوله (والنجم والشجر يسجدان) فالنجم ما نجم من الأرض أي ظهر مما لا يقوم على ساقٍ. وقوله (وبالنجم هم يهتدون) يعني الجدى والفرقدين. ويسمى الجدى من الكواكب المنتصب.
• "الثاقب" رفع صفة للنجم. والثاقب المضيء. قال أبو عبيدة: تقول العرب أثقب نارك أي أضئها. وقال آخرون: النجم الثاقب العالي؛ يقال ثقب الطائر إذا علا في الهواء، وأسف إذا دنا من الأرض، ودوم إذا سكن جناحيه ليستقل.
إن كل نفس [لما عليها حافظ]: «إن» بمعنى ما، كقوله: (إن الكافرون إلا في غرور) (إن أنت إلا نذير)، معناه ما أنت إلا نذير، فإن بمعنى ما. وهو جواب القسم. وأجوبة القسم أربعة: إن، وما، واللام، ولا، فحرفان يوجبان وهما إن واللام، وحرفان ينفيان وهما ما ولا؛ كقولك: والله ما قام زيدٌ، ولقد قام زيد. و «كل» رفع بالابتداء. و «حافظ» خبره.
стр. 40
والتقدير إن كل نفسٍ إلا عليها حافظ. هذا في قراءة من قرأ «لما» بالتشديد وهي قراءة أهل الكوفة. ومن قرأ «لما» بالتخفيف فـ «ما» صلةٌ، والتقدير إن كل نفس لعليها حافظٌ.
• "فلينظر": الفاء حرف نسق، وتكون جوابًا لكلام متقدم. و «لينظر» مجزوم بلام الأمر، والأصل فلينظر بكسر اللام، كما قال الله تعالى (لينفق ذو سعة من سعته). وإنما أسكنت اللام لاتصالها بالفاء تخفيفا، وكذلك إذا تقدمتها واوٌ جاز الإسكان والكسر، وكذلك [ثم؛ كقوله: (ثم ليقطع)] (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم) كل ذلك صوابٌ، وقد قُرئ به، والكسر الأصل، والسكون عارض. فلو قرأ قارئ «فلينظر الإنسان» بكسر اللام لكان سائغًا في العربية، غير أنه لا يُقرأ به إذ لم يتقدم له إمام، والقراءة سنة يأخذها آخر عن أول ولا تحمل على قياس العربية. فإن سأل سائل: ما الفرق بين قوله (قل هو الله أحد) وبين (فلينظر الإنسان) وهما أمران؟ هلا حذفت اللام من فلينظر وأثبتها في قل؟ فالجواب في ذلك أن الأمر قد كثر في كلامهم للمواجه المخاطب وقل ذلك للغائب، فاستخفوا طرح اللام وحرف المضارع من الأمر للمخاطب وقالوا
следующие страницы →