← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 132385

الخطاب القرآني لأهل الكتاب وموقفهم منه قديما وحديثا

هود محمد أبو راس

Полный текст (316 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وهذا الخلق الذميم الذي تحدثت عنه هذه الآيات هو النفاق وإظهار خلاف ما يبطنون من الكفر بالقرآن وبالرسول, ووقوع الحسد منهم للمؤمنين, والحرص على إخراجهم من الدين الحق إلى الكفر والضلال, وهذا هو منهج الدعاة إلى النصرانية في عصرنا الحديث كما سيأتي بيانه (١). فهذه مجموعة من أنواع الخطاب القرآني لأهل الكتاب بالنظر إلى من خاطبهم.

стр. 37

المطلب الثاني: الأساليب المتنوعة التي خوطب بها أهل الكتاب, وفيه ستة فروع: ذكرنا في المطلب الأول أساليب خطابهم في القرآن الكريم باعتبار من يخاطبهم, وفي هذا المطلب نذكر فيه الألفاظ المتنوعة والأساليب المختلفة في خطابهم, وهي على النحو التالي: الفرع الأول: خطابهم بتوجيه النداء لهم . وقد جاء نداؤهم في القرآن الكريم بأوصاف مختلفة, وهي على النحو التالي: ١ - (أهل الكتاب) كقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١). والخطاب في هذه الآية يشمل اليهود والنصارى كما بينه أبو السعود (٢) بقوله: إنه خطاب للفريقين, على أن الكتاب جنس شامل للتوراة والإنجيل إثر بيان أحوالهما من الخيانة, وغيرها من فنون القبائح" (٣) , وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى, وهم أهل التوراة والإنجيل, وقد قال بهذا الواحدي (٤) ﵀ وصاحب تفسير الجلالين (٥) (٦).

стр. 38

٢ - (بني إسرائيل) ,كقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (١). ٣ - (الذين هادوا) ,كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢). ٤ - (الذين أوتوا الكتاب) ,كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (٣). والخطاب بالذين أوتوا الكتاب في هذه الآية هو لليهود, قال الطبري والمخاطب بهذه الآية: "اليهود من بني إسرائيل الذين كانوا حوالي مهاجر رسول الله ﷺ ", وقال بهذا أكثر المفسرين (٤). ٥ - (أيها الناس) ,كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (٥). قال

стр. 39

السعدي (١): " وقوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) أي: عربيكم وعجميكم, أهل الكتاب فيكم وغيرهم" (٢). وهذه الآية الكريمة فيها التصريح بأنه ﷺ رسول إلى جميع الناس, والخطاب فيها يشمل أهل الكتاب وغيرهم لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ (٣) وأن رسالته ﷺ تكون عامة ببلوغ هذا القرآن, لقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَىَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ (٤) (٥). قال ابن عطية (٦): "وهذه الآية خاصة لمحمد ﷺ بين الرسل فإن محمداً ﷺ بعث إلى الناس كافة وإلى الجن قاله الحسن (٧) , وتقتضيه الأحاديث, وكل نبي إنما بعث إلى فرقة دون العموم" (٨).

стр. 40

وفي هذه الآية دلالة واضحة أن من وصله خبر الرسول ﷺ من أهل الكتاب وغيرهم فقد وجب عليه الإيمان به, وقد أُقيمت عليه الحجة. لقوله ﷺ : ﴿وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيده لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ من هذه الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ ولم يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إلا كان من أَصْحَابِ النَّار﴾ (١). ٦ - نداؤهم بـ (بهؤلاء) ,كقوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). ومن بلاغة القرآن الكريم في خطابه لأهل الكتاب أنه خاطبهم بهؤلاء للإخبار عن حالهم, والهاء للتنبيه في موضع النداء يعني: يا هؤلاء والمراد بهم أهل الكتابين, يعني: يا معشر اليهود والنصارى" (٣). ونكتة الخطاب هنا باسم الإشارة (هؤلاء) كما قال الزمخشري (٤): "يعني: أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى, وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم حاججتم فيما لكم به علم مما نطق به التوراة والإنجيل, فَلِمَ تحاجون فيما ليس لكم به علم ولا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم؟ " (٥). وكقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ. .﴾ (٦).

стр. 41

قال أبو حيان (١): "فالمختار أن (أنتم) مبتدأ, و (هؤلاء) خبر, و (تقتلون) حال, وقد قالت العرب: ها أنت ذا قائماً, وها أنا ذا قائماً, وقالت أيضاً: هذا أنا قائماً, وها هو ذا قائماً, وإنما أخبر عن الضمير باسم الإشارة في اللفظ, وكأنه قال أنت الحاضر وأنا الحاضر وهو الحاضر, والمقصود من حيث المعنى الإخبار بالحال, ويدل على أن الجملة حال مجيئهم بالاسم المفرد منصوباً على الحال فيما قلناه من قولهم ها أنت ذا قائماً ونحوه" (٢). الفرع الثاني: مخاطبتهم بتوجيه الأوامر إليهم, وذلك على النحو التالي: ١ - الخطاب بفعل الأمر: كما في قوله تعالى: ﴿وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (٣). ٢ - الخطاب باسم فعل الأمر: ومنه خطابهم بـ (تعالوا) كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (٤). ومنه خطابهم باسم فعل الأمر (هَلُمَّ) كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (٥). الفرع الثالث: مخاطبتهم على سبيل الاستفهام, ويكون للإنكار أو للتعجب, ويأتي على النحو التالي: ١ - الاستفهام بالهمزة كما في الآيات التالية:

стр. 42

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٢). ٢ - الاستفهام بهل: كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٣). ٣ - الاستفهام بلم: كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤). وكقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ (٥). الفرع الرابع: مخاطبتهم على سبيل النهي . وقد جاء خطابهم في معرض النهي عن ممارسة بعض الأعمال في مواضع كثيرة, كقوله تعالى: ﴿ .. إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٦). قال الإمام الطبري: " والخطاب لعلماء اليهود وأحبارهم أي: لا تخشوا الناس في تنفيذ حكمي الذي حكمت به على عبادي، وإمضائه عليهم على ما أمرت، فإنهم لا يقدرون لكم على ضر ولا نفع إلا بإذني، ولا تكتموا الرجمَ الذي جعلته حُكمًا في التوراة على الزانيين المحصنين، ولكن اخشوني

стр. 43

دون كل أحدٍ من خلقي، فإن النفع والضر بيدي، وخافوا عقابي في كتمانكم ما استُحفِظتم من كتابي" (١). وقال ابن عاشور (٢): "إذ الحفيظ على الشيء الأمين حقّ الأمانة لا يخشى أحداً في القيام بوجه أمانته, ولكنَّه يخشى الِّذي استأمنه. فيجوز أن يكون الخطاب بقوله: (فلا تخشوا النِّاس) ليهود زمان نزول الآية، والفاء للتفريع عمِّا حكي عن فعل سلف الأنبياء والمؤمنين؛ ليكونوا قدوة لخلفهم من الفريقين، والجملة على هذا الوجه معترضة؛ ويجوز أن يكون الخطاب للنبيين والربِّانيَّين والأحبار فهيَ على تقدير القَول، أي قلنا لهم: فلا تخشوا النّاس. والتّفريع ناشئ عن مضمون قوله: (بما استحفظوا من كتاب الله)، لأنّ تمام الاستحفاظ يظهر في عدم المبالاة بالنّاس رضُوا أم سخطوا، وفي قصر الاعتداد على رضا الله تعالى" (٣). وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤). الفرع الخامس: الخطاب بأسلوب الشرط . ١ قال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (٥). وهذه الجملة الشرطية في الآية تتكون من خمسة شروط فالأول: هو إقامة الصلاة. والثاني: إيتاء الزكاة.

стр. 44

والثالث: الإيمان برسل الله جميعاً دون تفريق بينهم. والرابع: توقير الرسل. والخامس: الإقراض الحسن للرسل بتعظيمهم وإعانتهم ونصرتهم, أما تعزير الرسل وتوقيرهم فالمقصود به كما قال ابن الجوزي (١): أحدهما: أنه الإعانة والنصر قاله ابن عباس والحسن ومجاهد (٢) وقتادة (٣) والسدي (٤). والثاني: أنه التعظيم والتوقير قاله عطاء (٥) واليزيدي (٦) وأبو عبيدة (٧) وابن قتيبة (٨) " (٩) ولا فرق بين القولين في معنى تعزير الرسل فهما بمعنى واحد, أي: بإعانتهم ونصرتهم وتعظيمهم وتوقيرهم.

стр. 45

وأما الإقراض الحسن ففيه قولان كما قال ابن الجوزي: " أحدهما: أنه الزكاة الواجبة, والثاني: صدقة التطوع. وإذا فعلوا ما سبق فجواب الشرط والقسم هو قوله تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (١). ٢ وكقوله تعالى: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢). ٣ وكقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣). ٤ وكقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٤). الفرع السادس: الخطاب بدخول كاف الخطاب على أفعالٍ مضارعة . وهذه الصيغة من الخطاب القرآني "جاءت في آية واحدة فقط، إذ وردت في سياق الإخبار لهم على سبيل الإنكار عليهم؛ لأنهم ادَّعوا على الأنبياء ما لم يقولوا به؛ إذ كانوا ينهونهم عن عبادة غير الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنّبِيّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مّسْلِمُونَ﴾ (٥) (٦).

стр. 46

فتبين مما سبق في تعدد خطاب الله في القرآن لأهل الكتاب بالألفاظ المختلفة, والأساليب المتنوعة, أن القرآن الكريم قد حرص على حوار أهل الكتاب ودعوتهم إلى طريق الحق ودين الهدى, واتباع الرسول الخاتم الذي بشرهم به أنبياؤهم ووردت صفاته في كتبهم, وقد نِّوع لهم الخطاب بأساليب مختلفة إمعاناً في إقامة الحجة وإزالة الشبهة, وسنرى في المباحث القادمة كيف كان موقف أهل الكتاب من هذا الخطاب القرآني.

стр. 47

المبحث الثالث: التعريف بأهل الكتاب قديماً وحديثاً , وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: التعريف باليهود واليهودية لغة واصطلاحاً. الفرع الأول: التعريف باليهود لغة. الفرع الثاني: تعريف اليهود اصطلاحا. الفرع الثالث: سبب تسميتهم. الفرع الرابع: الألفاظ المتعددة والأوصاف المتنوعة في اليهود المذكورة في القرآن الكريم. المطلب الثاني: تعريف النصرانية. الفرع الأول: تعريف النصارى لغة. الفرع الثاني: تعريف النصارى اصطلاحاً. الفرع الثالث: سبب تسميتهم. الفرع الرابع: الألفاظ المتعددة والأوصاف المتنوعة في النصارى المذكورة في القرآن الكريم. المطلب الثالث: التعريف باليهود والنصارى حديثاً. الفرع الأول: اليهود حديثاً, وعددهم. أولاً: تقسيم اليهود من حيث الطبقات الاجتماعية. ثانياً: تقسيم اليهود على أساس ديني. ثالثاً: تقسيم اليهود باعتبار لغاتهم. الفرع الثاني: النصارى حديثاً, فرقهم, وعددهم. أولاً: فرقة الكاثوليك. ثانياً: فرقة الأرثوذكس. ثالثاً: فرقة البروتستانت.

стр. 48

المبحث الثالث: التعريف بأهل الكتاب قديماً وحديثاً, وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: التعريف باليهود واليهودية لغة واصطلاحاً: أما كلمة اليهودية حينما تطلق عموماً فيُقصد بها الديانة التي يدين بها اليهود, وكل من يدين بها, وينتسب إليها يدعى يهودي للذكر, ويهودية للأنثى, وأما تعريف اليهود فنأخذه من كلام أهل اللغة كما يلي: الفرع الأول: تعريف اليهود لغة: قال ابن فارس ﵀: "فأما اليَهود فمن هاد يَهُودُ إذا تاب هَوْدَاً. وسُمُّوا به لأنَّهم تابُوا عن عبادة العجل, وفي القرآن: ﴿إنَّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ (١) " (٢). وقال الجوهري (٣): "هود: هادَ يَهودُ هَوْداً: تابَ ورجع إلى الحقّ، فهو هائدٌ, وقومٌ هودٌ. قال أبو عبيدة: التهَوُّدُ: التوبة والعمل الصالح. ويقال أيضاً: هادَ وتَهَوَّدَ، إذا صار يهوديًّا. والهودُ: اليهودُ. وأرادوا باليهود اليهودِيِّينَ، ولكنهم حذفوا ياء الإضافة كما قالوا زنْجِيٌّ وزِنْجٌ. والتهويدُ: المشي الرُوَيْدُ، مثل الدبيبِ. وأصله من الهوادَةِ. والتهويدُ: أن يصيَّرَ الإنسان يهودِيًّا. وفي الحديث: ﴿فأبَواهُ يُهَوِّدانِه﴾ (٤). والهَوادةُ: الصلحُ والميلُ. والمُهاوَدَةُ: المصالحةُ والممايلةُ" (٥).

стр. 49

وفي المعجم الوسيط: "اليهودي واحد اليهود, والمنسوب إلى اليهود, واليهودية: ملة اليهود" (١).

стр. 50

الفرع الثاني: تعريف اليهود اصطلاحا: اليهود: " أهل كتاب سماوي منزل من الله على عبده ورسوله موسى ﵇ وهو التوراة" (١). وقال الشهرستاني (٢) ﵀: "هم أمة موسى ﵇ , وكتابهم التوراة, وهو أول كتاب نزل من السماء, أعني أن ما كان ينزل على إبراهيم وغيره من الأنبياء ﵈ ما كان يسمى كتاباً بل صحفاً, وقد ورد الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿إن الله تعالى خلق آدم بيده, وخلق جنة عدن بيده, (وكتب التوراة بيده) (٣)﴾ " (٤). وعرفها بعضهم: "اليهودية: هي ديانة العبرانيين المنحدرين من إبراهيم ﵇ والمعروفين بالأسباط من (بني إسرائيل) الذين أرسل الله إليهم موسى ﵇ مؤيداً بالتوراة ليكون لهم نبيًّا. واليهودية ديانة يبدو أنها منسوبة إلى يهود الشعب. وهذه بدورها قد اختلف في أصلها. وقد تكون نسبة إلى يهوذا أحد أبناء يعقوب, وعممت على الشعب على سبيل التغليب" (٥). وفي المعجم الوسيط: "اليهود: قوم من أصل سام, قيل إنهم سموا بذلك باسم يهوذا أحد أبناء يعقوب (﵇) " (٦). فتبين مما سبق أن كل من دخل في اليهودية وانتسب إليها فهو يهودي, سواء كان من نسل بني إسرائيل, أو كان من غيرهم ممن دخل فيها مؤخراً, لأن اليهود في هذه الأيام يقولون: اليهودي من كان من أبوين يهوديين, أما إذا كان على غير ذلك فلا, وهذا غير صحيح, فإن اليهودية ليست عرقاً, وإنما هي ديانة سماوية سابقة منسوخة, فمن أظهر الانتساب إليها فهو يهودي سواء كان أبواه يهوديين أو غير ذلك.

стр. 51

الفرع الثالث: سبب تسميتهم: وأما سبب تسميتهم فقد ذكر العلماء أسباباً كثيرة لتسميتهم بهذا الاسم, فقيل إنه نسبة للديانة, وقيل: نسبة ليهودية الشعب, وقيل: نسبة ليهوذا ابن يعقوب, وقيل: نسبة لكثرة رجوعهم وتقلبهم بين الأديان. قال الشهرستاني: "وإنما لزمهم هذا الاسم لقول موسى ﵇: ﴿إنَّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ (١) أي: رجعنا وتضرعنا" (٢). وقال البيضاوي (٣): " تهودوا: يقال هاد وتهود إذا دخل في اليهودية. ويهود إما عربي من هاد إذا تاب, سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل, وإما معرب (يهوذا) وكأنهم سموا باسم أكبر أولاد يعقوب ﵇ " (٤). وذكر الثعلبي (٥): " عن أبي عمرو بن العلاء (٦) أنه قال: سميت اليهود لأنهم يتهودون, أي: يتحركون عند قراءة التوراة. وقال بعضهم: سموا بذلك لأنهم مالوا عن دين الإسلام وعن دين موسى" (٧).

стр. 52

وقال النووي (١) ﵀ نقلاً عن الواحدي قوله: "وقال ابن الأعرابي (٢): يقال: هاد إذا رجع من خير إلى شر ومن شر إلى خير, وسمي اليهود بذلك لتخليطهم وكثرة انتقالهم من مذاهبهم. ويقال: هاد إذا دخل في اليهودية, وتهود إذا تشبه بهم ودخل في دينهم, وهودّ إذا دعي إلى اليهودية, ومنه الحديث: ﴿فأبواه يهودانه﴾ هذا آخر كلام الواحدي" (٣). وهذا الكلام لم أجده في كتب الواحدي, فلعل الإمام النووي ﵀ نقله عن الواحدي بالمعنى. الفرع الرابع: الألفاظ المتعددة والأوصاف المتنوعة في اليهود المذكورة في القرآن الكريم: فقد ورد ذكر اليهود في القرآن الكريم بألفاظ متعددة وأوصاف متنوعة على النحو التالي: ١ - (أهل الكتاب) إحدى وثلاثين مرة, ويدخل في هذه المواضع اليهود والنصارى. أما اليهود فكقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ (٤). ٢ - (يا بني إسرائيل) وردت أربعين مرة, وهي لليهود والنصارى, فأما ما أريد به اليهود, فكقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ (٥). ٣ - وورد ذكر لفظ (اليهود) اثنتين وعشرين مرة, قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ﴾ (٦).

стр. 53

٤ - وورد ذكرهم بلفظ (هوداً) ثلاث مرات (١) كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢). ٥ - وورد ذكر (الذين هادوا) عشر مرات, كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣). ٦ - وورد ذكرهم بلفظ (يهودياً) مرة واحدة, وهي في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤). ٧ - وورد ذكرهم بلفظ (هدنا) مرة واحدة, وهي في قوله تعالى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٥). ٨ - ووردت إضافتهم إلى سيدنا موسى ﵇ بـ (قوم موسى) ثلاث مرات, كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (٦). ويطلق عليهم في هذه الأيام الصهاينة (٧) , والعبرانيين, وهم يسمون أنفسهم أيضاً شعب الله المختار, أو الشعب المقدَّس (٨)., وكتابهم الذي أنزل عليهم هو التوراة.

стр. 54

المطلب الثاني: تعريف النصرانية . الفرع الأول: تعريف النصارى لغة . قال الإمام الجوهري: "والنَصارى: جمع نَصرانٍ ونَصْرانةٍ، مثل الندامى جمع نَدْمانٍ ونَدْمانةٍ. ولكن لم يستعمل نَصْرانٌ إلا بياء النسب، لأنَّهم قالوا: رجلٌ نَصْرانيٌّ وامرأةٌ نَصرانيَّةٌ. ونَصَّرَهُ: جعله نَصْرانِيًّا, وفي الحديث: ﴿فأبواه يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانه﴾ (١) " (٢). وقال ابن سيده: "ويُقال: أنْصَارٌ وأَنَاصِيْرُ. والتَنَصرُ: الدخوْلُ في النَصْرَانِيةِ، وهم يُنْسَبُونَ إلى قَرْيَةٍ يُقال لها نَصُوْرِيَّةُ. ونَصْرَانَة: في مَعْنى نَصْرَانِيَّةٍ" (٣). وفي معجم لغة الفقهاء: "والنصراني: بفتح فسكون مفرد وجمعه نصارى، نسبة إلى نصران أو الناصرة, وهي قرية في الخليل من فلسطين بلد عيسى المسيح ﵇ " (٤). فتبين من التعريف اللغوي أن اسم النصارى نسبة إلى بلدة نصران أو الناصرة, وهي القرية التي ولد فيها عيسى ﵇. الفرع الثاني: تعريف النصارى اصطلاحاً . وأما النصارى في الاصطلاح فهم كما قال الشهرستاني: " أمة المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ﵇ , وهو المبعوث حقاً بعد موسى ﵇ المبشر به في التوراة " (٥).

стр. 55

والديانة النصرانية: "هي الدين الذي انحرف عن الرسالة التي أُنزلت على عيسى ﵇ مكمِّلة لرسالة موسى ﵇، ومتممة لما جاء في التوراة من تعاليم، موجهة إلى بني إسرائيل، داعية إلى التوحيد والفضيلة والتسامح، ولكنها جوبهت بمقاومة واضطهاد شديد، فسرعان ما فقدت أصولها، مما ساعد على امتداد يد التحريف إليها، فابتعدت كثيراً عن أصولها الأولى؛ لامتزاجها بمعتقدات وفلسفات وثنية. وقيل: هي رسالة أنزلها الله تعالى على عبده ورسوله عيسى ابن مريم ﵇ إلى بني إسرائيل بعد أن انحرفوا وزاغوا عن شريعة موسى ﵇، وغلبت عليهم النزعات المادية, وافترقوا بسبب ذلك إلى فرق شتى" (١). فتبين من التعريف الاصطلاحي أن النصارى هم الذين ينتسبون إلى نبي الله عيسى ﵇ , وأن رسالته كانت مصدقة ومتممة لرسالة موسى ﵇ , ومبشرة برسالة خاتم الأنبياء محمد ﷺ . الفرع الثالث: سبب تسميتهم . قال ابن سيده: " وهم ينسبون إلى قرية يقال لها نَصُوْرِيَّةُ" (٢). وتقدم في معجم لغة الفقهاء أن تسميتهم بذلك نسبة إلى نصران أو الناصرة, وذكر أنها قرية في الخليل من فلسطين. وقال الألوسي (٣): " وسموا بذلك نصارى كونهم أنصار الله تعالى وهو وجه مشهور, وقيل: نسبة إلى بلدة تسمى الناصرة أو نصورية ونسبوا إليها. (٤). وقيل: "الناصرة (Al Nasira)، أوناصرة (Nasirat) في العبرانية الحديثة، أو Nazareth في اللغات الأوربية، هي مدينة في شمال فلسطين (٥)، واقعة في منخفض هلالي الشكل، محاط بالجبال،

стр. 56

على ارتفاع ٤٨٨ م عن سطح البحر, وهي مذ عرفت في التاريخ لم يتغير اسمها، ولا تزال تدعى إلى يومنا هذا الناصرة. ويعتقد معظم الكتاب العرب أن لفظ (النصارى) منسوب إلى المدينة نفسها, والناصرة مدينة مقدسة عند المسيحيين بوصفها مدينة مخلصهم وكعبة حجهم، وموطن السيدة العذراء، وموئل بشارتها، ومكان إقامة السيد المسيح (١). تبين مما ذكرنا سابقاً أن تسميتهم نسبة إلى نصورية أونصران أوالناصرة, وكلها أسماء لمسمى واحد, وهي القرية التي ولد فيها السيد المسيح, ولأن سيدنا عيسى ﵇ عندما دعاهم قال: ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ﴾ (٢) ومع أنهم ادعوا أنهم نصروا سيدنا عيسى ﵇ بألسنتهم, فإنهم لم يؤيدوا هذه الدعوى بأفعالهم, كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (٣). الفرع الرابع: الألفاظ المتعددة والأوصاف المتنوعة في النصارى المذكورة في القرآن الكريم . ١ - فورد ذكرهم بوصف (أهل الكتاب) إحدى وثلاثين مرة, وهي لليهود والنصارى أما النصارى كقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ .. ﴾ (٤). ٢ - وورد ذكر لفظ (النصارى) أربع عشرة مرة, كقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٥).

стр. 57

٣ - وورد بلفظ (بني إسرائيل) أربعين مرة, وهي لليهود والنصارى, أما النصارى كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (١). ٤ - وورد ذكرهم بوصف (أهل الإنجيل) مرة واحدة, وهي قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢). ٥ - وورد ذكرهم بلفظ (نصرانياً) مرة واحدة, وهي قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣). ويطلق عليهم في هذه الأيام المبشرون, أو المنصرون, وكتابهم ألذي أنزل عليهم قبل هو الإنجيل. المطلب الثالث: التعريف باليهود والنصارى حديثاً . تمهيد: لاشك أن التعريف باليهود والنصارى الموجودين في عصرنا الحديث من الأمور المهمة التي ينبغي أن يتناولها هذا البحث؛ لأنه أساساً يستهدف دراسة الخطاب القرآني لأهل الكتاب وموقفهم منه قديماً وحديثاً, ويدخل في هذا الخطاب الموجودون في عصرنا هذا, والذي تربطهم ببلاد المسلمين علاقات سياسية واقتصادية وفكرية. وقد تقدم التعريف باليهود والنصارى ونسبتهم, وسبب تسميتهم, ومن أُرسل إليهم, والكتب السماوية التي نزلت عليهم في المباحث السابقة, وفي هذا المبحث نلقي الضوء على هاتين الفرقتين في عصرنا الحديث, بحيث نضع معالم بارزة تعرِّف بهم, وتعطي تصوراً أكثر وضوحاً عن مدى ثقلهم ومشاريعهم التآمرية التدميرية في العالم عموماً, وفي عالم الإسلام على وجه الخصوص. فقد ذكر سيد قطب ﵀ (٤) جزءاً من تاريخ وأفعال أهل الكتاب عموماً اليهود والنصارى على مدى التاريخ وفي عصرنا الحديث فقال: "فأهل الكتاب هؤلاء هم الذين كانوا يقولون للذين

стр. 58

كفروا من المشركين كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (١). وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين ألبَّوا المشركين على الجماعة المسلمة في المدينة، وكانوا لهم درعاً وردءاً, وأهل الكتاب هم الذين شنوا الحروب الصليبية خلال مائتي عام، وهم الذين ارتكبوا فظائع الأندلس، وهم الذي شردوا العرب المسلمين في فلسطين، وأحلوا اليهود محلهم، متعاونين في هذا مع الإلحاد والمادية! وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين يشردون المسلمين في كل مكان ... في الحبشة والصومال وأريتريا والجزائر، ويتعاونون في هذا التشريد مع قوى الإلحاد والمادية والوثنية، وفي يوغسلافيا والصين والتركستان والهند، وفي كل مكان" (٢) وكذلك هم الذين قاموا باحتلال أفغانستان عام ٢٠٠١ م, والعراق عام ٢٠٠٣ م, وقتلوا, ودمروا, وهدموا, وأمطروا سماء بغداد في العراق بالقنابل الفوسفورية والعنقودية, وقتلوا من أبناء المسلمين أكثر من مليون مسلم, وهم الذين قتَّلوا ودمَّروا وهدموا المنازل في لبنان في تموز ٢٠٠٦ م, وهم الذين قتلوا ودمروا وهدموا كذلك في فلسطين على مدى أكثر من نصف قرن, وآخرها عام ٢٠٠٩ م وأمطروا غزة بالقنابل الفسفورية والعنقودية, دون تفريق بين صغير وكبير وشيخ وامرأة, وفرضوا عليهم الحصار الخانق حتى مات منهم المئات, وقاموا بقتل من أرادوا أن ينقذوا الأطفال والشيوخ بمساعدتهم بالدواء والغذاء في غزة, وحاربوا كل من أراد أن يقوم بفك هذا الحصار الظالم كما حصل لأسطول الحرية الذي قامت به تركيا, وبمشاركة أكثر من خمسين دولة عام ٢٠١٠ م, وهم الذين شنوا الحرب الصليبية ضد المسلمين كما أعلنه مجرم الحرب بوش الابن (٣) , وصدق الله القائل: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ... ﴾ (٤).

стр. 59

والتعبير بقوله: (لايزالون) يفيد الاستمرار في الصد والقتال ليردوا المؤمنين وليخرجوهم عن دينهم, وهذا هو تاريخ اليهود والنصارى في كل زمانٍ ومكان, ويؤكد ذلك مؤتمرات التنصير في أمريكا وفي سويسرا في القرن العشرين, والتي تحمل شعار تنصير العالم, والجهة المنفذة لهذا هي جمعيات صموئيل زويمر (١). وبسب ما لأهل الكتاب من أدوار في عصرنا الحديث, وما لهم من نفوذ وتأثير فإن التعريف بهم أمر متشعب النواحي, ولكننا سنقتصر بذكر نبذة تعريفية مختصرة عن اليهود والنصارى في العصر الحديث على النحو التالي: الفرع الأول: اليهود حديثاً, وعددهم . إن التعريف باليهود لغة واصطلاحاً قد تحدثنا عنه في المباحث السابقة, وبقي هنا أن نعرَِّف باليهود حديثاً, ويستدعي ذلك الكلام عنهم بعدة اعتبارات, ولكنه أمر سيطول الحديث عنه, لكننا سنتحدث عن أهم فرق اليهود الموجودة حديثاً, وأما عدد اليهود في العالم فيقدر بخمسة عشر مليون يهودي (٢). واليهود لهم فرق مشهورة قديماً, وتلك الفرق لها أفكار ومبادئ وأسس تأثرت بها الفرق اليهودية حديثاً, ويمكننا أن نتناولها على النحو التالي:

стр. 60

أولاً: تقسيم اليهود من حيث الطبقات الاجتماعية . وكما أنه يوجد تفكك اجتماعي وطبقي وعنصري داخل المجتمع اليهودي فلهم تقسيم آخر داخل مجتمعهم فليس كل اليهود في مرتبة واحدة فهم ينقسمون إلى ما يلي: " ١ - يهود من الدرجة الأولى: وهم اليهود الغربيين الذين نزحوا من أوروبا الغربية، ومن أمريكا ومن غيرها, ويسمونهم الإيشكانزم (١) , وهي مشتقة من كلمة إشكناز أي: يهود غربيون, ويقصد باليهود الغربيون حديثاً هم: " اليهود الذين هاجروا من العالم الغربي إلى إسرائيل (دولة الكيان الصهيوني) , ولما كانت أغلبيتهم من الإشكناز، أي من يهود بولندا ذوي الأصول الألمانية، فإن مصطلح (اليهود الغربيون) أصبح مرادفاً لمصطلح الإشكناز. يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري (٢): ومصطلح (اليهود الغربيون) يظل مقابل (اليهود الشرقيون)؛ لأنه هو المصطلح الأدق والأشمل؛ ولأنه يشير إلى الانتماء العرْقي والحضاري والإثني (٣) لهؤلاء اليهود.

стр. 61

٢ - يهود من الدرجة الثانية: وهم من أوروبا الشرقية ويسمونهم: اسفادرم (وهي مشتقة من كلمة سفارد أي: يهود شرقيون) , وهؤلاء يشملون يهود الشرق والعالم الإسلامي والعربي، والجماعات اليهودية المتفرقة, واليهود الشرقيون هم: "أولئك اليهود الذين اتجهوا، عندما غادروا فلسطين قديماً، إلى العراق وإيران وأفغانستان وشبه الجزيرة العربية ومصر وبلدان شمال أفريقيا، وعلى يهود القوزاق (يهود جورجيا والجبال) , ولكنه يشير الآن، في التجمع الاستيطاني الصهيوني، إلى اليهود الذين لا ينحدرون من أصل غربي، وقد أصبح لفظ سفارد مرادف للفظ شرقيين؛ لأن معظم اليهود الشرقيين، في البلاد العربية على وجه الخصوص، يتبعون التقاليد السفاردية (١) في العبادة, ولكن مصطلح سفارد غير دقيق، فبعض اليهود الغربيين في هولندا وإنجلترا وإيطاليا من السفارد" (٢). وأما اليهود الشرقيون العرب: فهم الذين عاشوا في البلدان العربية، ويتمتعون بحق المواطنة, وقد أُجبروا على الهجرة إلى إسرائيل (دولة الكيان الصهيوني)، من خلال ما كان يدبره الموساد الإسرائيلي، من افتعال أزمات لإرغامهم على المغادرة، وبقي جزء منهم في البلدان العربية إلى الآن" (٣). ٣ - يهود من الدرجة الثالثة: وهم اليهود القادمون من أفريقيا ومن بعض الدول العربية، وهم دون سابقيهم في الطبقة" (٤). ولكننا ننبه هنا على أنه" لا يوجد اختلاف جوهري بين السفارد والإشكناز اليهود الشرقيين والغربيين في العقائد، فكلهم يعتبر أن التلمود البابلي هو المرجع النهائي" (٥)

стр. 62

وكل هذه الطبقات لها توجهات وثقافات متباينة في هذا العصر على النحو التالي: أ- المتحرَّرون: وأغلبهم من يهود الغرب، ومهمتهم تنفيذ ما جاء في بروتوكولات حكماء صهيون، بهدف السيطرة على العالم اقتصادياً وسياسياً، بحيث يتحكمون بالأمة، ويضعون الدساتير ويرسمون السياسات، ويُنصَّبون مَلِكاً من أنفسهم، يأمر فيُطاع، ويكون بمثابة الإله على الأرض، فيُصبح اليهود أسياداً, وبقية خلق الله بلا استثناء يكونون عبيداً لهم (١). ب- العلمانيون: وأغلبهم من يهود الشرق الأوروبي، ومهمتهم هي تنفيذ أهداف الحركة الصهيونية السياسية، التي تلفّعت بالدين اليهودي، من أجل تحقيق أهدافها السياسية، بإيجاد غيتو (٢) قومي لليهود في فلسطين، لرفع الاضطهاد والذل الذي لازمهم طيلة حياتهم، ولإيجاد موطئ قدم لهم، فنوائب الدهر الغربية غير مضمونه، فربما ينقلبون عليهم يوماً ما ويطردونهم، وهم الذين يشكّلون الأحزاب العلمانية في الدولة اليهودية. ج- المتدينون: وأغلبهم من يهود الشرق بما فيهم يهود البلاد العربية، وظهرت منهم حركات دينية متطرفة كثيرة، ومهمتهم هي تنفيذ الوصايا التوراتية، التي خطِّها أحبارهم القدماء على شكل نبوءات، وتتلخص في استلاب الأراضي، وتهجير السكان الوثنيين، والاستيطان، وهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل، تمهيداً كما يزعمون للملك اليهودي الداودي القادم، الذي سيأتي من ربوات القدس، ليحكم العالم إلى الأبد، فينتشر الحق والعدل والسلام اليهودي في الأرض، وهم الذين يشكّلون الأحزاب الدينية المتطرّفة.

стр. 63

وكل هذه الأصناف اليهودية في الحقية ليست إلا وجوهاً عديدة لعملة واحدة، هي التوراة والتلمود اللتين تعتبران أخطر وثيقتين على مستقبل البشرية والعالم، لذلك احتل التحذير من اليهود واليهودية مساحة واسعة من قرآننا العظيم (١).

стр. 64

ثانياً: تقسيم اليهود على أساس ديني . وقد انقسم اليهود على أساس ديني إلى: (إصلاحي محافظ أرثوذكسي) , وهذا هو محل الشاهد في بحثنا, فاليهود في عصرنا الحديث ينقسمون إلى ثلاث فرق مشهورة سنتكلم عنها بصورة مختصرة وهي على النحو التالي: أ- اليهودية الأرثوذكسية: فرقة دينية يهودية حديثة ظهرت في أوائل القرن التاسع عشر، وجاءت كرد فعل للتيارات التنويرية والإصلاحية بين اليهود, ومصطلح أرثوذكس مصطلح مسيحي يعني: (الاعتقاد الصحيح) , وهذه الجماعة يعتبرها اليهود بـ (الأصولية اليهودية)؛ لأنها تطبق داخل الدولة الصهيونية, باعتبارها الجماعة المتمسكة. " واليهودية الأرثوذكسية هي الامتداد الحقيقي لليهودية الحاخامية التلمودية أو جذور الفرقة الفريسية, وهذه الفرقة هي التي حفظت اليهود من الذوبان والانكماش بمحافظتها على شيء من التراث المحرف, وإذا أطلق داخل إسرائيل كلمة يهودي متدين فالمقصود به يهودي أرثوذكسي, ولا تعترف إسرائيل رسمياً إلا بهم, وهم أقوى فرقة أرثوذكسية يهودية في العالم, وهي المتواجدة في إسرائيل، وقوتها لا لكثرة أفرادها أو لتمسكهم العنيد بالتوراة والتلمود وحذافير قوانينها؛ وإنما لتمتعهم بالدعم السياسي والحكومي للدولة, فالدولة الإسرائيلية, لا تعترف بأية ملة سوى الملة الأرثوذكسية, وقد أضحى رواد هذه الجماعة يشكلون دعاة (التيار الأرثوذكسي)، الذي أمسى يشكل أحد التيارات الرئيسية في الديانة اليهودية في العصر الحديث, وقد اعتبروا أنفسهم أوصياء على التوراة, وأمناء على تعاليمها, وحملة الديانة اليهودية الصحيحة (١). فتبين مما سبق أن اليهودية الأرثوذكسية هي أهم الفرق اليهودية الحديثة التي لها التأثير المباشر على اليهود في قراراتهم, وفي سياساتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم؛ كونها الحاكمة لدولة الكيان الصهيوني. ب- اليهودية الإصلاحية: هي فرقة دينية يهودية حديثة ظهرت في منتصف القرن التاسع عشر في ألمانيا، وانتشرت منها إلى بقية أنحاء العالم، وخصوصاً الولايات المتحدة, وتُسمَّى أيضاً (اليهودية الليبرالية) و (اليهودية التقدمية). وهذه المصطلحات ليست مترادفة تماماً، إذ قد يُستخدَم أحياناً مصطلح (اليهودية

стр. 65

الليبرالية) للإشارة إلى اليهودية الإصلاحية التي حاولت أن تحتفظ بشيء من التراث. كما استُخدم المصطلح نفسه للإشارة إلى حركة دينية أسسها كلود مونتفيوري في إنجلترا عام ١٩٠١ م وكانت متطرفة في محاولاتها الإصلاحية, أما مصطلح (اليهودية التقدمية) فهو مصطلح عام يشير إلى التيارات الإصلاحية كافة (١). واليهود المحافظون والإصلاحيون هم الذين طوروا بعض الممارسات والشعائر الدينية اليهودية, ويمثلهم يهود أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية" (٢). فتبين من خلال ما سبق أن الحركة الإصلاحية تسعى سعيها الدؤوب لتعديل نصوص الكتاب المقدس بما يلائم قيم المجتمعات الأوربية الحديثة. ج- اليهودية المحافظة: وهي فرقة دينية يهودية حديثة نشأت في الولايات المتحدة أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كمحاولة من جانب اليهودية للاستجابة لوضع اليهود في العصر الحديث في العالم الجديد, وهي أهم وأكبر حركة دينية يهودية في العالم، وأهم مفكريها (سولومون شختر) ولكن جذور الحركة تعود إلى ما يُسمَّى بـ (علم اليهودية) وأقطابها هم: نحمان كروكمال، وزكريا فرانكل، وهنريش جرايتس، وسولومون رابوبورت، وكلهم من المفكرين اليهود الأوربيين في القرن التاسع عشر. واليهودية المحافظة جزء من الفكر الرومانسي الغربي، وخصوصاً الألماني, وهي ليست مدرسة فكرية ولا حتى فرقة دينية محددة المعالم بقدر ما هي اتجاه ديني عام وإطار تنظيمي يضم أبرشيات وحاخامات، يسمون أنفسهم (محافظين)، ويسميهم الآخرون كذلك. فالمفكرون المحافظون يختلفون فيما بينهم حول أمور مبدئية مثل الوحي وفكرة الإله، كما يختلفون بشأن الأمور الشعائرية، ولم ينجحوا في التوصل إلى برنامج محدَّد موحَّد, وهم يرفضون ذلك بحجة أنهم ورثة اليهودية الحاخامية ككل، وبالتالي فلابد أن تُترَك الأمور لتتطور بشكل عضوي طبيعي. وفكرة التطور العضوي من الداخل إحدى الأفكار الرومانسية الأساسية, ومع هذا، فإن ثمة أفكاراً أساسية تربط أعضاء هذه الفرقة التي تُشكِّل على مستوى من المستويات ردة فعل لليهودية الإصلاحية أكثر من كونها ردة فعل لليهودية الأرثوذكسية, فقد اكتسحت اليهودية الإصلاحية يهود الولايات المتحدة ابتداءً من منتصف القرن التاسع, حتى أنه مع

стр. 66

حلول عام ١٨٨١ م كانت كل المعابد اليهودية (البالغ عددها مائتي معبد) معابد إصلاحية باستثناء اثني عشر معبداً, وقد اتخذ مؤتمر بتسبرج عام ١٨٨٥ م قراراته الإصلاحية الشاملة التي أعلن فيها أن كثيراً من الطقوس اليهودية، ومن ذلك الطقوس الخاصة بالطعام، مسائل نسبية يمكن الاستغناء عنها. (١) , ويرى المحافظون أن هناك إمكانية لإدخال بعض التغييرات على القانون الديني في ضوء حاجات الشعب اليهودي الحالية، كما أن الأرثوذكس يعارضون دائماً مثل هذه التغييرات" (٢) ثالثاً: تقسيم اليهود باعتبار لغاتهم . وأما أقسام اليهود باعتبار لغاتهم فقد انقسموا على النحو التالي: القسم الأول: وهم "جماعة تتحدث العبرية في إسرائيل, ليس لها سوى علاقة واهية بالعقيدة اليهودية أو التاريخ اليهودي (أي تواريخ الجماعات اليهودية) وتعتمد في وجودها على حكومة الولايات المتحدة, وتَوجهها إلى التوجه الحضاري الاستهلاكي المتأمرك. ويمكن أن نستخدم هنا اصطلاح جورج فريدمان للإشارة إلى الإسرائيليين حيث اعتبرهم (أغياراً يتحدثون العبرية). القسم الثاني: وهم جماعة يهودية في الولايات المتحدة (تتحدث الانجليزية) وتنقسم بدورها إلى قسمين: أ) قلة صغيرة متمسكة بتعاليم الدين اليهودي وتحاول قدر استطاعتها أن تنفذ تعاليمه, وتفهم شعائره. ب) أغلبية باهتة الهوية, لا تمارس الشعائر الدينية, وإنما تقيم بعضها باعتبارها شكلاً من أشكال الفلكلور أي: (التراث) والهوية الإثنية، وهي تحاول رغم تزايد معدلات أمركتها أن تحافظ على بقايا الموروث الثقافي اليهودي الذي يعود بجذوره إلى شرق أوربا (٣). القسم الثالث: وهم جماعة يتكلمون بلغة أو لهجة البلاد التي يسكنون فيها: فثمة سمات محلية أصبحت تُميِّز اليهودي العراقي -مثلاً عن اليهودي اليمني أو المغربي، ليست نتيجة احتكاكه باللغة العربية الفصحى وحسب, بل ونتيجة احتكاكه العميق باللهجة التي يتحدث بها مواطنو بلده, وفي الوقت الحاضر، بدأ السفارد يتحدثون (أساساً) لغة البلاد التي يتواجدون فيها ...

стр. 67

وكذلك يهود إيران وأفغانستان الذين يتحدثون اللغة الفارسية وغيرها من اللغات، وبعض اليهود الأكراد الذين يتحدثون الكردية (١). لكن اليهود لا يزالون إلى اليوم يحرصون على تدريس أبنائهم اللغة العبرية, ويؤدون عباداتهم وصلواتهم بهذه اللغة كما هو الحال في منطقة ريدة محافظة عمران اليمنية (٢). وكل هذه الجماعات اليهودية الموجودة حالياً لا ترقى لأن تكون شعباً، فالشعب بُنية متجانسة ذات هوية واضحة غير ملتبسة تتأسس في وطن حقيقي, والمقصود بالوطن الحقيقي: هو امتلاك السيادة دون الاعتداء على أحد، وما نراه اليوم نقيض الشعب، حيث يظهر المال والنفوذ كهوية، وتحل سرقة بلاد الآخرين محل الوطن، ويصير التاريخُ سكيناً حادة على رقاب حامليه، وعبئاً ثقيلاً على ظهور رافعيه، بدلاً من أن يكون امتداداً راقياً للوجود البشري" (٣). الفرع الثاني: النصارى حديثاً, فرقهم, وعددهم . أما النصارى في عصرنا الحديث فهم أكبر الديانات الموجودة حديثاً, ويطلقون على أنفسهم المسيحيين, وموقفهم من الخطاب القرآني يعتبر موقفاً سلبياً, وأصبحت القوى اليهودية تسيرهم وفق مخططها العدائي ضد الإسلام والمسلمين, وهم يمثلون ثلث سكان الأرض, وأتباعها يصلون إلى قريب المليارين نصراني منهم مليار كاثوليكي, وخمس مئة مليون بروتستانتي, ومائتين وأربعين مليون أرثوذكسي, ومائتين مليون مسيحي من الطوائف الأخرى (٤) وقد انقسموا إلى ثلاث فرق دينية رئيسة, وذلك على النحو التالي: أولاً: فرقة الكاثوليك . الكاثوليك: وهم إتباع البابا في روما, وتسمى كنيستهم الكنيسة الغربية أو اللاتينية؛ لامتداد نفوذها إلى الغرب اللاتيني خاصة, وهم يؤمنون بالتثليث القائم على الناسوت واللاهوت,

стр. 68

ويعترفون بسيادة البابا, وينتشرون في أوربا الغربية, وهناك أقليات منهم في أمريكا, وهولندا, وألمانيا, وبعض دول أفريقيا (١). ثانياً: فرقة الأرثوذكس . الأرثوذكس: وهم النصارى الذين يتبعون الكنيسة الشرقية في القسطنطينية, وتعمل كل كنيسة فيها على حدة, ويؤمنون بالتثليث, ولا يعترفون بالبابا, وأتباعهم في تركيا, وأوربا الشرقية وروسيا وبعض البلاد العربية كمصر والسودان والجزائر, ويدعون أرثوذكسية بمعنى أصحاب المعتقد المستقيم (٢). ثالثاً: فرقة البروتستانت . البروتستانت: ويسمونهم الإنجيليين أي الذين يتبعون الإنجيل دون سواه_, وهم أتباع مارتن لوثر الذي ظهر في القرن السادس عشر الميلادي في ألمانيا, وهو مؤسس حركة الإصلاح الديني التي وقفت ضد الكنيسة الغربية, وأتباعهم في ألمانيا, وهولندا وبريطانيا, وأمريكا الشمالية, وسويسرا والدنمارك, وأقليات أخرى في بعض الدول, ويتفرع منها في عصرنا الحديث الطائفة التدبيرية التي يبلغ عدد أتباعها أربعين مليون نسمة والمعروفة باسم الأنجلوساكسون أي: البروتستانت البيض وهم من أكثر الطوائف تاييداً لليهود ولهم تأثير كبير في السياسة الأمريكية حديثاً (٣). والذي تبين مما سبق أن الفرق النصرانية لا تزال تمارس ما كان يمارسه أسلافهم في معتقداتهم الفاسدة والقائمة على الكفر بالله, والنيل من رسله وأنبيائه, وكذلك في بقية عباداتهم ومعاملاتهم كما سيأتي بيانه في المباحث القادمة من الفصل الثاني.

стр. 69

الفصل الثاني

стр. 70

الفصل الثاني الخطاب القرآني لأهل الكتاب فيما يتعلق بدعوتهم إلى الدين , وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: التعريف بالدين والدعوة إليه. المبحث الثاني: دعوة أهل الكتاب إلى الابتعاد عن الغلو في الدين. المبحث الثالث: دعوة أهل الكتاب إلى المجادلة والمباهلة. المبحث الرابع: نماذج على مجادلة أهل الكتاب قديماً وحديثاً.

стр. 71

المبحث الأول: التعريف بالدين والدعوة إليه , وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريف الدين لغة واصطلاحاً. الفرع الأول: تعريف الدين لغة. الفرع الثاني: تعريف الدين اصطلاحاً. المطلب الثاني: الدعوة إلى الإيمان بالله. الفرع الأول: آيات الخطاب القرآني التي تأمر أهل الكتاب بالإيمان. الفرع الأول: خلاصة أقوال المفسرين في معنى الإيمان. المطلب الثالث: الدعوة إلى توحيد الله. الفرع الأول: التوحيد دعوة جميع الأنبياء والمرسلين. الفرع الثاني: آيات الخطاب التي تأمر أهل الكتاب بالتوحيد, وأقوال المفسرين فيها.

стр. 72

جاء في حديث جبريل المشهور, وسؤاله للرسول ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان قول الرسول ﷺ لأصحابه: ﴿هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمور دينكم﴾ (١). فجمع أمور الدين فيما ذكر, وقد ذكر العلماء أن هذه الثلاثة هي مراتب الدين, فالإسلام أدناها, ثم الإيمان, ثم الإحسان, إلا أن الإسلام يطلق بمعنى الدين كاملاً, وكذلك الإيمان, ولا يطلق الإحسان على هذا المعنى, ولذا فسنقوم في هذا المبحث بتعريف الدين كمرادف للإسلام والإيمان, ثم نذكر دعوة أهل الكتاب إليه في الخطاب القرآني, وعليه فسنقسم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريف الدين لغة واصطلاحاً: الفرع الأول: تعريف الدين لغة . ذكر علماء اللغة عدة تعريفات للدين من حيث عمومه, فمن هذه التعريفات اللغوية ما ذكره ابن فارس: "الدال والياء والنون أصلٌ واحد إليه يرجع فروعُه كلُّها. وهو جنسٌ من الانقياد والذُّل. فالدِّين: الطاعة، يقال: دان له يَدِين دِيناً، إذا أصْحَبَ (٢) وانقاد وطَاعَ. وقومٌ دِينٌ، أي مُطِيعون منقادون" (٣). وفي حديث أَبي طالب: قال له ﷺ : ﴿أُريد من قريش كلمة تَدينُ لهم بها العرب﴾ (٤) أَي: تطيعهم وتخضع لهم (٥). فالدين إذن راجع إلى معنى الانقياد والطاعة والخضوع كما يقرر ابن فارس رحمه الله تعالى, وحين ننظر في كتب معاجم اللغة نجد أنها تذكر للدين عدة معان, وهي في الحقيقة ترجع إلى المعنى الذي ذكره ابن فارس, فمن هذه المعاني:

стр. 73

الجَزَاءُ، ومنه: واللَّهُ دَيّان يَوْمِ الدِّيْنِ. والقَضَاءُ، ومنه قَوْلِه : ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ (١). والطّاعَةُ، ومنه: دانُوا له, أي: انْقَادُوا وأطاعُوا. وقَوْلُه: "كما تَدِيْنُ تُدَانُ" أي: كما تَأتي يُؤْتى إليك. والعادَةُ: قال ابن فارس: فأمّا قولهم إِنّ العادة يقال لها دينٌ، فإن كان صحيحاً فلأنَّ النفسَ إذا اعتادت شيئاً مرَّتْ معه وانقادت له. والحُكْمُ, ومنه قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأخُذَ أخاه في دِيْنِ المَلِكِ﴾ (٢). وغير ذلك من المعاني المذكورة في كتب المعاجم (٣) , ولكننا نقصد هنا بالدين الملة والديانة التي يعتقد بها الناس وينقادون لأوامرها بالطاعة, وعند التأمل فيها نجد أنها ترجع إلى المعنى الذي ذكره ابن فارس, وهو المعنى المقصود بالدين في هذا البحث كما سيتبين من التعريف الاصطلاحي. الفرع الثاني: تعريف الدين اصطلاحاً . ذكرنا في التعريف اللغوي أن الدين يرجع إلى معنى الطاعة والانقياد والخضوع والذل, وهنا نذكر تعريفه في اصطلاح الشرع, لكن أريد أن أنبه إلى أن علماء الشرع عندما يعرفون الدين فإنهم يقصدون بذلك الدين السماوي الصحيح الذي أوجب الله تعالى على عباده الانقياد والخضوع له والدخول فيه, وهو دين الإسلام, وهذا التعريف لا يصدق ولا ينطبق على دين اليهودية والنصرانية إلا باعتبار ما سبق, أي: قبل نسخها بالقرآن الكريم, وعلى هذا فنحن سنذكر تعريف الدين, ثم نذكر تعريف الإسلام تبعاً له أيضاً. أما تعريف الدين فكما يلي: قال العلامة الشرواني (٤) رحمه الله تعالى: "أما الدين: فهو وضع إلهي سائق لأولي الألباب باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات" (٥).

стр. 74

ثم ذكر في حواشي الشرواني محترزات التعريف فقال: "احترز بقوله: (إلهي) عن الأوضاع البشرية, نحو الرسوم السياسية والتدبيرات المعاشية, وقوله: (سائق لأولي الألباب) احتراز عن الأوضاع الطبيعية التي تهتدي بها الحيوانات لخصائص منافعها ومضارها. وقوله: (باختيارهم المحمود) عن المعاني الاتفاقية والأوضاع القسرية. وقوله: (إلى ما هو خير لهم بالذات) عن نحو صناعتي الطب والفلاحة؛ فإنهما وإن تعلقتا بالوضع الإلهي أعني تأثير الأجسام العلوية والسفلية, وكانتا سائقتين لأولي الألباب باختيارهم المحمود إلى صنف من الخير فليستا تؤديانهم إلى الخير المطلق الذاتي, أعني ما يكون خيراً بالقياس إلى كل شيء, وهو السعادة الأبدية والقرب إلى خالق البرية" (١). وهذه الاحترازات واضحة لا تحتاج إلى مزيد من البيان؛ لكن الشرواني نبه إلى أنه يتناول الأصول والفروع, ثم قال: وقد يخص بالفروع. وفي حاشية الرملي (٢) بعد أن ذكر التعريف السابق زاد عليه بقوله: "وقيل: هو الطريقة المخصوصة المشروعة ببيان النبي ﷺ , المشتملة على الأصول والفروع والأخلاق والآداب" (٣). وهذا التعريف أخص من التعريف السابق وأشمل؛ لأنه حدد الدين بما يخص الإسلام الناسخ لما قبله. فلا يدخل فيه غيره من الأديان لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٤). وإذا كان المقصود بالدين هو الإسلام فلنذكر تعريفه كما وعدنا:

стр. 75

قال الشرواني رحمه الله تعالى: "والإسلام هو هذا الدين المنسوب إلى محمد ﷺ المشتمل على العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة" (١). وهو مرادف للدين على التعريف الثاني الذي اخترناه, ولا يقبل الله من عباده ديناً غيره, وتوعدّ من ابتغى غيره من الأديان بالخسارة في الآخرة, قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) , فهو دين واحد جاء به جميع الرسل والأنبياء, كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ (٣) قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : ﴿أنا أَوْلَى الناس بِعِيسَى بن مَرْيَمَ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ, أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ﴾ (٤). ولهذا كان بعض أهل الكتاب قبل مجيء محمد ﷺ مؤمنون ومصدقون بالرسالات السابقة, فجعل الله لهم الأجر مرتين لتصديقهم للرسالتين بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ (٥).
следующие страницы →