← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 132385

الخطاب القرآني لأهل الكتاب وموقفهم منه قديما وحديثا

هود محمد أبو راس

Полный текст (316 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المبحث الأول: التعريف بالدين والدعوة إليه , وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريف الدين لغة واصطلاحاً. الفرع الأول: تعريف الدين لغة. الفرع الثاني: تعريف الدين اصطلاحاً. المطلب الثاني: الدعوة إلى الإيمان بالله. الفرع الأول: آيات الخطاب القرآني التي تأمر أهل الكتاب بالإيمان. الفرع الأول: خلاصة أقوال المفسرين في معنى الإيمان. المطلب الثالث: الدعوة إلى توحيد الله. الفرع الأول: التوحيد دعوة جميع الأنبياء والمرسلين. الفرع الثاني: آيات الخطاب التي تأمر أهل الكتاب بالتوحيد, وأقوال المفسرين فيها.

стр. 72

جاء في حديث جبريل المشهور, وسؤاله للرسول ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان قول الرسول ﷺ لأصحابه: ﴿هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمور دينكم﴾ (١). فجمع أمور الدين فيما ذكر, وقد ذكر العلماء أن هذه الثلاثة هي مراتب الدين, فالإسلام أدناها, ثم الإيمان, ثم الإحسان, إلا أن الإسلام يطلق بمعنى الدين كاملاً, وكذلك الإيمان, ولا يطلق الإحسان على هذا المعنى, ولذا فسنقوم في هذا المبحث بتعريف الدين كمرادف للإسلام والإيمان, ثم نذكر دعوة أهل الكتاب إليه في الخطاب القرآني, وعليه فسنقسم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريف الدين لغة واصطلاحاً: الفرع الأول: تعريف الدين لغة . ذكر علماء اللغة عدة تعريفات للدين من حيث عمومه, فمن هذه التعريفات اللغوية ما ذكره ابن فارس: "الدال والياء والنون أصلٌ واحد إليه يرجع فروعُه كلُّها. وهو جنسٌ من الانقياد والذُّل. فالدِّين: الطاعة، يقال: دان له يَدِين دِيناً، إذا أصْحَبَ (٢) وانقاد وطَاعَ. وقومٌ دِينٌ، أي مُطِيعون منقادون" (٣). وفي حديث أَبي طالب: قال له ﷺ : ﴿أُريد من قريش كلمة تَدينُ لهم بها العرب﴾ (٤) أَي: تطيعهم وتخضع لهم (٥). فالدين إذن راجع إلى معنى الانقياد والطاعة والخضوع كما يقرر ابن فارس رحمه الله تعالى, وحين ننظر في كتب معاجم اللغة نجد أنها تذكر للدين عدة معان, وهي في الحقيقة ترجع إلى المعنى الذي ذكره ابن فارس, فمن هذه المعاني:

стр. 73

الجَزَاءُ، ومنه: واللَّهُ دَيّان يَوْمِ الدِّيْنِ. والقَضَاءُ، ومنه قَوْلِه : ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ (١). والطّاعَةُ، ومنه: دانُوا له, أي: انْقَادُوا وأطاعُوا. وقَوْلُه: "كما تَدِيْنُ تُدَانُ" أي: كما تَأتي يُؤْتى إليك. والعادَةُ: قال ابن فارس: فأمّا قولهم إِنّ العادة يقال لها دينٌ، فإن كان صحيحاً فلأنَّ النفسَ إذا اعتادت شيئاً مرَّتْ معه وانقادت له. والحُكْمُ, ومنه قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأخُذَ أخاه في دِيْنِ المَلِكِ﴾ (٢). وغير ذلك من المعاني المذكورة في كتب المعاجم (٣) , ولكننا نقصد هنا بالدين الملة والديانة التي يعتقد بها الناس وينقادون لأوامرها بالطاعة, وعند التأمل فيها نجد أنها ترجع إلى المعنى الذي ذكره ابن فارس, وهو المعنى المقصود بالدين في هذا البحث كما سيتبين من التعريف الاصطلاحي. الفرع الثاني: تعريف الدين اصطلاحاً . ذكرنا في التعريف اللغوي أن الدين يرجع إلى معنى الطاعة والانقياد والخضوع والذل, وهنا نذكر تعريفه في اصطلاح الشرع, لكن أريد أن أنبه إلى أن علماء الشرع عندما يعرفون الدين فإنهم يقصدون بذلك الدين السماوي الصحيح الذي أوجب الله تعالى على عباده الانقياد والخضوع له والدخول فيه, وهو دين الإسلام, وهذا التعريف لا يصدق ولا ينطبق على دين اليهودية والنصرانية إلا باعتبار ما سبق, أي: قبل نسخها بالقرآن الكريم, وعلى هذا فنحن سنذكر تعريف الدين, ثم نذكر تعريف الإسلام تبعاً له أيضاً. أما تعريف الدين فكما يلي: قال العلامة الشرواني (٤) رحمه الله تعالى: "أما الدين: فهو وضع إلهي سائق لأولي الألباب باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات" (٥).

стр. 74

ثم ذكر في حواشي الشرواني محترزات التعريف فقال: "احترز بقوله: (إلهي) عن الأوضاع البشرية, نحو الرسوم السياسية والتدبيرات المعاشية, وقوله: (سائق لأولي الألباب) احتراز عن الأوضاع الطبيعية التي تهتدي بها الحيوانات لخصائص منافعها ومضارها. وقوله: (باختيارهم المحمود) عن المعاني الاتفاقية والأوضاع القسرية. وقوله: (إلى ما هو خير لهم بالذات) عن نحو صناعتي الطب والفلاحة؛ فإنهما وإن تعلقتا بالوضع الإلهي أعني تأثير الأجسام العلوية والسفلية, وكانتا سائقتين لأولي الألباب باختيارهم المحمود إلى صنف من الخير فليستا تؤديانهم إلى الخير المطلق الذاتي, أعني ما يكون خيراً بالقياس إلى كل شيء, وهو السعادة الأبدية والقرب إلى خالق البرية" (١). وهذه الاحترازات واضحة لا تحتاج إلى مزيد من البيان؛ لكن الشرواني نبه إلى أنه يتناول الأصول والفروع, ثم قال: وقد يخص بالفروع. وفي حاشية الرملي (٢) بعد أن ذكر التعريف السابق زاد عليه بقوله: "وقيل: هو الطريقة المخصوصة المشروعة ببيان النبي ﷺ , المشتملة على الأصول والفروع والأخلاق والآداب" (٣). وهذا التعريف أخص من التعريف السابق وأشمل؛ لأنه حدد الدين بما يخص الإسلام الناسخ لما قبله. فلا يدخل فيه غيره من الأديان لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٤). وإذا كان المقصود بالدين هو الإسلام فلنذكر تعريفه كما وعدنا:

стр. 75

قال الشرواني رحمه الله تعالى: "والإسلام هو هذا الدين المنسوب إلى محمد ﷺ المشتمل على العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة" (١). وهو مرادف للدين على التعريف الثاني الذي اخترناه, ولا يقبل الله من عباده ديناً غيره, وتوعدّ من ابتغى غيره من الأديان بالخسارة في الآخرة, قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) , فهو دين واحد جاء به جميع الرسل والأنبياء, كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ (٣) قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : ﴿أنا أَوْلَى الناس بِعِيسَى بن مَرْيَمَ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ, أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ﴾ (٤). ولهذا كان بعض أهل الكتاب قبل مجيء محمد ﷺ مؤمنون ومصدقون بالرسالات السابقة, فجعل الله لهم الأجر مرتين لتصديقهم للرسالتين بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ (٥).

стр. 76

وأما في اللغات الأوربية فتستخدم كلمة (Religion) للتعبير عن الدين, وهي كلمة ذات أصل لاتيني هو (Religio) بمعنى إعادة الجمع والعطف إشارة إلى التفكر والتعبد والتأمل والعمل, تبعاً لما يستخرج من تلك التأملات" (١). شهادة عضو الحزب الجمهوري في الكونجرس الأمريكي السابق مارك سلجاندر: لقد صرح العضو الجمهوري في الكونجرس الأمريكي السابق مارك سلجاندر (٢) بقوله: أن المسيح لم يدعوا الناس إلى المسيحية, ولم ينطق كلمة دين ولو مرة واحدة, ولكنه ذكر كلمة المهتدي والمعتنق ومعناها في اللغة الآرامية قريبة جداً من كلمة مسلم, وقد تحدث بهذا الكلام في محاضرته أمام مائتين وخمسين من المبشرين والقساوسة الإنجيلين في أمريكا وقام بقراءة آية من الكتاب المقدس عن المسيح وأمه فصفقوا جميعاً وهتفوا, وشكروا الرب, فلما اخبرهم أنها من القرآن الكريم خيم صمت رهيب على القاعة (٣) , ولقد ألقى محاضرة أخرى في مدرسة لاهوتية محافظة, وسألهم: كم مسلمون عندكم؟ قال: فظنوا أني مجنون. وقالوا: تبحث عن مسلمين في مدرسة مسيحية لاهوتية. فقلت لهم: أتعرفون معنى كلمة مسلم. فقال أحدهم: المسلم هو الذي استسلم لله. فقلت: هل تعرفون أن القرآن الكريم ينعت المسيح عيسى أنه مسلم, وكذلك موسى ونوح وإبراهيم, وأنهم كانوا مسلمين قبل نزول القرآن الكريم, فكلمة مسلم تعني هو ذلك الذي يستسلم لله. ثم سألت الطلاب: من منكم مستعد أن يستسلم لله؟ فرفعوا أيديهم جميعاً.

стр. 77

ثم قال لذلك فنحن مسلمون (١). وتبين من خلال كلام سلجاندر أنه لما قرأ عليهم آيات من القرآن الكريم حول المسيح وأمه أطمأنت نفوسهم لما جاء في تلك الآيات من إزالة الشبهة, وعرفوا أن ذلك هو الحق, ولكن حينما أخبرهم أن تلك الآيات التي تلاها عليهم من القرآن الكريم ظهر موقفهم في اتباعهم الهوى, مما يدل على موقفهم السلبي من الخطاب القرآني, ومن اتباع الحق. وتبين أن أكثر أهل الكتاب لم يؤمنوا بهذا الدين الحق مع أنهم يعلمون ذلك, وقد بين الله موقفهم لنا في القرآن الكريم بأنهم كانوا يدعون الناس للمكر والخداع والدخول في دين الإسلام في النهار والخروج منه آخر النهار, وهذا هو حالهم في كل زمانٍ ومكان, كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). ولقد قام أهل الكتاب حديثاً بإقصاء الدين عن شئون الحياة, ويظهر هذا من موقف أكثر أهل الكتاب في أوربا الغربية فإن منهجهم الغربي "يقوم على إقصاء الدين عن مجالات التأثير الاجتماعي, بزعمهم أن الدين في تصورهم مرحلة زمنية في حياة الأمم تجاوزتها أوربا بفضل العلم ومعطيات العقل البشري" (٣).

стр. 78

المطلب الثاني: دعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بالله . الفرع الأول: آيات الخطاب القرآني التي تأمر أهل الكتاب بالإيمان . ذكرنا أن المقصود بدعوة أهل الكتاب إلى الإيمان هي دعوتهم إلى دين التوحيد الذي جاء به محمد ﷺ على ما تقدم في المطلب الأول من تعريف الدين, وسنذكر في هذا المطلب بعض آيات الخطاب القرآني لأهل الكتاب التي تدعوهم إلى الإيمان بالله وأقوال المفسرين فيها: الآية الأولى: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (١). قال الإمام البيضاوي ﵀: " (يا أيها الذين آمنوا) خطاب للمسلمين أو للمنافقين أو لمؤمني أهل الكتاب" (٢). أي: أن بين المفسرين خلافاً في تعيين المخاطب بالآية, فقيل: المسلمون, وقيل: المنافقون, وقيل: مؤمنو أهل الكتاب. فأشار إلى الخلاف بـ (أو). ثم ذكر رحمه الله تعالى تفسير الآية على كل قول من الأقوال, ونحن سنوضح ذلك كما يلي: قال البيضاوي ﵀: "إذ روي أن ابن سلام (٣) وأصحابه قالوا: يا رسول الله, إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه, فنزلت: ﴿آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ , أي: اثبتوا على الإيمان, بذلك وداوموا عليه. أو آمنوا به بقلوبكم كما آمنتم بألسنتكم. أو آمنوا إيماناً تاماً عاماً يعم الكتب والرسل؛ فإن الإيمان بالبعض كلا إيمان. والكتاب الأول القرآن والثاني الجنس" (٤). فقوله في معنى الآية: "اثبتوا على الإيمان بذلك وداوموا عليه" هو على القول بأن الخطاب للمسلمين.

стр. 79

وقوله: " أو آمنوا به بقلوبكم كما آمنتم بألسنتكم" أي: على أنها خطاب للمنافقين. وقوله: " أو آمنوا إيمانا تامّاً عامّاً يعم الكتب والرسل فإن الإيمان بالبعض كلا إيمان أي: على أنها خطاب لمؤمني أهل الكتاب. والحديث الذي أورده البيضاوي عن ابن سلام وأصحابه يؤيد القول بأن المخاطب بها أولاً أهل الكتاب, ولا يوجد مانع من دخول غيرهم كما سيأتي عن الجزائري (١). وعليه: فالآية تخاطب أهل الكتاب من آمن منهم على قول وبعضهم لا يذكر غيره. قال شيخ المفسرين الإمام الطبري رحمه الله تعالى: " (يا أيها الذين) يعني: بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بمن قبل محمد من الأنبياء والرسل وصدقوا بما جاءوهم به من عند الله, (آمنوا بالله ورسوله) يقول: صدقوا بالله وبمحمد رسوله أنه لله رسول مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم, (والكتاب الذي نزل على رسوله) يقول: وصدقوا بما جاءكم به محمد من الكتاب الذي نزله الله عليه, وذلك القرآن" (٢). وقال الجزائري وهو من المفسرين المعاصرين: "فهي في خطاب أهل الكتاب خاصة وفي سائر المؤمنين عامة، فالمؤمنون تدعوهم إلى تقوية إيمانهم ليبلغوا فيه مستوى اليقين، أما أهل الكتاب, فهي دعوة لهم للإيمان الصحيح، لأن إيمانهم الذي هم عليه غير سليم، فلذا دعوا إلى الإيمان الصحيح فقيل لهم: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) محمد (وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ) وهو القرآن الكريم" (٣). والحديث الذي ذكره البيضاوي رحمه الله تعالى_ يبين لنا فيه موقف بعض أهل الكتاب حينما أرادوا الإيمان بمحمد ﷺ وكتابه القرآن الكريم وبموسى وعزير ﵉ فقط, والكفر بما سواه من الكتب والرسل.

стр. 80

وقد أخرج الثعلبي عن ابن عباس ﵁ (١): ﴿أن عبد الله بن سلام ﵁ وبعض أهل الكتاب أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! إنا نؤمن بك وبكتابك, وموسى والتوراة, وعزير ونكفر بما سواه من الكتب والرسل. فقال رسول الله ﷺ : بل آمنوا بالله ورسوله محمد وبكتابه القرآن, وبكل كتاب كان قبله. فقالوا: لا نفعل! فنزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾. فقالوا: يا رسول الله فإنّا نؤمن بالله ورسوله وبالقرآن وبكلِّ رسول وكتاب كان قبل القرآن, والملائكة واليوم الآخر, لا نفرق بين أحد منهم كما فعلت اليهود والنصارى، ونحن له مسلمون, فدخلوا في الإسلام﴾ (٢) (٣). فتبين لنا من سبب النزول كيف كان موقف بعضهم من دعوة الإيمان, وأنهم آمنوا وصدقوا بخلاف أكثرهم الذين أعرضوا وكذبوا. وسبب نزول الآية يؤيد قول من جعلها خطاباً لأهل الكتاب, وهو ما ذهب إليه ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى وغيره كما قدمنا, وهو الصحيح لوروده سبباً في نزول الآية. الخلاصة: أن الآية تخاطب أهل الكتاب وتأمرهم بالإيمان بالله الإيمان الصحيح الذي يقتضيه دين الإسلام على ما سبق التعريف به, والذي يتضمن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله, كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ

стр. 81

مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١) , فمن آمن هذا الإيمان فقد اهتدى لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢). وهذا الإيمان هو الوحي الذي أوحاه الله للحواريين, وبين الله لنا موقفهم منه أنهم آمنوا به سبحانه وبرسوله عيسى ﵇ , قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ (٣). وهذا الإيمان جعله الله مدحاً لمن آمن بالله وبرسوله من أهل الكتاب, ولمن أبعدو عن أنفسهم الكبر واتبعوا الحق, فعاتبوا أنفسهم بتأخيرهم الإيمان بالله, ثم طمعوا بما عند الله, فاستجاب الله لهم, وللذين يبحثون عن الحق في كل زمانٍ ومكانٍ, قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤). الآية الثانية: قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٥). فهذه الآية أيضاً تدعو أهل الكتاب وغيرهم من المشركين إلى الإسلام الذي هو الدين الحق, معلقة الهداية بذلك, والمعنى: أن من لم يُسَلّم بدين محمد ﷺ فقد ضل عن الهدى كما قال تعالى:

стр. 82

﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) وفيه تهديد ووعيد لمن لم يؤمن بالله وبرسوله وبدينه الإسلام. قال الإمام الطبري ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: وقل يا محمد للذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى والأميين الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب: (أأسلمتم). يقول: قل لهم هل أفردتم التوحيد وأخلصتم العبادة والالوهة لرب العالمين, دون سائر الأنداد والإشراك التي تشركونها معه في عبادتكم إياهم, وإقراركم بربوبيتهم وأنتم تعلمون أنه لا رب غيره ولا إله سواه, (فإن أسلموا) يقول: فإن انقادوا لإفراد الوحدانية لله وإخلاص العبادة والالوهة له (فقد اهتدوا) يعني: فقد أصابوا سبيل الحق وسلكوا محجة الرشد (٢). وأخرج ابن أبي حاتم (٣) عن الربيع (٤): ﴿فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ (٥) قال: من تكلم بهذا صدقاً من قلبه, يعني الإيمان (فقد اهتدى) , (وإن تولوا) يعني: عن الإيمان (٦). والمقصود هنا بالإيمان دين الإسلام, وهذا هو الصحيح لأنه ربط الإيمان بالعمل, وربط النطق باللسان باعتقاد القلب. قال سيد قطب ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾. قال: "فهم سواء هؤلاء وهؤلاء المشركون وأهل الكتاب, هم مدعوون إلى الإسلام بمعناه الذي شرحناه, أي: فليس هو مجرد التصديق, إنما هو الإتباع, كما أن التعبير بإسلام الوجه -أي: في أول الآية ذو مغزى كذلك, فليس هو مجرد النطق باللسان أو الاعتقاد بالجنان. إنما هو كذلك الاستسلام بالطاعة والإتباع, وإسلام الوجه كناية عن هذا الاستسلام, والوجه أعلى وأكرم ما في الإنسان, فهي صورة الانقياد

стр. 83

الطائع الخاضع المتبع المستجيب, أي: فهم مدعوون للإقرار بتوحيد ذات الله، ووحدة الألوهية ووحدة القوامة, مدعوون بعد هذا الإقرار إلى الخضوع لمقتضاه, وهو تحكيم كتاب الله ونهجه في الحياة (فإن أسلموا فقد اهتدوا) فالهدى يتمثل في صورة واحدة, هي صورة الإسلام بحقيقته تلك وطبيعته, وليس هنالك صورة أخرى، ولا تصور آخر، ولا وضع آخر، ولا منهج آخر يتمثل فيه الاهتداء إنما هو الضلال والجاهلية والحيرة والزيغ والالتواء" (١). ثم بين الإمام الزمخشري ﵀ كيف كان موقفهم: " (ءأَسْلَمْتُمْ) يعني أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضي حصوله لا محالة؛ فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم؟ وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم يتبق من طرق البيان والكشف طريقاً إلا سلكته: هل فهمتها أم لالا أُم لك (٢)! ومنه قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ (٣) وفي هذا الاستفهام استقصار وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف، لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف إذعانه للحق، وللمعاندة بعد تجلي الحجة ما يضرب أسداداً بينه وبين الإذعان" (٤). وقال العلامة السعدي في تفسيرها: "لما بيَّن الله أن الدين الحقيقي عنده الإسلام، وكان أهل الكتاب قد شافهوا النبي ﷺ بالمجادلة، وقامت عليهم الحجة، فعاندوها، أمره الله تعالى عند ذلك أن يقول ويعلن: إنه قد أسلم وجهه، أي: ظاهره وباطنه لله، وأن من اتبعه كذلك قد وافقوه على هذا الإذعان الخالص. وأن يقول للناس كلهم، من أهل الكتاب والأميين أي: الذين ليس لهم كتاب من العرب وغيرهم: إن أسلمتم فأنتم على الطريق المستقيم، والهدى والحق، وإن توليتم فحسابكم على الله، وأنا ليس عليّ إلا البلاغ، وقد أبلغتكم وأقمت عليكم الحجة" (٥).

стр. 84

الفرع الثاني: خلاصة أقوال المفسرين في معنى الإيمان . إن هذه الآيات تبين لنا دعوة أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن سار على نهجهم من المشركين إلى الإيمان بالله الإيمان الصحيح الذي لا يخالطه شك, وحينما خاطبهم الله بأن آمنوا بالله يريد منهم الإيمان الكامل القائم على التصديق به وبما جاء به رسله دون تفريق بينهم, وأن يأخذوا بما أنزله في كتابه أخذاً كاملاً؛ لأنه الحق الذي جاءت به رسل الله, كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١) , وتحذرهم من الكفر ببعض ما في الكتب كما أخبرنا الله عن أهل الكتاب في قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٢). ولابد أن يؤمنوا إيماناً قائماً على الاعتقاد الجازم بأن الله حق, وأن ما جاء به رسله حق, وما أنزله في كتابه حق, وأن يومنوا إيماناً يتضمن الاستسلام والانقياد والطاعة بكل ما أمر, واجتناب كل ما نهى, وحينما أمرهم بقوله: (أأسلمتم) فمراده: أنَّ من أسلم وآمن فقد اهتدى وحصل له الخير في دينه ودنياه وآخرته, ومن تولى وأعرض وكفر فقد خسر دنياه وآخرته, لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ (٣) , وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ (٤). ولنا قدوة حسنة في إبراهيم ﵇ حينما دعا الله بأن يجعل البلد الحرام بلداً آمناً, وطلب من الله أن يرزق أهله من الثمرات من آمن بالله واليوم الآخر, قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٥).

стр. 85

ولا يدعو الله عباده للدخول في شيء كالإسلام أو الإيمان إلاَّ وفيه من الخير والهداية ما الله به عليم, وفيه من النفع والفائدة في أبدانهم وقلوبهم في الدنيا, وأما في الآخرة فجنة عرضها السموات والأرض أعدها الله للمتقين من عباده.

стр. 86

المطلب الثالث: الدعوة إلى توحيد الله . حينما خلق الله الخلق بيَّن الغاية من خلقهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) , ومع بيان الشرع لهذه الغاية بأنها التوحيد, فإنه قد أرسل رسله لدعوة جميع الخلق إلى هذه الغاية, وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢). وكما جاء في الحديث عن عبدالله بن عباس أن أبا سفيان بن حرب (٣) أخبره أَنَّ هرقل أرسل إليه, وذكر الحديث إلى قوله: ولما سأله عن النبي ﷺ : ﴿قال: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قلت: يقول اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شيئا, وَاتْرُكُوا ما يقول آبَاؤُكُمْ﴾ (٤). وكما أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كان توحيد الله هو أول ما يدعون إليه الخلق, وترك عبادة ما سواه, فإن إفراده بالعبادة والطاعة كانت هي الغاية الوحيدة التي من أجلها خلق الله الخلق, وأرسل الرسل, وأنزل الكتب, ومما يدل على هذا ما جاء عن ابن عَبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ (٥) حينما أرسله إلى اليمن: ﴿إنك تأتي قوماً أهل كتاب, فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله. وفي رواية: أن يوحدوا الله﴾ (٦).

стр. 87

ونقصد بهذا التوحيد, التوحيد الذي شهدت به الملائكة والأنبياء والرسل وأولو العلم بقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١). وهذا التوحيد الذي دعا الله إليه رسله, وأمرهم أن يدعوا أقوامهم إليه سواءً كانوا يهوداً أو نصارى أو مسلمين أو غيرهم, بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢). الفرع الأول: التوحيد دعوة جميع الأنبياء والمرسلين . وكما أن هذا التوحيد هو دعوة يعقوب ﵇ كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٣). وهو كذلك دعوة عيسى ﵇: قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٤). وهو أيضاً دعوة نوح ﵇: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (٥). وهو دعوة هود ﵇: قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ (٦).

стр. 88

وهو دعوة صالح ﵇: قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (١). وهو دعوة شعيب ﵇: قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ (٢). وهو دعوة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ : قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (٣). ومن خلال هذه الآيات تبين أن دين الله هو دين التوحيد, وأن دين جميع الأنبياء والمرسلين هو دين التوحيد القائم على ترك كل ما سوى الله . وهذا التوحيد قد جاء أيضاً في الكتب السابقة ففي التوراة (سفر التثنية ٦: ٤) وفي إنجيل (مرقس ٣٠,٢٩: ١٢) جاءت هذه الجملة: (اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد. فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك) (٤). ولم يكن التوحيد مجرد أمر ثانوي يدعى إليه الخلق, بل كان هو الأصل, وهو الميثاق الذي أخذه الله من الناس, كما أنه الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل من اليهود والنصارى بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ... ﴾ (٥). الفرع الثاني: آيات الخطاب التي تأمر أهل الكتاب بالتوحيد, وأقوال المفسرين فيها . سنبين هنا بإذن الله خطاب القرآن الكريم لأهل الكتاب من اليهود والنصارى بدعوتهم إلى توحيد الله , وسنذكر الآيات التي تتعلق بذلك, وأقوال المفسرين فيها: الآية الأولى:

стр. 89

قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (١). أما الخطاب في هذه الآية فكما قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "هذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن جرى مجراهم (أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا) لا وثناً ولا صليباً ولا صنماً ولا طاغوتاً ولا ناراً ولا شيئاً, بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له؛ وهذه هي دعوة جميع الرسل, قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢) " (٣). وفي تفسير أبي السعود: "أن هذه الآية أمر بخطاب أهل الكتابين, وقيل: بخطاب وفد نجران, وقيل: بخطاب يهود المدينة. (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) لا يختلف فيها الرسل والكتب, وهي: (ألا نعبد إلا الله) أي: نوحده بالعبادة ونخلص فيها (ولا نشرك به شيئا) ولا نجعل غيره شريكا له في استحقاق العبادة, ولا نراه أهلاً لأن يعبد" (٤). وهكذا يتفق المفسرون على أن الخطاب في هذه الآية موجة إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى, وأنهم مدعوون إلى توحيد الله تعالى وإلى شهادة أن لا إله إلا الله, ونبذ الشرك به. بل إن الآية الكريمة تنص على أن كلمة التوحيد هي الكلمة السواء التي اتفق الرسل عليها, ونزلت الكتب بها, وأنه لا خلاف بينهم عليها كما ذكرنا من قبل؛ لكن أهل الكتاب من اليهود والنصارى تغَّير موقفهم من التوحيد إلى الشرك حينما طال عليهم الأمد, وأضاعوا الكتب, وضلوا عن حقيقة دينهم, فأخذوا تعاليم دينهم من الأحبار والرهبان الذين لم يكونوا حفظة لها بحق, فحرفوا وبدلوا الدين, وأدخلوا فيه ما ليس منه, ولم يكن التحريف قاصراً على فروع الدينأعني: أحكام الحلال والحرام بل امتد ذلك التحريف ليطال أصل الدين وجوهره, فأدخلوا الشرك وجعلوه من أصول الدين, وقد تجلى ذلك في تقديس أنبيائهم واتخاذهم أرباباً مع الله تعالى, ثم تقديس أحبارهم ورهبانهم واتخاذهم أرباباً من دون الله, فأحلّوا لهم الحرام, وحرموا عليهم الحلال, فتعالى الله

стр. 90

عما يقولون علواً كبيراً, والكلام عن التحريف الذي مر به دينا اليهود والنصارى له قصة طويلة, وليس هذا موضع ذكرها, فهي معروفة في مواطنها, ولعلنا نتطرق لذكر طرف منها في مواطن قادمة من الفصل الرابع؛ لكن الشاهد أنه بعد هذا التحريف والتحول الذي مر بالديانتين اليهودية والنصرانية من التوحيد إلى الشرك, ومن الحق إلى الباطل جاء هذا الدين يدعوهم للعودة إلى التوحيد من جديد, ويأمرهم بتغير موقفهم من عقيدة التثليث إلى التوحيد كما في الآية التي ذكرناها.

стр. 91

المبحث الثاني: دعوة أهل الكتاب إلى الابتعاد عن الغلو في الدين , وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريف الغلو لغة واصطلاحاً. الفرع الأول: تعريف الغلو لغة. الفرع الثاني: تعريف الغلو اصطلاحاً. المطلب الثاني: آيات النهي عن الغلو, وأقوال المفسرين فيها. الفرع الأول: المخاطب بالآية. الفرع الثاني: معنى الغلو في الدين. الفرع الثالث: ما يستفاد من النهي عن الغلو في الدين حديثاً. الفرع الرابع: مفاسد الغلو في الدين قديماً وحديثاً. المطلب الثالث: الغلو في الدين عند أهل الكتاب حديثاً. الفرع الأول: غلوهم في عيسى ﵇. الفرع الثاني: غلوهم في إطلاقهم حرية الرأي والتعبير. الفرع الثالث: غلوهم بإلصاق تهمة الغلو بالمسلمين ومحاربتهم لهم بسبب ذلك. الفرع الرابع: غلوهم بإثارة الحروب والفتن على المسلمين. الفرع الخامس: غلوهم بإدعاؤهم أنهم شعب الله المختار. الفرع السادس: غلوهم في كسبهم المحرَّم.

стр. 92

المطلب الأول: تعريف الغلو لغة واصطلاحاً . لقد كان الابتعاد عن الغلو الذي يتنافى مع أصول الدين من أهم الأمور التي حذر الله أهل الكتاب من ممارستها؛ وذلك لما يترتب عليه من العقاب, وقد جاء القرآن العظيم يخاطب أهل الكتاب فيما يتعلق بالغلو في الدين, فنهاهم عن ذلك, وحذرهم من الاسترسال فيه بغير الحق؛ وذلك لأنه كان سبباً كبيرا في انحرافهم عن التوحيد الحق, وسنبدأ بتعريف الغلو في الدين حتى يكون الكلام عليه واضحاً, وهذا المبحث سيكون في ثلاثة مطالب فنقول: الفرع الأول: تعريف الغلو لغة: وردت عدة تعريفات للغلو في معاجم اللغة العربية, فمن هذه التعريفات ما يلي: قال ابن سيده: الغلو لغةً: مأخوذ من "غلا في الأمر غلواً أي: تجاوز حده" (١) ومن تشدد في الدين وجاوز الحد وأفرط فهو غال (٢). وعرفه ابن فارس بقوله هو: مجاوزة الحد (٣). وهذا التعريف اللغوي بأنه مجاوزة الحد أعم وأشمل؛ لأنه يندرج تحته المجاوزة للحد بالتكلف والتشدد والمبالغة في كل أمر, وأيضاً في الإفراط والتفريط. الفرع الثاني: تعريف الغلو اصطلاحاً: أما الغلو اصطلاحاً فله تعريفات كثيرة ذكرها أهل التفسير والأصول, لكننا نكتفي هنا بما عرفه الإمام الشاطبي (٤) رحمه الله تعالى بقوله: "الغلو: هو المبالغة في الأمر ومجاوزة الحد فيه إلى حيز الإسراف" (٥).

стр. 93

وعليه فالغلو في الدين هو المبالغة فيه ومجاوزة الحد إلى حيز الإسراف, أي: دون الرجوع إلى الوحي والهدى الذي يريده الله من عباده, وقد حصلت من أهل الكتاب المجاوزة للحدود في معتقداتهم وفي أعمالهم وفي أشخاصهم, وهذا هو من الطغيان الذي حذر الله منه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ (١) , وحذر الله رسوله محمداً ﷺ ومن معه من مخالفته بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢). وقد فصل العلماء في الكلام عن الغلو والتحذير منه كصفة أساسية لأهل الكتاب, سنذكر بعضه عند نقل كلام المفسرين على الآيات في المطلب الآتي: المطلب الثاني: آيات النهي عن الغلو, وأقوال المفسرين فيها . أما الغلو في الدين فقد ورد ذمه في القرآن الكريم في عدة مواضع, وقد بين المفسرون معنى هذا الغلو أثناء تفسيرهم لتلك الآيات التي تتحدث عن الغلو؛ فمنها: الآية الأولى: قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٣). قد اختلف أهل التفسير في بيان من هو المخاطب بهذه الآية, هل هم اليهود أو النصارى أو جميعهم, وفيما يلي أقوال المفسرين: الفرع الأول: المخاطب بالآية . القول الأول: أنه خطاب لأهل الكتاب من اليهود والنصارى, وبه قال مجموعة من المفسرين منهم الإمام القرطبي (٤) , والخازن, والبيضاوي " (٥) والشيخ القطان من المعاصرين.

стр. 94

القول الثاني: أنه خطاب للنصارى خاصة؛ وبه قال الطبري ﵀, والزمخشري, والسعدي من المعاصرين (١). فعلى القول الأول يكون الخطاب في الآية من العام المراد به العام, وعلى القول الثاني يكون من العام المراد به الخاص. وعند النظر في السياق نجد أن القول الثاني قد يكون أولى؛ وذلك للآتي: أولاً: لأن الكلام في الآيات السابقة لهذه الآية مباشرة كان عن غلو النصارى في سيدنا عيسى ﵇ , وذلك ابتداء من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٢) , وما زال السياق يتحدث عنهم حتى هذه الآية وما بعدها من الآيات. ثانياً: لقوله تعالى في نفس الآية: (ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل ... ) والمقصود بـ (قوم قد ضلوا من قبل) اليهود؛ لأنهم أكثر الناس اتباعاً للهوى, فيكون الخطاب موجهاً للنصارى بأن لا يتبعوهم, فهذه القرينة ترجح أن الخطاب من باب العام المراد به الخاص, ولكن هذا لا يتنافى وكون اليهود مشمولين بالخطاب؛ لأن عندهم من الغلو نحو ما عند النصارى وأكثر, كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (٣). ومن غلوهم المقابل لغلو النصارى غلوهم في اتهام عيسى وأمه ﵉ بالبهتان والفرية, وأشد من ذلك محاولة قتلهم لبعض الأنبياء, وكما هو مذكور في آيات أخرى. ولأن السياق السابق منذ بداية السورة يخاطب اليهود والنصارى جميعاً, فتارة يذكرهم بلفظ (اليهود والنصارى) , وتارة بلفظ (أهل الكتاب) , كقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ .. ﴾ (٤).

стр. 95

وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ .. ﴾ (١). وقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ .. ﴾ (٢). وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ... ﴾ (٣). وقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ ... ﴾ (٤). وقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٥). وهذه الآيات تدل دلالة واضحة على أنهم جميعاً من أشد الناس غلواً في دين الله فهم سواء في مجاوزتهم الحد. الفرع الثاني: معنى الغلو في الدين . أما معنى الغلو في الدين في الآية فيترتب على معرفة المخاطب بها, وقد قدمنا أن الأولى اعتبار الآية خطاباً للنصارى, وعليه فالغلو المقصود هو المذكور في الآيات السابقة في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ .. ﴾ (٦) , وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ .. ﴾ (٧). فيكون الغلو في الدين في هذه الآيات السابقة هو مجاوزة الحق إلى الباطل, وهو في الاعتقاد القول بأن المخلوق يضاهي الخالق, أو أنه جزء من الخالق وبيده النفع والضر. قال الإمام الطبري: " (لا تغلوا في دينكم) يقول: لا تفرطوا في القول فيما تدينون به من أمر المسيح, فتجاوزوا فيه الحق إلى الباطل, فتقولوا فيه هو الله أو هو ابنه, ولكن قولوا هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه, وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى: (ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل

стр. 96

وأضلوا كثيرا) يقول: فتقولون فيه كما قالوا _أي اليهود_ هو لغير رشدة, وتبهتوا أمه كما يبهتونها بالفرية, وهي صديقة ... " (١). فتبين مما سبق أن كلا الفريقين اليهود والنصارى وقعا في الغلو في حق عيسى ﵇؛ ولكن ذهب كل فريق إلى طرف, فغلا النصارى في جانب الإطراء حتى جعلوه نداً لله, وغلا اليهود في جانب الجفاء حتى جعلوه ولد زنى, فبرأه الله مما قالوا (٢). قال الإمام القرطبي ﵀: " (لاتغلوا) أي: لا تفرطوا كما أفرطت اليهود والنصارى في عيسى ﵇ , فغلو اليهود قولهم في عيسى: ليس ولد رشدة, وغلو النصارى قولهم: إنه إله, والغلو مجاوزة الحد" (٣). وبهذا القول قال الإمام البيضاوي, والإمام الخازن رحمة الله عليهما. وكلا الغلوين مذمومان, وذلك لأنهما خالفا الحق في دينهم, قال محمد سيد طنطاوي: " وقد غالى أهل الكتاب في شأن عيسى ﵇ , أما اليهود فقد كفروا به ونسبوه إلى الزنا, وافتروا عليه وعلى أمه افتراء شديداً, وأما النصارى فقد وصفوه بالألوهية, فوضعوه في غير موضعه الذي وضعه الله فيه, وهو منصب الرسالة, وكما غالوا في شأن عيسى ﵇ فقد غالوا أيضاً في تمسكهم بعقائدهم الزائفة، مع أن الدلائل الواضحة قد دلت على بطلانها وفسادها " (٤). الفرع الثالث: ما يستفاد من النهي عن الغلو في الدين حديثاً . أما النهي عن الغلو في الدين في الآية يعني أموراً: أحدها: أن على أهل الكتاب أن يتركوا هذه الصفة الذميمة, وأن يسلكوا المنهج الوسط, وهو الحق الذي جاء به الرسل عليهم أكمل الصلاة وأتم التسليم.

стр. 97

الثاني: دعوة أهل الكتاب في عصرنا الحاضر إلى الإسلام, وذلك أن دينهم قد حرف وبدل ودخله الغلو والمبالغة, والإفراط والتفريط, ولا يمكنهم التخلص من ذلك إلا بالدخول في الإسلام الذي جاء بالدين الوسط الكامل, والإيمان بالقرآن المصدق لما سبقه من الكتب والمهيمن عليها. الثالث: تنبيه المسلمين ألا يقعوا فيما وقع فيه أهل الكتاب قديماً من الغلو الذي نهى النبي ﷺ عنه، فعن ابن عباس ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : ﴿وإياكم والغلو في الدين, فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين﴾ (١). وعن أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: ﴿لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله﴾ (٢). وقال رسول الله ﷺ : ﴿هلك المتنطعون قالها ثلاثا﴾ (٣). و(المتنطعون) أي: المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم (٤). الفرع الرابع: مفاسد الغلو في الدين قديماً وحديثاً . إن الغلو مذموم في الشرع, ولا شك أن ذلك دليل على احتوائه على مفاسد تعود على الغالي والمغلو فيه في الدين والدنيا, وقد بيَّن العلماء بعض تلك المفاسد أخذاً من النصوص الشرعية المتعلقة بالخطاب القرآني في النهي عن الغلو, وأخذاً مما وقع فيه أهل الكتاب جراء الغلو, فمن ذلك: ١ - أنه تنزيل للمغلو فيه فوق منزلته إن كان مدحاً، ودونها إن كان قدحاً. ٢ - أنه يؤدي إلى عبادة هذا المغلو فيه كما هو الواقع من أهل الكتاب.

стр. 98

٣ - أنه يصد عن تعظيم الله ؛ لأن النفس إما أن تنشغل بالباطل أو بالحق، فإذا انشغلت بالغلو بهذا المخلوق وإطرائه وتعظيمه تعلقت به ونسيت ما يجب لله تعالى من حقوق. ٤ - أن المغلو فيه إن كان موجوداً؛ فإنه قد يزهو بنفسه ويتعاظم ويعجب بها، وهذه مفسدة تفسد المغلو فيه إن كانت مدحاً، وتوجب العداوة والبغضاء وقيام الحروب والبلاء بين هذا وهذا إن كانت قدحاً (١). وقد حصل مثل هذا الغلو بين كثير من الطوائف النصرانية في العصور الوسطى (٢). وهذه المفاسد كلها وأكثر منها قد وقع فيها أهل الكتاب قديماً؛ فالنصارى أنزلوا المسيح ابن مريم وأمه ﵉ فوق منزلتهما, وغالوا فيهما حتى عبدوهما واتخذوهما آلهين مع الله تعالى, وكذلك فعل اليهود في عزير ﵇ , ثم غالوا في اتباع أحبارهم ورهبانهم فاتخذوهم أرباباً من دون الله, هذا في الغلو من جهة المدح. أما من جهة الذم فإنهم قتلوا أنبياء الله وأهانوهم وصلبوهم, وكذبوا برسالاتهم وكتبهم, وكفروا بهم واستهزؤوا بهم كما هو ثابت في القرآن العظيم. وقد نبه العلماء ﵏ على ذلك قديماً؛ قال الزمخشري ﵀: في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ (٣). قال الزمخشري: "الغلو في الدين غلوان: غلو حق: وهو أن يفحص عن حقائقه, ويفتش عن أباعد معانيه, ويجتهد في تحصيل حججه, كما يفعل المتكلمون من أهل العدل والتوحيد رضوان الله عليهم.

стр. 99

وغلو باطل: وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة واتباع الشبه, كما يفعل أهل الأهواء والبدع" (١). أقول: ولا يخفى عليك أن اليهود والنصارى أولى بهذا الباطل من أهل الأهواء البدع. المطلب الثالث: الغلو في الدين عند أهل الكتاب حديثاً: لا يزال الغلو في الدين قائماً بين أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلى اليوم, وسنذكر هنا نماذج وصوراً يتجلى من غلوهم في الدين حديثاً, فمن ذلك: الفرع الأول: غلوهم في عيسى ﵇ -: إن أهل الكتاب لم يكتفوا بالكفر والشرك, بل كانوا من المغالين جداً, ولا يزالون إلى يومنا هذا على اعتقاداتهم الفاسدة التي لا تنبني على منطق وواقعية، كمقولتهم في حقيقة المسيح باللاهوت, والناسوت (٢)، ومقولتهم في التثليث (٣) الذي ينتج توحيداً كما يزعمون, والفداء, وغيرها مما لا يقبله عقل بشري. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٤).

стр. 100

الفرع الثاني: غلوهم في إطلاقهم حرية الرأي والتعبير: إن من أشد غلو أهل الكتاب في العصر الحديث ما يسمونه بحرية الرأي والرأي الآخر, فتجاوزوا في حرية التعبير عن الرأي, فأصبح كل إنسان يقول ما يشاء وكيف يشاء حتى ولو قال رأيه في الذات الإلهية وبما لا يليق بخالقه, أو ينكر وجوده, أو يستهزئ برسل الله, أو بالكتب السماوية, ويسب الآخرين ويزدري بهم. فجُعلت حرية الرأي والتعبير دون ضوابط, وهي فكرة تولى كبرها ووزرها اليهود والنصارى في عصرنا الحاضر, ولم يكتفوا بأن تكون في بلدانهم بل يريدون فرضها على العالم بأسره. فمن المقالات التي نشرت في الولايات المتحدة الأمريكية ما يلي: "نشرت وكالة الأنباء الأمريكية الأسوشيتيد بريس في مارس ٢٠٠٢ م: اقتراح صحفي أمريكي يدعى ريتش لوري في مجلة ناشيونال ريفيو القائل بضرب مكة بقنبلة نووية، وقال: "ضرب مكة بقنبلة نووية سوف يرسل إشارة للمسلمين! وقد زعم لوري تأييد عدد كبير من الأمريكيين لضرب مكة بقنبلة نووية. ووصف صحفي أمريكي ثان اسمه رود درمر فكرة تدمير مدينة مكة المكرمة بأنها جيدة" (١). وأيضاً دعوة توم تانكريدو العضو الجمهوري بالكونجرس في يوم ٤ يوليو من عام ٢٠٠٥ م إلى ضرب مكة المكرمة بالقنبلة النووية لمنع هجوم إرهابي على أمريكا, ووصفه الأمريكيون الذين اعتنقوا الإسلام (أبرهة) القرن الواحد والعشرين, وقالوا: إن إعصار وطوفان كاترينا في نيو اورلينز، وكذلك إعصار وطوفان ريتا في تكسس كولورادو هو عقاب الله على التفكير بضرب مكة المكرمة نووياً، وشبهوهما بالطير الأبابيل التي صدت إبرهة وأفعاله عن هدم الكعبة (٢). فكيف يسمح لمثل هؤلاء القوم أن يكتبوا ويعبروا عن أرائهم بمثل هذه الآراء العوجا الفاسدة والمثيرة للجدل, والداعية للحذر منهم ومن تعاملاتهم, وكان الأولى والأجدر بالولايات المتحدة الأمريكية راعية الحوار بين الحضارات كما تزعم أن تقود هؤلاء الناس إلى السجون, وتقوم بمحاكمتهم كونهم ممن يدعون إلى الإرهاب, ويثيرون الحقد بين المسلمين وغيرهم, وكل ما يحدث في عصرنا الحديث هو من الكيل بمكيالين, كما يحصل للمسلمات في فرنسا وألمانيا حينما يردن ارتداء الحجاب,

стр. 101

فيمارسون في حقهن التضييق والإيذاء, وما ذلك إلا شاهد على حريتهم المكذوبة التي يدعونها, وهم يفرضون على الضعفاء من الأقليات الإسلامية في بلدانهم مثل هذه الآراء العوجا, وكذلك المساجد التي ترفع الأذان بدعوة الناس للصلاة والعبادة لا تعد عندهم من الحرية, إنما الحرية أن تسب الدين وتعتدي على النبيين وتقتل الأطفال والنساء, وهذا هو تاريخ أهل الكتاب في كل زمانٍ ومكان في إتباعهم الهوى والضلال. الفرع الثالث: غلوهم بإلصاق تهمة الغلو بالمسلمين ومحاربتهم لهم بسبب ذلك: واليوم يطلق اليهود والنصارى ألقاباً ومصطلحات هي في معنى الغلو, مثل: التطرف, التشدد, الأصولية, الإرهاب, التنطع, اليمين, ويريدون إلصاقها بالملتزمين بالأوامر الإلهية من المسلمين, بل جعلوا التمسك بالدين تهمة يدان بها المسلم فيستحق أن يبقى تحت المراقبة والتضييق والملاحقة, وأن يكون الأصل فيه الشك, بل يصل إلى التعذيب والسجن. وفي المقابل فإن المسلم المتساهل في دينه, الذي لا يهتم بأوامر دينه ونواهيه, ولا يبالي بهجر الأوامر وغشيان المناهي والفجور, وإهمال مبادئ الإسلام وأصول الولاء والبراء والإفراط التفريط؛ هو المسلم المتسامح الوسطي. ولا تزال مطارقهم تدق هذه الشبهة داخل المجتمعات الإسلامية, حتى تأثر بها بعض أبناء المسلمين, فصاروا يرددون شعارات اليهود والنصارى وأفكارهم, ويكيلون التهم إلى الإسلاميين والمتمسكين بالدين من إخوانهم, ويدعون الناس لعقد مؤتمرات وندوات في بلاد المسلمين حول منهج الوسطية ونبذ التشدد في الدين, وهم في الحقيقة يدعون الناس إلى ترك الدين أو إلى تمييع أحكام الشرع, وهدم أصوله, وابتداعهم لدين يتماشى مع سياسات أعداءهم. والعجيب في ذلك كثرة دعائهم إلى الوسطية مع وجودها داخل البلاد الإسلامية, وغياب النداء إلى الالتزام بالدين مع انتشار التساهل والانحلال الأخلاقي في بعض بلاد المسلمين, فعلام يدل هذا؟ مع أن الأصل في ذلك هو أن ندعو الناس إلى الدين الوسط الحق الذي لا إفراط فيه ولا تفريط, وإلا فلماذا أصبحت المسلمة التي تردي الحجاب مخالفة للقانون ويضيق عليها وتعاقب, والذي يقتل الأطفال والشيوخ كما يحصل في غزة والعراق وغيرها موافق للقانون؟ فما هو هذا المعيار وما هو هذا المكيال الذي تدعوننا إليه!

стр. 102

الفرع الرابع: غلوهم بإثارة الحروب والفتن على المسلمين: وإن من غلوهم ومجاوزتهم للحدود إثارة الحروب والقلاقل والفتن في كل بلاد المسلمين, وكذلك محاربتهم لمن ينتسبون للدين الإسلامي, كما حصل في إيرلندا وفي البوسنة والهرسك, وحيث وقعت مجازر جماعية. الفرع الخامس: غلوهم بإدعاؤهم أنهم شعب الله المختار: وإن من غلوهم ما يحصل من اليهود اليوم من تسمية أنفسهم بـ (شعب الله المختار) وأن غيرهم عبيداً لهم, وأن الأمة اليهودية هي" ثالوث يتألف من الشعب الإسرائيلي والتوراة والإله، وأن هذه المقومات كلها متساوية, إذ لا يتصور الشعب الإسرائيلي دون الإله والتوراة، ولا الإله دون التوراة والشعب، ولا التوراة دون الشعب والإله. فالأقانيم الثلاثة تساوي في مجموعها وحدة عضوية هي الأمة الإسرائيلية " (١) وكذلك ما يقوله المحافظون الجدد الذين يقولون: إنهم أبناء الله. الفرع السادس: غلوهم في كسبهم المحرَّم: ومن غلوهم في عصرنا الحاضر أيضاً مجاوزتهم لحدود الله تعالى في معاملاتهم الربوية في البنوك العالمية, ومن أشهر ذلك البنك الدولي الذي يشرف عليه اليهود والنصارى, والذي يعد من الأسباب الرئيسية في انهيار الاقتصاد العالمي في كثير من الدول عام (٢٠٠٧٢٠٠٨ م) , وما حصل في الولايات المتحدة الأمريكية من الأزمة الاقتصادية العالمية إلا شاهد على ذلك. تنبيه: قد يطلق البعض اليوم الغلو في الدين على التمسك بتعاليمه والعمل بما يقتضيه من الأفعال والتروك, كما يطلق ذلك من يطلقه من اليهود والنصارى واللادينيين وأذنابهم على المسلمين, وهذا فيه دليل على أمور؛ منها: أولاً: أنهم مستمرون على عنادهم وكفرهم وما كان عليه أسلافهم من الغلو. ثانياً: أنهم باقون على غلوهم لم يقلعوا بعد عنه, ومن ذلك الرسوم الساخرة من عيسى ومحمد عليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم. ثالثاً: أنهم عكسوا الأمر؛ فبدلاً من أن ينفذوا التوجيهات الإلهية فينتهوا عن الغلو أخذوا يتهمون غيرهم به زوراً وبهتاناً, كما قيل: رمتني بدائها وانسلت! وقد قام الجنرال الأمريكي "ويليام. ج. بويكن" نائب وزير الدفاع الأمريكي يخطب في إحدى الكنائس وهو بزيه العسكري فقال: "إن إلهنا

стр. 103

أكبر من إلههم .. إن إلهنا إله حقيقي، وإله المسلمين صنم ... وإنهم يكرهون الولايات المتحدة الأمريكية، لأنها أمة مسيحية يهودية، وحربنا معهم هي حرب على الشيطان .. وإن دين الإسلام دين شيطاني شرير ... ومحمد هو الشيطان نفسه ... " (١). ومثل هذا الكلام يبين لنا مدى غلوهم في الحقد الذي تشربوه في نفوسهم تجاه دين الله ورسوله والمسلمين, وبعد أن ذكرنا الخطاب القرآني لأهل الكتاب المتعلق بالنهي عن الغلو في الدين, ومجاوزة الحد فيه, وتبين لنا أن هذا الغلو هو الذي أوصلهم إلى تحريف كتب ربهم حتى يتوافق مع ما تمليه عليهم أهوائهم في رسلهم وأنبياءهم, فقتلوهم وكفروا بربهم, فكان المخرج من هذا الغلو هو أن يلتزم أهل الكتاب بما جاءهم من الخطاب القرآني الذي يدعوهم إلى أن يكونوا على وسط من أمرهم, وأن يأخذوا أوامر ربهم بجد وقوة, وأن يحذروا من الإفراط والتفريط في دينهم, وهذا الوسط هو الإسلام, دين جميع الأنبياء الذي ارتضاه الله لعباده حتى يعودوا إلى رشدهم, وحتى يرفع الله ما حل بهم من العداوة والبغضاء الواقعة بينهم عبر تاريخهم.

стр. 104

المبحث الثالث: مجادلة أهل الكتاب ومباهلتهم , وفيه مطلبان: المطلب الأول: مشروعية جدال أهل الكتاب ومناظرتهم, وفيه أربعة فروع: الفرع الأول: تعريف الجدل لغة وشرعاً. الفرع الثاني: مشروعية جدال أهل الكتاب عند المفسرين. الفرع الثالث: آداب الجدال مع أهل الكتاب. الفرع الرابع: مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم حديثاً. المطلب الثاني: دعوة أهل الكتاب للمباهلة, وفيه فرعان: الفرع الأول: تعريف المباهلة لغةً واصطلاحاً. الفرع الثاني: مشروعية المباهلة حديثاً.

стр. 105

المطلب الأول: مشروعية جدال أهل الكتاب ومناظرتهم: إن من سنن الله في عباده حينما يضلون عن طريق الهدى بنسيانهم شريعة ربهم, وقسوة قلوبهم بسبب طول الأمد عليهم, أن يعاقبهم بإتباع الأهواء, أو ما يمليه عليهم أحبارهم ورهبانهم مما لم يشرعه الله لعباده كما حصل لأهل الكتاب قديماً, فيرسل الله رسله بالهدى وبدين الحق؛ لإخراجهم من الظلمات إلى النور, قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١). إن هذه الأيام قد أصبحت الأمة تعج بكثير من الفتن والدعوات والأفكار التي أضعفت الأمة الإسلامية بسبب بعدها عن شرع ربها وهدي خالقها، وقد أصبح العالم بأسره كقرية صغيرة من خلال مشاهدة وسائل الإعلام الحديثة، وأصبح الغرب يهتم بالحوار اهتماماً كبيراً؟ ومما ينبغي على محبي الرسل ومعظميهم من المسلمين أن يقوموا بدعوة أهل الكتاب إلى الإسلام وإلى دين الله الحق الذي ارتضاه لعباده بالحكمة والموعظة الحسنة, وأن يجادلوهم بالتي هي أحسن حتى تقام عليهم الحجة, وأن يجادلوهم بكل ما يمتلكون من وسائل تتناسب مع هذا العصر للدعوة للحق, وحتى لا يقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير, وهذا الواجب ليس واجباً مؤقتاً طرأ على المسلمين كونهم ضعفاء في عصرنا الحديث, بل هو من صميم الدين, وقد كانت هذه الدعوة لحوارهم ومناظرتهم قديماً والإسلام حينها في أعز قوة وتمكين وثبات, فمن باب أولى أن ندعوهم في عصرنا الحديث. وقبل أن نبدأ ببيان مشروعية الجدال والمناظرة لأهل الكتاب, وأقوال المفسرين في ذلك نقوم بتعريف الجدال لغةً وشرعاً:

стр. 106

الفرع الأول: تعريف الجدل لغة وشرعاً: أولاً: تعريف الجدال لغةً: ذكر ابن فارس أن مادة (جدل) من باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه, وامتداد الخصومة ومراجعة الكلام (١). وقال ابن منظور (٢): "الجدل شدة الفتل, وجَدَلْتُ الحَبْلَ أَجْدِلُه جَدْلاً إِذا شددت فَتْله وفَتَلْتَه فَتْلاً مُحْكَماً " (٣). ثانياً: تعريف الجدال اصطلاحاً: أما شرعاً فللعلماء في تعريف الجدل عبارات متقاربة, وهي كما يلي: قال المناوي: " الجدل: دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجّة أو شبهة، أو يقصد به تصحيح كلامه, وهو الخصومة في الحقيقة، والجدال: عبارة عن مراء يتعلّق بإظهار المذاهب وتقريرها " (٤). وقال الفيومي (٥): "هو التّخاصم بما يشغل عن ظهور الحقّ ووضوح الصّواب" (٦). وأضاف الكفويّ (٧) على تعريف المناوي قوله: "هو عبارة عن دفع المرء خصمه عن فساد قوله بحجّة أو شبهة, وهو لا يكون إلّا بمنازعة غيره" (٨).

стр. 107

وقال في موضع آخر عن المجادلة: "هي المنازعة في المسألة العلمية لإلزام الخصم, سواء كان كلامه فاسداً في نفسه أو لا" (١). وبالنظر في هذه التعريفات المتعددة للجدل والجدال يتبين أنها متقاربة, وإن كان بينها بعض الاختلاف, وإذا أمعنا النظر في ذلك نجد أنها قد اختلفت باختلاف الهدف من الجدل, ولذا قال الفيومي بعد تعريفه: وهو محمود إن كان للوقوف على الحق وإلا فمذموم. والحاصل: أن الجدال لا يخلو عن تخاصم ومراء في الأصل؛ لكن قد يستعمل بمعنى المباحثة والمناظرة التي يهدف فيها المتباحثون التوصل للحق, مثل ما كان يقع من المناظرات بين الشافعي وسفيان الثوري, أو بين الشافعي وإسحاق بن راهويه (٢) , أو بين غيرهم من الأئمة السابقين. ولهذا كان الجدل في الدين محموداً, ولقد جادل نوح ﵇ والأنبياء أقوامهم حتى يظهر الله الحق, فمن قبله أنجح وأفلح, ومن رده خاب وخسر. وقد يكون الجدال للمماراة والعناد وجحد الآيات, أو لدحض الحق بالباطل, ولا يهدف إلى إظهار الحق؛ فيكون بهذا مذموماً. ولهذا لا تكون المجادلة لأهل الكتاب إلا عن بصيرة, وتكون من أهل العلم الذين يفهمون كيف يجادلونهم؛ ليقنعوهم ويستطيعوا الرد على شبهاتهم. وأما الجاهل الذي يجادل من غير علم وبدون بصيرة, فلا يحق له أن يجادلهم لما قد يترتب على ذلك من الفتنة, وعلى هذا التَّفصيل تنزَّل النُّصوص الواردة في إباحته وذمّه. والجدال ينقسم من حيث مشروعيته إلى قسمين: جدال محمود, وجدال مذموم, وإذا نظرنا في نصوص الخطاب القرآني الواردة في الجدال نجد أن بعضها تدل على مشروعيته, وبعضها تدل على

стр. 108

ذمه وذم أهله, وقد أشرنا فيما سبق إلى أن أصل الجدل لا يخلو من التخاصم, وأنه قد يكون للوقوف على الحق, وعلى هذا فلا بد من التفصيل في حكمه بحسب الدافع إليه؛ فنقول:

стр. 109

القسم الأول: الجدال المحمود: الجدال يكون محموداً إذا تعلَّق به إظهار الحق وتقريره أو الوقوف عليه, وقد أُمر بذلك النَّبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١). وقد خاطب الله المؤمنين بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢). فتبين من خلال هذه الآيات مشروعية الجدال الذي أمر الله به رسوله أن يجادل أهل الكتاب وغيرهم, وأن يدعوهم إلى الله بالحسنى, وهذا هو الجدال المحمود. القسم الثاني: الجدال المذموم: وأما الجدال المذموم فهو الذي يكون بغير الحق, أو يكون مما أراد به المجادل أن يظهر الباطل في صورة الحق, أو يشغل الناس عن ظهور الحقِّ ووضوح الصّواب, أو ليدحض به الحق, فحينها يكون مذموماً، ويكون صاحبه آثماً, وهذا هو المقصود بقوله ﷺ : ﴿ما أوتِيَ قَوْم الجدَلَ إلا ضَلُّوا﴾ (٣) , وهذا هو مرادنا من الجدال المذموم الذي حصل من أهل الكتاب والمشركين مع رسل الله ﵈ كما تبينه الآيات التالية: قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (٧).

стр. 110

قال سيد قطب: فهؤلاء لا جدال معهم ولا محاسنة, وهؤلاء هم الذين حاربهم الإسلام عندما قامت له دولة في المدينة (١). ومن خلال هذه الآيات وغيرها تبين أن كل من جادل في الله بغير علم, ولا هدى ولا كتاب منير, فإن جداله يكون مذموماً؛ وذلك لإتباعه هواه, وتلبيسه للحق بالباطل. الفرع الثاني: مشروعية جدال أهل الكتاب عند المفسرين: جاء الأمر بمجادلة أهل الكتاب في القرآن الكريم في عدة آيات, فمن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٢). أما دلالة هذه الآية على مشروعية جدال أهل الكتاب: فقد اختلفت عبارات المفسرين في معنى هذه الآية ودلالتها على مشروعية جدال أهل الكتاب, ونحن نعرض أقوالهم كما يلي: قال النسفي (٣) ﵀: "الآية تدل على جواز المناظرة مع الكفرة في الدين, وعلى جواز تعلم علم الكلام الذي به تتحقق المجادلة, وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ من جنس المجادلة بالأحسن, وقال ﷺ : ﴿ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان باطلاً لم تصدقوهم وإن كان حقَّاً لم تكذبوهم﴾ (٤) " (٥).
следующие страницы →