الكفارات أحكام وضوابط
د. عبد الرقيب صالح محسن الشامي
стр. 2
الكفارات أحكام وضوابط
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4
الطبعة الأولى
١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م
стр. 5
الكفارات أحكام وضوابط
د. عبد الرقيب صالح محسن الشامي
الطبعة الأولى
١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م
стр. 6
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين نبينا محمد وعلى آله، وصحبه، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فإن من رحمة الله تعالى بعباده أن شرع لهم من التعاليم والتشريعات ما يضبط تصرفاتهم ويقيم شؤون حياتهم، ويضمن لهم حياة كريمة، يسعدون بها في الدنيا، ويفوزون بالنعيم المقيم في الأخرى.
ولقد حث الله عباده ورغبهم بالامتثال لأوامره، والابتعاد عن محارمه فإن ذلك هو أزكى لهم، وأصلح لشؤونهم، ولما كان الإنسان ضعيفًا، ولا ينفك عن الخطأ والزلل، وهو يرجو أن يُغفر ذنبه، ويُكفر عن سيئاته، ويُعفى عن خطئه، بحيث يخرج من الدنيا وقد خفف عن ظهره ما استطاع من الأثقال التي تعرضه للحساب يوم القيامة، فقد جعل الله له في كل أزمة مخرجاً، ومن كل ذنب فتح له للتوبة بابًا، تحقيقاً لمبدأ الرحمة، والتيسير ورفع الحرج، ومن هذه المخارج التي جاءت بها الشريعة الإسلامية جبراً للخلل في بعض الأمور وتكفيراً للخطأ فيها، وزجراً عن العودة لمثلها فيما يستقبل من الأيام، الكفارات والتي تعد نظاماً تشريعياً رائداً لا نظير له، فهي عبادة لله تعالى تتحقق فيها التقوى المتمثلة بصدق الوفاء بها طاعة لله، وامتثالاً لأمره من غير رقيب سوى الشعور بالمسؤولية أمام الله تعالى، وهي نظام أخلاقي تتجلى فيه معاني المواساة، والتكافل الاجتماعي.
ولما كانت الكفارات متعددة الأبواب مختلفة الأحكام في بعض تفاصيلها، وكون الحاجة إليها ماسة لعموم البلوى بها، وشدة حاجة المجتمع إليها فقد رأيت أن أكتب في هذا الباب المسائل المتعلقة بالكفارات محاولاً التركيز على القضايا المهمة فيها والتي تقتضي المعرفة لدى الجمهور، وسميته (الكفارات ... أحكام وضوابط) وقد اقتضى البحث تناوله وفق الخطة التالية:
стр. 7
التمهيد، ويشتمل على ستة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الكفارة.
المطلب الثاني: الحكمة من تشريع الكفارات.
المطلب الثالث: الحكم التكليفي للكفارات.
المطلب الرابع: الفرق بين الكفارة والفدية.
المطلب الخامس: هل الكفارات عقوبات أم جوابر؟
المطلب السادس: الأفعال التي توجب الكفارة.
الفصل الأول: كفارة اليمين، ويشتمل على خمسة مباحث:
المبحث الأول: تعريف اليمين، ومشروعيتها.
المبحث الثاني: أقسام اليمين.
المبحث الثالث: خصال كفارة اليمين.
المبحث الرابع: أحكام كفارة اليمين.
المبحث الخامس: مشبهات اليمين.
الفصل الثاني: كفارة الظهار، ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: تعريف الظهار، وحكمه.
المبحث الثاني: خصال كفارة الظهار، وأحكامها.
الفصل الثالث: كفارة القتل، ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: أقسام القتل، وما يوجب منه الكفارة.
المبحث الثاني: خصال كفارة القتل.
المبحث الثالث: أحكام كفارة القتل.
الفصل الرابع: كفارة الجماع في نهار رمضان، ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: موجب الكفارة في نهار رمضان
стр. 8
المبحث الثاني: أحكام كفارة الجماع في نهار رمضان.
الفصل الخامس: كفارة قتل المُحرِم للصيد، ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: قتل الصيد الموجب للكفارة.
المبحث الثاني: خصال كفارة قتل المُحرم للصيد.
الفصل السادس: أحكام عامة في الكفارات، ويشتمل على سبعة مباحث:
المبحث الأول: حكم إخراج القيمة في الكفارات.
المبحث الثاني: النيابة في الكفارات.
المبحث الثالث: التوكيل في إخراج وتوزيع الكفارات.
المبحث الرابع: نقل الكفارة إلى خارج البلد.
المبحث الخامس: حكم إعطاء الكفارات لغير المسلمين
المبحث السادس: الكفارة بين الفور والتراخي.
المبحث السابع: سقوط الكفارة.
خاتمة.
والله المسؤول أن يكتب لنا التوفيق والسداد، ولا يحرمنا من الأجر والثواب، وأن يضع له القبول والنفع بين العباد، إنه جواد كريم.
دولة الكويت
مارس ٢٠١٨ م - جمادى الآخرة ١٤٣٩ هـ
стр. 9
التمهيد
ويشتمل على ستة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الكفارة.
المطلب الثاني: الحكمة من تشريع الكفارات.
المطلب الثالث: الحكم التكليفي للكفارات.
المطلب الرابع: الفرق بين الكفارة والفدية.
المطلب الخامس: هل الكفارات عقوبات أم جوابر؟
المطلب السادس: الأفعال التي توجب الكفارة.
стр. 10
المطلب الأول
تعريف الكفارة
تعريف الكفارة في اللغة:
الكَفَّارة لغة: مشتقة من كَفَّرَ بمعنى غطى وستر, ومن هنا سمي الكُفْرُ كفراً لأنه يغطي الإيمان. والكُفْرُ أيضاً: جحود النعمة، وهو ضد الشكر.
والكَفْرُ بالفتح التغطية. وقد كَفَرْتُ الشيء أَكْفِرُهُ بالكسر كفراً أي سترته. والكافِرُ: الليل المظلمُ، لأنه سَتَر كل شيء بظلمته. والكافِرُ: الزارع؛ لأنه يغطى البذر بالتراب ومنه قوله تعالى: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]. والكَفَّارة: ما كُفِّرَ به من صدقة أو صوم أو نحو ذلك؛ قال بعضهم: كأنه غُطِّى عليه بالكفَّارة (١).
تعريف الكفارة شرعاً:
عرفها الكاساني بقوله: "الكفارة في عرف الشرع اسم للواجب" (٢). أي ما أوجبه الله تعالى على من أتى شيئاً منهياً عنه, أو قصر في مأمور به.
وفي المجموع: "وأما الكفارة: فأصلها من الكَفْرِ بفتح الكاف وهو الستر؛ لأنها تستر الذنب وتُذهبه, ثم استُعمِلت الكفارة فيما وجد فيه صورة مخالفة أو انتهاك وإن لم يكن فيه إثم, كالقاتل خطأ وغيره" (٣).
стр. 11
وعرفها المناوي بقوله: "ما وجب على الجاني جبرا لما منه وقع وزجرا عن مثله" (١).
وفي معجم لغة الفقهاء: الكفارة: بتشديد الفاء، ما يكفر - أي يغطى - به الإثم.
وهي: تصرف أوجبه الشرع لمحو ذنب معين، كالإعتاق والصيام والإطعام، وغيرها (٢).
ومن المعاني السابقة نستنتج أن الكفارة تطلق على أمرين:
أحدهما: تغطية المعصية وسترها ومحو أثرها.
والثاني: ما يؤديه المكفِّر مما أوجبه الله عليه من العتق أو الصيام أو الإطعام.
وبناء على ما سبق فإن الكفارة تطلق على:
الأفعال التي طلبها الشارع من المكلف للخروج من حرج فعل، أو التوبة منه.
стр. 12
المطلب الثاني
الحكمة من تشريع الكفارات
للكفارات حِكَمٌ تشريعية ومقاصد وغايات مصلحية، منها ما يعود إلى المكلف نفسه، ومنها ما يعود إلى المجتمع:
أولاً: ما يعود إلى المكلف نفسه ، ويتمثل في أمور منها:
١ ـ تحقيق الامتثال لأمر الله تعالى، وفي هذا تعزيز جانب العبودية، واختبار حقيقة الإيمان الذي يقتضي المبادرة لتنفيذ أوامر الشارع.
٢ ـ تهذيب النفس وترقية الروح، وتعزيز التقوى عن طريق تشريع الصيام خصلة من خصال الكفارات كلها، وما يثمره الصوم من إصلاح العبد وتزكية نفسه، وترشيد سلوكه.
٣ ـ تعويد المكلف على البذل والإنفاق، والتخلص من الشح والبخل، بتشريع الإطعام والكسوة والعتق من خصال الكفارات اللازمة.
٤ ـ تحقيق مقتضى التوبة والندم، والرجوع إلى الله تعالى، وهي كذلك رادع للإنسان عن العودة إلى سببها إن كان إثماً.
ثانياً: ما يعود إلى المجتمع ، ويتمثل في أمور، منها:
١ ـ تحقيق التكافل الاجتماعي، والتعاون بين أفراد المجتمع بفرض الإطعام لسد احتياجات المحتاجين والفقراء والمساكين.
стр. 13
٢ ـ الكفارات تعد جزءاً من الإجراءات التي اتخذتها الشريعة الإسلامية ضمن التدابير اللازمة لعلاج مشكلة الفقر.
٣ ـ التأكيد على مبدأ الحرية والكرامة للإنسان، والتشوف والتطلع إلى تحريره من سائر أنواع الرق، وذلك بجعل عتق الرقاب خصلة من خصال الكفارات.
стр. 14
المطلب الثالث
الحكم التكليفي للكفارات
شرعت الكفارات مقابل أفعال أو أقوال ممنوعة تصدر من الإنسان، لتلافي آثار هذه التصرفات، وإصلاح الخلل، وهي سبيل لبراءة الذمة وخلو العهدة من آثار هذه الأفعال والتصرفات.
وحكمها العام الكلي هو (الوجوب)، فهي لازمة على المكلف، ولا تبرأ ذمته إلا بالقيام بها.
وإنما تختلف هذه الكفارات وهذه الخصال من حيث وجوب الترتيب أو جوازه أو الجمع بين الأمرين معاً كما سيأتي.
стр. 15
المطلب الرابع
الفرق بين الكفارة والفدية
الفدية: البدل الذي يتخلص به المكلف عن مكروه توجه إليه (١).
والفدية: ما يقوم مقام الشيء دفعًا للمكروه عنه، وهي أنواع:
١ ـ فدية الأسير هي: ما يدفع لاستنقاذه من الأسر.
٢ ـ فدية الصوم عمن أفطر لعلة لا يرجى زوالها، أو للحامل والمرضع إذا أفطرتا لمصلحة الجنين أو الرضيع عند البعض هي: إطعام مسكين عن كل يوم.
٣ ـ فدية حلق رأس المحرم لأذى أصابه به: صيام أو صدقة، أو ذبح شاة (٢).
وذكر الإمام بدر الدين الزركشي في كتابه المنثور في القواعد الفرق بين الفدية والكفارة قائلاً: "والفدية تفارق الكفارة في أن الكفارة لا تجب إلا عن ذنب تقدم بخلافه الفدية" (٣). انتهى.
فالكفارة ناشئة عن ارتكاب ممنوع سواء على سبيل القصد في سائر الكفارات، أو على سبيل الخطأ في قتل الخطأ؛ تعظيماً لشأن النفس الإنسانية، وعادة ما تكون الكفارة تالية لوقوع التصرف الممنوع، بخلاف الفدية فهي شرعت مقابل الإعفاء عن مطلوب شرعاً بحيث يُقبِل المكلف على البدل وفق إذن مسبق من الشارع، ليكون الفعل مشروعاً من أساسه.
стр. 16
المطلب الخامس
هل الكفارات عقوبات أم جوابر ؟
تحدث الفقهاء عن الكفارات من حيث بيان حقيقتها وصفتها، هل هي عقوبة أم جابرة للخلل الذي أحدثه المكلف؟ أم تجمع بين الصفتين؟ وهذه بعض أقوالهم:
في شرح تنقيح الفصول للقرافي: "وكفارة الحنث جابرة لما فات من البر" (١).
وفي تفسير الألوسي عند تفسير قوله تعالى من سورة المجادلة: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٣ - ٤]. قال: "ظاهر في كون الكفارة عقوبة محضة، وقد تقدم القول بأنها دائرة بين العبادة والعقوبة، وكلام الزيلعي يدل على أن جهة العبادة فيها أغلب، وفي شرح منهاج النووي لابن حجر في كتاب كفارة الظهار: الكفارة من الكفر وهو الستر لسترها الذنب بمحوه أو تخفيف إثمه بناء على أن الكفارات زواجر كالتعازير، أو جوابر للخلل، ورجح ابن عبد السلام الثاني، لأنها عبادة، لافتقارها للنية أي: فهي كسجود السهو، إلى أن قال: ومتى قيل: بأن الإعتاق المذكور كفارة وأن الكفارة تستر الذنب بمحوه أو تخفيف إثمه لم يكن بدّ من استتباعه الثواب وكون ذلك لا
стр. 17
يعدّ ثوابا لا يخلو عن نظر ولعل المراد أن المقصود الأعظم من شرع هذا الحكم الردع والزجر عن مباشرة ما يوجبه دون التعريض للثواب، وإن تضمنه في الجملة فتأمل" (١) انتهى.
ويقول العز ابن عبد السلام: " (قاعدة) في الجوابر والزواجر.
الجوابر مشروعة لجلب ما فات من المصالح، والزواجر مشروعة لدرء المفاسد، والغرض من الجوابر جبر ما فات من مصالح حقوق الله وحقوق عباده، ولا يشترط في ذلك أن يكون من وجب عليه الجبر آثمًا، وكذلك شرع الجبر مع الخطأ والعمد والجهل والعلم والذكر والنسيان، وعلى المجانين والصبيان، بخلاف الزواجر فإن معظمها لا يجب إلا على عاص زجرًا له عن المعصية، وقد تجب الزواجر دفعًا للمفاسد من غير إثم ولا عدوان ... وقد اختلف في بعض الكفارات هل هي زواجر أم جوابر؟ فمنهم من جعلها زواجر عن العصيان؛ لأن تفويت الأموال وتحميل المشاق رادع زاجر عن الإثم والعدوان، والظاهر أنها جوابر؛ لأنها عبادات وقربات لا تصح إلا بالنيات، وليس التقرب إلى الله زاجرًا، بخلاف الحدود والتعزيرات فإنها ليست بقربات إذ ليست فعلا للمزجور، وإنما يفعلها الأئمة ونوابهم" (٢).
ويقول السبكي: "قاعدة الكفارات من العبادات جابر وزاجر، والمعنى بالجابر: ما يجبر مصلحة فاتت ويستدركها، فهو داخل في جلب المصالح، والمعنى بالزاجر: ما يمنع من ارتكاب مفسدة. إما محرمة أو مكروهة أو مصورة بصورة المحرم؛ ... إذا عرفت هذا؛ فقد اختلف في الكفارات أهي من الجوابر أو الزواجر؛ فقال
стр. 18
كثيرون: إنها جوابر لما فات من حق الله تعالى بدليل وجوبها على حافر البئر والنائم ونحوهما، ولأنها عبادات للنية فيها مدخل؛ فلا تشبه الحدود والتعزيرات التي هي زواجر محضة وقال آخرون بل هي زواجر عن الفعل الذي وضعت بإزائه، إما لفاعله أن يقع في مثله أو لغيره أن يفعل مثل فعله (١).
وفي شرح زاد المستقنع للشيخ محمد الشنقيطي: "وقوله: الكفارة عقوبة شرعية، اختلف العلماء رحمة الله عليهم فيها: فبعض العلماء يقول: إن الله شرعها عقوبة للمُخل بالطاعة، كما هو الحال في الصيام فيمن جامع أهله في نهار رمضان، ومنهم من قال: شرعها الله جبراً للنقص الموجود في العبادة، ومنهم من جمع بين الأمرين فقال: الكفارات تعتبر عقوبات وزواجر ومكملات، فهي عقوبة لمن فعل، وزجرٌ لغيره أن يفعل، وتكميل للنقص الموجود بسبب الإخلال في العبادة" (٢).
وجاء في الموسوعة الفقهية: "حقوق دائرة بين العبادة والعقوبة وهي الكفارات، مثل: كفارة الظهار، وكفارة الفطر في رمضان عمدا، وكفارة الحنث في اليمين، والكفارة عقوبة لأنها وجبت جزاء على الفعل المحظور شرعا، فالعقوبة في الكفارة من جهة الوجوب، وأما العبادة في الكفارات فهي من جهة الأداء، لأنها تؤدى ببعض أنواع العبادات، مثل: الصوم والإطعام والعتق.
أما كفارة الفطر في رمضان عمدًا فإن جهة العقوبة فيها غالبة، لأنه ليس في الإفطار عمدا شبهة الإباحة بوجه ما، ولما كانت جناية المفطر عمدًا كاملة، كان المفروض أن يترتب على ذلك عقوبة محضة، ولكنه عدل عن ذلك لقصور الجناية من حيث
стр. 19
إن المفطر ليس مبطلا لحق الله الثابت، وإنما هو مانع من تسليم الحق إلى مستحقه. ولذلك لم يكن الزجر عقوبة محضة، لأن تقصيره كان لضعفه وعدم
قدرته على أداء ما وجب عليه، وذلك مع التسليم بخطئه وقبح فعله (١).
أما بقية الكفارات فإن العقوبة فيها تبع" (٢).
ومن خلال ما تقدم يمكن توصيف الكفارات بما يلي:
أولاً: أنها عقوبات لمن ارتكب موجبها، وزواجر لمن يهمَّ بارتكابه في بعض الأفعال، وذلك في كفارة القتل الخطأ
وكفارة الظهار، وكفارة قتل الصيد بالنسبة للمُحرِم، وكفارة المجامع أهله في نهار رمضان.
ثانياً: أنها جوابر للخلل الذي وقع من المكلف وذلك في كفارة اليمين، وما شابهه.
ثالثاً: أنها جميعها عبادات لله تعالى يؤجر صاحبها على فعلها مع النية والإخلاص، كونها عبارة عن عتق أو صيام أو إطعام، ويرفع بها عنه إثم المخالفة لأنها حسنة بعد سيئة، والله تعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، والنبي ﷺ قال لأبي ذر ﵁: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) (٣).
стр. 20
المطلب السادس
الأفعال التي توجب الكفارة
الأفعال التي توجب الكفارة هي:
١ ـ اليمين المنعقدة، ويدخل تحتها:
النذر - الإيلاء - الحلف بالطلاق.
٢ ـ الظهار.
٣ ـ القتل.
٤ ـ الجماع في نهار رمضان عمداً.
٥ ـ قتل الصيد من المحرم.
الكفارات التي سنها وشرعها الشارع:
لا تخرج الكفارات التي شرعها الله عن خصال أربع هي:
أولاً: عتق الرقبة.
ثانيًا: الإطعام.
ثالثاً: الكسوة.
رابعاً: الصيام.
على اختلاف في ترتيبها، وفي مقدار كل خصلة منها.
стр. 21
الأصل في مشروعية الكفارات الكتاب والسنة:
قال الكاساني: "الكفارات المعهودة في الشرع خمسة أنواع: كفارة اليمين، وكفارة الحلق، وكفارة القتل، وكفارة الظهار، وكفارة الإفطار في رمضان، والكلّ واجبة، إلا أنّ الأربعة الأُولى منها عرف وجوبها بالكتاب العزيز، والخامسة منها عرف وجوبها بالسنة" (١).
стр. 22
الفصل الأول
كفارة اليمين ، ويشتمل على خمسة مباحث:
المبحث الأول: تعريف اليمين، ومشروعيتها.
المبحث الثاني: أقسام اليمين.
المبحث الثالث: خصال كفارة اليمين.
المبحث الرابع: أحكام كفارة اليمين.
المبحث الخامس: مشبهات اليمين.
стр. 23
المبحث الأول
تعريف اليمين ومشروعيتها
تعريف اليمين لغة:
اليمين مفرد أيمن وأيمان، ويطلق اليمين في اللغة على اليد اليمنى، وعلى القوة، وعلى القسم، فهو مشترك بين هذه الثلاثة ثم استعمل في الحلف؛ لأنهم كانوا في الجاهلية إذا تحالفوا أخذ كل واحد بيد صاحبه اليمنى، أو لأن الحالف يتقوى بقسمه، كما أن اليد اليمنى أقوى من اليد اليسرى (١).
تعريف اليمين في الشرع:
تحقيق الأمر أو توكيده بذكر اسم الله تعالى أو صفة من صفاته.
وهو: عقد يقوي به الحالف عزمه على الفعل أو الترك (٢).
مشروعية اليمين:
الأصل في مشروعيتها وثبوت حكمها، الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقول الله سبحانه: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. الآية. وقال تعالى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١].
стр. 24
وأمر نبيه ﷺ بالحلف في ثلاثة مواضع، فقال: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣].
وقال تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣].
والثالث: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧].
وأما السنة: فقول النبي ﷺ : (إني والله، إن شاء الله، لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها) (١).
وكان أكثر قسم رسول الله ﷺ : (لا. ومصرف القلوب، ومقلب القلوب) (٢).
وأجمعت الأمة على مشروعية اليمين، وثبوت أحكامها (٣).
стр. 25
المبحث الثاني
أقسام اليمين
دلت النصوص الشرعية على أن اليمين تقع على أنواع ثلاثة هي:
١ ـ يمين لغو.
٢ ـ يمين منعقدة.
٣ ـ يمين غموس.
وتفصيلها على النحو التالي (١):
أولاً: اليمين اللغو:
ولها صورتان:
الأولى: هي الحلف من غير قصد اليمين، كان يقول المرء: والله لتأكلن، أو لتشربن، أو لتحضرن. ونحو ذلك، لا يريد به يمينًا ولا يقصد به قسمًا، وإنما هو مما يجري به اللسان من دون انعقاد معناه في القلب.
فعن عائشة أم المؤمنين ﵂، قالت: أنزلت هذه الآية: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [البقرة: ٢٢٥]. في قول الرجل: لا والله. وبلى والله. وكلا والله (٢).
стр. 26
الثانية: أن يحلف على شيء يظن صدقه، فيظهر خلافه، فهو من باب الخطأ.
وحكم هذه اليمين: أنه لا كفارة فيها، ولا مؤاخذة عليها (١)؛ لصريح الآية المتقدمة.
ثانياً: اليمين المنعقدة:
وصورتها: أن يحلف الشخص على أمر من المستقبل أن يفعله أو لا يفعله، أو يحلف على غيره وأمره بأن يفعل شيئاً.
وحكمها: وجوب الكفارة فيها عند الحنث.
يقول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ
غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥].
ويقول : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] (٢).
ثالثاً: اليمين الغموس:
هي أن يحلف الشخص على خلاف ما يعلم متعمدا الكذب في ذلك ليحق بها باطلاً، أو يبطل حقاً.
فهي اليمين الكاذبة التي تهضم بها الحقوق، أو التي يقصد بها الغش والخيانة.
стр. 27
وحكمها: هي كبيرة من كبائر الإثم، وسميت غموسًا؛ لأنها تغمس صاحبها في نار جهنم، أو في الإثم، وتجب التوبة منها لله تعالى، ورد الحقوق إلى أصحابها إذا ترتب عليها ضياع هذه الحقوق.
١ ـ يقول الله سبحانه: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ٩٤].
٢ - وروى أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن، ويمين صابرة يقطع بها مالا بغير حق) (١).
٣ - وروى البخاري عن عبد الله بن عمر، ﵄، أن النبي ﷺ قال: (الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس) (٢).
ولقد اختلف العلماء في اليمين الغموس هل تجب فيها الكفارة؟ على قولين:
القول الأول: أنها يمين مكر وخديعة وكذب فلا تنعقد ولا كفارة فيها، وهو رأي الجمهور، قال ابن المنذر: وهذا قول مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة، وبه قال الأوزاعي ومن وافقه من أهل الشام، وهو قول الثوري وأهل العراق، وبه قال
стр. 28
أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد، وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي من أهل الكوفة (١).
القول الثاني: هي يمين تجب فيها الكفارة (٢)، وهو مذهب الشافعي، ورواية لأحمد، وهو قول عطاء والزهري (٣).
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
١ ـ قول النبي ﷺ : (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه) (٤) فإنه يدل على أن الكفارة تجب فيمن حلف على فعل يفعله مما يستقبل فلا يفعله، أو على فعل ألا يفعله فيما يستقبل فيفعله (٥).
٢ ـ قول الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤]. قال ابن عباس: هو الرجل يحلف ألا يصل قرابته فجعل الله له مخرجًا في التكفير، وأمره ألا يعتل بالله وليكفر
стр. 29
عن يمينه، والأخبار دالة على أن اليمين التي يحلف بها الرجل يقتطع بها مالا حراما هي أعظم من أن يكفرها ما يكفر اليمين (١).
٣ ـ أن اليمين الغموس من الكبائر، وهي أعظم من أن تكفر. كما قال سعيد بن المسيب.
٤ ـ ولأن الكفارة لا ترفع إثمها، فلا تشرع فيها (٢)، وقد وردت السنة بذكر إثم اليمين الغموس، وعقوبة صاحبها في الآخرة ولم تذكر الكفارة، فقد خرج البخاري عن عبد الله بن عمرو قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: (الإشراك بالله)، قال: ثم ماذا؟ قال: (عقوق الوالدين)، قال: ثم ماذا؟ قال: (اليمين الغموس)، قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: (التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب) (٣)، وخرج مسلم عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة)، فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: (وإن كان قضيبًا من أراك) (٤)، ومن حديث عبد الله بن مسعود قال رسول الله ﷺ : (من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان). فنزلت: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا .. ﴾ إلى آخر الآية (٥). ولم يذكر
стр. 30
كفارة، فلو أوجبنا عليه كفارة لسقط جرمه، ولقي الله وهو عنه راض، ولم يستحق الوعيد المتوعد عليه، وكيف لا يكون ذلك وقد جمع هذا الحالف الكذب، واستحلال مال الغير، والاستخفاف باليمين بالله تعالى، والتهاون بها وتعظيم الدنيا؟ ولهذا قيل: إنما سميت اليمين الغموس غموسًا لأنها تغمس صاحبها في النار (١).
واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
١ ـ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ﴾ .. الآية [المائدة: ٨٩] وهذا عام في الماضي والمستقبل.
٢ ـ قوله الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، واليمين الغموس مقصودة منوية.
ولأنها مكتسبة بالقلب، معقودة بخبر، مقرونة باسم الله تعالى، وفيها الكفارة (٢).
٣ ـ وبالقياس على يمين الطلاق، فلو حلف بالطلاق لقد دخل الدار ولم يدخلها لزمه الطلاق، وهو أمر يتعلق بالماضي لا المستقبل.
٤ ـ ولأنها يمين بالله تعالى قصدها مختاراً فوجب إذا خالفها بفعله أن تلزمه الكفارة كالمستقبل (٣).
والراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول أنَّ اليمين الغموس لا كفارة فيها؛ لقوة أدلتهم.
стр. 31
ولأن اليمين المنعقدة مشروعة فتصلح سببًا للكفارة، واليمين الغموس حرام محض فلا تصلح موجبًا للكفارة ولا يجوز قياس الحرام على المشروع (١).
ولأن الكفارة في اليمين المنعقدة إنما جاءت لدفع حرج أوقعه المكلف على نفسه في حالة غضب أو انفعال عارض، ثم رغب في التراجع عنه، بخلاف اليمين الغموس فإنها اتخذت وسيلة لإضاعة حق، وانتهابه وانتهاكه.
والأصل في اليمين المنعقدة إلزام النفس بفعل شيء مشروع أو مباح أو الامتناع عنه، وتأتي الكفارة لاستعادة الوضع الأصلي الذي غيرت حاله اليمين، أما اليمين الغموس فليس فيها إقدام على أمر مباح أو الإحجام عنه، وغايتها إقرار باطل أو إبطال لحق، وهذه يتعلق بها التوبة ورد الحقوق لأصحابها، ولا تغني الكفارة عن مجرد التراجع عنها.
ومما تقدم يتبين أن اليمين التي تجب فيها الكفارة هي اليمين المنعقدة فقط.
مسألة: هل تجب الكفارة في الحلف بغير الله؟
لا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق؛ كالكعبة، والأنبياء، وسائر المخلوقات، ولا تجب الكفارة بالحنث فيها. وهو قول أكثر الفقهاء لقول النبي ﷺ : (من كان حالفًا، فليحلف بالله، أو ليصمت) (٢).
ولا يصح قياس اسم غير الله على اسمه؛ لعدم الشبه، وانتفاء المماثلة (٣).
стр. 32
مسألة: يمين المُكره هل تنعقد؟
لا تنعقد يمين المُكره على الصحيح عند جمهور الفقهاء خلافاً لأبي حنيفة؛ لعموم قوله ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) (١).
مسألة: تعدد الأيمان:
تعدد الأيمان له حالتان:
الحالة الأولى: أن تكون الأيمان معلومة، وهذه لها صور:
الصورة الأولى: أن يحلف أكثر من مرة على أمر واحد ثم يحنث أكثر من مرة أيضًا، ففي هذه الحالة عليه كفارة واحدة، وهكذا كل يمين على فعل واحد أو ترك شيء واحد ولو تكررت أو تكرر الحنث ليس فيها إلا كفارة واحدة، وذلك لأن اليمين تنحل بالحنث (٢).
الصورة الثانية: أن يحلف على أمر معين، ثم كفر عنه، ثم حلف على الأمر السابق وحنث مرة أخرى فعليه الكفارة عن الأخرى.
الصورة الثالثة: أن يحلف يميناً واحداً على أشياء مختلفة، مثل أن يقول: والله لا أزور فلان، ولا أكلمه، ولا أسلم عليه، فهذه فيها كفارة واحدة؛ لأن اليمين واحدٌ (٣).
الصورة الرابعة: أن يحلف أيمانا متعددة على أشياء مختلفة مثل أن يقول: والله لا آكل هذا الطعام، والله لا ألبس هذا الثوب والله لا أذهب إلى مكان كذا فإنه إن
стр. 33
حنث في الجميع كفر ثلاث مرات، وإن حنث في واحدة كفر مرة واحدة هذا قول أكثر أهل العلم (١).
وقيل يكفر كفارة واحدة ما لم يكفر من قبل، وهذا قول إسحاق وبعض الحنابلة.
الصورة الخامسة: أن يحلف أيمانًا متعددة على شيء واحد، ثم يحنث، كأن يقول: والله، والله، وبالله لا أكلم فلاناً فعليه كفارة واحدة عند الجمهور، خلافاً للحنفية.
وعند بعض الشافعية إن نوى التأكيد فعليه كفارة واحدة، وإن نوى الاستئناف فيلزمه كفارتان (٢).
الحالة الثانية: أن يحلف أيماناً كثيرة، ونسي عددها، فعليه أن يكفر العدد الذي يتوقع أن العدد لا ينقص عنه، ويغلب على الظن براءة الذمة به، إذ لا يستطيع غير ذلك، ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]، و ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قال ابن قدامة في (الكافي): "ومن حلف أيمانًا كثيرة على شيء واحد فحنث لم يلزمه أكثر من كفارة ...
وإن حلف يمينًا واحدة على أفعال مختلفة، فَحَنَث في الجميع أجزأه كفارة واحدة، لأنها يمين واحدة.
وإن حلف أيمانا على أفعال فقال: والله لا أكلت، والله لا شربت، والله لا لَبِسْت؛ ففيه روايتان:
стр. 34
أحداهما: يُجزئه عن الجميع كفارة واحدة، اختارها أبو بكر والقاضي؛ لأنها كفارات من جنس واحد، فتداخلت كالحدود.
والثانية: يجب في كل يمين كفارة، وهو ظاهر قول الخرقي؛ لأنها أيمان لا يحنث في إحداهن بالحنث في الأخرى، فوجبت في كل يمين كفارة بها كالمختلفة الكفارة. قال أبو بكر: المذهب الأول، وقد رجع أحمد عن الرواية الأخرى" (١).
стр. 35
المبحث الثالث
خصال كفارة اليمين ،
ويشتمل على أربعة مطالب:
المطلب الأول: الإطعام.
المطلب الثاني: الكسوة.
المطلب الثالث: عتق رقبة.
المطلب الرابع: الصيام.
стр. 36
المطلب الأول
الإطعام
يجب على من حنث في يمينه وأراد أن يتراجع عن إمضاء مقتضاه أن يكفر عن يمينه بإحدى الخصال الشرعية التي سنها الشارع الحكيم، وأول هذه الخصال حسب ترتيب الشارع هي الإطعام:
صفة من يستحق الإطعام:
ذكر الله صفة من يستحق الإطعام في كفارة اليمين وهم المساكين.
والمسكين هو: مَنْ لا مال له، أو له مال لا يكفيه هو ومن يعول، وليس عنده من يعوله.
قال رسول الله ﷺ : (ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس) (١).
قال ابن قدامة: "والذين تجزئ كسوتهم، هم المساكين الذين يجزئ إطعامهم؛ لأن الله - تعالى قال: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم﴾ [المائدة: ٨٩]. فينصرف الضمير إليهم .. " (٢).
стр. 37
ويدخل في المسكين الفقير، لأنه أشد حاجة.
وذكر ابن تيمية أن اسم (الفقير) إذا أطلق دخل فيه المسكين وإذا أطلق لفظ (المسكين) تناول الفقير وإذا قرن بينهما فأحدهما غير الآخر؛ فالأول كقوله: ﴿وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢٧١]، وقوله: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾، والثاني كقوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠] (١).
مقدار الطعام:
لم يرد نص شرعي في مقدار الطعام ونوعه، بل ورد النص مطلقاً من التحديد والتعيين، وبالتالي اختلف العلماء فيه بسبب اختلافهم في تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وهذه أقوالهم:
أولاً: الحنفية: ورد في المبسوط: "لكل مسكين نصف صاع من حنطة" (٢).
ثانياً: عند المالكية: قال سحنون: قلت: أرأيت كم إطعام المساكين في كفارة اليمين؟
قال: قال مالكٌ: مد مد لكل مسكينٍ.
قال مالكٌ: وأما عندنا هاهنا فليكفر بمد النبي ﵊ في اليمين بالله مد مد، وأما أهل البلدان فإن لهم عيشًا غير عيشنا فأرى أن يكفروا بالوسط من عيشهم، يقول الله: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة: ٨٩] (٣).
стр. 38
ثالثاً: الشافعية: قال الشافعي: ويجزئ في كفارة اليمين مد بمد النبي ﷺ من حنطةٍ ولا يجزئ أن يكون دقيقًا ولا سويقًا، وإن كان أهل بلدٍ يقتاتون الذرة، أو الأرز، أو التمر أو الزبيب أجزأ من كل جنسٍ واحدٌ من هذا مد بمد النبي ﷺ (١).
رابعاً: الحنابلة: لكل مسكينٍ مد من حنطةٍ أو دقيقٍ، أو رطلان خبزًا، أو مدان تمرًا أو شعيرًا (٢).
خامساً: الظاهرية: قال ابن حزم: "ولا يجزئ إلا مثل ما يطعم الإنسان أهله، فإن كان يعطي أهله الدقيق، فليعط المساكين الدقيق، وإن كان يعطي أهله الحب فليعط المساكين الحب، وإن كان يعطي أهله الخبز، فليعط المساكين الخبز، ومن أي شيء أطعم أهله فمنه يطعم المساكين، ولا يجزئه غير ذلك أصلا، لأنه خلاف نص القرآن ويعطي من الصفة، والمكيل الوسط - لا الأعلى ولا الأدنى - كما قال " (٣).
والخلاصة أن آراء الفقهاء انتهت إلى أربعة أقوال:
القول الأول: أن مقدار إطعام المسكين هو مُد من الطعام، وهو قول المالكية والشافعية.
القول الثاني: أن مقداره مد من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير لكل مسكين وهو مذهب أحمد.
القول الثالث: أن مقداره نصف صاع، ويقدر بمُدين، وهو قول الحنفية.
стр. 39
القول الرابع: التقدير بحسب حال الشخص وعرفه، وهو مذهب الظاهرية، ومذهب مالك في غير
أهل المدينة.
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
١ ـ ما ورد عن الصحابة: عن أبي سلمة عن زيد بن ثابت ﵁ قال: مد من حنطة لكل مسكين (١).
وعن نافع عن ابن عمر ﵁ أنه كان إذا حنث أطعم عشرة مساكين لكل مسكين مد من حنطة بالمد الأول (٢).
٢ ـ واستدلوا بعمل أهل المدينة: عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال: أدركت الناس وهم يعطون في طعام المساكين مداً، مداً ويرون أن ذلك يجزئ عنهم (٣).
واستدل أصحاب القول الثاني بالذي استدل به أصحاب القول الأول، وبما روى أحمد بسنده عن أبي زيد المدني قال جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير فقال رسول الله ﷺ للمظاهر: (أطعم هذا فإن مدي شعير مكان مد بر) (٤).
стр. 40
قال ابن قدامة: فإن مدي شعير مكان مد بر، ولأن فدية الأذى نصف صاع من التمر والشعير بلا خلاف (١).
واستدل أصحاب القول الثالث بالقياس على فدية الأذى في الحج والعمرة.
فعن عبد الله بن معقل قال: جلست إلى كعب بن عجرة ﵁ فسألته عن الفدية؟ فقال: نزلت في خاصة وهي لكم عامة حملتُ إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: (ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى، تجد شاة) فقلت: لا. فقال: (فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع) (٢).
واستدل أصحاب القول الرابع بظاهر القرآن بأن الله تعالى لم يقدر حداً معيناً للإطعام سوى عرف وحال مَنْ لزمته الكفارة.
وبالنظر إلى مختلف الأدلة نجد أنها تدور على أمرين:
١ ـ التقدير بالشرع عن طريق القياس.
٢ ـ التقدير بالعرف.
ويمكن حمل ما ورد عن الصحابة من التقدير بالمد أو نصف الصاع بناء على العرف العام الجاري كونه يتحقق به الإطعام.
وبناء على ذلك، وكون الكفارة بالإطعام من باب المواساة، وتحقيق الرعاية والتكافل الاجتماعي فإن حصول مقتضى التكفير بالإطعام يصح ويجزئ بالأمرين: