← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 132388

الكفارات أحكام وضوابط

عبد الرقيب الشامي

Полный текст (174 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المطلب الأول الإطعام يجب على من حنث في يمينه وأراد أن يتراجع عن إمضاء مقتضاه أن يكفر عن يمينه بإحدى الخصال الشرعية التي سنها الشارع الحكيم، وأول هذه الخصال حسب ترتيب الشارع هي الإطعام: صفة من يستحق الإطعام: ذكر الله صفة من يستحق الإطعام في كفارة اليمين وهم المساكين. والمسكين هو: مَنْ لا مال له، أو له مال لا يكفيه هو ومن يعول، وليس عنده من يعوله. قال رسول الله ﷺ : (ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس) (١). قال ابن قدامة: "والذين تجزئ كسوتهم، هم المساكين الذين يجزئ إطعامهم؛ لأن الله - تعالى قال: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم﴾ [المائدة: ٨٩]. فينصرف الضمير إليهم .. " (٢).

стр. 37

ويدخل في المسكين الفقير، لأنه أشد حاجة. وذكر ابن تيمية أن اسم (الفقير) إذا أطلق دخل فيه المسكين وإذا أطلق لفظ (المسكين) تناول الفقير وإذا قرن بينهما فأحدهما غير الآخر؛ فالأول كقوله: ﴿وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢٧١]، وقوله: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾، والثاني كقوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠] (١). مقدار الطعام: لم يرد نص شرعي في مقدار الطعام ونوعه، بل ورد النص مطلقاً من التحديد والتعيين، وبالتالي اختلف العلماء فيه بسبب اختلافهم في تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وهذه أقوالهم: أولاً: الحنفية: ورد في المبسوط: "لكل مسكين نصف صاع من حنطة" (٢). ثانياً: عند المالكية: قال سحنون: قلت: أرأيت كم إطعام المساكين في كفارة اليمين؟ قال: قال مالكٌ: مد مد لكل مسكينٍ. قال مالكٌ: وأما عندنا هاهنا فليكفر بمد النبي ﵊ في اليمين بالله مد مد، وأما أهل البلدان فإن لهم عيشًا غير عيشنا فأرى أن يكفروا بالوسط من عيشهم، يقول الله: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة: ٨٩] (٣).

стр. 38

ثالثاً: الشافعية: قال الشافعي: ويجزئ في كفارة اليمين مد بمد النبي ﷺ من حنطةٍ ولا يجزئ أن يكون دقيقًا ولا سويقًا، وإن كان أهل بلدٍ يقتاتون الذرة، أو الأرز، أو التمر أو الزبيب أجزأ من كل جنسٍ واحدٌ من هذا مد بمد النبي ﷺ (١). رابعاً: الحنابلة: لكل مسكينٍ مد من حنطةٍ أو دقيقٍ، أو رطلان خبزًا، أو مدان تمرًا أو شعيرًا (٢). خامساً: الظاهرية: قال ابن حزم: "ولا يجزئ إلا مثل ما يطعم الإنسان أهله، فإن كان يعطي أهله الدقيق، فليعط المساكين الدقيق، وإن كان يعطي أهله الحب فليعط المساكين الحب، وإن كان يعطي أهله الخبز، فليعط المساكين الخبز، ومن أي شيء أطعم أهله فمنه يطعم المساكين، ولا يجزئه غير ذلك أصلا، لأنه خلاف نص القرآن ويعطي من الصفة، والمكيل الوسط - لا الأعلى ولا الأدنى - كما قال " (٣). والخلاصة أن آراء الفقهاء انتهت إلى أربعة أقوال: القول الأول: أن مقدار إطعام المسكين هو مُد من الطعام، وهو قول المالكية والشافعية. القول الثاني: أن مقداره مد من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير لكل مسكين وهو مذهب أحمد. القول الثالث: أن مقداره نصف صاع، ويقدر بمُدين، وهو قول الحنفية.

стр. 39

القول الرابع: التقدير بحسب حال الشخص وعرفه، وهو مذهب الظاهرية، ومذهب مالك في غير أهل المدينة. الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بما يلي: ١ ـ ما ورد عن الصحابة: عن أبي سلمة عن زيد بن ثابت ﵁ قال: مد من حنطة لكل مسكين (١). وعن نافع عن ابن عمر ﵁ أنه كان إذا حنث أطعم عشرة مساكين لكل مسكين مد من حنطة بالمد الأول (٢). ٢ ـ واستدلوا بعمل أهل المدينة: عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال: أدركت الناس وهم يعطون في طعام المساكين مداً، مداً ويرون أن ذلك يجزئ عنهم (٣). واستدل أصحاب القول الثاني بالذي استدل به أصحاب القول الأول، وبما روى أحمد بسنده عن أبي زيد المدني قال جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير فقال رسول الله ﷺ للمظاهر: (أطعم هذا فإن مدي شعير مكان مد بر) (٤).

стр. 40

قال ابن قدامة: فإن مدي شعير مكان مد بر، ولأن فدية الأذى نصف صاع من التمر والشعير بلا خلاف (١). واستدل أصحاب القول الثالث بالقياس على فدية الأذى في الحج والعمرة. فعن عبد الله بن معقل قال: جلست إلى كعب بن عجرة ﵁ فسألته عن الفدية؟ فقال: نزلت في خاصة وهي لكم عامة حملتُ إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: (ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى، تجد شاة) فقلت: لا. فقال: (فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع) (٢). واستدل أصحاب القول الرابع بظاهر القرآن بأن الله تعالى لم يقدر حداً معيناً للإطعام سوى عرف وحال مَنْ لزمته الكفارة. وبالنظر إلى مختلف الأدلة نجد أنها تدور على أمرين: ١ ـ التقدير بالشرع عن طريق القياس. ٢ ـ التقدير بالعرف. ويمكن حمل ما ورد عن الصحابة من التقدير بالمد أو نصف الصاع بناء على العرف العام الجاري كونه يتحقق به الإطعام. وبناء على ذلك، وكون الكفارة بالإطعام من باب المواساة، وتحقيق الرعاية والتكافل الاجتماعي فإن حصول مقتضى التكفير بالإطعام يصح ويجزئ بالأمرين:

стр. 41

إما بتقدير علماء كل بلد القدر والحد الوسط الذي يحصل به المقصود من الإطعام. أو بإفتاء كل شخص بعينه بإخراج القدر الذي يمكنه من خلال وضعه وحاله الخاص الذي يطعم به أهله ويخرج من الوسط. يقول ابن تيمية ﵀: "وإذا اختار أن يطعم عشرة مساكين فله ذلك، ومقدار ما يطعم مبني على أصل، وهو أن إطعامهم هل هو مقدر بالشرع أو بالعرف؟ فيه قولان للعلماء: منهم من قال: هو مقدر بالشرع وهؤلاء على أقوال: منهم من قال: يطعم كل مسكين صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو نصف صاع من بر، كقول أبي حنيفة وطائفة ومنهم من قال: يطعم كل واحد نصف صاع من تمر وشعير، أو ربع صاع من بر، وهو مد كقول أحمد وطائفة. ومنهم من قال: بل يجزئ في الجميع مد من الجميع، كقول الشافعي وطائفة والقول الثاني: أن ذلك مقدر بالعرف، لا بالشرع، فيطعم أهل كل بلد من أوسط ما يطعمون أهليهم قدرا ونوعًا. وهذا معنى قول مالك. قال إسماعيل بن إسحاق: كان مالك يرى في كفارة اليمين أن المد يجزئ بالمدينة. قال مالك: وأما البلدان فإن لهم عيشا غير عيشنا فأرى أن يكفروا بالوسط من عيشهم لقول الله تعالى: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم﴾ [المائدة: ٨٩] وهو مذهب داود وأصحابه مطلقًا. والمنقول عن أكثر الصحابة والتابعين هذا القول، ولهذا كانوا يقولون الأوسط خبز ولبن، خبز وسمن، وخبز وتمر. والأعلى خبز ولحم، وقد بسطنا الآثار عنهم

стр. 42

في غير هذا الموضع، وبينا أن هذا القول هو الصواب الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار، وهو قياس مذهب أحمد وأصوله، فإن أصله أن ما لم يقدره الشارع فإنه يرجع فيه إلى العرف، وهذا لم يقدره الشارع فيرجع فيه إلى العرف، لا سيما مع قوله تعالى ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة: ٨٩] .. " (١). الإطعام له ثلاث كيفيات: الأولى: أن يصنع طعاماً يكفي عشرة مساكين ثم يدعوهم؛ وذلك لأن الله تعالى أطلق فقال: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] فإذا صنع طعاماً وتغدّوا، أو تعشوا فقد أطعمهم. الثانية: إعطاء الحب غير مطبوخ، لكل مسكين نصف صاع، وقد قدَّره بعض العلماء بنحو كيلو من الأرز - مثلاً - لكل واحد، فيكون عشرة كيلوات للجميع، ويحسن في هذه الحال أن يجعل معه ما يؤدِّمه من لحم أو نحوه، ليتم الإطعام؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] (٢). ودليل التقدير بنصف صاع حديث كعب بن عُجرة ﵁، حين أذن له النبي ﷺ أن يحلق، ويطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، فعيَّن لكل مسكين نصف صاع، فيقاس عليه البقية. الثالثة: إعطاء قيمة الإطعام - وهذه المسألة- فيه اختلاف بين العلماء نذكرها في موضعها لاحقاً.

стр. 43

والأصل في تقدير الحاجة الفعلية للفرد في اليوم مراعاة الظروف الاجتماعية والفردية لكل شخص بحسبه، ويمكن لمتولي الصرف أن يتحرى لمعرفة ما يسد تلك الحاجة وينبغي في مثل هذه الأمور الاستعانة بأهل الخبرة الموثوق بهم شرعاً. العدد المعتبر في الإطعام: اتفق العلماء على أن من أطعم عدد عشرة مساكين فقد أجزأه، وقام بالمطلوب منه شرعاً. واختلفوا في اشتراط العدد عشرة، ويتفرع عن هذه المسألة مسألتان: المسألة الأولى: هل يجزئ إطعام مسكين واحد في عشرة أيام متفرقة؟ المسألة الثانية: هل يجزئ إطعام مسكين واحد في يوم واحد دفعة ما يكفي عشرة مساكين؟ المسألة الأولى: هل يجزئ إطعام مسكين واحد في عشرة أيام متفرقة؟ القول الأول: لا يجزيه إلا أن يطعم عشرة مساكين، وهو قول مالك والشافعي وأحمد (١). القول الثاني: إن أطعم مسكينا واحدا عشرة أيام أجزأه، وهو قول أبي حنيفة (٢)، ورواية عن أحمد حكاها عنه أبو الخطاب (٣)، وهو مذهب الحنابلة عند عدم توفر العدد المذكور (٤).

стр. 44

والسبب في اختلافهم هل الكفارة حق واجب للعدد المذكور، أو حق واجب على المكفر فقدر بالعدد المذكور؟ فإن قلنا: إنه حق واجب للعدد كالوصية; فلا بد من اشتراط العدد. وإن قلنا: حق واجب على المكفر لكنه قدر بالعدد أجزأ من ذلك إطعام مسكين واحد على عدد المذكورين، والمسألة محتملة (١). الأدلة: استدل أصحاب القول الأول: بظاهر النص الذي حدد العدد المطلوب إطعامه، وهو عشرة مساكين، فالله أمر بفعل الإطعام المتعدي إلى المطعوم وقرنه بعدد فلم يجز الاقتصار على بعض العدد كما لم يجز الاقتصار على بعض الطعام (٢). واستدل أصحاب القول الثاني: بأن النص ورد بإطعام عشرة مساكين، وهذا يشمل إطعام عشرة مساكين، ويشمل إطعام ما يكفي عشرة مساكين سواء أطعم عشرة مساكين أو لا، فإذا أطعم مسكينًا واحدًا عشرة أيام قدر ما يكفي عشرة مساكين فقد وجد إطعام عشرة مساكين فخرج عن العهدة، باعتبار أن صفة المسكين في الواحد موجودة في كل يوم على حدة، لأن الإطعام لدفع الجوعة وسد المسكنة، وله كل يوم جوعة ومسكنة على حدة؛ لأن الجوع يتجدد، والمسكنة تحدث في كل يوم، ودفع عشر جوعات عن مسكين واحد

стр. 45

في عشرة أيام في معنى دفع عشر جوعات عن عشرة مساكين في يوم واحد أو في عشرة أيام، فكان هذا إطعام عشرة مساكين معنى فيجوز (١). المسألة الثانية: هل يجزئ إطعام مسكين واحد في يوم واحد دفعة؟ العلماء الذي منعوا إطعام مسكين واحد في أيام متفرقة يمنعون إطعام مسكين واحد في يوم واحد دفعة واحدة من باب أولى. والمجيزون اختلفوا في ذلك: فمنهم من منع إطعام مسكين واحد طعام عشرة في يوم واحد وهو المشهور في مذهب أبي حنيفة؛ لأن الله تعالى أمر بسد جوعة عشرة مساكين جملة أو متفرقا على الأيام ولم يوجد. والأصل في الطعام هو طعام الإباحة إذ هو المتعارف في اللغة وهو التغدية والتعشية لدفع الجوع وإزالة المسكنة وفي الحاصل دفع عشر جوعات وهذا في واحد في حق مسكين واحد لا يكون فلا بد من تفريق الدفع على الأيام (٢). ومنهم من أجازه (٣)؛ لأنه دفع ما يتحقق به الإطعام لعشرة أو لواحد في عشرة أيام متفرقة، إذ لا فرق، ولا دليل على وجوب تعدد الأيام. وأجاز البعض دفع الطعام لمسكين واحد في يوم واحد بشرط أن يكون على دفعات متفرقة في أوقات مختلفة؛ لأن الحاجة إلى التمليك تتجدد في يوم واحد (٤).

стр. 46

ومسألة العدد في المسألتين السابقتين محتملة لمختلف الأقوال، باعتبار النظرين الظاهري والمقاصدي المصلحي، ويمكن التعليق على الاختلاف السابق بما يلي: ١ ـ العدد الذي يحصل به المقصود هو المذكور في القرآن الكريم وهو عشرة مساكين لتعميم سد الحاجة على العدد المذكور، ولا يجوز العدول عن هذا العدد إلا لعذر أو غرض شرعي. ٢ ـ إذا لم يوجد العدد المعتبر جاز إطعام العدد المتوفر، فإن كانوا خمسة أطعمهم يومين، أو أطعم كل مسكين طعام اثنين. ٣ ـ إذا لم يوجد إلا مسكين واحد جاز إطعامه عشرة أيام، فإن شق ذلك جاز إطعامه طعام عشرة مساكين دفعة واحدة. ٤ ـ يجوز دفع الطعام لأسرة محتاجة إذا كانت أشد حاجة من غيرها، ولو كان العدد أقل من عشرة. قال ابن قدامة: "وقال أبو عبيد: إن خص بها أهل بيت شديدي الحاجة، جاز، بدليل أن النبي ﷺ قال للمجامع في رمضان، حين أخبره بشدة حاجته وحاجة أهله: (أطعمه عيالك) ولأنه دفع حق الله - تعالى - إلى من هو من أهل الاستحقاق، فأجزأه، كما لو دفع زكاته إلى واحد" (١).

стр. 47

المطلب الثاني الكسوة الكسوة إحدى الخصال التي شرعت كفارة للخروج من مقتضى اليمين، ولا تدخل في كفارة غير كفارة اليمين. والكسوة: اسم لما يكتسى به، والمقصود منها رد العري، والكِسْوَةُ والكُسْوةُ: اللباس. يقال: كسوت فلانًا أكسوه كسوة إذا ألبسته ثوبًا أو ثيابًا فاكتسى، واكْتَسَى: لبس الكسوة، والجميع: الكُسَى. واكْتَسَتِ الأرض بالنبات: تغطت به. والنسبة إلى الكِساء: كِسائيّ وكِساويّ. وتثنيته: كساءان وكساوان (١). وكل ثوب يصير به مكتسيًا يسمى كسوة وإلا فلا. فإذا اختار الحانث الكسوة كسا عشرة مساكين كل مسكين ما ينطلق عليه اسم الكسوة. حد الكسوة المجزئة: أجمع الفقهاء على أن كسوة عشرة مساكين أحد أنواع كفارة اليمين، وأن الحالف مخير بين العتق والإطعام والكسوة، لقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾، ولكنهم اختلفوا في القدر المجزئ من الكسوة.

стр. 48

المذهب الحنفي: روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أن أدناه ما يستر عامة بدنه فلا يجوز السراويل لأن لابسه يسمى عريانًا عرفًا. وعن محمد: أدناه ما تجوز فيه الصلاة فلا يجوز الخف ولا القلنسوة لأن لابسهما لا يسمى مكتسيا ولهذا لا تجوز فيها الصلاة .. (١). المذهب المالكي: يقول القرافي: "إن الكسوة أطلقت في الآية على الكسوة الشرعية وهي ما يجزئ فيه الصلاة لأن القاعدة حمل كلام كل متكلم على عرفه ولقوله تعالى ﴿أو كسوتهم﴾ [المائدة: ٩٠]. فأضاف الكسوة إليهم فيعتبر حالهم .. " (٢). المذهب الشافعي: "وإن أراد أن يكفر بالكسوة كسا كل مسكين ما يقع عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو إزار أو رداء أم مقنعة أو خمار لأن الشرع ورد به مطلقا ولم يقدر فحمل على ما يسمى كسوة في العرف .. " (٣). المذهب الحنبلي: "وتقدر الكسوة بما يجزئ في الصلاة، وهو ثوب للرجل، وللمرأة درع وخمار يستر جميعها. ولا يجزئ السراويل، ولا إزار وحده؛ لأن التكفير عبادة تعتبر فيها الكسوة، فأشبهت الصلاة. وتجزئه كسوتهم من القطن والكتان والصوف، وسائر ما

стр. 49

يسمى كسوة؛ لأن الله تعالى لم يعين جنسها، فوجب أن لا يتعين. وتجوز كسوتهم من الجديد واللبيس، إلا أن يكون مما ذهبت منفعته باللبس، فلا يجزئ .. " (١). المذهب الظاهري: يقول ابن حزم: "وأما الكسوة - فما وقع عليه اسم كسوة: قميص، أو سراويل، أو مقنع، أو قلنسوة، أو رداء، أو عمامة، أو برنس، أو غير ذلك، لأن الله تعالى عم ولم يخص. ولو أراد الله تعالى كسوة دون كسوة لبين لنا ذلك ﴿وما كان ربك نسيا﴾ [مريم: ٦٤] فتخصيص ذلك لا يجوز" (٢). يقول ابن رشد في المجزئ من الكسوة: " ... فإن مالكًا رأى أن الواجب في ذلك هو أن يكسي ما يجزئ فيه الصلاة، فإن كسا الرجل كسا ثوبًا، وإن كسا النساء كسا ثوبين درعًا وخمارًا. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: يجزئ في ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم: إزار، أو قميص، أو سراويل، أو عمامة. وقال أبو يوسف: لا تجزي العمامة، ولا السراويل. وسبب اختلافهم هل الواجب الأخذ بأقل دلالة الاسم اللغوي أو المعنى الشرعي" (٣). من خلال النقولات المتقدمة نجد أن أقوال الفقهاء انحصرت في قولين، هما:

стр. 50

القول الأول: يجزئ في الكسوة أقل ما ينطلق عليه الاسم، وهو مذهب الحنفية والشافعية، وإن اختلفوا في تفصيلات بعض الألبسة. القول الثاني: المجزئ من الكسوة ما يجزئ في الصلاة، وهو مذهب المالكية والحنابلة، ورأي محمد بن الحسن من الحنفية. الأدلة: استدل أصحاب القول الأول: ١ ـ أن الشرع ورد بالكسوة مطلقة، وليس له عرف يحمل عليه، فوجب حمله على ما يقع عليه اسم الكسوة، واسم الكسوة يقع على العمامة والمقنعة والخمار والسراويل، فأجزأه، كالقميص (١). ٢ ـ ما ورد عن الصحابي عمران بن الحصين: أن رجلا سأله عن الكسوة في الكفارة؟ فقال له عمران: أرأيت لو أن وفدًا دخلوا على أميرهم فكسا كل رجل منهم قلنسوة، قال الناس: إنه قد كساهم؟ (٢). واستدل أصحاب القول الثاني: ١ ـ أن الكسوة أحد أنواع الكفارة، فلم يجز فيه ما يقع عليه الاسم، كالإطعام والإعتاق. ٢ ـ ولأن التكفير عبادة تعتبر فيها الكسوة، فلم يجز فيها أقل مما ذكرناه، كالصلاة. ٣ ـ ولأنه مصروف إلى المساكين في الكفارة، فيتقدر، كالإطعام.

стр. 51

٤ ـ ولأن اللابس ما لا يستر عورته إنما يسمى عريانًا، لا مكتسيًا، وكذلك لابس السروال وحده، أو مئزر، يسمى عريانًا، فلا يجزئه؛ لقول الله - تعالى ﴿أو كسوتهم﴾ [المائدة: ٨٩] (١) (٢). والراجح فيما يبدو لي ما يلي: أولاً: من حيث القدر المجزئ فيكون بما يستر العورة، وتصح به الصلاة، ويصح عرفاً أن يطلق عليه كساءً. ثانياً: من حيث الصفة والنوع، فيتقدر بالعُرف، فلكل بلد عاداته وتقاليده في اللباس، فما يصح أن يكون كساءً في بلد فهو المجزئ، وبالتالي، فيجزئ الثوب، ويجزئ الإزار والرداء، ويجزئ البنطلون والقميص، ونحو ذلك.

стр. 52

مسألة العدد المعتبر في الكسوة: يقال فيها ما قيل في موضوع الإطعام، المتقدم ذكره.

стр. 53

المطلب الثالث عتق رقبة تعريف العتق: العتق لغة: بكسر العين وسكون التاء: الحرية والخلوص، مشتق من قولهم: عتق الفرس، إذا سبق، وعتق الفرخ: طار واستقل وخلص (١). وشرعاً: هو تحرير الرقبة وتخليصها من الرق، وإزالة الملك عنها، وتثبيت الحرية لها (٢). فضله: العتق من أفضل القربات وأجل الطاعات، لما جاء في فضل العتق من قوله تعالى: ﴿فكّ رقبةٍ﴾ [البلد: ١٣] يعني: تخليص الشخص من الرقّ، وقد ورد ذلك في معرض بيان الطريق التي فيها النجاة والخير لمن سلكها؛ ألا وهي: عتق الرقاب. وحديث أبي هريرة ﵁ في فضل العتق، قال: قال رسول الله ﷺ : (من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منها، عضوا منه من النار) (٣)، وعن أبي أمامة ﵁ أيضاً عن النبي ﷺ قال: (أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلماً كان فكاكه من النار ... ) (٤)، الحديث. والنصوص في فضل العتق كثيرة جداً.

стр. 54

الحكمة من مشروعيته: شرع العتق في الإسلام لغايات نبيلة، وحكم بليغة. فمن ذلك: أنه تخليص الآدمي من ضرر الرق، وملك نفسه، وتمكينه من التصرف في نفسه ومنافعه حسب إرادته واختياره. ولقد حرص الإسلام على تحرير العبيد فجعلها كفارة لعدد من المخالفات الشرعية. إن الفرد -في التصور الإسلامي- كائن كرمه الله وفضله، وأعلى من قيمته، ومنحه الإرادة والاختيار، التي تعتبر من أبرز خصائص هذا التكريم، وجعل يده مبسوطة على العالم وما فيه باستخلافه له، هذا ما يؤكده القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر ... ﴾ الآية [الإسراء: ٧٠]. والعبودية والاسترقاق تنافي من حيث الأصل مبدأ التكريم الذي منحه الله الإنسان، بسلب الحرية التي تعد أهم قيمة يتصف بها الإنسان .. صفة الرقبة التي تجزئ في العتق: اتفق الفقهاء على أن عتق الرقبة من الخصال التي تجزئ في كفارة اليمين على التخيير بينها وبين الإطعام والكسوة، واختلفوا في شرط الإيمان، هل يجب أن تكون الرقبة مؤمنة؟ على قولين: القول الأول: أن الإيمان في الرقبة شرط لصحة العتق، وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (١).

стр. 55

القول الثاني: أن الإيمان ليس شرطاً، ويجزئ إعتاق أي رقبة غير مؤمنة، وهو مذهب الحنفية، وابن حزم، ورواية لأحمد في الذمية خاصة (١). وسبب اختلافهم هو: هل يحمل المطلق على المقيد في الأشياء التي تتفق في الأحكام وتختلف في الأسباب، كحكم حال هذه الكفارات مع كفارة الظهار؟ فمن قال: يحمل المطلق على المقيد في ذلك قال باشتراط الإيمان في ذلك، حملا على اشتراط ذلك في كفارة الظهار في قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: ٩٢]، ومن قال: لا يحمل وجب عنده أن يبقى موجب اللفظ على إطلاقه (٢). الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بما يلي: ١ ـ القياس على كفارة القتل، والجامع بينهما، أن الإعتاق يتضمن تفريغ العبد المسلم لعبادة ربه، وتكميل أحكامه وعبادته وجهاده، ومعونة المسلم، فناسب ذلك شرع إعتاقه في الكفارة، تحصيلا لهذه المصالح، والحكم مقرون بها في كفارة القتل المنصوص على الإيمان فيها، فيعلل بها، ويتعدى ذلك الحكم إلى كل تحرير في كفارة، فيختص بالمؤمنة، لاختصاصها بهذه الحكمة. ٢ ـ حمل المطلق في كفارة اليمين ﴿أو تحرير رقبة﴾ على المقيد في كفارة القتل: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾. كما قيد الشهادة بالعدالة كقوله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ وأطلقها في قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ

стр. 56

رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فحمل منه المطلق على المقيد في اشتراط العدالة كذلك الكفارة (١). واستدل أصحاب القول الثاني: بأن الله تعالى أطلق الرقبة في هذه الكفارة، فوجب أن تجزئ ما تناوله الإطلاق. الراجح: الذي يبدو لي أن الإطلاق في عتق الرقبة هو المراد في تحقيق مقتضى الكفارة، فيجوز عتق غير المسلم مراعاة لظاهر النص وعدم وجود التقييد، وتيسيراً على المُعْتِق، وإن كان الأولى عتق رقبة مؤمنة. وأما حمل المطلق على المقيد، فهذه قاعدة لها صور وأحوال متعددة، بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه، والصورة التي نحن بصددها هي حمل المطلق على المقيد فيما إذا اتحد الحكم، واختلف السبب، والذي يبدو لي أن حمل المطلق على المقيد لا يكون إلا في حال اتفاق الحكم واتفاق السبب، أما إذا اختلف السبب فإن المطلق يبقى على إطلاقه، والمقيد يبقى في محله الوارد فيه فقط، لأن اختلاف الأسباب يؤثر في الأحكام، أو في قوتها، ومراتبها، فشأن القتل أعظم من شأن اليمين فكان التشديد فيه أنسب، بخلاف اليمين. ثم بعض الذين حملوا المطلق على المقيد في العتق لم يحملوا المطلق على المقيد في اشتراط التتابع في الصيام.

стр. 57

وإذا نظرنا إلى أسباب الكفارة في الآيات الثلاث وجدناها مختلفة؛ فالسبب في الآية الأولى الظهار، وفي الآية الثانية الحنث باليمين، وفي الآية الثالثة قتل المؤمن خطأً، وإذا نظرنا إلى الحكم وجدناه واحدًا وهو عتق الرقبة، لكنه في الظهار وفي اليمين مطلق، وفي القتل مقيد، فهل يحمل مطلق في هذه الصورة على المقيد، فنوجب في كفارة الظهار واليمين أن تكون الرقبة مؤمنة أيضًا، هذا ما وقع الخلاف فيه بين العلماء.

стр. 58

المطلب الرابع الصيام الصيام أحد خصال كفارة اليمين، ولا يجزئ إلا بشروط: أولاً: العجز عن الإطعام أو الكسوة أو العتق، فإذا عجز عما سبق فإنه ينتقل إلى الصنف الرابع وهو الصيام؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [١٧٠]. أما إنِ انتقل إلى الصيام وهو واجد قادرٌ على واحدة من الأصناف الثلاثة، فإنَّ صومه هذا لا يكفِّر عن يَمينه (١)، قال ابْنُ المُنْذِر: "وأجْمعوا على أنَّ الحالف الواجد للإطعام أو الكسوة أو الرقبة لا يجزئه الصوم إذا حنث في يمينه" (٢). وقال ابن هبيرة: "واتَّفقوا على أنَّ الكفَّارة إطعام عشَرة مساكينَ أو كسوتُهم أو تَحرير رقبة، والحالف مُخيَّر في أيِّ ذلك شاء، فإن لَم يَجِد شيئًا من ذلك انتقَلَ حينئذٍ إلى صيام ثلاثة أيَّام" (٣). ثانياً: وجوب النية قبل الفجر، لأنه صيام واجب، فعن حفصة، عن النبي ﷺ ، قال: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر، فلا صيام له) (٤).

стр. 59

ثالثاً: التتابع في الصيام. (هل يشترط التتابع في الصيام؟ ): اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يشترط التتابع، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، وقول في مذهب الشافعي (١). القول الثاني: لا يشترط التتابع، وهو قول المالكية والشافعية (٢). وسبب اختلافهم في ذلك شيئان: أحدهما: هل يجوز العمل بالقراءة الشاذة، وذلك أن في قراءة عبد الله بن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (٣). والسبب الثاني: اختلافهم هل يحمل الأمر بمطلق الصوم على التتابع، أم ليس يحمل؟ إذا كان الأصل في الصيام الواجب بالشرع إنما هو التتابع (٤). استدل أصحاب القول الأول بما يلي: ١ ـ قراءة ابن مسعود ﵁ (ثلاثة أيام متتابعة)، والقراءة الشاذة تقوم مقام خبر الواحد في وجوب العمل؛ لأنها منقولة عن الرسول ﷺ (٥).

стр. 60

٢ ـ ولأنه صوم تكفير فيه عتق، فوجب أن يكون التتابع من شرطه قياسًا على كفارة القتل والظهار (١). ٣ ـ حمل المطلق على ما قيد من جنسه كما حمل إطلاق العتق في كفارة الأيمان على ما قيد في كفارة القتل من الإيمان فلزمه أن يحمل إطلاق هذا الصيام على ما قيد من تتابعه في القتل (٢). استدل أصحاب القول الثاني يما يلي: ١ ـ ما ورد به القرآن من إطلاق صيامها فاقتضى الظاهر إجزاء صيامها في حالتي تتابعها وتفريقها. ٢ ـ لا يجب حمله على المقيد من كفارة الظهار؛ لتردد هذا الإطلاق بين أصلين يجب التتابع في أحدها وهو كفارة الظهار، ولا يجب في الآخر وهو قضاء رمضان فلم يكن أحد الأصلين في التتابع بأولى من الآخر. ٣ ـ ولأنه صوم يتردد موجبه بين إباحة وحظر، فوجب أن لا يستحق فيه التتابع قياسا على قضاء رمضان. والراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني لقومة ما استدلوا به. وأما قراءة ابن مسعود وأُبيِّ بن كعب فإنما تجري في وجوب العمل بها مجرى خبر الواحد، إذا أضيفت إلى التنزيل وإلى سماعها من الرسول ﷺ فأما إذا أطلقت جرت مجرى التأويل دون التنزيل، ثم لو سلمت لحملت على الاستحباب وإطلاقها

стр. 61

على الجواز، وأما كفارة القتل فلما تغلظ صومها بزيادة العدد تغلظ بالتتابع، ولما تخفف صوم كفارة اليمين بنقصان العدد تخفف بالتفرقة (١).

стр. 62

المبحث الرابع أحكام كفارة اليمين ، ويشتمل على ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الكفارة بين الترتيب والتخيير. المطلب الثاني: تقديم الكفارة على الحنث في اليمين. المطلب الثالث: شروط كفارة اليمين.

стр. 63

المطلب الأول الكفارة بين الترتيب والتخيير نص الله على أن خصال كفارة اليمين لمن حنث في يمينه، وأراد أن يتراجع عن مقتضاها هي: الإطعام، والكسوة، والعتق، وصيام ثلاثة أيام. وهذه الخصال على درجتين من حيث الترتيب والتخيير: الدرجة الأولى: التخيير: فالذي يحنث في يمينه مخير بين ثلاثة أصناف: الإطعام، أو الكسوة، أو العتق، فأيها فعل فقد أدى ما وجب عليه، وأجزأ عنه. الدرجة الثانية: الترتيب: ويكون بين الخصال الثلاث السابقة، وبين الصيام، فلا يجوز أن ينتقل المكلف إلى الصيام إلا إذا عجز عن القيام بإحدى الخصال الثلاث التي هي: الإطعام أو الكسوة، أو العتق (١). لقوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾. قال ابن حزم: وما نعلم في هذا خلافاً (٢).

стр. 64

المطلب الثاني تقديم الكفارة على الحنث في اليمين اتفق الفقهاء على أن من حلف على يمين ثم حنث فيه وتراجع عن إمضائه، ثم كفر بعد ذلك فإن الكفارة تجزئه. واختلفوا فيما إذا كفر عن يمينه قبل الحنث، هل تجزئ الكفارة أم لا؟ القول الأول: أن الكفارة تجزئ قبل الحنث، وهو رواية لمالك، وهو مذهب أحمد (١). القول الثاني: أن الكفارة لا تجزئ قبل الحنث، وهو قول أبي حنيفة، ورواية لمالك (٢). القول الثالث: أن الكفارة قبل الحنث تجزئ في الإطعام، والكسوة والعتق دون الصيام، وهو مذهب الشافعية (٣). وسبب اختلافهم شيئان: أحدهما: اختلاف الرواية في قوله ﵊: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه). فإن قومًا رووه هكذا،

стр. 65

وقوم رووه: (فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير). وظاهر هذه الرواية أن الكفارة تجوز قبل الحنث، وظاهر الثانية أنها بعد الحنث. والسبب الثاني: اختلافهم في هل يجزئ تقديم الحق الواجب قبل وقت وجوبه؟ لأنه من الظاهر أن الكفارة إنما تجب بعد الحنث، كالزكاة بعد الحول. ولقائل أن يقول: إن الكفارة إنما تجب بإرادة الحنث والعزم عليه كالحال في كفارة الظهار، فلا يدخله الخلاف من هذه الجهة. وكان سبب الخلاف من طريق المعنى هو: هل الكفارة رافعة للحنث إذا وقع، أو مانعة له؟ فمن قال: مانعة، أجاز تقديمها على الحنث، ومن قال: رافعة، لم يجزها إلا بعد وقوعه (١). الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بما يلي: ١ ـ قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، فالآية الكريمة رتبت الكفارة على اليمين المنعقدة لا على الحنث.

стр. 66

قال القرطبي: "اليمين سبب الكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٨٩] فأضاف الكفارة إلى اليمين، والمعاني تضاف إلى أسبابها؛ وأيضا فإن الكفارة بدل عن البر فيجوز تقديمها قبل الحنث" (١). ٢ ـ أن النبي ﷺ قال لعبد الرحمن بن سمرة: (إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها .. فكفر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير) (٢) (٣). ٣ ـ وعن أبي موسى، عن النبي ﷺ أنه قال: (وإني - إن شاء الله - لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها، إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير. أو أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني) (٤). ٤ ـ ولأنه كفر بعد وجود السبب، فأجزأ، كما لو كفر بعد الجرح، وقبل الزهوق، والسبب هو اليمين بدليل قوله تعالى ﴿ذلك كفارة أيمانكم﴾ [المائدة: ٨٩]. وقوله سبحانه ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم: ٢]. ٥ ـ ولأنه حق مال يتعلق بسببين يختصان به، فجاز تقديمه على أحدهما، كالزكاة. واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي: ١ ـ قوله ﷺ : (لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين ورأيت غيرها

стр. 67

خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك) (١) فالحديث رتب الكفارة على الحنث لا على اليمين. ٢ ـ أن مجرد اليمين ليس بسبب لوجوب الكفارة؛ لأن أدنى حد السبب أن يكون مؤديًا إلى الشيء طريقًا له، واليمين مانعة من الحنث محرمة له فكيف تكون موجبة لما يجب بعد الحنث (٢). ٣ ـ الكفارة إنما هي لرفع الإثم، وما لم يحنث لم يكن هناك إثم حتى يُرفع فلا معنى لفعلها. ٤ ـ الآية الكريمة فيها إضمار فيصبح المعنى: (أي: إذا حلفتم وحنثتم)، ورده مخالفوه فقالوا: بل التقدير (إذا حلفتم فأردتم الحنث .. ). ٥ ـ وأيضا فإن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم تصح قياساُ على الصلوات وسائر العبادات (٣). وفرق أصحاب القول الثالث وهم الشافعية بين تقديم الخصال الثلاث، وبين الصوم، أنه عبادة بدنية لا حاجة به إلى تقديمها، فلم يجز تقديمها قبل الوجوب، كصوم رمضان (٤). والراجح هو القول الأول: لقوة أدلته، ولأن الحنث شرط وليس بسبب، وتعجيل حق المال بعد وجود سببه

стр. 68

وقبل وجود شرطه جائز، بدليل تعجيل الزكاة بعد وجود النصاب وقبل الحول، وكفارة القتل بعد الجرح وقبل الزهوق. قال ابن عبد البر: "وكان أبو حنيفة وأصحابه لا يجيزون الكفارة قبل الحنث؛ لأنها إنما تجب بالحنث، والعجب لهم أنهم لا تجب الزكاة عندهم إلا بتمام مرور الحول، ويجيزون تقديمها قبل الحول من غير أن يروا في ذلك مثل هذه الآثار، ويأبون من تقديم الكفارة قبل الحنث مع كثرة الرواية بذلك والحجة في السنة ومن خالفها محجوج بها" (١). وأما أصحاب الشافعي فهم محجوجون بالأحاديث، مع أنهم قد احتجوا بها في البعض، وخالفوها في البعض، وفرقوا بين ما جمع بينه النص، ولأن الصيام نوع تكفير، فجاز قبل الحنث، كالتكفير بالمال، وقياس الكفارة على الكفارة أولى من قياسها على الصلاة المفروضة بأصل الوضع (٢). ولا يصح قياس كفارة اليمين على الصلاة وغيرها من العبادات المؤقتة؛ لأن الصلاة ونحوها عبادة مؤقتة بوقت له بداية ونهاية فلا يجوز فعلها قبل وقتها ولا بعد خروج وقتها بخلاف الكفارة فهي غير مؤقتة وإنما تتعلق بسببها ووقتها موسع، وأما الزكاة فقد قلنا إنه يجوز أدائها بعد وجود سببها، وقبل تحقق شرطها فيجوز إخراجها بعد امتلاك النصاب وقبل حولان الحول، وقياس الكفارة على الزكاة أولى من قياسها على الصلاة.

стр. 69

المطلب الثالث شروط كفارة اليمين لوجوب كفارة اليمين على المكلف عدة شروط، هي: ١ - أن تكون اليمين منعقدة من مكلف على أمر مستقبل ممكن، كمن حلف لا يدخل دار فلان. ٢ - أن يحلف مختاراً، فإن حلف مكرهاً لم تنعقد يمينه خلافاً لأبي حنيفة. ٣ - أن يكون قاصداً لليمين، فلا تنعقد بلا قصد، كمن يجري على لسانه (لا والله، وبلى والله) في حديثه. ٤ - الحنث في يمينه، أو العزم على الحنث فيها، بأن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله مختاراً ذاكراً.

стр. 70

المبحث الخامس مشبهات اليمين ، ويشتمل على مطلبين: المطلب الأول: النذر. المطلب الثاني: الإيلاء.

стр. 71

المطلب الأول النذر تعريف النذر لغة: النذر لغة: الإيجاب، تقول: نذرت كذا إذا أوجبته على نفسك (١). وفي الاصطلاح: هو إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى شيئا غير لازم بأصل الشرع بكل قول يدل عليه (٢). وجوب الوفاء بالنذر: الأصل في وجوب الوفاء بالنذر: الكتاب والسنة والإجماع: فأما الكتاب: فقوله تعالى ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]. وأما السنة: فما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) (٣). وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على صحة النذر في الجملة ولزوم الوفاء به.

стр. 72

علاقة النذر بكفارة اليمين: من خلال تقسيم العلماء للنذر وبيان أنواعه تتضح الصور التي تجب فيها كفارة اليمين للخروج من لوازم النذر، وهذه أقسامه: ١. نذر الطاعة والتّبَرر (النذر المعلق على شرط): كالتزام طاعة في مقابل نعمة استجلبها، أو نقمة استدفعها، كقوله: إن شفاني الله فلله علي أن أصوم شهرًا. فهذا القسم يجب الوفاء به للآيات والأحاديث الواردة في وجوب الوفاء بالنذر (١). وإن عجز الناذر عن الوفاء بالنذر؛ لكونه لا يطيق الوفاء؛ لكبر، أو لمرض لا يرجى برؤه ونحوه فإن عليه كفارة يمين وتبرأ ذمته بذلك لقول ابن عباس ﵄: "من نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين" (٢). ٢. نذر اللِّجاج والغضب: نذر اللّجاج والغضب، وله صور، منها (٣): أ) تعليق نذره بشرطٍ يقصد المنع منه: مثل: أن يقول: إن فعلت كذا فللَّه علي نذر أن أصوم سنة، وغرضه أن يمنع نفسه من ذلك؛ لأنه إذا تذكر صيام السنة امتنع.

стр. 73

أو يقول إنسان لمن يمتنع بيمينه - كابنه مثلاً -: إن فعلت كذا فلله علي نذرٌ أن أصوم سنة، فهذا - أيضاً - يسمى نذر اللجاج والغضب، فقصده بذلك المنع. ب) حمل نفسه على فعل: مثل أن يقول: إن لم أفعل كذا فعلي نذر أن أوقف أملاكي، أو نقودي هبة، والمقصود حمل نفسه على الفعل. ج) لتصديق حديثه وخبره: مثل: إذا حدث بحديث فقيل له: هذا ليس بصحيح، فقال: لله علي نذر إن كان كذباً أن أصوم سنة. د) تكذيب الخبر: مثل: أن يحدثه شخص بشيء، فيقول: أنت كذاب، إن كان ما تقوله صدقاً أموالي كلها صدقة، فالمقصود التكذيب. وحكم هذا النذر: أن الناذر مخيّر بين فعل مقتضى النذر، أو كفّارة يمينٍ (١). لحديث: (لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين) (٢)، أما من جهة التعليل فيقال: إن هذا بمعنى اليمين؛ لأنه لم يقصد بهذا النذر إلا المنع، أو الحمل، أو التصديق، أو التكذيب، وقد قال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) (٣) (٤).

стр. 74

٣. النذر المطلق: وصورته أن يقول الإنسان: لله علي نذر - فقط - ولم يعين شيئاً محددًا (١). فحكمه: كفارة يمين؛ لقول النبي ﷺ في حديث عقبة بن عامر ﵁: (كفارة النذر إذا لم يُسمَّ كفارة يمين) (٢) (٣). ٤. النذر المباح: كقوله: لله علي أن ألبس ثوبي أو أركب سيارتي (٤): وهذا النوع من النذر اختلف العلماء في الوفاء به على قولين: القول الأول: يرى الحنفية والحنابلة أنه مخير بين فعله وكفارة يمين (٥) لما روى أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: إن نذرت أن أضرب على رأسك بالدف فقال الرسول ﷺ : (أوف بنذرك) (٦). القول الثاني: ذهب المالكية والشافعية إلى أنه لا ينعقد نذره، وبناء عليه يباح الوفاء به وتركه وليس على من تركه كفارة (٧) لحديث أنس أن رسول الله ﷺ : رأى

стр. 75

رجلا يهادى بين ابنين له، فقال: (ما هذا؟ ) فقالوا: يا رسول الله، نذر أن يحج ماشيا، فقال: (إن الله لغني عن تعذيبه نفسه، فليركب) (١). ولم يأمر بكفارة. الراجح: هو عدم انعقاد النذر، لأن النذر عبادة ولا يقع إلا على عبادة وطاعة لله، وأما قوله ﷺ لمن نذرت أن تضرب بالدف، فإنه ينصرف إلى السماح لها وعدم ممانعته لذلك. ٥. نذر المكروه: كنذر الطلاق ونحو ذلك، وحكم هذا النذر أنه يستحب أن يكفر كفارة يمين ليخرج من عهدة النذر ولا يفعله فإن فعله فلا كفارة عليه؛ لأنه وفى بنذره (٢). ٦. نذر المعصية: كشرب الخمر وأكل الحرام ونحوه وحكم هذا أنه لا يجوز الوفاء به بإجماع العلماء؛ لأن النبي ﷺ قال: (من نذر أن يعصي الله فلا يعصه) (٣). ولكن اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة عليه: فقال بوجوبها الثوري وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وبعض الشافعية؛
следующие страницы →