النظرة الخامسة والعشرون
تفسير: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
يلاحظ القارئ هنا أن أسلوب الآيات تحول من الغيبة إلى الخطاب، ولا غرابة في ذلك، ففيه إشارة إلى أن العبد تشبعت روحه بمعرفة الله تعالى وربوبيته للمخلوقات، ومعرفة أسمائه وصفاته، فتحول الخطاب بناء على هذه المعرفة، كأن العبد يرى ربه فيخاطبه، غير شاك في ألوهيته وأسمائه وصفاته، على حد ما ورد في ركن الإحسان، أن تعبد الله كأنك تراه، ثم إن التحول من الغيبة إلى الخطاب أسلوب عربي معروف، والقرآن نزل بلغة العرب، ومن المعقول عن العرب، أن من شأنهم إذا حكوا، أو أمروا بحكاية، أن يخاطبوا ثم يتحولوا إلى الإخبار عن غائب، ويخبرون عن غائب ثم يعودون إلى الخطاب، لما في الحكاية بالقول من معنى الغائب والمخاطب، كقولهم للرجل: قد قلتُ لأخيك، لو قمتَ لقمتُ، وقد قلتُ لأخيك، لو قام لقمتُ.
قال أبو كبير الهذلي:
يا لهف نفسي كان جِدةُ خالد
стр. 107
وبياض وجهكَ للتراب الأعفر (١).
ومنه قول لبيد بن ربيعة:
باتت تشكى إلي النفس مجهشة
وقد حملتكِ سبعا بعد سبعينا (٢).
وفيهما الرجوع إلى الخطاب بعد الغيبة، وهذا في كتاب الله كثير (٣).
والمعنى: نخصك بالعبادة وحدك لا شريك لك، فنخشع ونذل ونستكين، ولا ريب أن الرجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذلة، والعبودية عند العرب الذلة تقول: طريق معبد، أي: مذلل قد وطئته الأقدام، وذللته السابلة: جعلته معبدا، ومن ذلك قول طرفة بن العبد:
تُباري عتاقا ناجيات وأتبعت
وظيفا وظيفا (٤) فوق مور معبد (٥).
وقد قدم الضمير ﴿إِيَّاكَ﴾ في الجملتين للإشعار بخصوصية العبادة والاستعانة بالله وحده لا شريك له، ولئلا يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود، فلا يجوز
стр. 108
"نعبدك، ونستعينك" ولا "نعبد إياك، ونستعين إياك" فيجب إتباع لفظ القرآن، قال العجّاج:
إياك أدعو فتقبل ملقي فاغفر خطاياي وكثر ورقي (١).
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي بك يا ربنا نستعين على طاعتك وعبادتك، وعلى كل أمورنا في حالنا ومستقبل عمرنا.
اللهم إياك نعبد وحدك لا شريك لك، مخلصين لك العبادة، دون ما سواك من الآلهة والأوثان، فأعنا على عبادتك، ووفقنا لما وفقت له من أنعمت عليهم من أنبيائك ورسلك وأهل طاعتك، من السبيل والمنهاج (٢).
النظرة السادسة والعشرون
تفسير: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ .
لما أكمل الله بيان الأحكام والحلال والحرام، وأقام الحجة بأوضح ما يكون البيان والبرهان، وجه عباده إلى طلب المزيد من الهداية والتوفيق والثبات كما قال ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية: ألهمنا الطريق الهادي، وهو دين الله الذي لا عوج فيه (٣)، وهو دين الإسلام، وقد فسره بذلك جابر بن عبد الله ﵁ فقال: "الصراط
стр. 109
المستقيم: هو الإسلام" (١)، وعن النواس بن سمعان ﵁، عن النبي ﷺ قال: (ضرب الله صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: أيها الناس أدخلوا الصراط جميعا ولا تفرقوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط: الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي من فوق واعظ الله تعالى في قلب كل مسلم) (٢)، قال الطبري: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعا على أن (الصراط المستقيم) هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وهو كذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن عطية الخطفي:
أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم (٣)، يريد على طريق الحق، ومنه قول الهذلي أبي ذؤيب:
стр. 110
صبحنا أرضهم بالخيل حتى تركناها أدق من الصراط (١)
النظرة السابعة والعشرون
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾:
هذا بيان لنوع الصراط المطلوب الهداية إليه، والثبات عليه، وأنه كما قال ابن عباس: طريق من أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك، من الملائكة والنبيين، والصديقين والشهداء والصالحين، الذين أطاعوك وعبدوك (٢)، فيكون المعني به: وفقنا للثبات على ما ارتضيته، ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك، من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم، لأن من وفق لما وفق له من أنعم الله عليه، من النبيين والصديقين والشهداء، فقد وفق للإسلام وتصديق الرسل، والتمسك بالكتاب والعمل بما أمر الله به، والانزجار عما زجر الله عنه، واتباع منهج النبي ﷺ ، ومنهاج أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ﵃، وكل عبد الله صالح، ذلك من الصراط المستقيم (٣).
стр. 111
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وهنا يتكرر السؤال وطلب العافية، فكما سألوه تعالى أن يهديهم سبيل المؤمنين، سألوه تعالى ألا يضلهم، كما دعوه فقالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (١).
والمغضوب عليهم: هم العصاة بمختلف معاصيهم، داخلون في غضب الله بتفاوت، فأعلاهم اليهود، وأدناهم مرتكب الذنب، فالله يغضب من عمل الذنوب وإن قلَّت.
والضالون: هم الجهّال، أعلاهم النصارى، ضلوا طريق الحق، وأدناهم الجهال من العوام، الذين يجهلون أمور دينهم ودنياهم، وقد ذهب الجمهور من العلماء ﵏ إلى أن ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ هم اليهود لتكذيبهم وقتلهم الأنبياء بغير حق، ولقولهم في عيسى ﵇: إنه ابن زانية، فكذبوا الله، ورموا عيسى وأمه، وتجاسروا على الله فقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (٢)، وقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ
стр. 112
مَغْلُولَةٌ﴾ (١)، فباؤوا بغضب من الله، وهم رأس من غضب الله عليهم من عباده من الإنس، قال الله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٢).
أما الضالون: فقال الجمهور: هم النصارى لأنهم اتبعوا الهوى فضلوا في أمر عيسى ﵇، وقالوا بالتثليث فأفرطوا في اعتقادهم، وجاوزوا الحد في دينهم، وغلوا في أمر نبيهم المسيح ﵇، فقالوا: إنه إله، وزعموا أنه ابن الله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، قال الله : ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٣).
أما المسلمون: فهم أصحاب الصراط المستقيم، والحمد لله كانوا وسطا بين اليهود والنصارى، فاعتقاد اليهود تفريط، واعتقاد النصارى إفراط، والمسلمون وسط بينهم، آمنوا بالله تعالى وما جاء به أنبياؤه ورسله.
اللهم أحينا مسلمين مؤمنين، وأمتنا مسلمين مؤمنين، وابعثنا مسلمين مؤمنين، غير خزايا ولا نادمين، والحمد
стр. 113
لله رب العالمين وصلى وسلم وبارك على أنبيائه ورسله أجمعين.
النظرة الثامنة والعشرون
معنى آمين:
أكثر العلماء على أن معنى آمين: اللهم استجب لنا، وضع موضع الدعاء، وهذا قولٌ حسن، فإن الله جعل الدعاء في الفاتحة على نصفين، النصف الأول منها مجمع الثناء عليه تعالى، والنصف الثاني فيه مجمع حاجات العباد، وحسن أن يختم الثناء والدعاء بطلب القبول والاستجابة فكأن القائل: آمين يقول: اللهم استجب لنا يا ربنا ثناءنا عليك بما أنت أهله، ودعاءنا الذي به تقضي حاجاتنا، وتجعلنا من عبادك المقبولين، وقد كان الصحابة يختمون الدعاء بآمين.
في "آمين" لغتان:
١ ــ المد على وزن "فاعيل" مثل "ياسين" قال الشاعر في المد:
آمين آمين لا أرضى بواحدة حتى أبلغها ألفين آمينا (١)
٢، ــ القصر: على وزن "فعيل" قال الشاعر:
تباعد مني فطحل إذ سألته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا (٢).
стр. 114
وهي كلمة عربية لا ريب في ذلك، ومن شدد الميم فقد أخطأ (١).
النظرة التاسعة والعشرون
حكم قول آمين:
ثبت عن رسول الله ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا أمن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه) وقال ابن شهاب: "وكان رسول الله ﷺ يقول: آمين" (٢).
وفي حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أخرجه مسلم وغيره: (وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين يجبكم الله) (٣).
فهذه النصوص وغيرها في نظري دالة على وجوب قول: "آمين" بعد الفراغ من قراءة الفاتحة.
وقول القرطبي ﵀: ويُسن لقارئ القرآن أن يقول بعد الفراغ من الفاتحة، بعد سكتة على نون ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: آمين، ليتميز ما هو قرآن، مما ليس بقرآن (٤)، فيه نظر من حيث أن ما ورد من الأمر بقولها، لا
стр. 115
صارف له عن الوجوب إلى السنية، هذا أولا:
والثاني: أن الفاتحة قرآن، وقد قرر ذلك ﵀ بقوله: "وأجمعت الأمة على أنها ــ يعني الفاتحة ــ من القرآن" (١)، فالقول بوجوب "آمين" هو الصحيح إن شاء الله، ولا يجوز تعمد تركها، ومن نسيها لا يجب عليه سجود السهو لقوله ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) ولا يعارضه ما ورد فيه النص، وإن أراد بالسنية السكتة ذاتها، ففيه نظر لثبوت النص في المتفق عليه، أن من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه، فالمبادرة بآمين مطلوبة لذلك.
النظرة الثلاثون
أهمية قول آمين:
أهمية قول آمين بعد قراءة الفاتحة واضحة مما ورد في النصوص الثابتة من أنها سبب في المغفرة، وقد أخرج أبو داود من حديث أبي زهير النمري (٢)، قال: "خرجنا مع رسول الله ذات ليله، فأتينا على رجل قد ألحَّ في المسألة (٣)، فوقف النبي ﷺ ، يستمع منه" فقال النبي ﷺ : أوجب إن ختم، فقال رجل من القوم: بأي شيْ يختم؟ ،
стр. 116
قال: بآمين، فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب" فانصرف الرجل الذي سأل النبي ﷺ فقال: اختم يا فلان بآمين وأبشر (١)، وفي هذا أخبار لا تخلو من مقال وقد يعضِّد بعضها بعضا (٢).
النظرة الحادية والثلاثون
الجهر بآمين:
الصحيح من أقوال العلماء ﵏ الجهر بآمين للإمام والمأموم، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة منها ما تقدم وعقد الإمام البخاري ﵀ ترجمتين لذلك.
قال في الأولى: باب جهر الإمام بالتأمين وقال عطاء: آمين دعاء، أمن ابن الزبير ومن وراءه، حتى إن للمسجد للجة.
وكان أبو هريرة ينادي الإمام؛ لا تفتنى بآمين (٣).
وقال في الثانية: باب جهر المأموم بآمين (٤)، وذكر حديث أبي هريرة المتقدم في آخر المبحث الثالث.
стр. 117
وأخرج أبو داود، والدارقطني (١)، من حديث وائل بن حجر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا قرأ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين" ورفع بها صوته، وأخرجه الترمذي وقال: حديث حسن (٢)، وقال أيضا عقب قول عطاء: وبه يقول غير واحد من أهل العلم، من أصحاب النبي ﷺ ، ومن بعدهم، يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين لا يخفيها، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق (٣)، ولا حجة قائمة لمن قال بالإسرار بآمين، بدعوى أنها دعاء، والله يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٤)؛ لأنه يقال له ثبت ذلك من فعل رسول الله ﷺ ، والصحابة ﵃، ثم إن إخفاء الدعاء إنما يكون أفضل لما يدخله من الرياء، أما ما يتعلق منه بصلاة الجماعة فشهودها، إشهار شعار ظاهر، وإظهار حق يندب العباد إلى إظهاره، وقد ندب الإمام إلى إشهار قراءة الفاتحة المشتملة على الدعاء والتأمين في آخرها،
стр. 118
فإذا كان الدعاء مما يسن الجهر فيه فالتأمين على الدعاء تابع له، وجار مجراه وهذا بين (١).
النظرة الثانية والثلاثون
كيف يصل المسلم إلى أعلى درجات التقرب:
إن المسلم مأمور باستشعار عظمة الله ، وقدرته سبحانه على الخلق والإحياء، والإماتة والبعث والجزاء، سيما في حال أداء العبادات، ومعروف أن الصلاة عليها مدار العبادات، وفيها مناجاة متكررة في كل وقت أوجب الله أداء هذه الفريضة العظيمة فيه، قال الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٢)، ولما سئل رسول الله ﷺ عن الإحسان قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) (٣)، وهنا يلزم العبد تدبر ما يقرأ حتى يحصل الاستشعار، ويتم الخشوع، ويتحقق له قول الله : ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (٤)، فإذا ما قرأ الفاتحة متدبرا ظهر له من صفات الربوبية في قوله
стр. 119
تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ومن صفات الرحمة في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ والملك في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وإخلاص العبادة في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ما يجعل المسلم مستشعرا عظمة الله ، كأنه يراه، فيكون قلبه ولسانه يثنيان على الله بجميع المحامد، وتكون الجوارح في سكون وخشوع كامل، إذ أنه من خلال النصف الأول من الفاتحة استشعر عظمة الله ، من خلال ثنائه وحمده ... الله تعالى، وذكره بالغيبة بأسمائه وصفاته، فلما ... كمل الاستشعار في قلبه وفكره، صارت تلك ... الصفات والمعاني في ذهنه في حكم المشاهد على حد قوله ﷺ : (كأنك تراه) فالتفت عن الغيبة إلى الخطاب ... ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وبهذا الاستشعار وذلك التصور الذهني، والخشوع والتذلل الظاهر بين الجوارح، وصل قارئ الفاتحة إلى أعلى درجات التقرب والعبودية لله وحده لا شريك له، ولم يبق بعد هذا الوصول إلا الطلب من المعبود سبحانه،
стр. 120
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
الاستعانه هنا لها جانبان:
الأول: يخص الاستعانه به على القيام بما فرض الله ، على عباده من العبادات ومن العون عليها هدايتهم وتوفيقهم لها، ومدهم بالصبر والثبات عليها، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (٢)، وفي ذلك حبس للنفس عما حرم الله.
الثاني: يخص الاستعانة به سبحانه على ما أباح للعباد من الطيبات من أمور الدنيا البحتة، كحفظ الصحة والكسب الحلال، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٣)، وقال : ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ
стр. 121
الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١)، وقال الله : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٣)، وجميع مهام الحياة، وهي تختلف باختلاف الناس، وما خوّلهم الله فيه من التمكين في الأرض، ابتداء من تهذيب النفس وإدارة أمور الأسرة الصغيرة، وانتهاء برعاية الأمة وحفظ حقوقها، وفيه تدخل جميع الحرف والصناعات، من صناعة الإبرة إلى بناء المفاعلات الذرية، لا يتم للمسلم شيء منها إذا لم يستعن بالله ، وإن حصل لغير المسلمين شيء من ذلك، فهو من المتاع الذي وعد الله به ﴿وَإِذْ
стр. 122
قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١)،
فكونهم يصلون إلى شيء من ذلك المتاع في الصحة والمال والبنين والقوة في شتّى مناحي الحياة دون استعانة منهم بالله، فقد أخبر تعالى أنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (٢)، وقد أمدهم الله بأسباب ذلك متاعا لهم، وهو استدراج لهم من الله، قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ (٣).
أما المسلمون فقد جمع الله لهم بين الدنيا والآخرة، إذا ما تمسكوا بكتاب ربهم وسنة نبيهم، ومن هنا وجب على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وشمالها وجنوبها، وفي كل شبر منها، شعوبا وحكاما، جماعات
стр. 123
وأفراداً، يجب عليهم العودة إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله، والعمل بهما نصا وروحا، سالكين المنهج النبوي، والخلافة الراشدة، حذو القذة بالقذة (١)، آخذين بأسباب وحدتهم، وقوتهم وعزتهم كما فعل أسلافهم، من الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم من الصالحين، من الملوك والقادة الفاتحين، إنهم إذا فعلوا ذلك يستطيع مبعوث المسلمين إلى غيرهم، أن يقول مثلما قال مبعوث سعد بن أبي وقاص ﵁، الصحابي الجليل، النعمان بن مقرن، إلى يزدجرد ملك الفرس أيام حرب القادسية، في زمن الخليفة الراشد عمر ﵁: قال: "إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا، يدلنا على الخير ويأمرنا به ــ إلى قوله ــ: وأمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دين الإسلام، دين حسَّن الحسن، وقبّح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر، هو أهون من آخر شرٌ منه: الجزية، فإن أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله، وأقمناكم عليه، وعلى أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم، وشأنكم وبلادكم ... . الخ" (٢)،
ولاستطاع أن يفعل مفاوض المسلمين مثلما فعل ربعي بن عامر ﵁ حينما دخل على رستم بثياب صفيقة، وسيف وترس وفرس
стр. 124
قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض الوسائد وأقبل وعليه سلاحه ودرعه، وبيضته على رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك، فقال: "إني لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت، قال رستم: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ ، فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .. الخ" (١).
ولَوَقَف موقف المغيرة بن شعبة ﵁ من رستم أيضا حينما هدد، واستشاط غضبا من المسلمين وأزبد وأرعد، وقال: أمرت لكم بكسوة ولأميركم ألف دينار وكسوة ومركوب.
فقال المغيرة ﵁: "أبعد أن أوهنا ملككم، وضعفنا عزكم، ولنا مدة نحو بلادكم، ونأخذ الجزية منكم عن يد وأنتم صاغرون، وستصيرون لنا عبيدا على رغمكم" (٢).
وهذا غيض من فيض من مواقف المسلمين وقادتهم العظام، حينما كانوا مع الله ورسوله قلبا وقالبا.
إن العالم الإسلامي متخم بالدول الإسلامية، الواسعة الأرجاء، المالكة لكثير من الثروات، ذات الدور الفعال في قلب الموازين السياسية والعسكرية في العالم، يلقي
стр. 125
بثقل المسؤولية العظمى على الحكام والعلماء، والأعيان والحكماء تجاه دينهم ووحدتهم، وقوتهم وحضارتهم، ويوجب عليهم استغلال الثروات، ومعرفة العلوم والصناعات، ليحفظوا دينهم وحضارتهم، ويقيموا الوزن بالقسطاس المستقيم في شعوبهم، ويكونوا خلفاء الله في الأرض، محققين قول الله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢)، وقول رسول الله ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد، بالسهر والحمى) (٣)، بهذا يكونون أولياء الله ، وخلفاؤه في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم، ولمثل هذا فليعمل العاملون.
стр. 126
الخاتمة
إن من أعظم نعم الله على هذه الأمة أن بعث منها محمدا ﷺ ، وأرسله إليها بالهدى ودين الحق، وجعلها خير أمة أخرجت للناس، كرمها بخير رسله، شرفها بدين الإسلام، المنهج الصالح لكل زمان ومكان، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهو الصراط المستقيم، والمنهج القويم به يسعد البشر، في حياة مليئة بالعدل والمساواة، عامرة بالأمن والاستقرار، وقد تبين لي من هذه النظرات الممتعة في هذه السورة العظيمة ما يلي:
١ ــ وجوب حمد الله تعالى والثناء عليه بجميع المحامد.
٢ ــ أنه تعالى المتفرد بربوبية عباده، وسائر المخلوقات.
٣ ــ كمال رحمته لسائر خلقه في الدنيا والآخرة.
٤ ــ التذكير بيوم الحساب والجزاء، وأن الله تعالى هو الملك الديان.
٥ ــ الإرشاد إلى طلب الهداية ووحدة الأمة في المعبود والمتبوع والمنهج.
٦ ــ التحذير من سبل أهل الشرك والزيغ والأهواء.
٧ ــ أن سورة الفاتحة من أعظم السور الموجهة إلى هذه المقاصد.
٨ ــ وجوب الاعتناء بهذه الأمور والتربية عليها من خلال الفاتحة وغيرها من كتاب الله تعالى.
стр. 127
٩ ــ وجوب تفهم الفاتحة فهي ركن من أركان الصلاة، ومن الأذكار النافعة في كل الأحوال.
١٠ ــ أن الفاتحة من أعظم شعارات وحدة المسلمين، اعتقادا وقولا وعملا، لا فرق بين عربي وغيره.
التوصيات
يجب على كل مسلم أن يهتم بالفاتحة تلاوة وفهما، فهي من أركان الصلاة، بصحة تلاوتها تصح الصلاة، وعلى المسلم أن يتعلم من كتاب الله وسنة رسوله ما لا يسعه جهله، ومن ذلك ما يلي:
١ ــ نوصي كل مسلم أن يعلم أن الدين الإسلامي هو المنهج الأمثل لسعادة البشر.
٢ ــ نوصي كل مسلم أن يعلم أن الدين الإسلامي كفيل بنشر العدل بين الناس، وأنه ناجع في حل الأزمات والمشكلات، العارضة في حياة الناس، في كل زمان ومكان.
٣ ــ نوصي كل مسلم أن يعلم أن الإسلام دين التقدم والرقي، وأنه لا يحرم النظر والبحث في العلوم الكونية، ولا يمنع من تحقيق الأمن والسعادة من خلالها.
٤ ــ نوصي كل مسلم أن يعلم أن الإسلام منهج عبادة، ونظام عمل يدعو إلى التقوى والعلم والمعرفة والابتكار.
٥ ــ نوصي كل مسلم أن يعلم أن الخير فيما أمر به الإسلام، وأن الشر فيما نهى عنه ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا
стр. 128
فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١)، وهذه الآية الكريمة وغيرها العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالله تعالى رقيب على أعمال عباده الخير منها والشر، وهو سبحانه بما يعملون عليم ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٢).
المدينة النبوية في يوم الجمعة ١٥/ ٩ / ١٤٢٥ هـ